من مكتبة مِداد الخطيب

الرَّدُّ على الشُّبُهاتِ المُوجَّهَةِ ضِدَّ حافِظِ الإسلامِ أبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه

مشاركة
🕌 الرَّدُّ على الشُّبُهاتِ المُوجَّهَةِ ضِدَّ حافِظِ الإسلامِ أبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه #خطبة_جمعة #أبو_هريرة #حفظ_الحديث #رد_الشبهات #الدفاع_عن_أبي_هريرة #رواية_الحديث #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي اختَصَّ أبا هُرَيرَةَ بحِفظِ السُّنَنِ والآثار، وبارَكَ في صَدرِهِ بدَعوَةِ نَبيِّهِ المُختار، فصارَ وِعاءً للعِلمِ الرَّاسِخِ ومَناراً للأبرار، وصَرَفَ عنهُ كَيدَ الطَّاعِنينَ والمُفترينَ الأشرار، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ صَحابَةَ نَبيِّهِ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للناس، عُدولاً أثباتاً طَهَّرَهُم مِن كُلِّ دَنَسٍ ووَسواس، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، وخَليلُهُ وأمينُ وَحيِه، حَضَّ على تَبليغِ دَعوَتِه، ونَضَّرَ وَجهَ مَن حَفِظَ حَديثَهُ ووَعى مَقالَتَه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأخيار، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً مَديداً إلى يومِ القرار. أمَّا بعد: أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَوماً: لماذا يُرَكِّزُ أعداءُ الإسلامِ — مِن مُستشرِقينَ حاقِدين، ومُستَغرِبينَ مُفلسين، ومَلاحِدَةٍ وطاعِنين — سِهامَهُمُ المَسمومةَ نَحوَ صَحابيٍّ جَليلٍ واحد، هُوَ صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ: أبو هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه؟ لماذا لا يَهدَأُ لهُم بالٌ حتَّى يُشكِّكوا في رِوايَتِه، ويَطعَنوا في ذِمَّتِه، ويَنسِجوا حَولَ كَثرَةِ حَديثِهِ الأراجيفَ والشُّبُهات؟ إنَّ السِّرَّ ليسَ في ذاتِ أبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه؛ فالرَّجُلُ قد أفضى إلى رَبِّهِ مُنذُ أربعةَ عَشَرَ قَرناً، ولكنَّ السِّرَّ يَكمُنُ في المَركَزِ الإبستمولوجيِّ والتَّشريعيِّ الهائلِ الذي يَحتَلُّهُ هذا الصَّحابيُّ في صَرحِ الإسلامِ الشَّامِخ! لقد رَوى أبو هُرَيرَةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أكثرَ مِن خَمسَةِ آلافِ حَديث؛ فيها قَواعِدُ الحَلالِ والحَرام، وفيها بَيانُ الصَّلاةِ والصِّيام، وفيها أحكامُ المُعامَلاتِ والبُيوع، وفيها أُصولُ الرَّقائقِ والآداب. فأدرَكَ خُصومُ المِلَّةِ أنَّهُم لو استَطاعوا إسقاطَ حُجِّيَّةِ أبي هُرَيرَة، وشَطْبَ صَحيفَتِهِ مِن كُتُبِ السُّنَّة، لهَدَموا ثُلُثَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المَرويَّةِ برَميَةٍ واحِدة! ولأحدَثوا زَلزالاً في مَوثوقيَّةِ النَّقلِ كُلِّه، بحيثُ يَقولُ القائل: "إذا كانَ أحفَظُ الصَّحابَةِ وأكثَرُهُم رِوايَةً مَطعوناً فيه، فمَن ذا الذي يُوثَقُ بهِ بَعدَه؟!". فالمَعرَكَةُ ليست مَعَ أبي هُرَيرَةَ كشَخص، بل هيَ مَعرَكَةٌ لإسقاطِ السُّنَّةِ كُلِّها، وتَعطيلِ الشَّريعَةِ بأسرِها! يقولُ ربُّكم جلَّ وعلا في كِتابِهِ الحَكيم، مُزَكِّياً رِجَالَ الصُّحبَةِ ومُعلِناً رِضاهُ الأبَدِيَّ عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. تَأمَّلوا مَعاشِرَ المُسلِمينَ في هذا التَّزكِيَةِ الإلهيَّةِ العُظمى؛ رِضىً مِنَ اللهِ لا سَخَطَ بَعدَهُ أبداً! ويَقولُ سُبحانَهُ في بَيانِ صِفَتِهمُ الرَّاسِخَة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: 29]. فكيفَ يَجرُؤُ مُدَّعٍ بَعدَ ذلكَ أن يَتَّهِمَ أبا هُرَيرَةَ — وهُوَ مِن خِيارِهِم وسابِقيهِم — بالكِذبِ أو الوَضعِ أو الغَفلَة، واللهُ يُزَكِّي سَرائرَهُم ويَشهَدُ بصِدقِ اتِّباعِهم؟! وقد تَولَّى النبيُّ ﷺ بنَفسِهِ الكَريمَةِ غِراسَ حِفظِ أبي هُرَيرَة، ودَعا لهُ بدَعوَةٍ نَبَوِيَّةٍ مُبارَكَةٍ خَرَقَتِ العادَة، وحَفِظَها التَّاريخُ بإسنادٍ كالشَّمسِ في رابِعَةِ النَّهار؛ روى الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِهِ عن أبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قُلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي أسمَعُ مِنكَ حَديثاً كَثيراً أَنساه! فقالَ النبيُّ ﷺ برَحمَتِهِ وحِكمَتِه: «ابسُطْ رِداءَك»! قال: فبَسَطتُ رِدائي، فغَرَفَ بيدَيهِ فيه، ثُمَّ قال: «اضمُمْه»! فَضَمَمتُه، فما نَسِيتُ شَيئاً بَعدَه! اللهُ أكبر! دَعوَةُ رَسولِ اللهِ ﷺ التي لا تُرَدّ، ولمسَةُ النُّبُوَّةِ التي جَعَلَت صَدرَ أبي هُرَيرَةَ مِثلَ الصُّندُوقِ الفُولاذيِّ الذي لا يُفلتُ مِنهُ حَرف! ولم يَكتَفِ النبيُّ ﷺ بدَعوَةِ الحِفظ، بل دَعا لهُ بمَحبَّةِ المُؤمِنين، روى الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِه، أنَّ أبا هُرَيرَةَ قال: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يُحَبِّبَني أنا وأُمِّي إلى عِبادِهِ المُؤمِنين، ويُحَبِّبَهُم إلَينا! فقالَ النبيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيدَكَ هذا وأُمَّهُ إلى عِبادِكَ المُؤمِنين، وحَبِّبْ إليهِمُ المُؤمِنين»! قالَ أبو هُرَيرَة: "فما خُلِقَ مُؤمِنٌ يَسمَعُ بي ولا يَرانِي إلَّا أحَبَّني"! ولذلكَ كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَقولون: «عَلامَةُ حُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ أبي هُرَيرَة، ولا يُبغِضُ أبا هُرَيرَةَ إلَّا مُنافِقٌ أو صَاحِبُ هَوى!». ولْنَأتِ الآنَ — أيُّها الشَّبابُ المُتَفَكِّر — إلى مُحاكَمَةِ تِلكَ الشُّبُهاتِ التي يُرَوِّجُها المُستشرِقونَ وتَلامِذَتُهُم في مِيزانِ العَقلِ والحِسابِ والمَنطِق: يَقولونَ في شُبهَتِهمُ الكُبرى: "كيفَ رَوى أبو هُرَيرَةَ أكثرَ مِن خَمسَةِ آلافِ حَديث، ومُدَّةُ صُحبَتِهِ للنَّبيِّ ﷺ لم تَتَجاوَز أربَعَ سَنَوات؛ إذ أسلَمَ عامَ خَيبَر في السَّنَةِ السَّابِعَةِ للهِجرَة، بينما كِبارُ الصَّحابَةِ كأبي بَكرٍ وعُمَرَ رَوَوا أحاديثَ قَليلَة؟! إنَّ هذا لَشَيءٌ عُجاب!". وظاهِرُ هذه الشُّبهَةِ بَرَّاقٌ يَخدَعُ السُّطَحِيِّين، ولكنَّ الفَحصَ العِلميَّ المَنطِقيَّ يَنسِفُها نَسفاً مِن عِدَّةِ أوجُهٍ قاطِعَة: الوَجهُ الأوَّل (التَّفَرُّغُ التَّامُّ مُقابِلَ الشَّواغِل): مَن كانَ أبو هُرَيرَة؟ كانَ رَجُلاً فقيراً، أعزَبَ لا زَوجَةَ لهُ ولا وَلَد، ولا تِجارَةَ تَشغَلُه، ولا أرضَ يَحرُثُها؛ بل كانَ سيِّدَ أهلِ الصُّفَّة، يَلزَمُ المَسجِدَ النَّبَويَّ لَيلَ نَهار. وقد شَرَحَ أبو هُرَيرَةَ بنَفسِهِ هذهِ الحَقيقَةَ العَقليَّةَ لِمَن تَعَجَّبَ في زَمَنِه، فقالَ كما في صَحيحِ البُخاري: "يَقولونَ: إنَّ أبا هُرَيرَةَ يُكثِرُ الحَديث! واللهُ المَوعِد. إنِّي كُنتُ امرَأً مِسكِيناً أَلزَمُ رَسولَ اللهِ ﷺ على مِلءِ بَطني، فيَشهَدونَ وأغيب، ويَحفَظونَ وأَنسى. وكانَ إخوانِي مِنَ المُهاجِرينَ يَشغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسواق، وكانَ إخوانِي مِنَ الأنصارِ يَشغَلُهُمُ القِيامُ على أموالِهم، وشَهِدتُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ مَشهَداً قالَ فيه: مَن يَبسُطْ ثَوبَهُ حتَّى أقضِيَ مَقالَتي ثمَّ يَضُمَّهُ إليهِ لم يَنسَ شَيئاً سَمِعَهُ مِنِّي؟ فبَسَطتُ بُردَةً كانت علَيّ، فوَاللهِ ما نَسِيتُ شَيئاً سَمِعتُهُ مِنه"! أرَأيتُم هذا الوُضوح؟ أبو بَكرٍ وعُمَرُ رضيَ اللهُ عنهما كانا رَجُلَي دَولَة، وحَمَلا أعباءَ الخِلافَةِ والأُمَّةِ والفُتوحِ وإدارَةِ الحُروب، بينما أبو هُرَيرَةَ وَقَفَ حَياتَهُ كُلَّها، لَيلَها ونَهارَها، كطالِبِ عِلمٍ مُفَرَّغٍ لا يَغمَضُ لهُ جَفنٌ إلَّا عِندَ قَدَمَي رَسولِ اللهِ ﷺ! أفيُعقَلُ في مَوازينِ البَشَرِ أنَّ الباحِثَ المُتَفَرِّغَ أربَعَ سَنَواتٍ لا يَجمَعُ عِلماً أكثرَ مِنَ المَشغولِ بإدارَةِ أُمَّة؟! الوَجهُ الثَّاني (الحِسابُ الرِّياضيُّ المُبسَّط): تَعالَوا نُحاكِمُ الشُّبهَةَ بالحِسابِ الرِّياضيِّ الذي لا يَكذِب: مَجمُوعُ ما رَواهُ أبو هُرَيرَةَ في كُتُبِ السُّنَّةِ بالمُكَرَّرِ نَحوَ (5374) حَديثاً. فإذا حَذَفنا الأحاديثَ المُكَرَّرَةَ بالأسانيدِ المُختَلِفَة، صَفا لنا مِن حَديثِهِ نَحوَ (1300) حَديثٍ غَيرِ مُكَرَّر! وهذه الأحاديثُ ليست كُلُّها سَماعاً مُباشِراً، بل كَثيرٌ مِنها رَواهُ عن كِبارِ الصَّحابَةِ كأبي بَكرٍ وعُمَرَ والفضلِ بنِ عبَّاسٍ وأُبَيّ، لأنَّ الصَّحابَةَ كانَ بَعضُهُم يُحَدِّثُ بَعضاً، ومُرسَلُ الصَّحابيِّ حُجَّةٌ بإجماعِ الأُمَّة؛ لأنَّ الصَّحابَةَ كُلَّهُم عُدول! فلَو قَسَمنا (1300) حَديثٍ على مُدَّةِ صُحبَتِهِ (وهيَ نَحوَ 1400 يَوم)، لكانَ النَّاتِج: «حَديثاً واحِداً في كُلِّ يَوم»! أرَأيتُم سُقوطَ الشُّبهَة؟! حَديثٌ واحِدٌ أو حَديثانِ في اليَومِ يَسمَعُهُما رَجُلٌ مُتَفَرِّغٌ يُرافِقُ النبيَّ ﷺ في حِلِّهِ وتَرحالِه، وغَزَواتِهِ وحَجِّه، وبُيوتِهِ ومَجالِسِه! هل يَستَكثِرُ عاقِلٌ على إنسانٍ ذَكيٍّ حَريصٍ دَعا لهُ النبيُّ بالحِفظِ أن يَحفَظَ حَديثاً أو حَديثَينِ في اليَوم؟! إنَّ طُلَّابَ الطِّبِّ والقانونِ اليومَ يَحفَظونَ في الفَصلِ الدِّراسيِّ الواحِدِ آلافَ المُصطَلَحاتِ والقَضايا، فما بالُكُم بحافِظَةِ رَجُلٍ بارَكَها رَسولُ رَبِّ العالَمين؟! الوَجهُ الثَّالِث (شَهادَةُ كِبارِ الصَّحابَةِ والأُمَّهات): هل كانَ أبو هُرَيرَةَ مُتَّهَماً عِندَ الصَّحابَة؟ كَلَّا والله! روى التِّرمذيُّ والحاكِمُ أنَّ طَلحَةَ بنَ عُبيدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه — وهُوَ أحَدُ العَشَرَةِ المَبشَّرينَ بالجَنَّة — سُئلَ عن حَديثِ أبي هُرَيرَةَ فقال: "واللهِ ما نَشُكُّ أنَّهُ سَمِعَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ ما لم نَسمَع، وعَلِمَ ما لم نَعلَم؛ كُنَّا قَوماً أغنياء، لَنا بُيوتٌ وأهلونَ وأموال، وكُنَّا نَأتِي رسولَ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهارِ ثُمَّ نَرجِع، وكانَ أبو هُرَيرَةَ مِسكِيناً يَلزَمُ النَّبيَّ ﷺ، فلا نَشُكُّ أنَّهُ سَمِعَ ما لم نَسمَع"! وهذا عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما، فَقيهُ الصَّحابَةِ ووَرِعُهم، كانَ يَمشي في جَنازَةِ أبي هُرَيرَةَ ويَتَرَحَّمُ عليهِ ويَقول: "كانَ أبو هُرَيرَةَ أحفَظَنا لحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ وألزَمَنا له"! وأمَّا ما يَنقُلُهُ الطَّاعِنونَ مِن تَوقيفِ عُمَرَ له، أو استِدراكِ عائشَةَ عليه، فذلكَ مِن مَحاسِنِ عِلمِ الحَديث؛ فعُمَرُ رضيَ اللهُ عنه كانَ يَمنَعُ كَثرَةَ التَّحديثِ لعامَّةِ النَّاسِ مَخافَةَ أن يَتَّكِلوا على الرُّخَصِ ويَترُكوا القُرآن، ولم يَكُن طَعناً في صِدقِ أبي هُرَيرَة، ولذلكَ استَعمَلَهُ عُمَرُ نَفسُهُ والِياً على البَحرَين! وعائشَةُ رضيَ اللهُ عنها راجَعَتهُ في أحاديثَ مَعدودَةٍ على أصابِعِ اليَد، فكانَ يُبَيِّنُ لها سَبَبَ الحَديثِ ومَوضِعَه، فتَسكُتُ وتُقِرُّهُ على ضَبطِه! الوَجهُ الرَّابِع (الامتِحانُ العِلميُّ الإعجازيّ): لقد تَعَرَّضَ حِفظُ أبي هُرَيرَةَ لأدقِّ امتِحانٍ تَوْثيقيٍّ في التَّاريخ؛ أرادَ مَروانُ بنُ الحَكَمِ — والي المَدينَة — أن يَختَبِرَ حِفظَ أبي هُرَيرَة، فدَعاهُ يَوماً وأجلَسَهُ خَلفَ سِتار، وأجلَسَ خَلفَ السِّتارِ كاتِبَهُ «أبا زُرعَة» ومَعهُ الأوراقُ والدَّواة، وجَعَلَ مَروانُ يَسألُ أبا هُرَيرَةَ عنِ الأحاديث، وأبو هُرَيرَةَ يُحَدِّث، والكاتِبُ يَكتُبُ خَلفَ السِّتارِ حتَّى مَلأ كِتاباً ضَخماً. فلمَّا دارَ الحَول، ومَرَّت سَنَةٌ كامِلَة، دَعا مَروانُ أبا هُرَيرَةَ مَرَّةً أُخرى، وأجلَسَ الكاتِبَ بالصَّحيفَةِ خَلفَ السِّتار، وجَعَلَ يَسألُهُ عن نَفسِ الأحاديثِ التي سَأَلَهُ عنها قبلَ عام! فماذا كانتِ النَّتيجَةُ يا عِبادَ الله؟! يَقولُ الكاتِب: "فوَاللهِ ما زادَ كَلِمَة، ولا نَقَصَ كَلِمَة، ولا قَدَّمَ حَديثاً على حَديث، بل سَرَدَها حَرفاً بحَرفٍ كأنَّما يَقرَؤُها مِن صَحيفَة!". أهذا ضَبطُ رَجُلٍ يُشَكَّكُ في رِوايَتِه؟! أم أنَّها كَرامَةُ النُّبُوَّة، ودَعوَةُ الصَّادِقِ المَصدوقِ ﷺ التي طَوَّقَت صَدرَهُ بالنُّورِ والضَّبطِ واليَقين؟! وقد أجمَعَ جَهابِذَةُ الأُمَّةِ على إمامَتِهِ وحِفظِه؛ قالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رحمه اللهُ كَلِمَتَهُ السَّائرَة: "أبو هُرَيرَةَ أحفَظُ مَن رَوى الحَديثَ في دَهرِه!". وقالَ الإمامُ البُخاريُّ رحمه الله: "رَوى عن أبي هُرَيرَةَ أكثرُ مِن ثَمانِمائةِ رَجُلٍ مِن أهلِ العِلم، ما بينَ صَحابيٍّ وتَابِعيّ". وقالَ الإمامُ الذَّهبيُّ في «سير أعلام النبلاء»: "أينَ مِثلُ أبي هُرَيرَةَ في حِفظِهِ وسَعَةِ عِلمِه؟! كانَ رَأساً في العِلمِ والعَمَل، مُجتَهِداً عابِداً، يُسَبِّحُ في اليَومِ اثنتَي عَشرَةَ ألفَ تَسبيحَة، ويَقومُ ثُلُثَ اللَّيلِ هُوَ وزَوجَتُهُ وخادِمُهُ يَعتَقِبونَ القِيام!". فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعرِفوا لِصَحابَةِ نَبيِّكُم حَقَّهم، والزَموا غَرزَهُم، واعلَموا أنَّ مَن طَعَنَ في أبي هُرَيرَةَ فإنَّما يُريدُ أن يَهْدِمَ عِمادَ سُنَّتِكُم، ويَقطَعَ صِلَتَكُم بنَبيِّكُم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ كَفى، وصَلاةً وسَلاماً على عِبادِهِ الذينَ اصطَفى، وعلى نَبيِّهِ المُصطفى، وآلِهِ وصَحبِهِ أُولِي الصِّدقِ والوَفا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ حافِظِ الإسلام، وصاحِبِ المَقامِ الرَّفيعِ في نَقلِ السُّنَّةِ الشَّريفَة: أبي هُرَيرَةَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ صَخرٍ الدَّوسيِّ رضيَ اللهُ عنه. وكَشَفنا بالحِسابِ الرِّياضيِّ والمَنطِقِ التَّاريخيِّ وشَهاداتِ كِبارِ الصَّحابَةِ زَيفَ الشُّبُهاتِ التي يُثيرُها المُستشرِقونَ وتَلامِذَتُهم؛ وبَيَّنَّا أنَّ دَعوَةَ النبيِّ ﷺ لهُ ببَسطِ الرِّداء، وتَفَرُّغَهُ التَّامَّ لمُلازَمَتِه، وشَهادَةَ كِبارِ الصَّحابَةِ كابنِ عُمَرَ وطَلحَة، واجتِيازَهُ لامتِحانِ مَروانَ بنِ الحَكَم، كُلُّها بَراهينُ ساطِعَةٌ تُثبِتُ أنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ آيَةً مِن آياتِ اللهِ في حِفظِ دِينِه. وإنَّ الواجِبَ علَينا اليومَ — وخاصَّةً في صُفوفِ شَبابِنا وناشِئَتِنا — يَتَلَخَّصُ في خَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ حاسِمة: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): تَجريدُ المَحبَّةِ الصَّادِقَةِ لأبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه؛ اعتِقاداً بدَعوَةِ النبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيدَكَ هذا وأُمَّهُ إلى عِبادِكَ المُؤمِنين»، فمَحَبَّتُهُ عَقيدَةٌ ودِين، وبُغضُهُ نِفاقٌ وزَيغٌ وكَمين. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّةٌ بَيانيَّة): تَسليحُ اللِّسانِ بالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والرَّدِّ العِلميِّ الرَّصينِ كُلَّما أُثيرَت شُبهَةٌ حَولَ أبي هُرَيرَة؛ بالأرقامِ المُحكَمَة، وسِيَرِ التَّوثيق، ونَقضِ شُبُهاتِ المُستَغرِبينَ بالحَقائقِ التاريخيَّة. الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّة): إحياءُ أحاديثِ أبي هُرَيرَةَ في دُروسِنا وبُيوتِنا؛ فرِوايَتُهُ في الصَّحيحَينِ هيَ النَّافِذَةُ العُظمى التي نَرى مِنها عِبادَةَ النبيِّ ﷺ، وأخلاقَهُ ومُعامَلاتِه، فالعَمَلُ بحَديثِهِ هُوَ أبلَغُ رَدٍّ على مَن أرادَ إماتَةَ أثَرِه. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّةٌ أُسَريَّة): تَحصينُ الشَّبابِ والفتَياتِ في البيوتِ مِن كُتُبِ ومَقاطِعِ الطَّاعِنينَ في السُّنَّةِ ورُواتِها (كأحمد أمين، وأبي رية، ومَن لَفَّ لَفَّهُم مِن دُعاةِ التَّنويرِ الزَّائف) وتَعريفُهُم بعَظَمَةِ عِلمِ الحَديثِ النَّبَويّ. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ فِكرِيَّة): إدراكُ المُخَطَّطِ الاستراتيجيِّ الكامِل؛ أنَّ الطَّعنَ في أبي هُرَيرَةَ ليسَ غايَةً بذاتِه، بل هُوَ بوَّابَةٌ لإسقاطِ السُّنَّةِ كُلِّها، فمَن سَمَحَ بالطَّعنِ في الحافِظ، سَيَستَيقِظُ غَداً وقد هُدِمَت أركانُ دِينِهِ كُلِّها. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وعَظِّموا مَن عَظَّمَ اللهُ ورَسولُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، فقد أمَرَكُم ربُّكُم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِه، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِهِ الرَّاشِدين: أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعَليّ، وعن سائِرِ الصَّحابَةِ أجمَعين، وخُصَّ مِنهُم حافِظَ الإسلامِ وأمينَ الرِّوايَةِ أبا هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه، واجزِهِ عن أُمَّةِ الإسلامِ خَيرَ ما جَزَيتَ بهِ صاحِباً عن نَبيِّهِ ودِينِه. اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المُسلِمين، واحمِ حَوزَةَ الدِّين، واقطَعْ دابِرَ المُشكِّكينَ والمُلحِدينَ والطَّاعِنينَ في سُنَّةِ نَبيِّكَ الكريم. اللَّهُمَّ ثَبِّت شَبابَنا على صِراطِكَ المُستَقيم، ونَوِّر بصائرَهُم بنُورِ الوَحيَين: كِتابِكَ وسُنَّةِ رَسولِك. اللَّهُمَّ فَرِّج كُروبَ المَكروبين، ونَفِّس هُمومَ المَهمومين، واقضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمُجاهِدينَ في فِلَسطينَ وفي كُلِّ مَكان، واربُط على قُلوبِهم، وسَدِّد رَميَهُم، وأنزِل علَيهِم نَصراً مُؤَزَّراً مِن عندِك يا قَويُّ يا مَتين. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.