من مكتبة مِداد الخطيب

إِلَّا رَسُولَ اللَّه... عَظَمَةُ الْمَقَامِ وَسُوءُ خِتَامِ اللِّئَام

مشاركة
🕌 إِلَّا رَسُولَ اللَّه... عَظَمَةُ الْمَقَامِ وَسُوءُ خِتَامِ اللِّئَام #خطبة_جمعة #محبة_النبي #تعظيم_النبي #الدفاع_عن_الرسول #السيرة_النبوية #عقيدة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُم، وَاصْطَفَاهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ فَأَعْلَى مَقَامَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَه، وَجَعَلَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَه، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةً تَمْلَأُ الْقُلُوبَ يَقِينًا بِأَنَّ نُورَ اللَّهِ لَا يُطْفِئُهُ كَيْدُ الْكَائِدِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا وَسَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُه، صَلَّوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. أَمَّا بَعْد: أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُون، هَلْ تَأَمَّلْتُمْ يَوْمًا فِي عَظَمَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي جَنَبَاتِ الْأَرْضِ مَعَ كُلِّ أَذَان؟ خَمْسُ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَة، يَرْتَفِعُ الصَّوْتُ عَالِيًا يَشُقُّ عَنَانَ السَّمَاء: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه". لَا تَغِيبُ الشَّمْسُ عَنْ بُقْعَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَاسْمُهُ يُذْكَرُ مَقْرُونًا بِاسْمِ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُه. فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَكِّسَ رَايَةً رَفَعَهَا رَبُّ الْعَالَمِين؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطْفِئَ سِرَاجًا أَوْقَدَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض؟ وَاسْمَعُوا لِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهَا لَنْ يَبْقَى فِي قُلُوبِكُمْ شَكٌّ فِي مَقَامِ نَبِيِّكُم. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. تَأَمَّلُوا، لَمْ يَقُلْ: سَنَرْفَع، بَلْ قَال: ﴿وَرَفَعْنَا﴾. حَقِيقَةٌ قَاطِعَةٌ وَاقِعَة. فَمَا هُوَ هَذَا الرَّفْع؟ قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّه: "جَعَلْتُ طَاعَتَكَ مِنْ طَاعَتِي، وَقَرَنْتُ اسْمَكَ مَعَ اسْمِي فِي الشَّهَادَتَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يُؤْمِنَ بِكَ". أَيُّهَا الْمُسْلِمُون، إِنَّ مَقَامَ الْمُصْطَفَى ﷺ لَيْسَ مَقَامَ بَشَرٍ عَادِيّ، بَلْ هُوَ السِّرَاجُ الْمُنِير، وَالرَّحْمَةُ الْمُهْدَاة. وَلَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامَهُ بِكَلِمَاتٍ تَمْلَأُ الْقَلْبَ مَهَابَة، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّع» (رَوَاهُ مُسْلِم). فَإِذَا كَانَ هَذَا مَقَامَهُ عِنْدَ خَالِقِه، فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَعِيدُ لِمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى مَقَامِهِ حَاشَاه؟ اسْمَعُوا مَاذَا يَقُولُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّه، وَكَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ إِيذَاءَهُ إِيذَاءً لِلْخَالِقِ سُبْحَانَه. يَقُولُ مَوْلَانَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]. وَلَا يَقِفُ الْأَمْرُ عِنْدَ اللَّعْن، بَلْ هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّة. يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَنْ اسْتَهْزَأَ بِمَقَامِ النُّبُوَّة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّه: "إِنَّ سَبَّ الرَّسُولِ كُفْرٌ وَرِدَّة، وَيُقْتَلُ السَّابُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِين". وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِك، فَقَال: "أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ يُقْتَل". هَذَا فِي حُكْمِ الشَّرْع، لِأَنَّ مَقَامَ النُّبُوَّةِ هُوَ عَمُودُ الْخَيْمَة، إِذَا سَقَطَ الِاحْتِرَامُ لَه، سَقَطَ الدِّينُ كُلُّه. عِبَادَ اللَّه، هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ يَذَرُ مَنْ يَسْتَهْزِئُ بِحَبِيبِهِ يَمْرَحُ فِي الْأَرْضِ طَوِيلًا؟ هَلْ نَسِيتُمْ سُنَّةَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَنْ تَطَاوَلَ عَلَى سَيِّدِ الْخَلْق؟ تَعَالَوْا نَعُودُ إِلَى أَوْرَاقِ التَّارِيخ، لِنَرَى كَيْفَ يَنْتَقِمُ الْجَبَّارُ لِرَسُولِه.
بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رِسَالَةً إِلَى كِسْرَى مَلِكِ فُرْسٍ، يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَام، بِكَلِمَاتٍ مِلْؤُهَا النُّصْحُ وَالرَّحْمَة. فَمَاذَا فَعَلَ كِسْرَى الْمَغْرُور؟ أَخَذَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَزَّقَه، اسْتِكْبَارًا وَعُلُوًّا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يُجَهِّزْ جَيْشًا لِلِانْتِقَام، بَلْ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَدَعَا بِدَعْوَةٍ وَاحِدَة، فَقَال: «اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ». مَا هِيَ إِلَّا أَيَّام، حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَى كِسْرَى أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْه، سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ "شِيرَوَيْه"، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِي مَخْدَعِهِ بِاللَّيْلِ فَذَبَحَه، وَتَمَزَّقَتْ إِمْبَرَاطُورِيَّةُ الْفُرْسِ كُلُّهَا، تَمَزَّقَتْ شَرَّ مُمَزَّق، فَلَمْ يَبْقَ لِكِسْرَى بَاقِيَة، دِفَاعًا عَنْ مَقَامِ رَسُولِ اللَّه. وَلَيْسَ هَذَا فَحَسْب، بَلْ اسْمَعُوا لِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُرْعِبَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا. يَقُولُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: "كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَم، وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَان، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. فَعَادَ نَصْرَانِيًّا (أَيْ ارْتَدَّ)، فَكَانَ يَقُولُ مُسْتَهْزِئًا: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَه. فَأَمَاتَهُ اللَّه. فَدَفَنُوه. فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْض. (أَيْ أَخْرَجَتْ جُثَّتَهُ رَفْضًا لَه). فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِه، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْه. فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا. فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْض. فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِه. فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا. فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْض. فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاس، فَأَلْقَوْه" (مُتَّفَقٌ عَلَيْه). تَخَيَّلُوا هَذَا الْمَشْهَد! الْأَرْضُ، هَذَا الْجَمَادُ الَّذِي لَا يَعْقِل، تَغْضَبُ لِرَسُولِ اللَّه! لَمْ تَتَحَمَّلْ أَنْ تَضُمَّ فِي جَوْفِهَا جُثَّةَ رَجُلٍ سَبَّ حَبِيبَ الرَّحْمَن! تَلْفِظُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، لِيَكُونَ عِبْرَةً لِلْعَالَمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة. إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ تَغْضَبُ، فَكَيْفَ بِخَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاء؟ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ إِذْ يَقُولُ فِي سُورَةِ الْكَوْثَر: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]. وَالْأَبْتَرُ هُوَ الْمَقْطُوعُ مِنْ كُلِّ خَيْر، الْمَنْسِيُّ الَّذِي لَا يَبْقَى لَهُ ذِكْرٌ إِلَّا بِاللَّعْنَة، بَيْنَمَا ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَرْفَرِفُ عَلَى مَاذِنِ الْأُمَم. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون، قَدْ يَقُولُ قَائِل: هَذَا فِي التَّارِيخِ الْقَدِيم، فَمَا بَالُ زَمَانِنَا هَذَا؟ نَرَى مَنْ يَسُبُّ وَمَنْ يَرْسُمُ وَمَنْ يَصْنَعُ الْأَفْلَامَ الْمُسِيئَةَ ثُمَّ لَا نَرَى الْأَرْضَ تَبْتَلِعُهُم! أَقُولُ لَكُم: إِنَّ انْتِقَامَ اللَّهِ قَدْ يَأْتِي بَطِيئًا، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي كَاسِحًا. انْظُرُوا إِلَى وَاقِعِنَا الْمُعَاصِر. أَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَسَمُوا تِلْكَ الرُّسُومَاتِ الْخَبِيثَةَ فِي تِلْكَ الدُّوَلِ الَّتِي تَتَشَدَّقُ بِحُرِّيَّةِ التَّعْبِير؟ أَيْنَ هُمُ الْيَوْم؟ مِنْهُمْ مَنْ احْتَرَقَ دَاخِلَ سَيَّارَتِهِ فِي حَادِثٍ غَامِضٍ مُرَوِّع، تَفَحَّمَ فِيهِ هُوَ وَحُرَّاسُه، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ عِيشَةِ الْكِلَابِ الْمُطَارَدَة، لَمْ يَنْفَعْهُ بَصَرُهُ وَلَا سَمْعُهُ وَلَا حُرَّاسُه! احْتَرَقَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ احْتِرَاقِهِ فِي نَارِ جَهَنَّم، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95]. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعِيشُ الْيَوْمَ فِي قُبُورٍ أَحْيَاء، تَحْتَ حِرَاسَةٍ مُشَدَّدَة، لَا يَرَوْنَ الشَّمْس، يَرْتَعِدُونَ مِنْ ظِلَالِهِم، يَنَامُونَ عَلَى الْخَوْفِ وَيَسْتَيْقِظُونَ عَلَى الرُّعْب، حَرَمَهُمُ اللَّهُ سَكِينَةَ الْقَلْبِ، فَصَارَتْ حَيَاتُهُمْ جَحِيمًا لَا يُطَاق. أَلَيْسَ هَذَا خِزْيًا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَة؟ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَوَى عَنْ رَبِّهِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيّ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب» (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ). فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ مَنْ يُعَادِي "وَلِيًّا" مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّه، فَكَيْفَ بِمَنْ يُعَادِي سَيِّدَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِين؟
إِخْوَانِي فِي اللَّه، هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: مَا هُوَ دَوْرُنَا نَحْن؟ كَيْفَ نَنْصُرُ رَسُولَ اللَّه ﷺ إِذَا تَعَرَّضَ لِلْأَذَى؟ هَلْ نُصْرَتُهُ تَقْتَصِرُ عَلَى الصُّرَاخِ وَالْغَضَبِ لِأَيَّامٍ ثُمَّ نَعُودُ إِلَى غَفْلَتِنَا؟ لَا وَاللَّه. النُّصْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَيَّنَهَا الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]. "وَعَزَّرُوهُ": أَيْ وَقَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَعَظَّمُوه. وَأَعْظَمُ نُصْرَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ هِيَ اتِّبَاعُ سُنَّتِه، وَإِحْيَاءُ مَنْهَجِه، وَالتَّمَسُّكُ بِهَدْيِه. لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ حَقَّ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْه. فَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين» (مُتَّفَقٌ عَلَيْه). هَلْ نَحْنُ نُحِبُّهُ هَذَا الْحُبّ؟ هَلْ نَشْتَاقُ إِلَيْهِ كَمَا اشْتَاقَ هُوَ إِلَيْنَا؟ لَقَدْ بَكَى يَوْمًا شَوْقًا لَنَا، نَعَمْ لَنَا نَحْنُ مَنْ لَمْ نَرَهُ. قَالَ ﷺ: «وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي»، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يَقُولُ ﷺ: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِه» (رَوَاهُ مُسْلِم). فَأَيْنَ هَذَا الْحُبُّ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّة؟ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: "ادَّعَى قَوْمٌ مَحَبَّةَ اللَّهِ فَابْتَلَاهُمْ بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]". الِاتِّبَاعُ هُوَ دَلِيلُ الْمَحَبَّة. الدِّفَاعُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ بِتَحْوِيلِ أَخْلَاقِهِ إِلَى وَاقِعٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْض. أَنْ يَرَى الْعَالَمُ صِدْقَكَ فِي تِجَارَتِك، وَرَحْمَتَكَ بِأَهْلِك، وَأَمَانَتَكَ فِي عَمَلِك، فَيَقُولُوا: هَذَا هُوَ دِينُ مُحَمَّد. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم. --- الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى. أَمَّا بَعْد: عِبَادَ اللَّه، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى عَنْ عَظَمَةِ مَقَامِ الْمُصْطَفَى ﷺ، وَكَيْفَ تَوَلَّى جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ الدِّفَاعَ عَنْه، وَرَأَيْنَا مَصَارِعَ الْمُسْتَهْزِئِينَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِه، وَأَدْرَكْنَا أَنَّ الْمَحَبَّةَ الصَّادِقَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالِاتِّبَاع. وَالْآنَ نَحْنُ أَمَامَ السُّؤَالِ الْأَهَمّ: كَيْفَ نُتَرْجِمُ مَا سَمِعْنَا إِلَى وَاقِعٍ حَيٍّ نَلْقَى بِهِ اللَّه؟ أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُم:
الْأُولَى (قَلْبِيَّة): جَدِّدُوا فِي قُلُوبِكُمُ الْمَحَبَّةَ الْخَالِصَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَحَبَّةً تَفُوقُ كُلَّ مَحَبَّة، لَا مَحَبَّةَ دَعْوَى، بَلْ مَحَبَّةَ يَقِين، تَجْعَلُ قَلْبَكَ يَهْتَزُّ شَوْقًا إِلَيْهِ كُلَّمَا سَمِعْتَ سِيرَتَه. الثَّانِيَة (لِسَانِيَّة): عَطِّرُوا أَلْسِنَتَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْه، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْه، وَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا. اجْعَلْهَا وِرْدًا لَا يَنْقَطِع، فَهِيَ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ وَالْبَرَكَة. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): أَحْيُوا فِي حَيَاتِكُمُ الْيَوْمَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ الْمَهْجُورَة. تَفَقَّدُوا أَفْعَالَكُم، فِي صَلَاتِكُم، فِي مَأْكَلِكُم، فِي دُخُولِكُمْ وَخُرُوجِكُم، وَابْدَأُوا بِتَطْبِيقِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ الْيَوْمَ لِتَكُونُوا مِنْ أَتْبَاعِهِ حَقًّا. الرَّابِعَة (اجْتِمَاعِيَّة): حَصِّنُوا بُيُوتَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ بِحُبِّهِ وَسِيرَتِه. عَلِّمُوهُمْ غَزَوَاتِهِ وَأَخْلَاقَه. اجْعَلُوهُ بَطَلَهُمُ الْأَوْحَد. فَالْجِيلُ الَّذِي يَتَرَبَّى عَلَى قِصَصِ الصَّحَابَةِ وَحُبِّ الرَّسُولِ لَا تَهْزِمُهُ شُبْهَةٌ وَلَا تُسْقِطُهُ شَهْوَة. الْخَامِسَة (مَوْضُوعِيَّة): دَافِعُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَمَاكِنِ عَمَلِكُمْ وَدِرَاسَتِكُمْ بِإِظْهَارِ أَخْلَاقِهِ الرَّفِيعَة. كُونُوا سُفَرَاءَ صَادِقِينَ لِهَذَا الدِّين. الرَّدُّ الْأَقْوَى عَلَى كُلِّ مُسْتَهْزِئٍ هُوَ أَنْ يَرَى الْعَالَمُ صَلَاحَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّه، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ عَلَى تَعْظِيمِ رَسُولِهِ وَتَوْقِيرِه، وَاحْذَرُوا أَنْ يَكُونَ غَضَبُكُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ تَثُورُ ثُمَّ تَخْمُد، بَيْنَمَا أَنْتُمْ تُخَالِفُونَ أَمْرَهُ فِي بُيُوتِكُمْ وَتِجَارَاتِكُم. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْه، فَقَدْ قَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ صَادِقِي الْمَحَبَّةِ لِنَبِيِّك، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا شَفَاعَتَه، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَه، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا. اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى سُنَّتِه، وَأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِه، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِه. اللَّهُمَّ انْتَقِمْ مِمَّنْ آذَى رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا الْمُسْتَهْزِئِين، وَعَلَيْكَ بِأَعْدَاءِ الدِّينِ فَإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَك. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَنْصُرُ دِينَكَ وَنَبِيَّكَ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَل. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاق، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاء. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَان، اللَّهُمَّ ارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ الْمَظْلُومِين، وَفَرِّجْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِين. عِبَادَ اللَّه، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُم، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.