🕌 جَرِيمَةُ الكَونِ... حِينَ يَتَطَاوَلُ العَبْدُ عَلَى خَالِقِهِ
#خطبة_جمعة #تعظيم_الله #سب_الله #حفظ_اللسان #عقيدة #إيمانيات
إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَستَعينُهُ ونَستَغفِرُهُ، ونَعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفُسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضلِل فَلا هادِيَ لَهُ. وأشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أمَّا بَعدُ: فَإنَّ أصدَقَ الحَديثِ كِتابُ اللهِ، وخَيرَ الهَديِ هَديُ مُحمَّدٍ ﷺ، وشَرَّ الأُمورِ مُحدَثاتُها، وكُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ، وكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ.
تَخَيَّلُوا مَعِي جَرِيمَةً بَشِعَةً... لَيسَت سَرِقَةَ أموَالٍ، ولا سَفْكَ دِمَاءٍ، بَل هِيَ أعظَمُ ذَنبٍ يُمكِنُ أن تَقَعَ فِيهِ بَشَرِيَّةٌ عَلَى وَجهِ الأَرضِ. جَرِيمَةٌ لَو نَطَقَتِ الجِبَالُ لَانهَدَّت مِن هَولِهَا، ولَو عَقِلَتِ السَّمَاوَاتُ لَتَشَقَّقَت مِن رُعبِهَا! جَرِيمَةٌ يَفعَلُهَا بَعضُ النَّاسِ اليَومَ فِي طُرُقَاتِنَا وأَسوَاقِنَا بِكُلِّ بُرُودٍ، ثُمَّ يَذهَبُونَ لِيَأكُلُوا ويَشرَبُوا وكَأَنَّ شَيئًا لَم يَكُن. فَمَا هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَهتَزُّ لَهَا السَّمَاوَاتِ؟ وكَيفَ غَفَلنَا عَن خُطُورَتِهَا؟ الجَوَابُ المُفزِعُ بَعدَ قَلِيلٍ.
عِبَادَ اللهِ... لَقَد خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأَرضَ، وَنَصَبَ المِيزَانَ، وأَرسَلَ الرُّسُلَ، وأَنزَلَ الكُتُبَ، لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ لا ثَانِيَ لَهَا: أن يُعظَّمَ جَلَّ جَلالُهُ، وأَن يُوَحَّدَ، وأَن يُعبَدَ حَقَّ عِبَادَتِهِ. هُوَ اللهُ الخَالِقُ العَظِيمُ، القَوِيُّ المَتِينُ، الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ، الَّذِي بِيَدِهِ نَوَاصِي الخَلقِ أجمَعِينَ. السَّمَاوَاتُ السَّبعُ والأَرَضُونَ السَّبعُ فِي يَدِهِ كَخَردَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِنَا.
واسمَعُوا لِهَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَرجُفُ لَهَا القُلُوبُ الحَيَّةُ، يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
تَأَمَّلُوا هَذَا الجَلالَ! هَذَا الرَّبُّ العَظِيمُ، الَّذِي يَرزُقُ العَبْدَ وهُوَ نَائِمٌ، ويَكلَؤُهُ وهُوَ غَافِلٌ، ويُنَزِّلُ عَلَيهِ النِّعَمَ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ يَتَنَفَّسُهُ... يَخرُجُ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِن بَنِي آدَمَ مَن يَستَخدِمُ النِّفَاسَ الَّذِي وَهَبَهُ اللهُ إِيَّاهُ، واللِّسَانَ الَّذِي شَقَّهُ اللهُ لَهُ، لِيَسُبَّ بِهِ خَالِقَهُ!! يَا لَلعَجَبِ! يَا لَوَقَاحَةِ البَشَرِ حِينَ تَنتَكِسُ الفِطَرُ وتَمُوتُ القُلُوبُ!
إِخوَتِي فِي اللهِ... إِنَّ ظَاهِرَةَ "سَبِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ" أَو سَبِّ الدِّينِ أَوِ الِاستِهزَاءِ بِالذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، قَد بَاتَت وَبَاءً يَسري فِي بَعضِ مُجتَمَعَاتِنَا، بَل وفِي بَعضِ بُيُوتِنَا! يَغضَبُ الشَّابُّ مِن زَمِيلِهِ، أو يَختَصِمُ التَّاجِرُ مَعَ زَبُونِهِ، أَو يَتَعَثَّرُ الرَّجُلُ فِي طَرِيقِهِ، فَإِذَا بِهِ يُطلِقُ لِلِسَانِهِ العَنَانَ لِيَشتُمَ رَبَّ العَالَمِينَ!!
أيُّ عَقْلٍ هَذَا؟! هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَومًا: لِمَاذَا عِندَمَا يَغضَبُ هَذَا الشَّخصُ فِي العَمَلِ لا يَجرُؤُ أن يَسُبَّ مُدِيرَهُ؟ لِمَاذَا عِندَمَا يَقِفُ أمَامَ قَاضٍ أَو ضَابِطٍ ويَغضَبُ، يَبتَلِعُ غَضَبَهُ ولا يَنطِقُ بِحَرفٍ يَمَسُّهُم؟ لِأَنَّهُ يُعَظِّمُهُم، ويَخَافُ عِقَابَهُم الدُّنيَوِيَّ العَاجِلَ! فَهَل هَانَ اللهُ عَلَيهِ إِلَى هَذَا الحَدِّ؟! هَل صَارَ رَبُّ العَالَمِينَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ؟!
يَقُولُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ المَاتِعِ (الصَّارِمُ المَسلُولُ): "إِنَّ سَبَّ اللهِ أَو سَبَّ رَسُولِهِ كُفْرٌ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، سَوَاءٌ كَانَ السَّابُّ يَعتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، أَو كَانَ مُستَحِلًّا لَهُ، أَو كَانَ ذَاهِلًا عَنِ اعتِقَادِهِ".
انْتَبِهُوا يَا عِبَادَ اللهِ! هَذِهِ لَيسَت مَعصِيَةً عَادِيَّةً! هَذَا لَيسَ ذَنبًا كَالكَذِبِ أوِ السَّرِقَةِ، مَعَ عِظَمِهَا! مَن سَبَّ اللهَ تَعَالَى فَقَد كَفَرَ كُفرًا أَكبَرَ يُخرِجُهُ مِن مِلَّةِ الإِسلامِ بِإِجمَاعِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، مِن لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَومِنَا هَذَا!
لا عُذرَ لَهُ بِالغَضَبِ! فَإِنَّمَا الغَضَبُ جَمرَةٌ يُلقِيهَا الشَّيطَانُ، ولَو كَانَ الغَضَبُ عُذرًا لِلكُفرِ لَعُذِرَ كُلُّ المُجْرِمِينَ فِي جَرَائِمِهِم. ولَا عُذرَ لَهُ بِالمُزَاحِ واللَّعِبِ! فَقَد نَزَلَت آيَاتٌ تُزَلزِلُ الجِبَالَ فِي أُنَاسٍ مَزَحُوا بِكَلِمَاتٍ فَقَط.
تَأَمَّلُوا مَعِي هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا المُفَسِّرُونَ، فِي غَزوَةِ تَبُوك، جَلَسَ رِجَالٌ يَسِيرُونَ مَعَ الجَيشِ، فَأَرَادُوا أَن يَقطَعُوا المَسَافَةَ بِالضَّحِكِ والمُزَاحِ، فَقَالُوا: "مَا رَأَينَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ (يَقصِدُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ والصَّحَابَةَ)، أَرغَبُ بُطُونًا، وَلا أَكذَبُ ألسِنَةً، وَلا أَجبَنُ عِندَ اللِّقَاءِ". مُجَرَّدُ نُكتَةٍ! مُجَرَّدُ جَلسَةِ سَمَرٍ!
فَمَاذَا حَدَثَ؟ نَزَلَ جِبرِيلُ الأَمِينُ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ يَحمِلُ آيَاتٍ مَاحِقَةً! فَجَاءُوا يَركُضُونَ وَيَتَعَلَّقُونَ بِنَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ والدِّمَاءُ تَسِيلُ مِن أقدَامِهِم يَقولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلعَبُ، حَدِيثُ رَكبٍ نَقطَعُ بِهِ عَنَّا المَسَافَةَ. ولَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَلتَفِتُ إِلَيهِم ولا يَزِيدُ عَلَى أَن يَقرَأَ عَلَيهِم قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
كَفَرتُم بَعدَ إِيمَانِكُم! لَم يَشْفَع لَهُم خُرُوجُهُم لِلجِهَادِ! ولَم يَشفَع لَهُم أَنَّهُم مَزَحُوا! فَمَا ظَنُّكُم بِمَن يَسُبُّ الخَالِقَ صَرَاحَةً مُبَاشَرَةً جِهَارًا نَهَارًا؟!
إِخوَتِي الأَحِبَّةَ... إِنَّ خُطُورَةَ هَذَا الفِعلِ أَنَّ المَرءَ بِهِ يَهْدِمُ دِينَهُ كُلَّهُ فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ! مَن سَبَّ اللهَ أو دِينَ الإِسلامِ، بَطَلَت صَلاتُهُ، وحَبِطَ حَجُّهُ، وصَارَ صِيَامُهُ هَبَاءً مَنثُورًا. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65].
بَل واسمَعُوا لِهَذِهِ المُصِيبَةِ الفِقهِيَّةِ والاجتِمَاعِيَّةِ الَّتِي يَجهَلُهَا الكَثِيرُونَ: عِندَمَا يَغضَبُ الزَّوجُ فِي بَيتِهِ ويَسُبُّ اللهَ أوِ الدِّينَ، فَإِنَّهُ يَخرُجُ مِنَ الإِسلامِ! ومَاذَا يَعنِي ذَلِكَ؟ يَعنِي أَنَّ زَوجَتَهُ المُسلِمَةَ تَحرُمُ عَلَيهِ فَوْرًا! تَنفَسِخُ عِصمَةُ النِّكَاحِ (بِتَفصِيلاتٍ عِندَ الفُقَهَاءِ فِي العِدَّةِ والمُرَاجَعَةِ)، وتُصبِحُ مُعَاشَرَتُهُ لَهَا حَرَامًا قَطْعًا إِذَا أَصَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ، ولا يَرِثُ أَهلَهُ ولا يَرِثُونَهُ إِذَا مَاتَ عَلَى حَالِهِ! كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَهدِمُ البَيتَ، وتُشَرِّدُ الأُسرَةَ، وتُوقِعُ فِي الزِّنَا بَعدَ العَفَافِ! فَهَل يَستَوعِبُ الجَاهِلُونَ هَذَا الدَّمَارَ؟
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي يُزَلزِلُ القُلُوبَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]. "لَا يُلقِي لَهَا بَالًا"... هَذِهِ هِيَ الكَارِثَةُ! يَقُولُهَا وكَأَنَّهَا كَلِمَةٌ عَادِيَّةٌ، كَأَنَّهَا تَنفِيسٌ عَنِ الغَضَبِ، وهِيَ عِندَ اللهِ عَظِيمَةٌ تَهوِي بِهِ سَبعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ!
ولَعَلَّكُم تَسأَلُونَ الآنَ: مَا الَّذِي أَوصَلَ بَعضَ النَّاسِ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الجُرأَةِ عَلَى مَلِكِ المُلُوكِ؟
إِنَّهُ جَفَافُ القَلْبِ يَا عِبَادَ اللهِ! إِنَّ القَلبَ الَّذِي لا يَتَدَبَّرُ صِفَاتِ اللهِ، ولا يَتَأَمَّلُ فِي كَونِهِ، ولا يَخشَعُ عِندَ قِرَاءَةِ آيَاتِهِ، يَصبِحُ حَجَرًا قَاسِيًا. إِذَا غَابَ التَّعظِيمُ مِنَ القَلبِ، فَلَتَ اللِّسَانُ بِأَقْبَحِ الأَلفَاظِ. قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "مَا ضَرَبَ اللَّهُ عَبْدًا بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ".
أَيُّهَا المُسلِمُونَ... إِنَّ المَوْقِفَ عِظِيمٌ، والجُرمَ كَبِيرٌ، ولَكِنَّ بَابَ اللهِ مَفتُوحٌ لا يُغلَقُ. مَن وَقَعَ فِي مثل هذا، مَن زَلَّ لِسَانُهُ فِي سَاعَةِ شَيطَانٍ، فَلْيُسَارِع إِلَى التَّوبَةِ قَبلَ أَن تَبلُغَ الرُّوحُ الحُلقُومَ.
فَقَد قَالَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. التَّوبَةُ تَمحُو مَا قَبلَهَا، ولَكِنَّهَا تَوبَةٌ تَحتَاجُ إِلَى اغتِسَالٍ، ونُطْقٍ بِالشَّهَادَتَينِ مِن جَدِيدٍ، ونَدَمٍ يَحْرِقُ القَلبَ أَلَمًا عَلَى مَا بَدَرَ مِن تَطَاوُلٍ عَلَى ذِي الجَلالِ والإِكرَامِ.
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وأَستَغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم ولِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
***
🔷 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرضَى، وأَشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أمَّا بَعدُ:
عِبَادَ اللهِ، وَقَفنَا فِي خُطبَتِنَا الأُولَى مَعَ خُطُورَةِ جَرِيمَةِ سَبِّ اللهِ أوِ الدِّينِ — كَيفَ أَنَّهَا كُفرٌ صُرَاحٌ يَنقُضُ إِسلامَ العَبْدِ، ويُحْبِطُ عَمَلَهُ، ويُفَرِّقُ بَينَهُ وبَينَ زَوجَتِهِ، وأَنَّ العُذرَ بِالغَضَبِ لَيسَ مَقبُولًا إِذَا كَانَ الإِنسَانُ يَعقِلُ مَا يَقُولُ. والآنَ، ونَحنُ نُوَاجِهُ هَذَا الوَبَاءَ، بَقِيَ السُّؤَالُ الأَهَمُّ: كَيفَ نُطَهِّرُ أَنفُسَنَا ومُجتَمَعَاتِنَا مِن هَذَا البَلَاءِ؟
وأُوصِيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَرِي:
الأُولَى (قَلبِيَّةٌ): اغرِسُوا تَعظِيمَ اللهِ فِي قُلُوبِكُم — التَّعظِيمُ هُوَ العَاصِمُ! تَأَمَّلُوا صِفَاتِ اللهِ فِي خَلوَاتِكُم. مَن عَرَفَ اللهَ حَقَّ المَعرِفَةِ، قَطَعَ لِسَانَهُ قَبلَ أَن يَنطِقَ بِحَرفٍ يُسخِطُهُ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): احفَظُوا أَلسِنَتَكُم فِي لَحَظَاتِ الغَضَبِ — قَالَ ﷺ عِندَمَا سُئِلَ عَن أَكثَرِ مَا يُدخِلُ النَّارَ: «الأَجوَفَانِ: الفَمُ والفَرْجُ». عِوَدْ لِسَانَكَ عَلَى الاسْتِغْفَارِ حِينَ تَغضَبُ، فَإِنَّ اللِّسَانَ المَربُوطَ بِالذِّكْرِ لا يَنفَلِتُ بِالكُفْرِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعلِيَّةٌ): مَن كَانَ قَد زَلَّ لِسَانُهُ يَومًا بِهَذِهِ الكَبِيرَةِ، فَلْيَغتَسِلِ اليَومَ، ولْيَنطِقْ بِالشَّهَادَتَينِ مُجَدِّدًا إِسْلامَهُ، ولْيُصَلِّ رَكعَتَينِ يَسأَلُ اللهَ فِيهِمَا المَغفِرَةَ بِدُمُوعِ النَّدَمِ. لا تُسَوِّفْ، فَأَنتَ لا تَعلَمُ مَتَى تُقبَضُ رُوحُكَ.
الرَّابِعَةُ (اجتِمَاعِيَّةٌ): لا تَجلِسُوا فِي مَجلِسٍ يُسَبُّ فِيهِ الدِّينُ أَو رَبُّ العَالَمِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. أَنكِرُوا المُنكَرَ، فَإِن لَم يَستَجِيبُوا فَقُومُوا وَاتْرُكُوهُم غَيرَ مَأْسُوفٍ عَلَيهِم.
الخَامِسَةُ (مَوضُوعِيَّةٌ): رَبُّوا أَبنَاءَكُم عَلَى هَيبَةِ الأُلوهِيَّةِ — قَبلَ أَن تُعَلِّمُوهُم الصَّلاةَ، عَلِّمُوهُم مَن هُوَ اللهُ! إِذَا سَمِعَ الطِّفلُ تَعظِيمَ اللهِ فِي البَيتِ، نَشَأَ يَرعَدُ قَلبُهُ مِن فِكرَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى مَقَامِهِ الجَلِيلِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الَّتِي تَحمِلُكُم عَلَى حِفظِ أَلسِنَتِكُم وصِيَانَةِ دِينِكُم مِن كُلِّ مَا يَخدِشُهُ أو يَنقُضُهُ.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّمُوا عَلَى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ؛ فَقَد قَالَ العَزِيزُ الحَكِيمُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلَى عَبْدِكَ ورَسُولِكَ مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
🤲 الدُّعَاءُ:
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نُشْرِكَ بِكَ شَيئًا نَعْلَمُهُ، ونَستَغفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّن إِذَا ذُكِرْتَ وَجِلَت قُلُوبُهُم، وإِذَا تُلِيَت عَلَيهِم آيَاتُكَ زَادَتهُم إِيمَانًا.
اللَّهُمَّ طَهِّر أَلسِنَتَنَا مِن كُلِّ قَولٍ يُسخِطُكَ، وطَهِّر قُلُوبَنَا مِن كُلِّ شَكٍّ وَرَيبٍ وشِركٍ وبِدعَةٍ، يا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ مَن زَلَّ لِسَانُهُ مِن المُسلِمِينَ بِمَا يُغضِبُكَ، فَارزُقهُ تَوبَةً نَصُوحًا قَبلَ المَمَاتِ، يَرِدُّ بِهَا دِينَهُ، ويُنَقِّي بِهَا صَحِيفَتَهُ، يا تَوَّابُ يا رَحِيمُ.
اللَّهُمَّ احفَظ بُيُوتَ المُسلِمِينَ وأُسَرَهُم، واصْرِف عَنَّا سَطْوَةَ الغَضَبِ ونَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ.
اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا ومَولاهَا.
عِبَادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، واشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكبَرُ، واللَّهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلاةَ.
🛡 تَمَّ النَّصُّ، والمِنبَرُ يَنتظِرك. هذه خُطبَةٌ وَلَّدها نموذج، والوَلَدُ لا يَخلو من زَلَّة. فراجِع، وتَحَقَّق، وأضِف من روحك — فما يُلقى فوقَ المِنبَر يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه يومَ الحساب. ولِتَطويرها، صُغ طَلَبَك واضحًا تُحسِن المُعاملة.