📖 تَمْزِيقُ الكُتُبِ.. حِينَ يَنْتَقِمُ الجَهْلُ مِنَ العِلْمِ
#مقال_دعوي #درس_علمي #احترام_العلم #التربية #للطلاب #للشباب #أخلاق #الأسرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَمُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُرَبُّونَ، وَيَا أَبْنَائِي الطُّلَّابُ؛ نَقِفُ الْيَوْمَ أَمَامَ ظَاهِرَةٍ مُؤْلِمَةٍ، تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ عَامٍ دِرَاسِيٍّ بِمَشَاهِدَ تُدْمِي الْقُلُوبَ الحَيَّةَ، وَتَسْتَدْعِي وُقُوفًا حَازِمًا لِلتَّأَمُّلِ وَالْعِلَاجِ. ظَاهِرَةٌ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سُلُوكٍ عَابِرٍ، بَلْ هِيَ مِرْآةٌ تَعْكِسُ خَلَلًا عَمِيقًا فِي نَظَرَتِنَا لِلْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ.
أَوَّلًا: مُقَدِّمَةٌ فِي تَوْصِيفِ الظَّاهِرَةِ وَانْتِشَارِهَا
مَعَ رَنِينِ الْجَرَسِ الْأَخِيرِ إِيذَانًا بِانْتِهَاءِ آخِرِ امْتِحَانٍ فِي الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ، تَخْرُجُ جُمُوعٌ مِنَ الطُّلَّابِ إِلَى سَاحَاتِ الْمَدَارِسِ وَالشَّوَارِعِ الْمُحِيطَةِ بِهَا، لَا لِيَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى التَّوْفِيقِ، وَلَا لِيَحْتَفِلُوا بِإِنْجَازِهِمْ بِرُقِيٍّ؛ بَلْ لِيُدَشِّنُوا طَقْسًا عَبَثِيًّا يَتَمَثَّلُ فِي تَمْزِيقِ الْكُتُبِ الْمَدْرَسِيَّةِ وَالْكَرَارِيسِ، وَنَثْرِ أَوْرَاقِهَا فِي الْهَوَاءِ كَأَنَّهَا قُصَاصَاتُ فَرَحٍ، لِتَتَحَوَّلَ الشَّوَارِعُ إِلَى مَكَبَّاتٍ لِلْأَوْرَاقِ الْمُمَزَّقَةِ.
هَذِهِ الظَّاهِرَةُ، الَّتِي انْتَشَرَتْ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُجْتَمَعَاتِنَا، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَصَرُّفٍ طُفُولِيٍّ طَائِشٍ، بَلْ هِيَ انْتِهَاكٌ صَرِيحٌ لِحُرْمَةِ العِلْمِ، وَاسْتِهَانَةٌ بِالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُ. إِنَّهَا ظَاهِرَةٌ تُصِيبُ الْمُجْتَمَعَ التَّعْلِيمِيَّ بِالْإِحْبَاطِ، وَتُرْسِلُ رِسَالَةً سَلْبِيَّةً لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، مَفَادُهَا أَنَّ الْكِتَابَ عَدُوٌّ يُتَخَلَّصُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ الْمَصْلَحَةِ مِنْهُ، لَا صَدِيقٌ يُرَافِقُ الْإِنْسَانَ فِي رِحْلَةِ حَيَاتِهِ.
ثَانِيًا: تَحْلِيلُ الظَّاهِرَةِ فِي سِيَاقِهَا التَّرْبَوِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، لَوْ تَأَمَّلْنَا هَذَا السُّلُوكَ بِمِنْظَارِ التَّحْلِيلِ الدَّقِيقِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ تَمْزِيقَ الْكِتَابِ يُمَثِّلُ تَنْفِيسًا عَنْ حَالَةٍ مِنَ الِاحْتِقَانِ النَّفْسِيِّ تِجَاهَ الْمَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ. فَالطَّالِبُ حِينَ يُمَزِّقُ كِتَابَهُ، هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُمَزِّقُ وَرَقًا، بَلْ يُمَزِّقُ أَيَّامًا مِنَ الضَّغْطِ النَّفْسِيِّ وَالتَّوْتِيرِ الَّذِي رَافَقَهُ طَوَالَ الْعَامِ.
لَكِنَّ هَذَا التَّنْفِيسَ خَاطِئٌ وَمُدَمِّرٌ. لَقَدْ تَحَوَّلَتْ نَظْرَةُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ مِنْ كَوْنِهِ (نُورًا) يَهْدِي، إِلَى كَوْنِهِ (عِبْئًا) يُثْقِلُ الْكَاهِلَ. هَذَا يَتَنَاقَضُ تَمَامًا مَعَ تَكْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِلْمِ وَأَدَوَاتِهِ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى افْتَتَحَ وَحْيَهُ الْخَاتَمَ بِكَلِمَةِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وَأَقْسَمَ بِأَدَاةِ الْعِلْمِ فِي سُورَةٍ كَامِلَةٍ فَقَالَ: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]. فَهَلْ يُعْقَلُ لِأُمَّةٍ أَقْسَمَ رَبُّهَا بِالْقَلَمِ وَالْكِتَابَةِ، أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِهَايَةُ كُتُبِهَا المُمَزَّقَةِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ؟!
يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إِنَّ كُتُبَ الْعِلْمِ كَالْبَسَاتِينِ، فَمَنْ دَخَلَهَا تَنَزَّهَ فِي ثِمَارِهَا". فَكَيْفَ لِمَنْ دَخَلَ بُسْتَانًا أَنْ يُحْرِقَهُ بِيَدِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ؟!
ثَالِثًا: الْأَسْبَابُ وَالدَّوَافِعُ الْكَامِنَةُ وَرَاءَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ
إِنَّ التَّشْخِيصَ السَّلِيمَ لِلْمَرَضِ هُوَ نِصْفُ الْعِلَاجِ، وَلِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ جُذُورٌ يَجِبُ اقْتِلَاعُهَا:
1. ضَغْطُ الِامْتِحَانَاتِ وَتَحْوِيلُ التَّعْلِيمِ إِلَى تَلْقِينٍ:
لَقَدْ أَصْبَحَ الْهَدَفُ الْأَسْمَى لَدَى شَرِيحَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الطُّلَّابِ وَأَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ هُوَ (تَحْصِيلُ الدَّرَجَاتِ) لَا (تَحْصِيلُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ). هَذَا الْحَشْوُ الْمَعْرِفِيُّ يَجْعَلُ الْكِتَابَ مَصْدَرًا لِلْقَلَقِ وَالرُّعْبِ لَيْلَةَ الِامْتِحَانِ، فَمَا إِنْ يَنْتَهِي الطَّالِبُ مِنْهُ حَتَّى يُفَرِّغَ غَضَبَهُ فِي تَمْزِيقِهِ، مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنْ عَدُوٍّ طَالَمَا سَلَبَهُ رَاحَتَهُ وَنَوْمَهُ.
2. ضَعْفُ التَّرْبِيَةِ الْأُسَرِيَّةِ عَلَى احْتِرَامِ النِّعَمِ:
الطَّالِبُ الَّذِي يُمَزِّقُ كِتَابًا كَلَّفَ الدَّوْلَةَ أَوِ الْأُسْرَةَ مَبَالِغَ طَائِلَةً، هُوَ طَالِبٌ لَمْ يَتَرَبَّ عَلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. تَمْزِيقُ الْكِتَابِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَةِ التَّعْلِيمِ الَّتِي يُحْرَمُ مِنْهَا مَلَايِينُ الْأَطْفَالِ حَوْلَ الْعَالَمِ بَسَبَبِ الْفَقْرِ أَوِ الْحُرُوبِ.
3. عَقْلِيَّةُ الْقَطِيعِ وَضَغْطُ الْأَقْرَانِ:
كَثِيرٌ مِنَ الطُّلَّابِ لَا يُبَادِرُونَ بِالتَّمْزِيقِ رَغْبَةً فِيهِ، وَلَكِنْ حِينَمَا يَرَوْنَ زُمَلَاءَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، يَنْجَرِفُونَ مَعَهُمْ خَوْفًا مِنَ الِاتِّهَامِ بِالْمِثَالِيَّةِ الزَّائِدَةِ أَوْ حُبًّا فِي مُجَارَاةِ الْمَشْهَدِ الِاسْتِعْرَاضِيِّ لِلتَّمَرُّدِ، وَهَذَا خَلَلٌ فِي بِناءِ الشَّخْصِيَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ الشَّجَاعَةِ الَّتِي تَقِفُ مَعَ الْحَقِّ مَهْمَا فَعَلَ النَّاسُ.
4. جَهْلُ الطَّالِبِ بِقَدَاسَةِ الْمَكْتُوبِ:
كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ (خُصُوصًا كُتُبَ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْمَوَادِّ الِاجْتِمَاعِيَّةِ) تَحْتَوِي عَلَى آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ كَرِيمَةٍ، وَأَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ شَرِيفَةٍ، وَاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالطَّالِبُ حِينَ يُمَزِّقُهَا وَيُلْقِيهَا فِي طَرِيقِ الْمَارَّةِ لِتُدَاسَ بِالْأَقْدَامِ، يَقَعُ فِي مَحْظُورٍ شَرْعِيٍّ خَطِيرٍ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ.
رَابِعًا: النَّصَائِحُ وَالتَّحْذِيرَاتُ (عَوَاقِبُ دُنْيَوِيَّةٌ وَأُخْرَوِيَّةٌ)
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ، إِنَّ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ تَحْمِلُ عَوَاقِبَ وَخِيمَةً، نَلْخَصُهَا فِي رَسَائِلَ مُوَجَّهَةٍ لِكُلِّ طَرَفٍ:
[الرِّسَالَةُ الْأُولَى: إِلَى الِابْنِ الطَّالِبِ]
يَا بُنَيَّ.. تَوَقَّفْ لَحْظَةً وَاسْأَلْ نَفْسَكَ: هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تُهِينَ جِسْرًا عَبَرْتَ عَلَيْهِ لِلنَّجَاحِ؟ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي تُمَزِّقُهُ الْيَوْمَ، سَهِرَ عَلَى إِعْدَادِهِ عُلَمَاءُ وَبَاحِثُونَ، وَدَفَعَ وَالِدَاكَ ثَمَنَهُ مِنْ كَدِّهِمْ وَعَرَقِهِمْ.
احْذَرْ يَا بُنَيَّ مِنَ الْعَوَاقِبِ التَّالِيَةِ:
الْعَاقِبَةُ الشَّرْعِيَّةُ: كَمَا أَسْلَفْنَا، قَدْ تُمَزِّقُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَتَبُوءَ بِإِثْمٍ عَظِيمٍ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. فَكَيْفَ بِمَنْ يَهِينُ اسْمَ اللَّهِ بِفِعْلِهِ دُونَ لَامُبَالَاةٍ؟!
الْعَاقِبَةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ: تَمْزِيقُكَ لِلْكِتَابِ يُعَبِّرُ عَنْ قِلَّةِ وَفَاءٍ. الْعَالِمُ الْحَقُّ يُجِلُّ كِتَابَهُ؛ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ لَا يَضَعُونَ شَيْئًا فَوْقَ الْكِتَابِ احْتِرَامًا لَهُ، فَكَيْفَ بِتَمْزِيقِهِ؟ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ". فَأَحْسِنْ عَمَلَكَ يُحْسِنِ اللَّهُ عَاقِبَتَكَ.
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: بَدَلًا مِنْ تَمْزِيقِهِ، تَصَدَّقْ بِهِ لِطَالِبٍ آخَرَ لَا يَسْتَطِيعُ شِرَاءَهُ، فَتَنَالَ أَجْرَ عِلْمِهِ. قَالَ ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
[الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ]
أَيُّهَا الْمُرَبُّونَ.. أَنْتُمْ حُرَّاسُ الْقِيَمِ. إِنْ سَكَتُّمْ عَنْ رُؤْيَةِ أَبْنَائِكُمْ يُمَزِّقُونَ كُتُبَهُمْ أَوْ بَرَّرْتُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا (فَرْحَةُ الشَّبَابِ)، فَقَدْ ضَيَّعْتُمُ الْأَمَانَةَ.
الْعَاقِبَةُ الْمَادِّيَّةُ وَالِاقْتِصَادِيَّةُ: هَذَا هَدْرٌ نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. هَذِهِ الْكُتُبُ تُكَلِّفُ الدَّوْلَةَ مَلَايِينَ الْمَبَالِغِ لِطِبَاعَتِهَا، وَيُمْكِنُ إِعَادَةُ تَدْوِيرِهَا أَوْ تَوْزِيعُهَا.
عَلِّمُوهُمْ تَعْظِيمَ شَعَائِرِ اللَّهِ: عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنَّ الْعِلْمَ رِسَالَةٌ وَلَيْسَ عِبْئًا. حَوِّلُوا نِهَايَةَ الْعَامِ إِلَى احْتِفَالٍ شُكْرٍ لِلَّهِ؛ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا، تَوْزِيعُ حَلْوَى، جَمْعُ الْكُتُبِ بِعِنَايَةٍ لِلتَّبَرُّعِ بِهَا أَوِ الِاحْتِفَاظِ بِهَا فِي مَكْتَبَةِ الْمَنْزِلِ. هَكَذَا نُرَبِّي الْأَجْيَالَ!
[الرِّسَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِلَى الْمُعَلِّمِينَ وَإِدَارَاتِ الْمَدَارِسِ]
أَنْتُمْ قَادَةُ الْمَيْدَانِ، وَمَسْؤُولِيَّتُكُمْ عَظِيمَةٌ. لَا تَسْمَحُوا بِأَنْ تَكُونَ الْمَدْرَسَةُ سَاحَةً لِهَذَا الْعَبَثِ.
الْعَاقِبَةُ الْبِيئِيَّةُ وَالْجَمَالِيَّةُ: تَحْوِيلُ السَّاحَاتِ إِلَى مَزَابِلَ لِلْوَرَقِ يَنْقُضُ قِيمَةَ النَّظَافَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ.
خُطْوَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ بَدِيلَةٌ: اجْعَلُوا آخِرَ يَوْمٍ فِي الِامْتِحَانَاتِ مَوْسِمًا لـ "حَصَادِ الْكُتُبِ". كَرِّمُوا الطَّالِبَ الَّذِي يُعِيدُ كُتُبَهُ بِحَالَةٍ مُمْتَازَةٍ. ابْنُوا فِي وِجْدَانِهِمْ أَنَّ الْكِتَابَ صَدِيقٌ لَا يُخَانُ بَعْدَ الصُّحْبَةِ.
خَاتِمَةٌ تَحْفِيزِيَّةٌ
إِخْوَتِي الطُّلَّابَ، وَيَا أَوْلِيَاءَ الْأُمُورِ؛ إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تُمَزِّقُ كُتُبَهَا، تُمَزِّقُ فِي الْحَقِيقَةِ عَقْلَهَا وَمُسْتَقْبَلَهَا. نَحْنُ أُمَّةُ (اقْرَأْ)، أُمَّةٌ بَنَتْ حَضَارَتَهَا عَلَى تَوْقِيرِ الْعُلَمَاءِ وَتَقْدِيسِ الْكِتَابِ.
وَأُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ عَمَلِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ حَالَةِ التَّأَمُّلِ هَذِهِ:
الْأُولَى: أَنْ تَنْوِيَ مُنْذُ الْآنَ حِفْظَ كُتُبِكَ احْتِرَامًا لِمَا فِيهَا مِنْ نُورِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرًا لِاسْمِ اللَّهِ فِيهَا.
الثَّانِيَة: أَنْ تُبَادِرَ يَوْمَ نِهَايَةِ الِامْتِحَانِ بِجَمْعِ كُتُبِكَ وَإِهْدَائِهَا لِمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ فِي الصَّفِّ، لِتَكُونَ صَدَقَةَ عِلْمٍ جَارِيَةٍ لَكَ.
الثَّالِثَة: أَنْ تَنْصَحَ زَمِيلَكَ بِلُطْفٍ حِينَ تَرَاهُ يُهِمُّ بِتَمْزِيقِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ.
فَمَنْ أَرَادَ عِزَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيُكْرِمْ مَوَائِدَ الْعِلْمِ، وَلْيَشْكُرِ اللَّهَ عَلَى نِعْمَةِ التَّعْلِيمِ بِصِيَانَةِ أَدَوَاتِهِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا وَأَبْنَاءَنَا حُبَّ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرَهُ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. اللَّهُمَّ نَوِّرْ بَصَائِرَ شَبَابِنَا، وَاهْدِهِمْ لِمَا يُرْضِيكَ، وَجَنِّبْهُمْ طَرِيقَ الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ، وَاجْعَلْهُمْ مَشَاعِلَ نُورٍ تَهْدِي هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَى مَجْدِهَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.