من مكتبة مِداد الخطيب

صناعة الأجيال في أزمنة الشدائد.. رسالة للآباء والمعلمين

مشاركة
🕌 صناعة الأجيال في أزمنة الشدائد.. رسالة للآباء والمعلمين #خطبة_جمعة #التعليم #تربية_الأبناء #مسؤولية_الآباء #رسالة_المعلم #الأسرة #أخلاق #المدارس الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلم، علَّمَ الإنسانَ ما لم يَعلَم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ العِلمَ نورًا للقلوب، وضياءً للدروب، ورفعةً في الدنيا والآخرة، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المُعَلِّمُ الأوَّل، والمُربِّي الأعظم، الذي بُعِثَ مُتَمِّمًا لمكارمِ الأخلاق، ومُخرِجًا للناسِ من ظلماتِ الجهلِ إلى نورِ الهداية، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: عبادَ الله، مع إشراقةِ عامٍ دراسيٍّ جديد، وفي خِضَمِّ أزماتٍ مَعيشيَّةٍ خانقة، وضُغوطٍ اقتصاديَّةٍ طاحنة، يَتَساءَلُ بعضُ الآباءِ في حَيرة: هل نُطعِمُ أبناءَنا الخُبزَ أم نَشتَري لهم الكُتُب؟ هل نَدفَعُهم للمدارسِ أم نَدفَعُهم لسوقِ العَمَل؟ وفي المقابل، يَقِفُ المُعَلِّمُ مُثقَلًا بالهُموم، يَكادُ راتبُهُ لا يَكفي قُوتَ يَومِه. وبين هذا وذاك، تَقِفُ أجيالٌ بأكملها على مُفتَرَقِ طُرُق. فما هو الحلُّ؟ وما هو الميزانُ الشرعيُّ لهذه النازلة؟ الجوابُ يَحتاجُ منَّا إلى وَقفةِ صِدقٍ مع اللهِ ثم مع أنفسنا. أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفسَكم يومًا: لماذا كانت أوَّلُ كلمةٍ نَزَلَت من السَّماءِ إلى الأرض، في دِيننا العظيم، ليست «صَلِّ» ولا «صُم» ولا «زَكِّ»، بل كانت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]؟ تأمَّلوا معي.. نَزَلَت ﴿اقْرَأْ﴾ في أُمَّةٍ أُمِّيَّة، تَعيشُ في صحراءَ قاسية، تَطحَنُها الحروب، ويُمَزِّقُها الفقر. ومع ذلك، لم يَقُل لها ربُّها «اجمَعوا المال»، بل قال: ﴿اقْرَأْ﴾. لأنَّ اللهَ جلَّ جلالُه يَعلَمُ أنَّ الأُمَّةَ التي تَقرأ وتَتَعَلَّم، تستطيعُ أن تَبنيَ اقتصادَها، وتَزرعَ أرضَها، وتَنتَصِرَ على عَدُوِّها. أمَّا الأُمَّةُ الجاهلة، فإنَّها تَجوعُ ولو كانت تَجلِسُ فوقَ جبالٍ من الذَّهب! يقولُ اللهُ تبارك وتعالى، رافعًا من شأنِ العِلم وأهلِه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. ويقولُ سبحانه مُقَرِّرًا حقيقةً لا تَتَبَدَّل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. إنَّ الجهلَ — يا عبادَ الله — هو المَوتُ الحقيقي. يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله: "الجهلُ مَوتُ القلوب، والعِلمُ حياتُها، ولا حياةَ للقلبِ إلا بالعِلم". فكيفَ نَرضى لأبنائنا أن يَعيشوا مَوتى بين الأحياء؟ أرسِّخُ اليومَ رسالتي إلى رُكنَين عَظيمَين، عليهما يَقومُ بِناءُ هذه الأُمَّة: الأبِ في بَيتِه، والمُعَلِّمِ في فَصلِه. أمَّا أنتَ أيُّها الأبُ الكريم.. يا مَن تَكدَحُ نَهارَك، وتَحمِلُ هَمَّ ليلِك. أعلَمُ واللهِ ما تَمُرُّ به من ضِيق. أعلَمُ أنَّ توفيرَ الحقيبةِ المَدرسيَّةِ صارَ عِبئًا، وأنَّ دَفعَ رُسومِ التعليمِ صارَ جَبلًا على كاهلِك. ولكن، واسمعها منِّي بقلبِك: إيَّاكَ ثم إيَّاكَ أن تَستَسلِمَ وتُخرِجَ ولدَكَ من مَدرستِه لِتَدفَعَهُ إلى الشارعِ أو سوقِ العَمَلِ المُبَكِّر! إنَّكَ إن فَعَلتَ ذلك، فإنَّكَ لا تُنقِذُهُ من الفَقر، بل تَحكُمُ عليه بالفَقرِ طِيلَةَ عُمرِه. إنَّكَ تَقتُلُ أحلامَه، وتَطحَنُ مُستقبَلَه، وتُسَلِّمُهُ لقمةً سائغةً لعُصاباتِ الشوارع ومُستَنقَعاتِ الجريمة والمُخَدِّرات. قال اللهُ جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. ووِقايةُ الأبناءِ من النارِ تَبدأُ بوِقايتِهم من الجَهل. ويقولُ النَّبيُّ ﷺ، في حديثٍ تَهتَزُّ له القلوب: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ... والرَّجُلُ راعٍ في أهْلِهِ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]. كيف تَقِفُ غدًا بين يَدَي الله، فيَسألُكَ عن هذا الوَلَد الذي وَهَبَكَ إيَّاهُ صَفحةً بَيضاء، عقلًا ذكيًّا، فَتَرَكتَهُ للجهلِ يَنهَشُه؟ هل تَظُنُّ أنَّ مسؤوليَّتَكَ تَنحَصِرُ في أن تَملَأَ بَطنَه؟ البَهائمُ تُطعِمُ صِغارَها يا عبدَ الله! لكنَّ الأبَ المُؤمنَ هو الذي يُطعِمُ عقلَ وَلَدِه عِلمًا، ويُطعِمُ قَلبَهُ دينًا وأدَبًا. جاء في الأثر: "ما نَحَلَ والِدٌ وَلَدًا أفْضَلَ من أدَبٍ حَسَنٍ". واسمَعوا لهذه القِصَّةِ العجيبة التي تَصنَعُ الرِّجال.. ماتَ والدُ الإمامِ الشافعيِّ رحمه الله وهو طِفلٌ رَضيع. تَرَكَه فقيرًا مُعدِمًا لا يَملِكُ شيئًا، في رعايةِ أُمِّه. هل قالت أُمُّه: نَحنُ فُقراء، فاذهَب يا بُنَيَّ للعملِ في رَعيِ الغَنَم أو التجارةِ لنَأكُل؟ لا والله! بَل حَمَلَتهُ من غَزَّةَ إلى مَكَّةَ لِيَتَعَلَّم. يقولُ الشافعيُّ عن نفسِه: "كُنتُ يَتيمًا في
حَجْرِ أُمِّي، ولم يَكُن مَعَها ما تُعطي المُعَلِّم". فتَخَيَّلوا، كان المُعَلِّمُ يَترُكُ الشافعيَّ يَستَمِعُ فقط لأنَّهُ يَتيمٌ لا يَملِكُ الأُجرة! كان يَجمَعُ العِظامَ الباليةَ وورقَ الشجرِ لِيَكتُبَ عليها العِلمَ لأنَّهُ لا يَملِكُ ثَمَنَ الوَرَق! فبِهذا الصَّبر، وبِدَفعِ أُمِّهِ له، صارَ الإمامَ الشافعيَّ الذي مَلأَ عِلمُهُ مَشارقَ الأرضِ ومَغاربَها. فيا أيُّها الآباء.. اصبِروا على شَظَفِ العَيش، واقتَطِعوا من لُقمةِ طَعامِكم لِتَشتَروا لأبنائكم قَلمًا وكِتابًا. وتابِعوهم في مَدارسهم، اسألوا عن غيابهم، حَفِّزوهم، شَجِّعوهم. لا تَترُكوهم للهواتفِ والشاشاتِ تَسرِقُ عُقولَهم! إنَّ الاستثمارَ الحقيقيَّ الذي لن يَخسَرَ أبدًا، هو ابنٌ مُتَعَلِّمٌ، صالحٌ، يَرفَعُ رَأسَكَ في الدنيا، ويَدعو لكَ في الآخرة. وهنا أنتقِلُ إلى الرُّكنِ الثاني.. إليكَ أنتَ أيُّها المُعَلِّمُ المُبَجَّل. يا وَريثَ الأنبياء، ويا حامِلَ مشعَلِ النُّور. أعلَمُ يَقينًا أنَّك مَظلومٌ في مُجتَمَعِك. أعلَمُ أنَّ راتبَكَ قَد لا يَكفي حاجَتَك، وأنَّ الفُصولَ مُكتَظَّة، وأنَّ الإمكانيَّاتِ ضَعيفة. لكن، استَحلِفُكَ بالله، قَبلَ أن تَدخُلَ صَفَّك، تَذَكَّر أنَّ هؤلاء الصِّغارَ الجالسينَ أمامَكَ ليسوا سَبَبَ مُعاناتِك، بل هم ضَحايا مِثلُك، يَنتَظِرونَ منكَ طَوقَ النَّجاة. قال النبيُّ ﷺ مُبَشِّرًا إيَّاك: «إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ وأَهْلَ السَّمَواتِ والأَرَضِينَ، حتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِها، وحتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ علَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]. أيُّ مَنصِبٍ في الأرضِ يَنالُ هذا الشَّرَف؟ رئيسٌ؟ مَلِكٌ؟ وزيرٌ؟ لا والله! إنَّه أنتَ أيُّها المُعَلِّم. النملةُ في جُحرها تدعو لك، الحوتُ في قاعِ المحيطِ يَستَغفِرُ لك، لأنَّكَ تُعَلِّمُ أبناءَنا الرَّحمةَ والعدلَ والحَقّ. فهل يَعقِلُ — يا مَن تُصَلِّي عليكَ الملائكة — أن تَدخُلَ الفَصلَ عابسَ الوَجه، مُتَذَمِّرًا، مُحبِطًا؟ هل يَعقِلُ أن تُفرِغَ غَضَبَكَ من ضيقِ الحالِ في نُفوسِ الطُّلَّابِ الصِّغار؟ تَخَيَّل معي هذا المَشهد.. طِفلٌ صَغير، خَرَجَ من بَيتٍ مَليءٍ بالمشاكلِ والفَقر. جاءَ إلى المدرسةِ هاربًا من واقِعٍ مُؤلِم، يَبحَثُ عن كلمةٍ طيِّبة. فَإذا دَخَلَ المُعَلِّمُ وابتَسَمَ في وَجهِه، ومَسَحَ على رأسِه، وقال له: "أنتَ ذكي، أنتَ مشروعُ عالِم، أنتَ ستَكونُ رَجلًا عظيمًا".. واللهِ إنَّ هذه الكلمةَ قد تَصنَعُ منه قائدًا وتُغَيِّرُ مَسارَ حَياتِه كُلِّها. وإذا صَرَخَ فيه المُعَلِّم، وأهانَه، وكَسَرَ نَفسَه.. فقد قَتَلَهُ، وأطفَأَ آخِرَ شُمعَةِ أمَلٍ في قَلبِه. قال الإمامُ الغزاليُّ رحمه الله مُحَذِّرًا ومُبَشِّرًا: "مَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ فَقَدْ تَقَلَّدَ أَمْرًا عَظِيمًا، وخَطَرًا جَسِيمًا، فَلْيَحْفَظْ آدَابَهُ ووظائفَهُ". يا أيُّها المُعَلِّم.. لا تَكُن مُجَرَّدَ مُوَظَّفٍ يَنتَظِرُ انتهاءَ الدَّوام. كُن أبًا. كُن داعيةً. دَرِّسْهُمُ الأمانَةَ قبلَ الرِّياضيَّات. دَرِّسْهُمُ العِزَّةَ قبلَ التَّاريخ. علِّمهُم كيف يَنطِقونَ الصِّدقَ قبل أن يَنطِقوا النَّحوَ. فإنَّكَ إن احتَسَبتَ أجرَكَ عند الله، فإنَّ اللهَ سَيُبارِكُ في صِحَّتِك، ويُبارِكُ في أبنائِك، ويَرزُقُكَ من حيثُ لا تَحتَسِب. يقولُ النبيُّ ﷺ: «ومَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ» [رواه مسلم]. وهذا في حَقِّ الطَّالب، فكيفَ بحَقِّ مَن يُمَهِّدُ هذا الطَّريق؟ أيُّها المسلمون.. التعليمُ اليومَ لم يَعُد تَرَفًا، بل هو ساحَةُ دِفاعٍ عن وُجودِ هذه الأُمَّة. الأُمَّةُ التي تَترُكُ مَدارسَها تَنهار، وتَترُكُ مُعَلِّميها يُعانون، وتَترُكُ أبناءَها للشوارع، هي أُمَّةٌ تَنتَحِرُ ببطء. إنَّ اللهَ جلَّ وعلا يَقول: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. لم يَأمُرِ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بطَلَبِ الزِّيادةِ من شَيءٍ في الدُّنيا قَطُّ، إلَّا من العِلم! فيا كُلَّ أبٍ يَسمَعُني، ويا كُلَّ مُعَلِّمٍ يَحضُرُ مَجلسي.. اتَّقوا اللهَ في أجيالِنا. اتَّقوا اللهَ في شبابِنا. لا تَترُكوهم فريسةً لِليأس. بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيم، ونَفَعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيم. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه، إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، المُعَلِّمِ البَشير، والنَّذيرِ السِّراجِ المُنير، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن
سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتنا الأُولى عن خُطورةِ الاستسلامِ للواقِعِ وتَركِ التعليم، ووَقَفنا مع الأبِ في واجبِهِ بأن يَحفَظَ عَقلَ وَلَدِه كما يَحفَظُ جَسَدَه، ووَقَفنا مع المُعَلِّمِ وتَذكيرِهِ بأمانَتِهِ العُظمى التي تُصَلِّي عليها ملائكةُ السَّماء. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ عَمَليٍّ نُنقِذُ به أبناءَنا؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): أيُّها الأبُ والمُعَلِّم.. جَدِّد نيَّتَكَ الليلةَ. انْوِ أيُّها الأبُ أنَّ إرسالَ أبنائِكَ للمدرسةِ هو جِهادٌ في سبيلِ الله، وحِمايَةٌ لِدينِهم. وانْوِ أيُّها المُعَلِّمُ أنَّ كُلَّ حَرفٍ تُعَلِّمُهُ هو صَدَقَةٌ جاريةٌ في صَحيفَتِك، تَلقى بها رَبَّك. الثانية (لِسانيَّة): ادعوا لأبنائكم وطُلَّابكم بالتَّوفيقِ والفَتح. إيَّاكم والدُّعاءَ عليهم بالفَشَلِ أو شَتمَهم. كَم من طالبٍ فَشِلَ لأنَّ مُعَلِّمَهُ أو أباهُ كانَ يَقولُ له: "أنتَ فاشل"! استَبدِلوا الشَّتمَ بالدُّعاءِ، فالكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ صَدَقة. الثالثة (عَمَليَّة): أيُّها الآباء، اذهَبوا هذا الأُسبوعَ إلى مَدارسِ أبنائكم. اسألوا عن مُستَواهم، التَقوا بِمُعَلِّميهم. أظهِروا لأبنائكم أنَّكم مُهتَمُّون بعِلمهم لا بِنَتائجهم فقط. الطِّفلُ الذي يَرى أباهُ يَقتَطِعُ من وَقتِ عَمَلِهِ لِيَسألَ عنه في المدرسة، يَتَضاعَفُ شُعورُهُ بالمسؤوليَّة. الرابعة (اجتماعيَّة): تَفَقَّدوا جِيرانَكم ومَن تَعرفونَ من الفُقراء. كَم من طِفلٍ يَتَمَزَّقُ قلبُهُ لأنَّهُ لا يَملِكُ حِذاءً أو حقيبةً مَدرسيَّةً أو قَلَمًا كَزُمَلائِه! مَنِ استَطاعَ أن يَكفَلَ يَتيمًا أو فَقيرًا في دِراسَتِه، فَليفَعَل، واللهِ إنَّها مِن أعظَمِ القُرباتِ وأزكاها عند الله. الخامسة (موضوعيَّة): أيُّها المُعَلِّم.. غَدًا عِندما تَدخُلُ الفَصل، ابتَسِم. اجعَل من فَصلِكَ مَلاذًا آمِنًا لهؤلاء الصِّغارِ من قَسوَةِ العالَمِ الخارجيّ. كُن أنتَ الأبَ الرَّحيم، والمُرَبِّيَ الحَكيم، الذي يَنتَظِرونَ حِصَّتَهُ لِيَتَنَفَّسوا الأمل. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله في هذه الأمانة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، عَمَلًا بقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ عِلمًا نافعًا، ورِزقًا طَيِّبًا، وعَمَلًا مُتَقَبَّلًا. اللَّهمَّ اجعَل أبناءَنا وبَناتِنا قُرَّةَ أعيُنٍ لنا، واحفَظهم من فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات. اللَّهمَّ زَيِّن عُقولَهم بالعِلم، وقُلوبَهم بالإيمان، وألسِنَتَهم بالقُرآن. اللَّهمَّ بارِك للمُعَلِّمينَ والمُعَلِّمات في أرزاقِهم وأعمارِهم وأُسَرِهم، واجزِهم عنَّا وعن أبنائنا خَيرَ الجَزاء. اللَّهمَّ كُن لهم مُعينًا وظَهيرًا، واجعَل ما يُقَدِّمونَهُ في ميزانِ حَسَناتِهم يومَ القيامة. اللَّهمَّ وَسِّع على الآباءِ والأُمَّهاتِ في أرزاقِهم، وأعِنهُم على تَربيةِ أبنائهم تريبةً صالحةً تُرضيك. اللَّهمَّ اجبُر كَسرَ المُحتاجين، وأَغنِ الفُقراءَ من واسعِ فَضلِك، ولا تَجعَل بيننا مَحرومًا ولا مَهمومًا إلَّا فَرَّجتَ هَمَّه. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.