من مكتبة مِداد الخطيب

العامُ الدِّراسيُّ الجَديد... أمانَةُ الجيلِ وخَطَرُ التَّزييف

مشاركة
🕌 العامُ الدِّراسيُّ الجَديد... أمانَةُ الجيلِ وخَطَرُ التَّزييف #خطبة_جمعة #العام_الدراسي #تربية_الأبناء #الأمانة #الغش #أخلاق #الأسرة الحمدُ للهِ الذي عَلَّمَ بالقَلَم، عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يَعلَم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، رَفَعَ شأنَ العِلمِ وأهلِه، وجَعَلَ الأمانَةَ مِيزانًا للنَّجاحِ والفَلاح. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، المُعَلِّمُ الأوَّل، والمُربِّي الأعظَم، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَفتَحُ المَدارسُ أبوابَها، ونَفرَحُ بنَجاحِ أبنائنا وتَقَدُّمِهم. لكنَّنا اليومَ نَقِفُ أمامَ ظاهرةٍ مُفزِعة.. نَجاحٌ مُزَيَّف، وتَفَوُّقٌ مَبنيٌّ على حَرام، وآباءٌ يُصَفِّقون لِسَرِقةِ أبنائهم في قاعاتِ الامتحانات! كيفَ يَنقَلِبُ المِيزانُ هكذا؟ وما هو الثَّمَنُ المُرُّ الَّذي سَندفَعُه جميعًا في مُستَقبَلِ هذه البِلاد؟ إجاباتٌ مُؤلِمةٌ، نَقِفُ عِندَها بَعدَ قَليل. أيها المُسلِمون، مَعَ بِدايةِ كلِّ عامٍ دِراسيٍّ جَديد، تَستَنفِرُ البُيوتُ طاقاتِها، وتُفتَحُ المَكتبات، وتُشتَرى الحَقائب. وهذا أَمرٌ مَحمود، لكنَّ كَثيرًا منَّا نَسِيَ أنَّ العَامَ الدِّراسيَّ ليسَ مَوسِمًا لِشِراءِ الدَّفاتِر، بَل هو مَوسِمٌ لِصِناعَةِ العُقولِ والأرواح. يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى مُحَذِّرًا ومُذَكِّرًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. تَأمَّلوا هَذه الآية! اللهُ لم يَأمُرنا أن نَقِيَهم الجُوعَ والعَطَشَ فَقَط، بَل أن نَقِيَهم النَّار. والوَلَدُ أمانَةٌ في عُنُقِ أبيهِ وأمِّه. بَعضُ الآباءِ يَظُنُّ أنَّ دَورَهُ يَنتَهي بدَفعِ الرُّسومِ والمَصاريف، ثُمَّ يَترُكُ وَلَدَهُ لِلشَّاشات، ولِرُفَقاءِ السُّوء، ولا يَسألُ عن دراستِه، ولا عن صَلاتِه، ولا عن أخلاقِه، حَتَّى يَقَعَ الفأسُ في الرَّأس. قال الإمام ابن القيم رحمه الله واصِفًا هذا الحال: «وكم مِمَّن أشقَى وَلَدَهُ وفِلذَةَ كَبِدِه في الدُّنيا والآخرةِ بإهمالِه، وتَركِ تَأديبِه، وإعانتِه على شَهواتِه، ويَزعُمُ أنَّه يُكرِمُه وقَد أهانَه، وأنَّه يَرحَمُه وقَد ظَلَمَه». ويا أيُّها المُعَلِّمون.. أنتم لَستم مُوَظَّفينَ تُؤدُّونَ ساعاتِ عَملٍ ثُمَّ تَنصَرِفون. أنتم وَرَثَةُ الأنبياء. قال الصَّادقُ المَصدوق ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (رواه الترمذي). الطَّالِبُ عِندَكُم أمانَة. إذا أهَمَلتَ شَرحَ الدَّرس، أو دَفَعتَهُ دَفعًا للدُّروسِ الخُصوصيَّةِ طَمَعًا في مالِه، فقَد خُنتَ أمانَةَ الله. أنتَ تَصنَعُ جِيلًا، فإمَّا أن تَصنَعَ بُناةً، وإمَّا أن تَصنَعَ هَدَّامين. إخوتي الكِرام، وهنا نَصِلُ إلى الأمرِ الأخطَر.. الظَّاهِرةُ الَّتي تَنخَرُ في جَسَدِ مُجتَمَعِنا، خاصَّةً في شَهاداتِ "الثَّانويَّةِ العامَّة" وما يُشبِهُها: ظاهِرةُ الغِشِّ الجَماعي. والأدهى والأمَرُّ، ليسَ أنَّ الطَّالِبَ يَغِش، بَل أنَّ الأبَ يُشَجِّعُه! بَعضُ الآباءِ يَدفَعُ رَشوةً لِيَغِشَّ ابنُه، وبَعضُ الأمَّهاتِ تَقِفُ أمامَ بابِ المَدرَسةِ تُسَرِّبُ الإجاباتِ لِابنِها بالحَرام! وتَقولُ في نَفسِها: "المُهمُّ أن يَنجَح، المُهمُّ أن يَدخُلَ الجامِعة". أيُّها الأبُ المِسكين! أيَّ نَجاحٍ تَنتَظِرُه مِن وَلَدٍ بَدَأ حَياتَهُ العِلميَّةَ بِسَرِقة؟ نَعَم، الغِشُّ سَرِقة. هو يَسرِقُ مَجهودَ طالِبٍ آخَرَ سَهِرَ اللَّيالي، ويَسرِقُ مَقعدًا في الجامِعةِ لا يَستَحِقُّه. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ القاطِعِ الَّذي لا استِثناءَ فيه، قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه مسلم). تَأمَّل.. «فَلَيسَ مِنَّا»! النَّبيُّ ﷺ يَتبَرَّأُ مِن كُلِّ غَشَّاش. فكيفَ نَرضى لأبنائنا أن يَنجَحوا بشَهادةٍ تَنزِعُ عنهُم انتِماءَهُم لِخُلقِ النَّبيِّ ﷺ؟ عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكُم عن نَتائِجِ هذا الغِشِّ على مُجتَمَعِنا وبِلادِنا؟ حِينَ يَنجَحُ الطَّالِبُ بالغِشّ، ثُمَّ يَتَخَرَّجُ طَبيبًا.. سَيَقتُلُ المَرضى بخَطَئِه، لأنَّه لم يَتَعَلَّم! وحينَ يَتَخَرَّجُ مُهَندِسًا بالغِشّ.. سَتَسقُطُ المَباني على رُؤوسِ ساكِنيها! وحينَ يَتَخَرَّجُ مُعَلِّمًا بالغِشّ.. سَيُخَرِّجُ لَنا أجيالًا مِنَ الجَهَلَة! هذا هو الخَرابُ الَّذي نَصنَعُه بأيدينا حينَ نُصَفِّقُ للطَّالِبِ الغَشَّاشِ ونُبارِكُ لَه تَفَوُّقَهُ الحَرام. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]، وسَلبُ حُقوقِ المُجتَهِدينَ هو مِن أقبَحِ الظُّلم. ألا فلنَتَّقِ اللهَ في أبنائِنا، ولنُعَلِّمهم أنَّ سُقوطًا بِشَرَفٍ،
خَيرٌ وأعظَمُ عِندَ اللهِ مِن نَجاحٍ بِسَرِقَةٍ وحَرام. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدهُ ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن بِدايةِ العامِ الدِّراسيّ، وعَن أمانَةِ الآباءِ والمُعَلِّمين، ووَقَفنا مُحَذِّرينَ مِن ظاهِرَةِ الغِشِّ الَّتي تَهْدِمُ الأمَّةَ وتُخَرِّجُ جِيلًا لا يَعرِفُ مَعنى الأمانَة. والآن، كيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في بُيوتِنا ومَدارِسِنا؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): اتَّقوا اللهَ في أكلِ أبنائِكُم ونَجاحِهم. استَحضِروا نِيَّةَ الإخلاصِ في تَربِيَتِهم، وازرَعوا في قُلوبِهم مُراقَبَةَ اللهِ قَبلَ مُراقَبَةِ المُعَلِّم، وعَلِّموهُم أنَّ اللهَ يَرى ما لا يَراهُ المُراقِبُ في قاعَةِ الامتِحان. الثانية (لِسانيَّة): أكثِروا مِنَ الدُّعاءِ لِأبنائِكُم بالصَّلاحِ والتَّوفيق، ولا تَدعوا عَليهِم عِندَ الغَضَب. فَكَم مِن دَعوَةِ أمٍّ أو أبٍ صَنَعَت عالِمًا، وكَم مِن دَعوةٍ دَمَّرَت مُستَقبَلًا. الثالثة (عَمَليَّة): تابِعوا أبناءَكُم يَوميًّا، لا تَنتَظِروا أيَّامَ الامتِحاناتِ لِتَفتَحوا الكُتُب. الجُلوسُ مَعَ ابنِكَ نِصفَ ساعَةٍ يَوميًّا لِمُتابَعَةِ دُروسِه، يَحميهِ مِنَ الضَّياعِ والاحتِياجِ لِلغِشِّ لاحِقًا. الرابعة (اجتماعيَّة للمُعَلِّمين): راقِبوا اللهَ في فُصولِكُم. كُونوا قُدوَةً حَسَنَة، ولا تَسمَحوا بِغِشٍّ أبَدًا، فَإنَّكُم مُؤتَمَنونَ عَلى حُقوقِ الطُّلابِ المُجتَهِدين، والسَّاكِتُ عَنِ الغِشِّ شَريكٌ فيه. الخامسة (موضوعيَّة): انبِذوا ثَقافَةَ الغِشِّ، واجعَلوا شِعارَ بُيوتِكُم: "رُسوبٌ في الدُّنيا بِصِدق، خَيرٌ مِن سُقوطٍ في الآخِرَةِ بِكِذب". فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ هذا الجِيلَ هو رَصيدُكُم عِندَ اللهِ بَعدَ مَوتِكُم. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللَّهُمَّ ارزُق أبناءَنا وبَناتِنا النَّجاحَ والتَّوفيقَ والصَّلاح. اللَّهُمَّ حَبِّب إليهِمُ الإيمانَ والعِلم، وكَرِّه إليهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان. اللَّهُمَّ أعِنِ الآباءَ والأمَّهاتِ على حُسنِ تَربِيَةِ أبنائِهم، وأعِنِ المُعَلِّمينَ على أداءِ أمانَتِهم. اللَّهُمَّ طَهِّر مُجتَمَعاتِنا مِنَ الغِشِّ والكَذِبِ والخِيانَة، واجعَلنا أُمَّةً تَأمُرُ بالمَعروفِ وتَنهى عَنِ المُنكَر. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا اؤتُمِنوا حَفِظوا، وإذا تَكَلَّموا صَدَقوا. اللَّهُمَّ احفَظ بِلادَنا وسائِرَ بِلادِ المُسلمين، واجعَلها آمِنَةً مُطمَئِنَّة. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.