ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ أَصلُ الانتِكَاسَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خَطَرِ مَعَاصِي السِّرِّ عَلَى الإِيمَانِ وَالأَعمَالِ وَسُبُلِ النَّجَاةِ مِنهَا
الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، السَّمِيعِ البَصِيرِ، الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيَطَّلِعُ عَلَى خَفَايَا الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ فِي الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ، لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَيَستَوِي فِي عِلمِهِ وَإِحَاطَتِهِ مَن أَسَرَّ القَولَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَن هُوَ مُستَخفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن رَاقَبَهُ فِي خَلوَتِهِ وَجَلوَتِهِ، وَنَشكُرُهُ عَلَى مَا أَسدَى مِن جميلِ سَترِهِ وَسَابِغِ نِعمَتِهِ.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ صِدقٍ تَعمُرُ البَاطِنَ وَالظَّاهِرَ بِالإِخلَاصِ وَالخَشيَةِ، وَتَصُونُ الجَوَارِحَ عَنِ الخِيَانَةِ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ أَخشَى النَّاسِ للهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَأَنصَحَهُم لِأُمَّتِهِ فِي التَّحذِيرِ مِن دَسَائِسِ السُّوءِ وَقَوَاضِمِ المِحَنِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ استَوَت سَرَائِرُهُم وَعَلَانِيَتُهُم فَرَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى هَديِهِم إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ فِي الخَلَوَاتِ هِيَ المِحَكُّ الصَّادِقُ لِلإِيمَانِ، وَهِيَ الوِقَايَةُ العُظمَى مِنَ الزَّيغِ وَالخُسرَانِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
لَعَلَّ كَثِيرًا مِنَّا قَد تَسَاءَلَ يَومًا وَهُوَ يَرَى بَعضَ المَشَاهِدِ المُؤلِمَةِ فِي الحَيَاةِ: كَيفَ يَنتَكِسُ مَن كَانَ يَومًا فِي الصُّفُوفِ الأُولَى مِنَ الطَّائِعِينَ؟ وَكَيفَ يَنطَفِئُ نُورُ الإِيمَانِ فِي قَلبٍ كَانَ يُشَارُ إِلَيهِ بِالصَّلَاحِ وَالاستِقَامَةِ؟ مَا ذَلِكَ السُّوسُ الخَفِيُّ الَّذِي يَنخَرُ فِي جِذعِ شَجَرَةِ الدِّينِ مِنَ الدَّاخِلِ وَهِيَ تَبدُو لِلنَّاسِ خَضرَاءَ مُورِقَةً، حَتَّى إِذَا هَبَّت عَلَيهَا أَوَّلُ عَاصِفَةٍ مِنَ الفِتَنِ هَوَت عَلَى وَجهِهَا وَانعَكَسَ قَلبُ صَاحِبِهَا؟!
لَقَد أَجَابَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَأَطِبَّاءُ القُلُوبِ — كَالإِمَامِ ابنِ الجَوزِيِّ وَابنِ رَجَبٍ وَابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمُ اللهُ — عَن هَذَا السُّؤَالِ بِقَاعِدَةٍ تَربَوِيَّةٍ حَاسِمَةٍ تَقُولُ: «أَصلُ الانتِكَاسَاتِ ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ، وَأَصلُ الثَّبَاتِ طَاعَاتُ الخَلَوَاتِ»!
نَعَم يَا عِبَادَ اللهِ! إِنَّ ذُنُوبَ الخَلَوَاتِ هِيَ القَاصِمَةُ الَّتِي تَهدِمُ البِنَاءَ مِن أَسَاسِهِ، وَتَمحَقُ بَرَكَةَ العُمُرِ وَالعِلمِ وَالعَمَلِ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ العَبدَ إِذَا أَصلَحَ ظَاهِرَهُ أَمَامَ الخَلقِ، ثُمَّ إِذَا خَلَا بِنَفسِهِ وَأَغلَقَ بَابَهُ وَأَرخَى سِترَهُ بَارَزَ رَبَّهُ بِالقَبَائِحِ دُونَ خَشيَةٍ وَلَا حَيَاءٍ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ضَعفِ تَعظِيمِ اللهِ فِي قَلبِهِ!
استَمِعُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — بِآذَانٍ وَاعِيَةٍ وَقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الزَّاجِرِ الَّذِي يَكادُ يَخلَعُ القُلُوبَ مِن صُدُورِهَا؛ رَوَى الإِمَامُ ابنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَالرُّويَانِيُّ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَولَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»! فَفَزِعَ ثَوبَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»!
رُحمَاكَ يَا رَبَّنَا! قِفُوا عِبَادَ اللهِ عِندَ كُلِّ لَفظَةٍ مِن أَلفَاظِ هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ:
هَؤُلَاءِ لَيسُوا مِنَ المُلْحِدِينَ وَلَا مِنَ التَّارِكِينَ لِلصَّلَاةِ، بَل هُم مِن أَهلِ القِبلَةِ، يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ، وَيَأخُذُونَ حَظَّهُم مِن قِيَامِ اللَّيلِ كَمَا يَأخُذُ الصَّالِحُونَ، وَيَجمَعُونَ فِي الدُّنيَا حَسَنَاتٍ عَظِيمَةً كَأَنَّهَا جِبَالُ تِهَامَةَ الشَّاهِقَةُ فِي بَيَاضِهَا وَعِظَمِهَا! وَلَكِنَّهُم يُفَاجَؤُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِأَعظَمِ فَجِيعَةٍ وَأَشَدِّ إِفلَاسٍ: تَتَحَوَّلُ تِلكَ الجِبَالُ مِنَ الحَسَنَاتِ إِلَى «هَبَاءٍ مَنثُورٍ» كَالغُبَارِ الدَّقِيقِ الَّذِي لَا وَزنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ!
وَمَا العِلَّةُ القَاتِلَةُ الَّتِي نَسَفَت تِلكَ الجِبَالَ مِنَ الحَسَنَاتِ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»! وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيمٍ فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ عَن سَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ: «وَلَكِنَّهُم إِذَا عَرَضَ لَهُم شَيءٌ مِنَ الحَرَامِ وَثَبُوا عَلَيهِ»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ دِقَّةَ التَّعبِيرِ النَّبَوِيِّ فِي قَولِهِ «انتَهَكُوهَا» وَ«وَثَبُوا عَلَيهِ»؛ لَيسَ المُرَادُ مَن غَلَبَتهُ نَفسُهُ مَرَّةً وَهُوَ كَارِهٌ لِلذَّنبِ خَائِفٌ مِنَ اللهِ ثُمَّ نَدِمَ وَاستَغفَرَ وَتَابَ؛ بَلِ المُرَادُ مَن كَانَ امْتِنَاعُهُ عَنِ الحَرَامِ أَمَامَ النَّاسِ لِأَجلِ عُيُونِ النَّاسِ وَخَوفِ مَذَمَّتِهِم، فَإِذَا غَابَت عَنهُ أَعيُنُ الخَلقِ هَتَكَ حِجَابَ الهَيبَةِ وَالحَيَاءِ مِنَ اللهِ، وَوَثَبَ عَلَى الحَرَامِ وُثُوبَ السَّبُعِ الضَّارِي عَلَى فَرِيسَتِهِ، كَأَنَّ اللهَ لَا يَرَاهُ!
عِبَادَ اللهِ:
لِمَاذَا كَانَت ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ أَصلَ الانتِكَاسَاتِ، وَأَخطَرَ المُهلِكَاتِ عَلَى دِينِ العَبدِ وَقَلبِهِ؟
إِنَّ ذَلِكَ يَرجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَسبَابٍ عَظِيمَةٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤمِنٍ أَن يَعِيَهَا:
السَّبَبُ الأَوَّلُ: أَنَّ صَاحِبَ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ يَجعَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ!
فَلَو دَخَلَ عَلَيهِ فِي خَلوَتِهِ طِفلٌ صَغِيرٌ لَارتَعَدَت فَرَائِصُهُ، وَلَأَغلَقَ شَاشَتَهُ، وَلَتركَ مَعصِيَتَهُ حَيَاءً مِن ذَلِكَ الطِّفلِ؛ فَكَيَفَ يَستَحِي مِن مَخلُوقٍ ضَعِيفٍ لَا يَملِكُ لَهُ ضَرًّا وَلَا نَفعًا، وَلَا يَستَحِي مِن مَلِكِ المُلُوكِ وَجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ بِعِلمِهِ وَبَصَرِهِ وَسَمعِهِ؟! استَمِعُوا إِلَى قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَهُوَ يَكشِفُ هَذَا التَّنَاقُضَ العَجِيبَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾!
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: أَنَّ ذُنُوبَ الخَلَوَاتِ تُطفِئُ نُورَ القَلبِ، وَتَسلُبُ لَذَّةَ الطَّاعَةِ، وَتُسقِطُ مَهَابَةَ العَبدِ مِن قُلُوبِ الخَلقِ:
فَإِنَّ لِلمَعصِيَةِ الخَفِيَّةِ ظُلمَةً فِي القَلبِ، وَثِقَلًا عَنِ القِيَامِ وَالقُرآنِ، وَوَحشَةً بَينَ العَبدِ وَبَينَ رَبِّهِ وَبَينَ الصَّالِحِينَ؛ يَقُولُ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «صَيدِ الخَوَاطِرِ» كَلِمَةً مِن أَنفَسِ مَا يُقرَأُ: «وَاللهِ لَقَد رَأَيتُ مَن يُكثِرُ الصَّلَاةَ وَالصَّومَ وَالصَّمتَ، وَيَتَخَشَّعُ فِي نَفسِهِ وَلِبَاسِهِ، وَالقُلُوبُ تَنبُو عَنهُ، وَقَدرُهُ فِي النُّفُوسِ لَيسَ بِذَاكَ! وَرَأَيتُ مَن يَلبَسُ فَاخِرَ الثِّيَابِ وَلَيسَ لَهُ كَبِيرُ نَفلٍ وَلَا تَخَشُّعٍ، وَالقُلُوبُ تَتَهَافَتُ عَلَى مَحَبَّتِهِ؛ فَتَدَبَّرتُ السَّبَبَ فَوَجَدتُهُ السَّرِيرَةَ! فَمَن أَصلَحَ سَرِيرَتَهُ فَوَّحَ اللهُ عَبِيرَ فَضلِهِ فِي القُلُوبِ، وَإِيَّاكُم وَذُنُوبَ الخَلَوَاتِ فَإِنَّ المُبَارَزَةَ للهِ تَعَالَى تُسقِطُ العَبدَ مِن عَينِهِ!» وَكَانَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ بِلَالُ بنُ سَعدٍ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «لَا تَكُن وَلِيًّا للهِ فِي العَلَانِيَةِ وَعَدُوًّا لَهُ فِي السِّرِّ»! وَقَالَ الإِمَامُ سَحنُونُ رَحِمَهُ اللهُ: «إِيَّاكَ أَن تَكُونَ عَدُوًّا لِإِبلِيسَ فِي العَلَانِيَةِ، صَدِيقًا لَهُ فِي السِّرِّ»!
وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ ذُنُوبَ الخَلَوَاتِ هِيَ «دَسِيسَةُ السُّوءِ» الَّتِي تَقُودُ إِلَى الانتِكَاسَةِ فِي الحَيَاةِ وَعِندَ المَمَاتِ:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ خَاتِمَةَ السُّوءِ تَكُونُ بِسَبَبِ دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلعَبدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيهَا النَّاسُ؛ فَتِلكَ الخَصلَةُ الخَفِيَّةُ تُوجِبُ مَقتَ اللهِ لَهُ، فَيَخذُلُهُ عِندَ الفِتَنِ أَو عِندَ المَوتِ فَيَنقَلِبُ عَنِ الهُدَى بَعدَ أَن كَانَ عَلَيهِ»!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ خَطَرَ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ قَد تَضَاعَفَ فِي عَصرِنَا الحَاضِرِ أَضعَافًا كَثِيرَةً عَمَّا كَانَ عَلَيهِ فِي الأَزمِنَةِ السَّابِقَةِ!
فَفِي المَاضِي كَانَ مَن تُحَدِّثُهُ نَفسُهُ بِمَعصِيَةٍ يَحتَاجُ إِلَى سَفَرٍ وَبَحثٍ وَمَالٍ وَمَخَاطِرَةٍ؛ أَمَّا اليَومَ فَقَد صَارَت «الخَلوَةُ» فِي جَيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا! هَاتِفٌ صَغِيرٌ يَحمِلُهُ الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ وَالشَّابُّ وَالفَتَاةُ، فَإِذَا أُغلِقَت أَبوَابُ الغُرَفِ، وَأُطفِئَتِ المَصَابِيحُ، وَنَامَتِ العُيُونُ، بَدَأَ الِامتِحَانُ الأَكبَرُ لِلسَّرِيرَةِ! بِلَمسَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الشَّاشَةِ تُعرَضُ الفَوَاحِشُ وَالصُّوَرُ المُحَرَّمَةُ، وَتُفتَحُ غُرَفُ الدَّردَشَةِ وَالعَلَاقَاتِ الآثِمَةِ، وَتُكتَبُ البَهَائِتُ وَالمَظَالِمُ بِأَسمَاءَ مُستَعَارَةٍ يَحسَبُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ بِمَأْمَنٍ مِنَ الرَّقِيبِ!
تَذَكَّر يَا مَن تَخلُو بِهَاتِفِكَ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ أَنَّ الشَّاشَةَ الَّتِي تُضِيءُ وَجهَكَ فِي الغُرفَةِ المُظلِمَةِ يَرَاهَا اللهُ، وَأَنَّ الإِصبَعَ الَّتِي تُقَلِّبُ الحَرَامَ وَالعَينَ الَّتِي تَنظُرُ إِلَيهِ سَتَنطِقَانِ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ! استَمِع إِلَى هَذَا المَشهَدِ القُرآنِيِّ الرَّهِيبِ فِي سُورَةِ فُصِّلَت حِينَ يُحَاجُّ العُصَاةُ جُلُودَهُم وَجَوَارِحَهُم فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾!
يَا لَهَا مِن آيَةٍ تَخلَعُ الفُؤَادَ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾!
وَرَحِمَ اللهُ الإِمَامَ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ، فَقَد دَخَلَ عَلَيهِ تِلمِيذُهُ أَبُو بَكرٍ المَرُّوذِيُّ يَومًا فَوَجَدَهُ يَبكِي بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى بَلَّت دُمُوعُهُ لِحيَتَهُ، وَهُوَ يُرَدِّدُ هَذَينِ البَيتَينِ لِسَابِقٍ البَربَرِيِّ:
إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُل ... خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخفَى عَلَيهِ يَغِيبُ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى، وَيَجزِي مَن خَافَ مَقَامَهُ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى بِجَنَّةِ المَأوَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ الصِّدقِ وَالتُّقَى، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَا.
أَمَّا بَعدُ؛ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَعظَمَ مَا يُزَكِّي القُلُوبَ وَيَعصِمُهَا مِنَ الانتِكَاسِ هُوَ خَشيَةُ اللهِ بِالغَيبِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُلكِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
إِذَا أَرَدنَا أَن نُطَهِّرَ خَلَوَاتِنَا، وَنَحمِيَ قُلُوبَنَا مِن دَاءِ الانتِكَاسِ، فَهَذِهِ أَربَعُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ شَافِيَةٍ مَن أَخَذَ بِهَا نَجَا وَثَبَتَ بِإِذنِ اللهِ:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: إِحيَاءُ مَقَامِ «المُرَاقَبَةِ وَالحَيَاءِ مِنَ اللهِ تَعَالَى»:
فَإِذَا دَعَتكَ نَفسُكَ فِي الخَلوَةِ إِلَى مَعصِيَةٍ، فَارفَع بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ وَاستَحضِر عَظَمَةَ مَن يَرَاكَ؛ فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن بَهزِ بنِ حَكِيمٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَن يُستَحيَا مِنهُ مِنَ النَّاسِ»! وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَن أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا كَرِهتَ أَن يَرَاهُ النَّاسُ مِنكَ فَلَا تَفعَلهُ بِنَفسِكَ إِذَا خَلَوتَ»!
وَالوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: مُزَاحَمَةُ خَلوَةِ المَعصِيَةِ بـ«خَبِيئَةِ الطَّاعَةِ وَعِبَادَةِ السِّرِّ»:
فَلَا يَغلِبُ ذُنُوبَ الخَلَوَاتِ شَيءٌ مِثلُ طَاعَاتِ الخَلَوَاتِ! اجعَل لَكَ بَينَكَ وَبَينَ اللهِ عَمَلًا صَالِحًا لَا يَعلَمُ بِهِ أَقرَبُ النَّاسِ إِلَيكَ؛ رَكعَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، أَو صَدَقَةَ سِرٍّ تُخفِيهَا، أَو دَمعَةَ خَشيَةٍ تَذرِفُهَا فِي خَلوَتِكَ، أَو كَفًّا عَن شَهوَةٍ مُتَاحَةٍ خَوفًا مِنَ اللهِ؛ أَلَم تَرَوا أَنَّ الثَّلَاثَةَ المَذكُورِينَ فِي حَدِيثِ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ — كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — إِنَّمَا فَازُوا بِتِلكَ الكَرَامَةِ بِسَبَبِ صِدقِهِم فِي الخَلوَةِ: «وَرَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ»!
وَالوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: قَطعُ أَسبَابِ الخَلوَةِ المَذمُومَةِ وَحِسمُ مَادَّةِ الفِتنَةِ:
فَالكيِّسُ الحَازِمُ لَا يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِأَسبَابِ الفِتنَةِ ثُمَّ يَشكُو ضَعفَهُ؛ فَلَا تَبقَ وَحدَكَ فِي غُرفَةٍ مُغلَقَةٍ مَعَ الفَرَاغِ وَالسَّهَرِ وَالهَاتِفِ إِذَا عَلِمتَ مِن نَفسِكَ ضَعفًا، بَلِ اقطَع دَابِرَ المَوَاقِعِ وَالحِسَابَاتِ الَّتِي تَجُرُّكَ إِلَى الحَرَامِ، وَاشغَل وَقتَكَ بِالصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ وَالعَمَلِ النَّافِعِ.
وَالوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: عَدَمُ اليَأسِ وَالمُبَادَرَةُ الفَورِيَّةُ إِلَى التَّوبَةِ وَمَحوِ الذَّنبِ بِالحَسَنَةِ:
فَإِيَّاكَ إِن زَلَّت بِكَ القَدَمُ فِي خَلوَةٍ أَن تَستَسلِمَ لِقُنُوطِ الشَّيطَانِ فَيَقُولَ لَكَ: أَنتَ مُنَافِقٌ لَا فائدةَ فِيكَ فاترُكِ الطَّاعَةَ! كَلَّا؛ بَل قُم مِن فَوْرِكَ فَتَوَضَّأ وَصَلِّ رَكعَتَينِ وَاستَغفِر رَبَّكَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا؛ كَمَا وَصَفَ اللهُ عِبَادَهُ المُتَّقِينَ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَإِمَامِ الهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، اللَّهُمَّ اجعَل سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَل عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ؛ فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَيَا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّف قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَأَعِذنَا مِنَ الحَورِ بَعدَ الكَورِ، وَمِنَ الانتِكَاسِ بَعدَ الاستِقَامَةِ، وَاستُرنَا بِسَترِكَ الجَمِيلِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ أَصلُ الانتِكَاسَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خَطَرِ مَعَاصِي السِّرِّ عَلَى الإِيمَانِ وَالأَعمَالِ وَسُبُلِ النَّجَاةِ مِنهَا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.