🕌 إغاثةُ المَنكوبين: رَحمَةٌ مُنَظَّمَةٌ تَحفَظُ المالَ والكَرامَة
#خطبة_جمعة #إغاثة_الملهوف #الصدقة #حفظ_الكرامة #التكافل_الاجتماعي #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ رَحمَةَ العِبادِ بعِبادِهِ مِفتاحًا لِرَحمَتِه، وبَسَطَ يَدَهُ بالخَيرِ لِيَبتَليَ الغَنيَّ في شُكرِه، والفَقيرَ في صَبرِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ السَّعيَ في قَضاءِ حَوائجِ المَكروبينَ مِن أعظَمِ القُربات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ الرُّحَماءِ، وغَيثُ المُستَغيثين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ:
أَيُّها الإخوَةُ الكِرام، كَم مِن مَقطَعٍ مُصَوَّرٍ يَمُرُّ عَلَينا في هَواتِفِنا لِبُيوتٍ تَهَدَّمَت، وبُطونٍ جاعَت، وخِيامٍ غَرِقَت، وأُسَرٍ باتَت تَلتحِفُ السَّماءَ وتَفتَرِشُ العَراء؟ في كُلِّ يَومٍ تَحمِلُ إلَينا الشَّاشاتُ صَوائِحَ المَنكوبينَ وأَنَّاتِ المَكروبين. فيَتَحَرَّكُ القَلبُ، وتَدمَعُ العَينُ، وتَمتَدُّ اليَدُ لِلبَذلِ والعَطاء.
ولَكِن، دَعوني أسأَلُكُم سُؤالًا صَريحًا: هَل كُلُّ يَدٍ تَمتَدُّ لِلمُساعَدَةِ تَضَعُ المالَ في مَوضِعِه؟ وهَل كُلُّ صَدَقَةٍ تُدفَعُ تَحفَظُ لِلفَقيرِ كَرامَتَه؟ وهَل نَحنُ نُغيثُ المَلهوفَ ابتِغاءَ وَجهِ الله، أم بَحثًا عَن راحَةِ ضَمائِرِنا المُواقَتَة؟
إخوَتي، إنَّ دِينَنا العَظيمَ لَم يَأمُرنا بِالعَطاءِ فَحَسب، بَل هَندَسَ لَنا طَريقَةَ العَطاء. فالإسلامُ لا يُريدُ مِنَّا "عاطِفَةً" مُجَرَّدَةً تَفورُ ثُمَّ تَخمَد، أو تَتَخَبَّطُ فَتَضيع، بَل يُريدُ مِنَّا "رَحمَةً مُنَظَّمَةً"، تَسُدُّ الخَلَل، وتَحفَظُ المال، وتَصونُ ماءَ وَجهِ المَنكوب.
يَقولُ رَبُّنا تَبَارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: 7]. تَأمَّلوا مَعي — يا عِبادَ الله — هَذِهِ الآيَةَ العَجيبَة. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لَم يَقُل: "أَنفِقوا مِن أموالِكُم"، بَل قال: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. أي: أنَّ هَذَا المالَ الَّذي في جَيبِك ورَصيدِك لَيسَ مِلكَكَ عَلى الحَقيقَة، بَل هو مِلكٌ لِلهِ، استَخلَفَكَ فيهِ لِيَنظُرَ كَيفَ تَعمَل! فَإذا جَاءَكَ المَنكوبُ أو طَرَقَ بابَكَ المَكروب، فَإنَّما هُوَ يَطلُبُ حَقَّ اللهِ في مالِ اللهِ الَّذي بَينَ يَدَيك.
واسمَعوا إلى هَذَا الحَديثِ الَّذي تَهتَزُّ لَهُ شِغافُ القُلوب، حَيثُ يَقولُ نَبِيُّنا الصَّادِقُ المَصدوق ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ» (متفق عليه).
كُربَةٌ مِن كُرُباتِ يَومِ القِيامَة! هَل تَخَيَّلتُم حَجمَ تِلكَ الكُربَة؟ يَومَ يَعطَشُ النَّاس، ويَعرَقونَ، ويَذهَلُ كُلُّ إنسانٍ عَن أمِّهِ وأبيه. في تِلكَ اللَّحظَةِ الخانِقَة، يَأتيكَ الفَرَجُ مِن رَبِّ العالَمين. لِماذا؟ لِأنَّكَ في يَومٍ مِن أيَّامِ الدُّنيا، في شِتاءٍ قارِسٍ أو صَيفٍ حار، مَدَدتَ يَدَكَ فَدَفَعتَ إيجارَ مَكروب، أو كَسَوتَ طِفلًا لاجِئًا، أو أطعَمتَ أُسرَةً لا تَجِدُ ما يَسُدُّ رَمَقَها.
لَكِن دَعونا نَقِف وقَفَةً صادِقَةً مَع واقِعِنا اليَوم. حينَ تَحِلُّ النَّكَباتُ والزَّلازِلُ والفَيضاناتُ أو الحُروب بِلادَ المُسلِمين، يَهَبُّ النَّاسُ لِلتَّبَرُّعِ بِعاطِفَةٍ جَيَّاشَة. وهَذا مِن بَقِيَّةِ الخَيرِ في الأُمَّة، ولَكِن تَنبُتُ مَعَ هَذِهِ العاطِفَةِ آفتانِ خَطيرَتان، عالَجَهُما الشَّرعُ بِحَزم.
أمَّا الآفَةُ الأُولى: فَهِيَ فَوضَى العَطاءِ وعَدَمُ التَّثَبُّت.
كَم مِن أموالٍ تُجمَعُ عَبرَ رَوابِطَ مَجهولَةٍ أو أشخاصٍ غَيرِ مَوثوقين، بِحُجَّةِ (إغاثَةِ المَلهوف)! فَيَضَعُ المُسلِمُ مالَهُ عِندَ مَن لا يَخافُ الله، فَيُسرَقُ المال، أو يَذهَبُ لِغَيرِ مُستَحِقِّيه، ويَبقى المَنكوبُ في نَكبَتِه.
وقَد حَذَّرَنا الفُقَهاءُ قَديمًا مِن وَضعِ المالِ في غَيرِ مَوضِعِه. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مُبَيِّنًا دِقَّةَ العَمَل: "إضاعَةُ المالِ في غَيرِ حَقِّهِ مِن أوسَعِ أبوابِ الشَّيطان". لِذَلِكَ، الرَّحمَةُ الحَقيقيَّةُ لَيسَت مُجَرَّدَ دَفعِ المالِ لِتُسَكِّنَ ضَميرَك، بَل الرَّحمَةُ أن تَتَأكَّدَ أنَّ دِرهَمَكَ قَد وَصَلَ إلى فَمِ الجائِعِ فِعلًا. المُؤسَّساتُ المَوثوقَةُ، والجِهاتُ الرَّسميَّةُ والمُعتَمَدَةُ الَّتي تَملِكُ الآلِيَّاتِ لِإيصالِ المُساعَداتِ، هِيَ الطَّريقُ الآمِنُ لِحِفظِ مالِك مِن السَّطوِ والضَّياع. فَلا تُسلِم مالَكَ لِمَجهول، فَإنَّكَ مُحاسَبٌ عَن مالِك: مِن أينَ اكتَسَبتَه؟ وفيما أنفَقتَه؟
وأمَّا الآفَةُ الثَّانيَةُ — وهِيَ أَشَدُّ وأَخطَر — فَهِيَ: كَسرُ كَرامَةِ المَنكوب.
يا لَلأسَف! كَيفَ صارَت صُوَرُ الفُقَراءِ والمُحتاجينَ والمَنكوبينَ تُلتَقَطُ وهُم يَتَسَلَّمونَ رَغيفَ الخُبزِ أو عُلبَةَ الدَّواء، لِتُنشَرَ في كُلِّ مَكان؟ كَيفَ نَرضى أن نَشتَرِيَ إعجاباتِ النَّاسِ في المَواقِعِ بِدُموعِ رَجُلٍ مَكسور، أو أمٍّ مَلهوفَة، أو طِفلٍ خائِف؟
واللهِ، إنَّ هَذا لَمِن أَعظَمِ ما يُناقِضُ حَقيقَةَ الصَّدَقَة! يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا، بِكَلامٍ يَقطَعُ النِّياط: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263]. أيُّ أَذًى أَكبَرُ مِن أن تُوَثِّقَ ضَعفَ أخيكَ لِيَراهُ العالَم؟ أيُّ أَذًى أَشَدُّ مِن أن يَرى ابنُ هَذَا الفَقيرِ أباهُ بَعدَ سَنَواتٍ في مَقطَعٍ مُصَوَّرٍ وهُوَ يَتَسَلَّمُ صَدَقَةً بِذُلٍّ وانكِسار؟
مَن قالَ لَكُم إنَّ نَشرَ الخَيرِ يَقتَضي هَتكَ السِّتر؟
كانَ سَلَفُنا الصَّالِحُ — أسيادُ هَذِهِ الأُمَّة — يُعطونَ العَطاءَ وهُم يَستَحيونَ مِنَ الفَقيرِ أكثَرَ مِمَّا يَستَحيي الفَقيرُ مِنهُم.
تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ القِصَّةَ الَّتي تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، لِتَعرِفوا كَيفَ يَكونُ حِفظُ الكَرامَة. خَرَجَ زَينُ العابِدين، عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، في سَوادِ اللَّيلِ البَهيم، يَحمِلُ جِرابَ الدَّقيقِ عَلى ظَهرِه، يَدورُ عَلى بُيوتِ أرامِلِ المَدينَةِ ومَساكينِها، يَضَعُ الطَّعامَ عِندَ أبوابِهِم ويَمضي مُسرِعًا قَبلَ أن يَرُوه. لَم يَفتَح كاميرا، لَم يَجمَعِ النَّاس، لَم يَطلُب شُكرًا. ظَلَّ عَلى هَذِهِ الحالِ سِنينَ طَويلَة، والنَّاسُ لا تَعرِفُ مَن هَذا الَّذي يَأتيهِم بِطَعامِهِم كُلَّ لَيلَة!
فَلَمَّا ماتَ زَينُ العابِدين، فَقَدَ مَساكينُ المَدينَةِ ذَلِكَ الطَّعام، فَعَرَفوا أنَّهُ هُو. ولَمَّا غَسَّلوهُ، وَجَدوا في ظَهرِهِ آثارًا سَوداءَ غائِرَةً! قالوا: ما هَذَا؟ قالوا: هَذَا أثَرُ حَملِهِ أجِرَّةَ الدَّقيقِ في اللَّيلِ لِمَساكينِ المَدينَة!
يا سُبحانَ الله! يَحمِلُ الدَّقيقَ حَتَّى يُؤَثِّرَ في لَحمِ ظَهرِه، ولا يَسمَحُ لِعَينٍ بَشَرِيَّةٍ أن تَرى ضَعفَ فَقيرٍ وهُوَ يَأخُذ!
هَكَذا كانوا. وهَكَذا كانَ العَطاءُ عِندَهُم عِبادَةً سِرِّيَّةً تَقَعُ في يَدِ اللهِ قَبلَ أن تَقَعَ في يَدِ الفَقير.
وخُذوا هَذَا المَشهَدَ النَّبَوِيَّ العَظيم، لِتَرَوا كَيفَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَندِسُ الإغاثَةَ المُنَظَّمَة. جاءَ قَومٌ مِن (مُضَرَ) إلى المَدينَة، حُفاةً عُراةً، قَد مَزَّقَ الفَقرُ ثِيابَهُم وتَمَعَّرَت وُجوهُهُم مِن الجوع. فَلَمَّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، تَمَعَّرَ وَجهُهُ! (أي تَغَيَّرَ لَونُهُ حُزنًا وأَلَمًا لِحالِهِم). فَدَخَلَ بَيتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، وأَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ وأَقام، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ يَحُثُّهُم عَلى الصَّدَقَة.
فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصارِ بِصُرَّةٍ كادَت كَفُّهُ تَعجِزُ عَنها، فَوَضَعَها بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ تَتابَعَ النَّاسُ حَتَّى اجتَمَعَ كَومانِ مِن طَعامٍ وثِياب. هُنا... ماذا حَدَث؟
يَقولُ الرَّاوي: «فَتَهَلَّلَ وَجهُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ!» (أي أضاءَ وَجهُهُ كَأنَّهُ قِطعَةُ ذَهَبٍ مِن الفَرَح).
ما الَّذي أَفرَحَ النَّبِيَّ ﷺ؟ هَل أَفرَحَهُ المال؟ لا، بَل أَفرَحَهُ هَذَا (التَّنظيمُ المُجتَمَعِيُّ) الرَّاقي. رَأى المُسلِمينَ يَتَداعَونَ كَالجَسَدِ الواحِدِ لإغاثَةِ إخوانِهِم المُحتاجين، جُمِعَت المُساعَداتُ في مَكانٍ واحِد (المَسجِد)، بِإشرافٍ مَوثوق (النَّبِيّ ﷺ)، ثُمَّ وُزِّعَت بِعَدلٍ، دُونَ أن يُتْرَكَ كُلُّ فَقيرٍ يَطوفُ عَلى الأَبوابِ لِيُذِلَّ نَفسَه!
إخوَتي الأَحِبَّة، إنَّ إغاثَةَ المَنكوبينَ لَيسَت مِنَّةً نَمُنُّ بِها عَلَيهِم! بَل هِيَ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَلَينا أن استَعمَلَنا لِقَضاءِ حَوائِجِهِم.
قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما كَلِمَةً تَهُزُّ القُلوب: "ثَلاثَةٌ لا أُكافِئُهُم..." وعَدَّ مِنهُم: "رَجُلٌ نَزَلَت بِهِ حاجَةٌ فَأسْهَرَ لَيلَهُ يُفَكِّرُ بِمَن يُنزِلُ حاجَتَه، فَأَصبَحَ فَرآني أهْلًا لِحاجَتِه!". أي أنَّ الفَقيرَ اختارَكَ مِن بَينِ كُلِّ النَّاس، فَكيفَ تَرُدُّهُ أو تُهينُه؟
هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَومًا: ماذا لَو دارَتِ الأَيَّامُ — والعِياذُ بِالله — وأصبَحتَ أنتَ أو أبناؤُكَ مَكانَ هَذا اللاجِئ، أو ذاكَ المَنكوبِ الَّذي فَقَدَ بَيتَه؟ ماذا لَو كُنتَ أنتَ الَّذي تَنتَظِرُ طَردَ الإغاثَة؟ كَيفَ تُريدُ أن يُعامِلَكَ النَّاس؟
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9].
إنَّ الأُمَّةَ المُسلِمَةَ أُمَّةٌ جَسَدِيَّةٌ واحِدَة. إغاثَةُ السُّودان، إغاثَةُ غَزَّة، إغاثَةُ أَيِّ قُطرٍ مُسلِمٍ مَنكوب، لَيسَت نَشاطًا خَيريًّا تَقومُ بِهِ في وَقتِ فَراغِك! بَل هُوَ دَينٌ في رَقَبَتِك، والتِزامٌ عَقَديٌّ تُسأَلُ عَنه. ولكِن كُن فَطِنًا حَكيمًا؛ ضَع دِرهَمَكَ عِندَ مَن تَثِقُ بِدينِهِ وأمانَتِهِ ومُؤسَّسَتِه، لِيَكونَ دِرهَمُكَ رَصاصَةَ نَجاة، لا صَيدًا في شِباكِ المُتَلاعِبين.
أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ مَعنى الرَّحمَةِ المُنَظَّمَةِ في إغاثَةِ المَنكوبين، وكَيفَ أنَّ العَطاءَ الحَقيقيَّ هُوَ الَّذي يَحفَظُ لِلمُتَبَرِّعِ مالَهُ مِن الضَّياع، ولِلفَقيرِ كَرامَتَهُ مِنَ الابتِذال، وتَعَلَّمنا مِن زَينِ العابِدينَ كَيفَ تَكونُ صَدَقَةُ السِّر. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الشُّعورَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري هَذا:
الأُولى (قَلبيَّة): أخلِص نِيَّتَكَ لِلهِ وَحدَهُ عِندَ كُلِّ عَطاء. لا تَنتَظِر شُكرًا مِن أَحَد، ولا تَمُنَّ بِصَدَقَتِك، قُل في قَلبِك كَما قالَ الأبرار: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ قَبلَ الدِّرهَم. إن جاءَكَ سائِلٌ أو مَلهوفٌ ولَم تَجِد ما تُعطيه، فَلا تَعبِس في وَجهِه ولا تَزجُره! رُدَّهُ بِكَلِمَةٍ دافِئَةٍ، وابتِسامَةٍ صادِقَة، ودُعاءٍ لَهُ بِالجَبر، فَإنَّ جَبرَ الخَواطِرِ مِن أعظَمِ الصَّدَقات.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة): تَحَرَّوا في بَذلِكُم. الجِهاتُ الرَّسميَّةُ والمُؤسَّساتُ الإغاثِيَّةُ المُعتَمَدَةُ المَوثوقَةُ مَوجودَةٌ في كُلِّ بَلَد. لا تُسَلِّم أموالَكَ لِرَوابِطَ مَجهولَةٍ عَلى الشَّبَكة، حَتَّى لا تَكونَ أداةً بِيَدِ المُحتالين. الإحسانُ يَحتاجُ إلى عَقلٍ يُديرُهُ كَما يَحتاجُ إلى قَلبٍ يَدفَعُه.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): ابدَأ بِالأَقرَبين. تَفَقَّد إخوَتَك، وعُمومَتَك، وأبناءَ خُؤولَتِك، وجِيرانَك. كَم مِن أُسرَةٍ بَينَنا مُتَعَفِّفَة، بابُها مُغلَقٌ عَلى جُوعٍ وضيق، لا يَسأَلونَ النَّاسَ إلحافًا. هَؤُلاءِ أمانَةٌ في رِقابِكُم، والصَّدَقَةُ عَلَيهِم صَدَقَةٌ وصِلَة.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): لا تَحقِرَنَّ الدُّعاء. إذا رَأيتَ مَناظِرَ المَنكوبينَ والمُستَضعَفينَ ولَم تَملِك دِرهَمًا ولا دينارًا، فَاياكَ أن تَبخَلَ بِدَمْعَةٍ صادِقَةٍ ودَعوَةٍ خالِصَةٍ في سُجودِك. الدُّعاءُ إغاثَةٌ مَعنَوِيَّةٌ تَختَرِقُ السَّماوات!
فاتَّقوا اللَّهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ ما تُقَدِّمونَهُ اليَومَ تَجِدونَهُ غَدًا في صَحائِفِكُم، يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، وارضَ اللَّهُمَّ عَن الخُلَفاءِ الرَّاشِدين، أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعَلي، وعَن سائرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أنعَمتَ عَلَيهِ بِمالٍ أَنفَقَهُ في سَبيلِك. اللَّهُمَّ اجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَير، مَغاليقَ لِلشَّر، واجعَل أيادينا أيادِيَ عُليا بِالبَذلِ والعَطاء، ولا تَجعَلها سُفلى بِالسُّؤالِ والِاحتِياج.
اللَّهُمَّ يا سُميعَ الدُّعاء، يا كاشِفَ البَلاء، يا مُجيبَ المُضطَرِّين، اللَّهُمَّ كُن لِإخوانِنا المَنكوبينَ والمُستَضعَفينَ والمُشَرَّدينَ في كُلِّ مَكان. اللَّهُمَّ إنَّهُم حُفاةٌ فاحمِلهُم، وعُراةٌ فاكسُهُم، وجِياعٌ فأشبِعهُم، ومَظلومونَ فانتَصِر لَهُم. اللَّهُمَّ آوِهِم في لَيلِهم، واسْتُر عَوراتِهِم، وآمِن رَوعاتِهِم، واربُط عَلى قُلوبِهِم، وأنزِلِ السَّكينَةَ عَلَيهِم.
اللَّهُمَّ بَيِّض وُجوهَ المُتَصَدِّقين، وضاعِف أُجورَ المُحسِنين، واخْلُف عَلى كُلِّ مُنفِقٍ في سَبيلِكَ بَرَكَةً في مالِهِ وأهلِهِ ووَلَدِه. اللَّهُمَّ احفَظ أوطانَنا وأوطانَ المُسلِمينَ مِن كُلِّ سُوءٍ ومَكروه، وأَدِم عَلَينا نِعمَةَ الأَمنِ والإيمانِ، والسَّلامَةِ والإسلام.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أَكبَر، واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبإغاثة المنكوبين: رحمة منظمة تحفظ المال والكرامة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.