🕌 السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ... أبطالُ المَهَامِّ الصَّعبَة
#خطبة_جمعة #المبادرة #السبق_إلى_الخيرات #علو_الهمة #العمل_الصالح #رقائق #سيرة
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ مَيادينَ الخَيراتِ مِضمارًا للسَّابِقين، ورَفَعَ مَنازِلَ مَن أتعَبَ نَفسَهُ في رِضاهُ على مَنازِلِ القاعِدين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعطي على المَشَقَّةِ أجرًا لا يَخطُرُ على بال، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُبادِرين، وقائِدُ المُتَوَكِّلين العازِمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ:
حينَ تُوَزَّعُ المَكاسِبُ والمَغانِمُ الدُّنيويَّة، يَتَزاحَمُ النَّاسُ ويَتَسابَقون لِيَكونوا في الصُّفوفِ الأُولى. لكن حينَ تَنزِلُ المَهامُّ الشَّاقَّة، وتَدلَهِمُّ الخُطوب، وتَحتاجُ الأمَّةُ أو الأُسرَةُ أو المُجتَمَعُ إلى أكتافٍ تَحمِلُ العِبء، يَتَراجَعُ الكَثيرون، ويَتَلَفَّتونَ يَمنةً ويَسرةً باحِثينَ عَمَّن يَتَقَدَّم. وهُنا، يَبرُزُ رِجالٌ ونساءٌ اختارَهُم اللهُ لِيَكونوا أبطالَ "اللَّحظةِ الأُولى". فما هو السِّرُّ الذي يَجعَلُ الرَّجُلَ يَرمي بِنَفسهِ في أَتُونِ المَشَقَّةِ راضيًا، بَينما يَتَوارى غَيرُه؟ سِرٌّ عَجيبٌ، ومَنزِلَةٌ شَرعيَّةٌ غائبة، إن عَرَفتَها، تَغَيَّرَت موازينُ حَياتِكَ كُلِّها.
أَيُّها الإخوَةُ الكِرام، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا خَلَّدَ التَّاريخُ أسماءً ومَحا أسماء؟ ولماذا رَفَعَ اللهُ أقوامًا في القرآنِ إلى أعلى عِلِّيِّين، بَينما جَعَلَ آخَرينَ في ذَيلِ القائمَة؟
تَأمَّلوا في كِتابِ اللهِ جَلَّ وعَلا. اللهُ سُبحانَهُ لم يَأمُرنا فَقَط بفِعلِ الخَير، بل أَمَرَنا بـ "السِّباق" إليه. هُناك فَرقٌ هائِلٌ بَينَ مَن يَمشي إلى الخَيرِ مُتَثاقِلًا، وبَينَ مَن يَركُضُ إليه رَكضَ المُشتاق. يَقولُ اللهُ تَعالى كاشِفًا عَن هذه المَنزِلَةِ العُليا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11].
لاحِظوا... لم يَقُل "الفاعِلون"، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾. السَّابِقُ هو الذي يَرى الثَّغرَةَ فَيَسُدُّها قَبلَ أن يُطلَبَ مِنه. هو الذي يَرى المُهِمَّةَ الشَّاقَّةَ الَّتي يَهرَبُ مِنها النَّاس، فَيَقولُ: أنا لها! هو الذي لا يَنتَظِرُ التَّشجيعَ ولا التَّصفيق، لأنَّ عَينَهُ مُعَلَّقَةٌ بِالجائِزةِ الكُبرى.
ويُقَرِّرُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى هذا المَعنى في آيةٍ أُخرى حينَ يُقَسِّمُ الأمَّةَ إلى ثلاثةِ أقسام، فَيَقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]. الظَّالِمُ لِنَفسِهِ مُقَصِّر. والمُقتَصِدُ يَفعَلُ الواجِباتِ ويَترُكُ المُحَرَّماتِ ويَقِفُ عِندَ هذا الحَدّ. أمَّا السَّابِقُ بِالخَيرات... فهو الَّذي يَتَعَبُ، يَبذُلُ، يُبادِرُ، ويَقتَحِمُ العَقَباتِ الشَّاقَّة.
ولَعَلَّكُم تَسأَلون: كَيفَ يَكونُ هذا السَّبقُ عَمَليًّا؟ كَيفَ نَراهُ مُتَجَسِّدًا في رِجالٍ مَشَوا على هذه الأرض؟
تَعالَوا مَعي نَرجِع إلى المَدينَةِ المُنَوَّرَة، لِنَرى إمامَ المُبادِرينَ ﷺ في لَيلَةٍ مُظلِمَةٍ مُخيفَة.
واسمَعوا لهذا المَشهَدِ الحَيّ، الذي رَواهُ أنَسُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ أحسَنَ النَّاس، وأشجَعَ النَّاس. لَقَد فَزِعَ أهلُ المَدينَةِ ذاتَ لَيلةٍ — سَمِعوا صَوتًا مُرعِبًا في اللَّيل، فانطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ لِيَستَكشِفوا الأَمر.
هَل تَخَيَّلتُم المَوقِف؟ ظَلامٌ، وصَوتٌ مُخيف، ورِجالٌ يَتَجَمَّعونَ بِبُطءٍ وحَذَر لِلخُروج.
وبَينَما هُم يَخرُجون، إذا بِهِم يُفاجَؤون بِرجُلٍ راجِعٍ مِن جِهَةِ الصَّوت! قَد سَبَقَهُم جَميعًا، واكتَشَفَ الأَمرَ، وعادَ لِيُطَمئِنَهُم. مَن كانَ هذا الرَّجُل؟ إنَّهُ رَسولُ اللهِ ﷺ! خَرَجَ وَحدَهُ، على فَرَسٍ لِأبي طَلحَةَ عُريٍ (بِلا سَرج ولا لِجام)، مُتَقَلِّدًا سَيفَهُ، وهو يَقولُ لِلنَّاسِ لِيُهَدِّئَ رَوعَهُم: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» أي: لا تَخافوا. (متفق عليه).
تَأمَّلوا هذا الدَّرسَ العَظيم! رَسولُ اللهِ ﷺ، وقائِدُ الأمَّة، لم يَنتَظِر حَرَسَهُ، لم يوقِظ جُندَهُ، لم يَقُل: أَرسِلوا سَرِيَّةً لِتَستَطلِعَ الأَمر. بَل في لَحظَةِ الخَطَرِ، اقتَحَمَ المَشَقَّةَ والمُخاطَرَةَ بِنَفسِهِ قَبلَ الجَميع. هذا هو السَّبق! هذه هي المُبادَرَةُ الَّتي تَجعَلُ القائِدَ حَبيبًا لِقُلوبِ أتباعِه، وتَجعَلُ العَبدَ عَظيمًا في عَينِ رَبِّه.
وهُنا نَصِلُ إلى الأمْرِ الأخطَر، وإلى مَرَضٍ أصابَ الكَثيرَ مِنَّا اليَوم.
كم مرَّةً، يا عِبادَ الله، رَأَيتُم مُنكَرًا
في مَجلِسٍ، أو خَطَأً في عَملٍ، فقُلتُم في أنفُسِكُم: "سَيُنكِرُهُ غَيري"؟
كم مرَّةً جاءَت فُرسَةٌ لِكَفالَةِ يَتيم، أو إعانَةِ فَقير، أو إِصلاحِ مَسجِد، فتَلَفَّتَّ يَمنةً ويَسرةً وقُلتَ: "أينَ الأغنياء؟ أينَ المَسؤولون؟ هُناكَ مَن هو أقدَرُ مِنِّي"؟
كم مرَّةً وَقَعَ خِلافٌ وعَداوَةٌ بَينَ عَائلَتَينِ أو أخَوَين، فابتَعَدتَ عَن إِصلاحِ ذاتِ البَينِ لِأنَّها "مُهِمَّةٌ شاقَّةٌ ومُحْرِجَة"، وتَرَكتَ النَّارَ تَأكُلُ بَعضَها؟
هذا المَرَضُ — مَرَضُ "الِاتِّكالِ على الآخَرين" والتَّهَرُّبِ مِن المَهامِّ الصَّعبَة — هو سَبَبُ تَراجُعِ الأُمَّةِ في كَثيرٍ مِن مَيادينِها. الرُّكونُ إلى الدَّعَةِ، وإيثارُ السَّلامَة، والخَوفُ مِن تَحَمُّلِ المَسؤوليَّة، هو الَّذي يَحْرِمُنا مِن مَنازِلِ السَّابِقين.
يُحَذِّرُنا اللهُ جَلَّ وعَلا مِن هذا الشُّعورِ المُحبِطِ التَّراجُعيِّ في آيةٍ تَهُزُّ القُلوب، يَقولُ سُبحانَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
اثَّاقَلتُم إلى الأرض! يا لَها مِن صورَةٍ دَقيقَة. الأرضُ تَجذِبُنا بِراحتِها، بِفِراشِها الوَثير، بِهَواتِفِنا الَّتي نُقَلِّبُها بالسَّاعاتِ دونَ جُهد. أمَّا المَعالي، أمَّا الخَيراتُ، أمَّا المَهامُّ الشَّاقَّة، فَتَحتاجُ إلى انتِزاعِ النَّفسِ مِن جاذِبيَّةِ هذه الأرض والتَّحليقِ بِها.
ولَعَلَّنا نَتَعَلَّمُ الدَّرسَ الأكبَرَ في المُبادَرَةِ مِن ذلِكَ الرَّجُلِ الَّذي ما تَرَكَ مَيدانًا مِن مَيادينِ المَشَقَّةِ إِلَّا وكانَ رَقمَ واحِدٍ فيه. إنَّهُ صِدِّيقُ الأُمَّة، أبو بَكرٍ رضي الله عنه.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيمِ الَّذي رَواهُ مُسلِم. جَلَسَ النَّبيُّ ﷺ يَومًا بَينَ أصحابِه، وطَرَحَ أربَعَةَ أسئلَةٍ مُفاجِئَة، تَسألُ عَن أربَعَةِ أعمالٍ شاقَّة، تَحتاجُ إلى جُهدٍ وبَذلٍ ومُبادَرَة:
قال ﷺ: «مَن أصبحَ مِنكُمُ اليَومَ صائِمًا؟». قال أبو بَكر: أنا.
قال ﷺ: «فَمَن تَبِعَ مِنكُمُ اليَومَ جَنازَةً؟». قال أبو بَكر: أنا.
قال ﷺ: «فَمَن أطعَمَ مِنكُمُ اليَومَ مِسكينًا؟». قال أبو بَكر: أنا.
قال ﷺ: «فَمَن عادَ مِنكُمُ اليَومَ مَريضًا؟». قال أبو بَكر: أنا.
فماذا قالَ النَّبيُّ ﷺ بَعدَ هذا السِّباقِ المُذهِل؟ قال كلمَتَهُ الخالِدَة: «ما اجتَمَعنَ في امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّة».
تَأمَّلوا في هذا الصِّدِّيق! هَل كانَ أبو بَكرٍ عاطِلًا عَن العَمَل لِيَفعَلَ كُلَّ هذا في بَدايَةِ يَومِه؟ كَلَّا، كانَ تاجِرًا، وَوَزيرًا لِلنَّبيِّ ﷺ، وصاحِبَ مَسؤوليَّاتٍ عِظام. لكِنَّها (المُبادَرَة). هو لا يَنتَظِرُ الجَنازَةَ لِتَطْرُقَ بابَه، بل يَبحَثُ عَنها. لا يَنتَظِرُ المِسكينَ لِيَسأَلَه، بل يَذهَبُ إليه. هو سَبَّاقٌ لِلخَيرات.
ولِذلِكَ قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، حينَ بَيَّنَ حَقيقَةَ هذا السَّبْق، فَقال: "السَّبقُ سَبقُ القُلوبِ لا سَبقُ الأبدان".
نَعَم، القَلبُ هو الَّذي يَسبِق. القَلبُ المُشتَعِلُ بِحُبِّ اللهِ هو الَّذي يُحَرِّكُ هذا الجَسَدَ الكَسول، فَيُوقِظُهُ في بَردِ الشِّتاءِ لِصَلاةِ الفَجر، بَينَما الآلافُ نِيام. وهذا مِن أشقِّ الأعمال!
وما أجمَلَ ما قيلَ لِلحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ الله، حين سُئل: مَن نُنافِس؟ قال: "مَن نافَسَكَ في دينِكَ فَنافِسه، ومَن نافَسَكَ في دُنياكَ فَأَلقِها في نَحرِه".
أينَ أبطالُ المَهامِّ الصَّعبَةِ اليَوم؟
مَن الَّذي يَتَحَمَّلُ كَفالَةَ الأرْمَلَةِ والأيتامِ في العائلَة، حين يَتَخَلَّى الجَميعُ ويَتهَرَّبون؟
مَن الَّذي يَقِفُ في وَجهِ الباطِل، ويَنطِقُ بكَلِمَةِ الحَقِّ بأَدَبٍ وحِكمَة، حينَ يَختارُ الكُلُّ الصَّمتَ المُريح؟
مَن الَّذي يُسَخِّرُ جاهَهُ ومالَهُ لِقَضاءِ حَوائِجِ الضُّعَفاء، بَدَلًا مِن الاكتِفاءِ بإرسالِ رَسائلِ التَّعاطُفِ البارِدَة؟
إنَّ هؤُلاءِ هُم الَّذي عَنَاهُم اللهُ جَلَّ جَلالُهُ حينَ وَصَفَ الصَّفوَةَ مِن خَلقِه، فَقال: ﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]. المُسارَعَةُ تَعني انتِهازَ الفُرسَةِ قَبلَ فَواتِها، لِأنَّ الزَّمَنَ لا يَتَوَقَّف، والمَوتَ لا يَستَأذِن.
ولِهذا كانَ النَّبيُّ ﷺ يُلِحُّ على أصحابِهِ بِعَدَمِ التَّأجيل، وعَدَمِ التَّردُّد، فَقال: «بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِم؛ يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِن الدُّنيا» (رواه مسلم).
«بادِروا»... الكَلِمَةُ واضِحَة. لا تَقُل: غَدًا أَتوب. غَدًا أتَصَدَّق.
غَدًا أصِلُ رَحِمي. غَدًا أُصلِحُ بَيني وبَينَ أخي. بادِر! فإنَّكَ لا تَدري ما يَعْرِضُ لَك مِن فِتَنٍ تَسرِقُ مِنكَ النِّيَّة، وتَسحَبُ مِن قلبِكَ العَزيمَة.
تَذَكَّروا ذلِكَ الصَّحابيَّ الجَليل، أبا أيُّوبَ الأَنصاريَّ رضي الله عنه. رَجُلٌ قَد شاخَ، وبَلَغَ مِن العُمُرِ الثَّمانينَ سَنَة. ثَمانونَ سَنَة! مَرحَلَةُ التَّقاعُدِ والرَّاحَةِ والبَقاءِ في المَسجِدِ النَّبَويِّ في المَدينَة. ولَكِن حينَ سَمِعَ نِداءَ الجِهادِ والبَذلِ إلى أسوارِ القُسطَنطينيَّةِ (إسطَنبول اليَوم) — مَسافَةٌ هائِلَة، وبَحرٌ وبَرٌّ ومَشَقَّة — لم يَقُل: "أنا شَيخٌ كَبير، ولِيَذهَبِ الشَّباب". بَل حَمَلَ سَيفَهُ ورَكِبَ المَوج، حتَّى ماتَ وهُوَ يُقاتِل، ودُفِنَ عِندَ أسوارِها!
أينَ هِمَّتُنا مِن هِمَّتِهِم؟ وأينَ مُبادَرَتُنا مِن مُبادَرَتِهِم؟ إنَّهُم لَم يَرضَوا بِالقَليلِ، بَل طَمَحوا في الأَعلى والأَشقِّ، لِأنَّ الجَزاءَ أَعظَم وأَبقى.
يَقولُ رَبُّكُم مُحَفِّزًا لِهذِهِ الهِمَم، وداعِيًا لِهذا السِّباقِ الشَّريف: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُهُ ﷺ، أسبَقُ النَّاسِ لِلخَير، وأَصبَرُهُم على الأَذى، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حَقيقَةِ السَّبقِ والمُبادَرَةِ إلى المَهامِّ الصَّعبَة، وكَيفَ أنَّ هذا الدِّينَ لم يَقُم بِأكتافِ المُتَردِّدينَ الكُسالى، بل قامَ بِدِماءِ وعَرَقِ وتَضحيَّةِ أقوامٍ أمثالِ الصِّدِّيقِ وأبي أيُّوبَ الأَنصاري. وكَيفَ أنَّ خَطَرَ الاتِّكالِ عَلى الغَيرِ قَد أَصَرَّ بِنا حَتَّى تَرَكنا السَّاحاتِ خاليَة. والآن، بَقيَ السُّؤالُ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَوم؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونوا مِن أبطالِ المَهامِّ الصَّعبَة:
الأُولى (قَلبيَّة): اعقِد نيَّةً صادِقَةً حازِمَةً الآن، أنَّكَ لا تَتَرَدَّدُ أبدًا إذا لاحَت لَكَ فُرصَةُ خَير. قَرِّر في قَلبِكَ ألَّا تَقولَ "لِماذا أنا؟"، بَل قُل: "الحَمدُ للهِ الَّذي ساقَ هذا الفَضلَ إلَيّ". ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39].
الثَّانيَة (لِسانيَّة): كُن أوَّلَ مَن يُبادِرُ بِالسَّلام، وأوَّلَ مَن يَعتَذِرُ عِندَ الخُصومَة. هذا شاقٌّ جِدًّا على النَّفسِ الكَبيرَة، لَكِنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وخَيرُهُما الَّذي يَبدَأُ بِالسَّلام» (متفق عليه). سَبقُكَ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عِندَ الغَضَبِ هو بُطولَةٌ لا يَفعَلُها إِلَّا السَّابِقون.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة): ألزِم نَفسَكَ بِعِبادَةٍ شاقَّةٍ كُنتَ تَتَهَرَّبُ مِنها. إن كُنتَ مُقَصِّرًا في الفَجر، فابْدَأ بِها غَدًا. إن كُنتَ تارِكًا لِقيامِ اللَّيل، فَقُم اللَّيلَةَ ولَو بِرَكعَتَين. اثقُب هذا الكَسَلَ بِفِعلٍ قَوِيّ؛ فالأَجْرُ على قَدْرِ المَشَقَّة، و«لا يَزالُ قَومٌ يَتَأخَّرونَ حَتَّى يُؤخِّرَهُمُ الله» (رواه مسلم).
الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): بادِر أنتَ بِإِصلاحِ ذاتِ البَين. هُناكَ أخٌ مُقاطِعٌ لِأخيه، أو أُختٌ غاضِبَةٌ عَلى أُختِها مُنذُ سَنَوات. لا تَنتَظِر أن يَتَدَخَّلَ شَخصٌ آخَر. ارفَع هاتِفَكَ، وتَدَخَّل أنت، وتَحَمَّل إِحراجَ الرَّفضِ وصُعوبَةَ المَوقِف، فَإصلاحُ ذاتِ البَينِ أفضَلُ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاة.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): إذا رَأيتَ ثَغرَةً في أُمَّتِكَ أو مُجتَمَعِك — أُسرَةً فَقيرَةً تَتَعَفَّف، أو بابًا لِنُصرَةِ إخوانِنا المَظلومينَ والمُستَضعَفين في الأرضِ بِمالٍ أو جُهد، فَلا تَقُل: "أينَ الأَثرياء؟ أينَ المَسؤولون؟". بَل قُل: "أنا هُنا!"، وقَدِّم ما في وُسعِك، فاللهُ لا يَسألُكَ عَن قَطَفِ الثَّمَرَة، بل يَسألُكَ عَن بَذرِ البَذرَة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وَليَعلَم كُلُّ واحِدٍ مِنَّا أنَّهُ واقِفٌ بَينَ يَدَيِ اللهِ وَحدَه، فَلْيَنظُر ماذا قَدَّم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ
وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ عُلوَّ الهِمَّة، وصِدقَ العَزيمَة، والمُبادَرَةَ إلى ما يُرضيك.
اللَّهُمَّ نَعوذُ بِكَ مِن العَجزِ والكَسَل، ومِن القُعودِ والخَوَر، ومِن الرُّكونِ إلى الرَّاحَةِ الَّتي تُوَرِّثُ الحَسْرَةَ يَومَ النَّدامَة.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ السَّابِقينَ إلى الخَيرات، المُسارِعينَ إلى الصَّالِحات، المُبادِرينَ لِنَجدَةِ المَظلومين، وإِغاثَةِ المَلهوفين.
اللَّهُمَّ استَخدِمنا ولا تَستَبدِلنا، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّرّ.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، وانصُر إخوانَنا المُستَضعَفين المَظلومين في كُلِّ أرضٍ يُرفَعُ فيها اسمُك يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا ممَّن إذا لاحَت لَهُم فُرسَةُ طاعَةٍ سابَقوا إلَيها، وممَّن إذا دَعاهُم داعي الخَيرِ لَبُّوا نِداءَه.
عِبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.