من مكتبة مِداد الخطيب

أعمارنا تُسرَق.. فمَن السَّارق؟

مشاركة
🕌 أعمارنا تُسرَق.. فمَن السَّارق؟ #خطبة_جمعة #أهمية_الوقت #العمر #استغلال_الأوقات #العمل_الصالح #المحاسبة #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُقَلِّبُ الأيَّامَ والشُّهورَ، ويُطوي الأعمارَ والدُّهورَ، لِيَبلُوَ عِبادَهُ أيُّهم أحسَنُ عَمَلًا. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أحرَصُ النَّاسِ على طاعةِ ربِّه، وأعظَمُهم استِثمارًا لِعُمُرِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا مَعي رَجُلًا يَمتَلِكُ خَزنةً مَليئةً بالذَّهَب، وكُلَّ يَومٍ يَأتي لِصٌّ خَفيٌّ فَيَسرِقُ مِنها قِطعَةً.. والرَّجُلُ يَرى خَزنتَهُ تَفرَغُ أمامَ عَينَيه، لكنَّهُ لا يَصرُخ، ولا يَغضَب، بَل يَبتَسِمُ ويَلهو! لَعلَّكُم تَقولون: أيُعقَلُ أن يُوجَدَ مِثلُ هذا المَجنون؟ أقولُ لَكُم: نَعَم، كَثيرٌ مِنَّا هُوَ هذا الرَّجُل! خَزنَتُكَ هِيَ عُمُرُك، واللِّصُّ الخَفيُّ هُوَ غَفلَتُك، والأيَّامُ تُسرَقُ مِنكَ يَومًا بَعدَ يَوم. فما المَخرَج؟ وكَيفَ نُوقِفُ هذا النَّزيف؟ هذا ما سَنَعرِفُهُ اليَوم. أيُّها المُسلِمون، لو أنَّ أحَدَنا أضاعَ مِن مالِهِ مِئةَ دُولارٍ أو دينار، لَبَلَغَ مِنهُ الهَمُّ مَبلَغًا، ولَباتَ لَيلَتَهُ يُفَكِّرُ كَيفَ يُعَوِّضُها. ولَكِنَّنا نُضَيِّعُ مِن أعمارِنا السَّاعاتِ طِوالًا، والأيَّامَ تِباعًا، ولا تَتَحَرَّكُ في قُلوبِنا شَعرةٌ مِن نَدَم! لقد أقسَمَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ في كِتابِهِ بِالوَقت، واللهُ العَظيمُ لا يُقسِمُ إلَّا بِعَظيم. يقولُ رَبُّنا تباركَ وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر: 1-2]. تأمَّلوا هَذَا القَسَمَ الرَّهيب! أقسَمَ اللهُ بِالزَّمانِ الَّذي هُوَ رَأسُ مالِ الإنسانِ، على أنَّ كُلَّ إنسانٍ في خَسارَةٍ وهَلاك، إلَّا مَنِ استَثنى اللهُ مِمَّن آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ، وتَواصَوا بِالحَقِّ وتَواصَوا بِالصَّبر. والوَقتُ — يا عِبادَ اللهِ — لَيسَ مالًا يُعَوَّض، بَل هُوَ "أنتَ". واسمَعوا كَيفَ شَرَحَ هذا المَعنى إمامُ التَّابِعينَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ حينَ قالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: "يا ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَّامٌ مَجموعَة، فَإذا ذَهَبَ يَومٌ، ذَهَبَ بَعضُك!". نَعَم.. نَحنُ لَسنا إلَّا جُمَلَةً مِنَ الأيَّام، كُلَّما غابَت شَمسُ يَومٍ، اقتُطِعَ مِن أجسادِنا وأرواحِنا جُزءٌ لن يَعودَ إلى يَومِ القِيامَة. ومِن عَجائِبِ هَذِهِ النِّعمَةِ، أنَّها أكثَرُ نِعمَةٍ يُخدَعُ فيها البَشَر. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيمِ الَّذي يَفُكُّ لَنا هذا اللُّغز؛ يَقولُ نَبيُّنا وسَيِّدُنا مُحمَّدٌ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواهُ البُخاري). الغَبنُ في لُغَةِ العَرَب: أن تَبيعَ سِلعَةً غاليَةً جِدًّا، بِثَمَنٍ بَخسٍ رَخيص، فَيَضحَكَ عَلَيكَ المُشتَري. وهَكَذا كَثيرٌ مِنَ النَّاس، يَبيعونَ سَاعاتِ الفَراغِ الَّتي لا تُقَدَّرُ بِثَمَن، في التَّفاهاتِ والقيلِ والقال، ثُمَّ يَكتَشِفونَ — ولَكِن بَعدَ فَواتِ الأوان — أنَّهُم قَد غُبِنوا غَبنًا فاحِشًا! يا عِبادَ الله، هَل سَألتُم أنفُسَكُم يَومًا: لِماذا خَلَقَنا الله؟ هَل خَلَقَنا لِنَأكُلَ ونَشرَبَ ونُشَيِّدَ البُنيانَ ثُمَّ نَموت؟ أم أنَّ هُناكَ غايَةً أسمى مِن ذَلِك؟ يَقولُ الحَقُّ سُبحانَهُ بِلُغَةِ التَّقريعِ والتَّحذير: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 115]. حاشا للهِ أن يَخلُقَكَ عَبَثًا! لَقَد خَلَقَكَ لِغايَةٍ عَظيمَة، وهَيَّأَ لَكَ عُمُرًا مَحدودًا لِتُحَقِّقَ فِيهِ هَذِهِ الغايَة. تأمَّلوا مَعي هَذِهِ القِصَّةَ الَّتي تَهزُّ القُلوبَ الحَيَّة.. يُروى أنَّ الإمامَ الفُضَيلَ بنَ عِياضٍ رَحِمَهُ الله، رَأى رَجُلًا فَسَألَهُ: كَم عُمُرُك؟ قالَ الرَّجُل: سِتُّونَ سَنَة. فَقالَ لَهُ الفُضَيل: إذًا أنتَ مُنذُ سِتِّينَ سَنَةً تَسيرُ إلى رَبِّك، ويُوشِكُ أن تَصِل! فَصُدِمَ الرَّجُلُ وقالَ مُستَرجِعًا: إنَّا لِلهِ وإنَّا إلَيهِ راجِعون! فَقالَ لَهُ الفُضَيل: هَل تَعرِفُ مَعناها؟ مَن عَلِمَ أنَّهُ للهِ عَبد، وأنَّهُ إليهِ راجِع، فَليَعلَم أنَّهُ مَوقوفٌ، ومَن عَلِمَ أنَّهُ مَوقوفٌ، فَليَعلَم أنَّهُ مَسؤولٌ، ومَن عَلِمَ أنَّهُ مَسؤولٌ، فَليُعِدَّ لِلسُّؤالِ جَوابًا! فَبَكى الرَّجُلُ وقال: فما الحيلَةُ يا أبا عَلي؟ قال: يَسيرة.. تُحسِنُ فيما بَقي، يُغفَرُ لَكَ ما مَضى وما بَقي، فَإنَّكَ إن أسَأتَ فيما بَقي، أُخِذتَ بِما مَضى وما بَقي! إخوَتي، لَيسَ المُهِمُّ كَم ضاعَ مِن عُمُرِك، المُهِمُّ كَيفَ سَتَستَثمِرُ اللَّحظَةَ الَّتي أنتَ فيها الآن!
يَقولُ اللهُ تَعالى مُحَذِّرًا كُلَّ مَن ضَيَّعَ شَبابَهُ وعُمُرَهُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [سورة فاطر: 37]. وقَد شَرَحَ نَبيُّنا ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِحَديثٍ قاطِع، فَقال: «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً» (رواهُ البُخاري). أي: لَم يَترُك لَهُ عُذرًا يَعتَذِرُ بِهِ أمامَ الله، فَقَد أعطاهُ عُمُرًا طَويلًا لِيَتوبَ ويَعمَلَ صالِحًا! ولَكِن، لِنَنزِلَ إلى واقِعِنا المُعاصِر قَليلًا.. انظُروا إلى حالِنا مَعَ الهَواتِفِ الَّتي بَينَ أيدينا. الشَّخصُ العادِيُّ اليَومَ يَقضي ما بَينَ ثَلاثِ إلى أربَعِ سَاعاتٍ يَوميًّا يَتَصَفَّحُ شاشَةَ هاتِفِهِ فيُمَرِّرُ المَقاطِعَ والصُّوَرَ بِلا غايَة. احسِبوها مَعي: أربَعُ ساعاتٍ في اليَومِ، تَعني شَهرَينِ كامِلَينِ كُلَّ عام! شَهرانِ مِن كُلِّ سَنَةٍ يَذوبانِ في شاشَةٍ مُضيئة! لَو طُلِبَ مِن أحَدِنا أن يَقرَأَ القُرآنَ عِشرينَ دَقيقَةً لاسْتَطالَها، ولَكِنَّهُ يَجلِسُ أمامَ الشَّاشَةِ ثَلاثَ سَاعاتٍ ولا يَشعُر. أيُّ سَرَابٍ نُطارِدُ؟ وأيُّ عُمُرٍ نُهينُ؟ لِذَلِكَ كانَ الصَّحابَةُ والسَّلَفُ يَخافونَ عَلى أوقاتِهِم أشدَّ مِن خَوفِهِم عَلى أموالِهِم. يقولُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عَنه: "ما نَدِمتُ عَلى شَيءٍ نَدَمي عَلى يَومٍ غَرَبَت شَمسُهُ، نَقَصَ فيهِ أجَلي، ولَم يَزِد فيهِ عَمَلي". ويَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في كَلِمَةٍ تُكتَبُ بِماءِ العَين: "إضاعَةُ الوَقتِ أشَدُّ مِنَ المَوت؛ لِأنَّ إضاعَةَ الوَقتِ تَقطَعُكَ عَنِ اللهِ والدَّارِ الآخِرَة، والمَوتُ يَقطَعُكَ عَنِ الدُّنيا وأهلِها!". الفَرقُ عَظيمٌ بَينَ مَن يَخسَرُ الدُّنيا، وبَينَ مَن يَخسَرُ اللهَ والدارَ الآخِرَة! يا عِبادَ الله، الدُّنيا سِياقٌ مَحمومٌ، والفُرَصُ لا تَنتَظِرُ المُتَكاسِلين. وقَد وَجَّهَنا رَسولُنا الكريمُ ﷺ بِتَوجيهٍ عَمَليٍّ واضِحٍ قائِلًا: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (رواهُ الحاكم وصححه). تَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الدِّراميَّ الَّذي يُصَوِّرُهُ لَنا القُرآنُ لِلَّحظَةِ الَّتي يَنقَضي فيها الرَّصيد، ويُغلَقُ فيها كِتابُ العُمُر. إنَّهُ مَشهَدُ المُفَرِّطينَ في الوَقتِ حِينَ يَقِفونَ عَلى حافَّةِ القَبر! ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [سورة المؤمنون: 99-100]. ماذا يُريد؟ هَل يُريدُ أن يَرجِعَ لِيُكمِلَ بِناءَ بَيتِه؟ لا. هَل يُريدُ أن يَرجِعَ لِيَجمَعَ المَزيدَ مِنَ المال؟ لا. يُريدُ دَقيقَةً واحِدَة.. لَحظَةً واحِدَةً يَسجُدُ فيها لله، أو يَستَغفِرُ فيها مِن ذَنب! فَيَأتيهِ الجَوابُ القاطِعُ الَّذي يَصدَعُ القُلوب: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ثُمَّ يَمضي الزَّمَنُ إلى يَومِ القِيامَة، حَيثُ المَشهَدُ الأشَدُّ حَسرةً. حينَ تَتَطايَرُ الصُّحُف، ويَرى المُضَيِّعُ لِوَقتِهِ نَتيجَةَ غَفلَتِه، فَيُطلِقُ صَرخَةً لَن يَسمَعَها إلَّا مَن كانَ في مِثلِ حالِه: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [سورة الفجر: 24]. يا لَها مِن كَلِمَةٍ مُوجِعَة! "لِحياتي"! اكتَشَفَ أخيرًا أنَّ الدُّنيا لَم تَكُن هِيَ الحَياة.. بَل كانت مُجَرَّدَ "قاعَةِ امتِحان"، وأنَّ الحَياةَ الحَقيقيَّةَ هِيَ الآخِرَة! فَيالَيتَهُ قَدَّمَ لَها حينَ كانَت أنفاسُهُ في صَدرِهِ تَترَدَّد. أيُّها الأحِبَّة، قَبلَ أن يَقِفَ أحَدُنا ذَلِكَ المَوقِف، لِنَسمَع نِداءَ اللَّطيفِ الخَبيرِ وهُوَ يُنادِينا في الدُّنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر: 18]. نَعَم، ماذا قَدَّمتَ لِغَد؟ هذا هُوَ السُّؤالُ الَّذي يَجِبُ أن تَنامَ وتَستَيقِظَ عَلَيه. فَكُلُّ خُطوةٍ تَخطوها، وكُلُّ نَفَسٍ تَتَنَفَّسُه، يُقَرِّبُكَ إمَّا إلى الجَنَّةِ أو إلى النَّار. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أوْ مُوبِقُهَا» (رواهُ مُسلم). بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقُولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن خَطَرِ سَرِقَةِ الأعمار، وعَرَفنا أنَّ الوَقتَ هُوَ المادَّةُ الَّتي صُنِعَت مِنها حَياتُنا، وتَوَقَّفنا عِندَ مَشهَدِ الحَسرَةِ عِندَ المَوتِ ويَومَ القِيامَة. والآن، والسُّؤالُ الَّذي يُمَزِّقُ حُجُبَ الغَفلَة: ما هُوَ العَمَل؟ وكَيفَ نُنقِذُ ما بَقيَ مِن أعمارِنا قَبلَ أن يَمُرَّ القِطار؟ أوصيكُم بِخَمسٍ عَمَليَّةٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، فاحفَظوها حِفظَكُم لِأسمائِكُم: الأولى (قَلبيَّة): نِيَّةٌ صادِقَةٌ تُحَوِّلُ عاداتِكَ إلى عِبادات. إن نِمتَ قاصِدًا التَّقَوِّي عَلى الطَّاعَة فَأنتَ في عِبادَة، وإن ذَهَبتَ لِعَمَلِكَ قاصِدًا إعفافَ نَفسِكَ وأهلِ بَيتِكَ فَأنتَ في عِبادَة. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ». لا تَترُك يَومًا يَمُرُّ بلا نِيَّةٍ تُضاعِفُ لَكَ الأجر. الثانية (لِسانيَّة): زاحِم أوقاتَ الفَراغِ المَهدورَةِ بِذِكرِ الله. وأنتَ في سَيَّارَتِك، أو في قاعَةِ الانتِظار، أو تَسيرُ في الطَّريق.. لا تَسكُت! حَرِّك لِسانَكَ بِالاستِغفارِ والباقِياتِ الصَّالِحات. تَخيَّل أنَّ كَلِمَةَ "سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِه" تُغرَسُ لَكَ بِها نَخلَةٌ في الجَنَّة. فكَم مِن غاباتٍ في الجَنَّةِ نُضَيِّعُها بِسُكوتِنا كُلَّ يَوم! الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اجعَل لِنَفسِكَ "وِردًا حَديديًّا" لا يَنكَسِر. مِقدارٌ ثابِتٌ مِنَ القُرآنِ تَقرَؤهُ كُلَّ يَوم، ولَو صَفحَةً واحِدَة. رَكعَتانِ مِنَ اللَّيل، أو صَدَقَةٌ يَسيرَة. قَليلٌ دائِمٌ خَيرٌ مِن كَثيرٍ مُنقَطِع. لا تَنَم لَيلَتَكَ حَتَّى تُؤَدِّيَ وِردَكَ، فَإنَّ العُمُرَ يَنقَضي بِتَسويفِ الصَّالِحات. الرابعة (اجتماعيَّة): اقطَع لُصوصَ الوَقتِ بِسَيفِ الحَزم. المَجالِسُ الَّتي لا فائِدَةَ مِنها، والمُكالماتُ الطَّويلَةُ في الغيبَةِ، والشَّاشاتُ الَّتي تَبتَلِعُ السَّاعات.. ضَع لَها حَدًّا اليَوم. كُلُّ دَقيقَةٍ تَقضيها في المَعصيَةِ أوِ اللَّغوِ هِيَ قِطعَةٌ مِن لَحمِكَ تُحرَق. بادِر بِصِلَةِ رَحِمٍ أو عِيادَةِ مَريضٍ بَدَلًا مِنها. الخامسة (مَوضوعيَّة): حاسِب نَفسَكَ كُلَّ لَيلَةٍ قَبلَ أن تَنام. ضَع رَأسَكَ عَلى الوِسادَة واسأل: ماذا كَسَبتُ اليَومَ لِآخِرَتي؟ هَلِ ارتَفَعتُ دَرَجَةً أم هَبَطتُ دَرَكة؟ قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنه: "حاسِبوا أنفُسَكُم قَبلَ أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفُسَكُم قَبلَ أن تُوزَنوا". فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ رِحلَةٌ قَصيرَة، ﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فَقالَ عَزَّ مِن قائِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ بارِك لَنا في أعمارِنا، وأوقاتِنا، وأعمالِنا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن طالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُه، ولا تَجعَلنا مِمَّن طالَ عُمُرُهُ وساءَ عَمَلُه. اللَّهُمَّ أيقِظ قُلوبَنا مِن رَقدَةِ الغافِلين، ونَبِّهنا مِن سِنَةِ التَّفريطِ والضَّائِعين. اللَّهُمَّ اجعَل كُلَّ لَحظَةٍ في حَياتِنا خُطوَةً تُقَرِّبُنا إلَيك، وعَمَلًا خالِصًا لِوَجهِك. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن الفَراغِ الَّذي يَجلِبُ المَعصيَة، ونَعوذُ بِكَ مِن ضَياعِ العُمُرِ في غَيرِ طاعَتِك. اللَّهُمَّ اختِم بِالصَّالِحاتِ أعمالَنا، واجعَل خَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك، وأنتَ راضٍ عَنَّا غَيرُ غَضبان. اللَّهُمَّ ارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمينَ، الَّذينَ انقَطَعَت أعمارُهُم وارتَهَنوا بِأعمالِهِم، اللَّهُمَّ أفسِح لَهُم في قُبورِهِم، واغفِر لَهُم ذُنوبَهُم، واجمَعنا بِهِم في جَنَّاتِ النَّعيم. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.