📜 المقاطعةُ الاقتصاديَّة... رصاصةُ المُستضعفين وعقيدةُ الولاء
#كلمة_مناسبة #الولاء_والبراء #المقاطعة #نصرة_الأمة #عقيدة #فقه_النوازل
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ المُؤمنينَ إخوَةً، تَتَكافَأُ دِماؤُهُم، ويَسعى بِذِمَّتِهِم أدناهُم، وهُم يَدٌ على مَن سِواهُم. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الوَلاءَ للمُؤمنينَ سِياجًا يَحمي بَيضَةَ هذا الدِّين، وجَعَلَ البَراءَ مِن الكافرينَ المُحاربينَ عَقيدةً راسِخَةً تَحيا بِها القُلوبُ قَبلَ الجَوارِح. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القائلُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أعمَقُ النَّاسِ وَلاءً لِرَبِّه ولأُمَّتِه، وأشَدُّهُم بَراءً مِن أعداءِ الدِّين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعد:
أيُّها الإخوَةُ الأحبَّة، تَخَيَّلوا معي هذا المَشهَدَ الذي يَتَكَرَّرُ في حَياتِنا كُلَّ يَوم: تَقِفُ في السُّوق، أو تَجلِسُ في مَقهى، وتَمتَدُّ يَدُكَ لِتَدفَعَ قِطعَةً نَقديَّةً أو وَرَقَةً ماليَّةً زَهيدةً في مُقابِلِ سِلعَةٍ أو مَشروب. لَحظَةٌ عابِرَة، عَمَليَّةُ شِراءٍ روتينيَّة، تَبدو في ظاهِرِها مُجَرَّدَ مُبادلَةٍ تِجاريَّة.
لَكِن، ماذا لَو كُشِفَ لَكَ الغِطاء، ورَأيتَ مَسارَ هذه القِطعَةِ النَّقديَّة؟ تَخرُجُ مِن يَدِكَ بَاردَةً هادِئَة، لِتَصبُّ في خَزينَةِ شَرِكَةٍ كُبرى، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ في الجِهَةِ الأُخرى مِن العالَمِ إلى ضَريبَةٍ أو دَعمٍ ماليٍّ يُقَدَّمُ لِجَيشٍ مُحارِب. تِلكَ القِطعَةُ النَّقديَّةُ التي خَرَجَت مِن يَدِكَ حَلوى أو قَهوَة، نَزَلَت على رُؤوسِ إخوانِكَ في فِلَسطينَ أو غَيرِها مِن بِلادِ المُسلمينَ رَصاصَةً أو قَذيفَةً أو صاروخًا يَهدِمُ بَيتًا فَيُحيلُهُ إلى مَقبرَة!
هَل كُنتَ سَتَشرَبُ ذَلِكَ المَشروبَ لَو كُنتَ تَعلَمُ أنَّهُ مَمزوجٌ بِقَطَراتٍ مِن دَمِ أخيك؟ هَل كُنتَ سَتَشتَري تِلكَ السِّلعَةَ لَو رَأيتَ أنَّ ثَمَنَها يُدفَعُ لِشِراءِ الكَفَنِ لِطِفلٍ مُسلِم؟
هذا هو السُّؤالُ الذي يَجِبُ أن نَطرَحَهُ على أنفُسِنا اليَوم، ونَحنُ نَتَحَدَّثُ عَن سِلاحِ "المُقاطَعَةِ الاقتصاديَّة". القَضيَّةُ — يا عِبادَ الله — لَيسَت مُجَرَّدَ "حَملَةٍ شَعبيَّة" تَبدَأُ في أُسبوعٍ وتَخفُتُ في الذي يَليه. القَضيَّةُ عَقيدَةٌ، ودِينٌ، ووَلاءٌ، وبَراء.
والوَلاءُ والبَراءُ لَيسَ كَلِمَةً تُردَّدُ في كُتُبِ العَقيدَةِ فَحَسب، بَل هو أوثَقُ عُرى الإيمان. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ فيما رَواهُ الإمامُ أحمَد: «أوثَقُ عُرى الإيمانِ: المُوالاةُ في اللهِ، والمُعاداةُ في اللهِ، والحُبُّ في اللهِ، والبُغضُ في الله». وهَل هُناكَ وَلاءٌ للهِ ولِرَسولِهِ ولِلمُؤمنين أصدَقُ مِن أن تَمتَنِعَ عَن دَعمِ مَن يَقتُلُهُم؟ وهَل هُناكَ بَراءٌ مِن أعداءِ اللهِ أبلَغُ مِن أن تَرفُضَ أن يَكونَ مالُكَ جُزءًا مِن آلتِهِم العَسكَريَّة؟
يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: (إنَّ الوَلايَةَ والمَحَبَّةَ أصلُها في القَلب، ولَكِن لا بُدَّ أن يَظهَرَ أثَرُها على الجَوارِح). ومِن ظُهورِ أثَرِها على الجَوارِح: أثَرُها على المِحفَظَة، وأثَرُها على الدِّينارِ والدِّرهَم. لا يُمكِنُ لِقَلبٍ يَتَمَزَّقُ أَلَمًا على صُوَرِ الدِّماءِ والأشلاءِ في الصَّباح، أن يَجلِسَ في المَساءِ لِيُنعِشَ خَزائِنَ القاتِلِ بِمالِه! هذا تَناقُضٌ لا يَقبَلُهُ مَنطِقٌ ولا يُقِرُّهُ إيمان. يَقولُ تَعالى مُحَذِّرًا تَحذيرًا قاطِعًا: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ومِن المُوادَّةِ والمُوالاة: تَقويَتُهُم بِالمالِ وتَنشيطُ اقتِصادِهِم لِيَستَمِرَّ بَطشُهُم.
إخوَتي الأكارِم، لِنَرجِع إلى مَدرَسَةِ السِّيرَةِ النَّبَويَّة، لِنَرى كَيفَ فَهِمَ الصَّحابَةُ هذا المَعنى فَهمًا عَمَليًّا مُباشِرًا.
واسمَعوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ التي تُؤَصِّلُ لِسِلاحِ المُقاطَعَةِ في دينِنا. قِصَّةُ الصَّحابيِّ الجَليلِ ثُمامَةَ بنِ أُثالٍ رَضِيَ اللهُ عَنه. كانَ ثُمامَةُ سَيِّدَ أهلِ اليَمامَة (وهي المِنطَقَةُ التي تَمُدُّ مَكَّةَ بِالقمَحِ والطَّعام). لَمَّا أسلَمَ ثُمامَةُ رَضِيَ اللهُ عَنه، ذَهَبَ إلى مَكَّةَ مُعتَمِرًا، فَأخَذَت قُرَيشٌ تَستَهزِئُ بِه. فَوَقَفَ وَقفَةَ العِزِّ وقالَ لَهُم كَلِمَةً زَلزَلَتِ اقتِصادَهُم، قال: «وَاللَّهِ لا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ».
تَأمَّلوا مَعي هَذا المَوقِف! ثُمامَةُ رَجُلٌ واحِد، ولَكِنَّهُ يَملِكُ قَرارَهُ الاقتِصاديّ. قَرَّرَ أن يَفرِضَ حِصارًا اقتِصاديًّا — مُقاطَعَةً
شامِلَةً — على قُرَيشٍ التي تُحارِبُ رَسولَ اللهِ ﷺ. وعادَ إلى اليَمامَةِ ومَنَعَ تَصديرَ القَمحِ إلى مَكَّة. ماذا حَدَث؟ أصابَ قُرَيشًا جَهدٌ شَديدٌ ومَجاعَة، حَتَّى اضطُرَّ أبا سُفيان (وكانَ يَومَئِذٍ عَلى الشِّرك) أن يُراسِلَ النَّبيَّ ﷺ ويُناشِدَهُ بِالرَّحِمِ أن يَكتُبَ إلى ثُمامَةَ لِيَرفَعَ المُقاطَعَة! فأرسَلَ النَّبيُّ ﷺ لِثُمامَةَ أن يُخَلِّيَ بَينَهُم وبَينَ طَعامِهِم.
هَذِهِ القِصَّةُ — التي رَواها البُخاريُّ ومُسلِم — تُثبِتُ أصلًا عَظيمًا: الرَّسولُ ﷺ أَقَرَّ فِعلَ ثُمامَة، ولَم يُنكِر عَلَيهِ استِخدامَ السِّلاحِ الاقتِصاديِّ في حَربِ أعداءِ الأُمَّة. بَل إنَّ الصَّحابَةَ أدرَكوا أنَّ الإيمانَ إذا وَقَرَ في القَلب، فَلَن يَسمَحَ لِلمُؤمِنِ أن يَكونَ مَصدَرَ قُوَّةٍ لِمَن يَسفِكُ دِماءَ إخوانِه. وقَد قالَ الإمامُ ابنُ قُدامَةَ رَحِمَهُ اللهُ في "المُغني" وهُوَ يَتَحَدَّثُ عَن أحكامِ التَّعامُلِ التِّجاريِّ مَعَ العَدوِّ المُحارِب: (لا يَجوزُ بَيعُ السِّلاحِ لَهُم، ولا ما يُستَعانُ بِهِ على قِتالِ المُسلمين). هَذا في البَيعِ الذي تَستَفيدُ مِنهُ، فَكَيفَ بِالشِّراءِ مِنهُم وإعطائِهِم أموالَكَ لِيُصَنِّعوا بِها سِلاحَهُم؟!
أيُّها الأحِبَّة، هُناكَ إشكاليَّاتٌ ومُغالَطاتٌ يَبُثُّها المُخَذِّلونَ اليَومَ في صُفوفِ الأُمَّةِ لِكَسرِ سِلاحِ المُقاطَعَة، ويَجِبُ أن نَقِفَ أمامَها بِوَعْيٍ وبَصيرَة:
المُغالَطَةُ الأُولى: "وماذا سَيَفعَلُ الرِّيالُ أو الدِّينارُ الذي أمتَنِعُ عَن دَفعِه؟ إنَّها شَرِكاتٌ مِلياريَّةٌ كُبرى لَن تَتَأثَّرَ بِكوبِ قَهوَةٍ أو وَجبَةٍ أتَنازَلُ عَنها!"
وهَذا مِن أعظَمِ تَلبيسِ إبليس! يا عِبادَ الله، البَحرُ المُحيطُ ما هو إلَّا قَطَراتٌ مُجتَمِعَة، والجَبَلُ ما هو إلَّا ذَرَّاتٌ مِن حَصى. الشَّرِكاتُ الكُبرى لا تَرتَعِبُ مِن شَخصٍ واحِد، لَكِنَّها تَرتَعِبُ مِن "أُمَّة" تَستَيقِظ. حِينَ يَمتَنِعُ مِليونُ مُسلِمٍ عَن دَفعِ رِيالٍ واحِد، فَهَذِهِ مِليونُ رِيالٍ في اليَوم، وثَلاثونَ مِليونًا في الشَّهر، وتَسقُطُ أسْهُمُهُم في البورصات، وتُغلَقُ فُروعُهُم.
والأهَمُّ مِن ذَلِك: قَضيَّتُكَ لَيسَت فَقَط "هَل خَسِروا أم لَم يَخسَروا؟". قَضيَّتُكَ مَوقِفُكَ أمامَ الله! حينَ تُسأَلُ يَومَ القِيامَةِ عَن دِماءِ المُستَضعَفين، سَتَقولُ: يا رَبِّ، عَجَزتُ عَن نُصرَتِهِم بِسِلاحي، لَكِنِّي وَاللهِ لَم أُشارِك في قَتلِهِم بِمالي! المُقاطَعَةُ بَراءَةُ ذِمَّةٍ أمامَ الدَّيَّان. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وشِراؤُكَ لِبَضائِعِهِم الدَّاعِمَةِ للإجرامِ هُوَ صَميمُ التَّعاوُنِ على الإثمِ والعُدوان.
المُغالَطَةُ الثَّانيَة: "البَدائِلُ المَحَلِّيَّةُ أو الإسْلاميَّةُ جَودَتُها ضَعيفَة، ولا تُقارَنُ بِمُنتَجاتِهِم!"
وهُنا يَسقُطُ القِناعُ عَن نُقطَةِ الضَّعفِ الحَقيقيَّة. عِبَادَ اللَّه، هَل نَحنُ عَبيدٌ لِمُنتَجاتِهِم؟ هَل وَصَلَت بِنا الشَّهوَى في مَشروبٍ غازِيٍّ، أو وَجبَةٍ سَريعَة، أو عِطرٍ، أو مِعطَف، إلى الدَّرَجَةِ التي نَبيعُ فيها مَبادِئَنا ودِماءَ إخوانِنا؟
يا سُبحانَ الله! يَصنَعُ الطِّفلُ في غَزَّةَ أو في الخِيامِ المُهَدَّمَةِ مُعجِزاتٍ مِن الصَّبرِ على الجُوعِ والعَطَش، ويَعجِزُ أحَدُنا عَن الصَّبرِ عَن "عَلامَةٍ تِجاريَّة" ألِفَها؟!
قالَ النَّبيُّ ﷺ فيما رَواهُ أبو داوُد: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». والمُقاطَعَةُ هِيَ أضْعَفُ الإيمانِ في جِهادِ المال؛ ألا تُعطيَهُ لِلعَدو! إنَّ تَحَمُّلَكَ لِبَديلٍ أقَلَّ جَودَةً — إن وُجِد — هُوَ بِمَثابَةِ "رِباطٍ" في سَبيلِ الله، تُهَذِّبُ بِهِ نَفسَكَ، وتَكسِرُ بِهِ شَهوَتَك، وتَقولُ لِلَّهِ: يا رَبِّ، تَرَكتُ هَذا الشَّيءَ لأجلِكَ ولأجلِ إخواني، فَعَوِّضني الإيمانَ واليَقين.
المُغالَطَةُ الثَّالِثَة: "العامِلونَ في هَذِهِ الشَّرِكاتِ أو المَتاجِرِ داخِلَ بُلدانِنا هُم مِنَ المُسلمين، والمُقاطَعَةُ قَد تَقطَعُ أرزاقَهُم!"
هَذِهِ حُجَّةٌ واهِيَةٌ أمامَ ميزانِ الشَّريعَة. أوَّلًا: الرَّزَّاقُ هُوَ الله، ومَن تَرَكَ عَمَلًا يُساهِمُ في دَعمِ عَدوٍّ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنه. ثانِيًا: الاقتِصادُ لا يَتَوَقَّف. حينَ تُقاطِعُ المُنتَجَ الأجنَبيَّ الدَّاعِم، أنتَ تَشتَري المُنتَجَ المَحَلِّيَّ غَيرَ الدَّاعِم، فَتَنتَعِشُ الشَّرِكاتُ المَحَلِّيَّة، وتَكبَر، وتَطلُبُ عُمَّالًا جُدُدًا، فَيَنتَقِلُ العامِلُ المُسلِمُ مِن شَرِكَةٍ تَدعَمُ أعداءَهُ، إلى شَرِكَةٍ في بَلَدِهِ تَبني اقتِصادَ أُمَّتِه. هَكَذا تُبنى الدُّوَل! المُقاطَعَةُ لَيسَت هَدمًا لِلاقتِصاد، بَل هِيَ
"تَطهيرٌ" لَهُ، وإعادَةُ بِناءٍ لِلاكتِفاءِ الذَّاتيِّ للأُمَّة. إنَّ تِلكَ الأعذارَ هِيَ هَمَسَاتُ الشَّيطانِ لِيَجعَلَ المُسلِمَ أداةً طَيِّعَةً لِعَدوِّه. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾. وأيُّ رُكونٍ أبلَغُ مِن تَمْويلِ حَملاتِهِم بِمُشتَرَياتِنا التَّافِهَة!
عِبَادَ اللَّه، لِنَنظُر إلى المُقاطَعَةِ بِمنظارٍ آخَر: مُنظارِ "تَزكِيَةِ النَّفس".
لَقَد غَزَت هَذِهِ العَلاماتُ التِّجاريَّةُ عُقولَنا وعُقولَ أبنائِنا، حَتَّى أصبَحَ ارتِداؤُها أو شُربُها عُنوانًا لِلتَّحَضُّرِ والرَّقي. المُقاطَعَةُ جاءَت لِتُحَرِّرَنا مِن عُبوديَّةِ الاستِهلاك. جاءَت لِتَقولَ لِلشَّابِّ ولِلفَتاة: قِيمَتُكَ لَيسَت في شِعارِ القَميصِ الذي تَلبَسُه، ولا في كُوبِ القَهوَةِ الذي تَحْمِلُه! قِيمَتُكَ في مَبْدَئِكَ! المُقاطَعَةُ مَدرَسَةٌ عَمَليَّةٌ لِتَربِيَةِ الأبناءِ على الانْتِماءِ لِهَذِهِ الأُمَّة. حينَ يَمُدُّ طِفلُكَ يَدَهُ في المَتجَرِ نَحوَ صِنفٍ مِنَ الحَلوى تَدعَمُ العَدوّ، فَتَسحَبُ يَدَهُ بِرِفقٍ وتَقولُ لَه: "هَذا الطَّعامُ فيهِ رَصاصَةٌ تُوجَّهُ لِصَدرِ طِفلٍ مِثلِكَ في غَزَّة أو السُّودان أو الشَّام... لَن نَشتَرِيَه"... أنتَ هُنا لا تَمنَعُهُ مِن حَلوى، أنتَ تَزرَعُ في قَلبِهِ "عَقيدَةَ الوَلاءِ والبَراء"، أنتَ تَصنَعُ مِنهُ رَجُلًا يَحمِلُ هَمَّ أُمَّتِهِ قَبلَ أن يَهتَمَّ بِمَعِدَتِه.
أقولُ هذا، وأُذَكِّرُكُم بِأنَّ سُنَّةَ اللهِ المَاضِيَةَ أنَّ الأُمَّةَ الجَسَدَ الواحِدَ لا تَموت. لَكِنِ الخَطَرُ ألا تَكونَ أنتَ جُزءًا مِن هَذا الجَسَد. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [متفق عليه]. والمُقاطَعَةُ هِيَ أقَلُّ دَرَجاتِ هَذا "التَّداعي". مَن لَم يَشعُر بِهَذا الألمِ فَيَتَوَقَّفَ حَتَّى عَن سِلعَةٍ كَماليَّة، فَليَتَفَقَّد إيمانَهُ، فَإنَّ القَلبَ قَد قَسا، وإنَّ الجَسَدَ قَد خُدِّر.
وبَعدَ هذا التَّأصيل، وأمامَ هذا النَّزيفِ المُستَمِرِّ لِدِماءِ إخوانِنا والمَذابِحِ التي تُبَثُّ على مَرأى ومَسمَعٍ مِنَ العالَمِ أجمَع، ماذا نَفعَل؟ هَل نَكْتَفي بِالتَّأَثُّرِ ولَحظَاتِ الحُزنِ التي تَتبَخَّرُ عِندَ أبوابِ المَتاجِر؟
لا، بَل يَجِبُ أن نُحَوِّلَ المَشاعِرَ إلى أفعال. وأوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مَقامي هَذا، خَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ لِتَفعيلِ هذا السِّلاح:
الأُولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ في المُقاطَعَة. لا تُقاطِع لأنَّهُ "حَدَثٌ رائِجٌ" أو تَقْليدٌ لِلنَّاس، بَل قاطِع نُصرَةً للهِ ولِرَسولِهِ ولِلمُستَضعَفين. انْوِ بِتَركِكَ لِهَذِهِ المَطاعِمِ والمُنتَجاتِ أنَّكَ "تُجاهِدُ بِمالِك"، لِتُؤجَرَ على كُلِّ رِيالٍ صَرَفتَهُ في البَديل، وكُلِّ شَهوَةٍ كَبَحتَها في نَفسِك.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): لا تَسكُت. إن رَأيتَ غافلًا يَشتَري ما يَدعَمُ أعداءَ الأُمَّة، فَبَيِّن لَهُ بِالحِكمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنَة. انشُر ثَقافَةَ المُقاطَعَةِ بَينَ زُمَلائِكَ في العَمَل، وفي مَجالِسِ عائِلَتِك. الكَلِمَةُ صَدَقَة، وتَوعِيَةُ غافِلٍ هِيَ مَدَدٌ لِإخوانِك.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): ابحَث عَنِ البَدائِل واصْبِر عَلَيها. لا تَدخُل المَتجَرَ وأنتَ لا تَعرِفُ القَوائِمَ السَّوداءَ مِنَ البَيضاء. اقتَطِع مِن وَقتِكَ دَقائِقَ لِتَبحَثَ عَن الشَّرِكاتِ الدَّاعِمَةِ وتَحفَظَ أسمَاءَها، ودَقائِقَ لِتَعرِفَ المُنتَجاتِ المَحَلِّيَّةَ فَتَدعَمَها بَل وتَفتَخِرَ بِها. هَذا الجُهدُ البَسيطُ هُوَ رَصيدُكَ في ميزانِ حَسَناتِك.
الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): اجعَل بَيتَكَ قَلعَةً مِن قِلاعِ الأُمَّة. رَبِّ أبناءَكَ على قاعِدَة: "نَحنُ لا نَأكُلُ دِماءَ إخوانِنا". اشْرَح لَهُم السَّبَب، اجعَلهُم هُم مَن يَرفُضونَ المُنتَجَ الأجنَبيَّ بِقَناعَةٍ وبُطولَة. الطِّفلُ الذي يَتَرَبَّى على هذا، لَن يَهونُ عَلَيهِ دينُهُ ولا أرضُهُ حِينَ يَكبَر.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): الإيَّاكُم والمَلَل! الاستِمرارِيَّةُ هِيَ مَقتَلُ الأعداء. لَقَد بَنَوا خُطَطَهُم على أساسِ أنَّ الشُّعوبَ المُسلِمَةَ "عاطِفيَّةٌ" تَغضَبُ لِأُسبوعَينِ ثُمَّ تَنسى وتَعود. أثْبِتُوا لَهُم أنَّ الإيمانَ لا يَصْدَأ، وأنَّ المُقاطَعَةَ لَيسَت رَدَّةَ فِعلٍ غاضِبَة، بَل هِيَ نَمَطُ حَياةٍ جَديدٍ انتَهَجناهُ لَن نَعودَ عَنهُ أبَدًا.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا ذُكِّروا تَذَكَّروا، وإذا أُمِروا بِالخَيرِ بَادَروا.
اللَّهُمَّ إنَّا نَبرَأُ إلَيكَ مِن كُلِّ مالٍ يُدفَعُ لِأعدائِك، ومِن كُلِّ تِجارَةٍ
تُقَوِّي جُيوشَ الكافِرينَ على المُسلمين. اللَّهُمَّ طَهِّر أموالَنا، وبارِك في أرزاقِنا، واجعَلها مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر.
اللَّهُمَّ كُن لِإخوانِنا المُستَضعَفينَ في المَشارِقِ والمَغارِب، اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِهِم، وثَبِّت أقدامَهُم، وسَدِّد رَميَهُم، واكسِر شَوكَةَ عَدُوِّنا وعَدُوِّهِم يا جَبَّارَ السَّماواتِ والأرض.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أنصارِ هذا الدِّين، واجعَل مُقاطَعَتَنا هَذِهِ شَفيِعَةً لَنا يَومَ نَلقاك، يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون، إلَّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليم.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وصَلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
والسَّلامُ عَلَيكُم ورَحمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.