🕌 قُشُورٌ خَادِعَةٌ وَجَوَاهِرُ ضَائِعَة... حِينَمَا تَطْغَى الشَّكْلِيَّات
#خطبة_جمعة #الشكليات #المظاهر #إصلاح_القلوب #تزكية_النفس #الرياء #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القُلوبَ مَحَلَّ نَظَرِه، وأخفى سرائرَ العبادِ فلا يَعلَمُها سِواه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ التَّقوى ميزانَ التَّفاضُلِ لا الأنسابَ ولا الأموالَ ولا الصُّوَر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أزهدُ الناسِ في قُشورِ الدُّنيا، وأعظَمُهم عِنايةً بِجَواهرِ الأرواح، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيها المؤمنون، هل سألتم أنفسكم يوماً: لو أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جَعَلَ ذُنوبَنا وأمراضَ قُلوبِنا تَظهَرُ على وُجوهِنا وثِيابِنا... هل كان أحدٌ منَّا يَجرُؤُ على الخُروجِ من بَيتِه والوُقوفِ أمامَ النَّاس؟
تَخيَّلوا مَشهداً يتكرر في بيوتنا كلَّ صباح: يَقِفُ أحدُنا أمام المِرآةِ طويلاً، يُهَذِّبُ ثيابَه، ويُعَطِّرُ جَسَدَه، ويُسَرِّحُ شَعرَه، ويَتَأنَّقُ ليَلقى مَخلوقِينَ مِثلَه، لا يَملِكونَ له ضَرّاً ولا نَفعاً. هذا الجَسَدُ الذي سَيَأكُلُه الدُّود، نَصنَعُ له كُلَّ هذا الاهتمام. وفي المُقابِل: قُلوبُنا التي هي مَحَطُّ نَظَرِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُه... كم دقيقةً نَقِفُ فيها أمامَ مِرآةِ المُحاسَبَة لنُهَذِّبَها من الحَسَد، ونُعَطِّرَها من الرِّياء، ونُنَظِّفَها من الغِلِّ والحِقدِ والكِبر؟
تأمَّلوا هذه الحقيقةَ المُرعبة؛ نَهتَمُّ بما يَنظُرُ إليه النَّاس، ونُهمِلُ ما يَنظُرُ إليه رَبُّ النَّاس! واسمعوا لهذه الكلماتِ التي خَرَجت من فَمِ أصدقِ مَن نَطَقَ بالضَّاد، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رواه مسلم).
هذا الحديثُ العظيمُ، لو فَقِهناهُ حقَّ الفِقه، لَتَغيَّرت حياتُنا. الميزانُ في السَّماءِ لا يَعتَرِفُ بماركاتِ الثِّياب، ولا بِموديلاتِ السَّيَّارات، ولا بِضَخامَةِ الأرصِدَة، ولا بِجَمالِ الوُجوه. الميزانُ هُناك أدَقُّ وأعمَق، يَنفُذُ إلى ما تَحتَ العِظام، يَنفُذُ إلى المُضغَةِ التي بَينَ الأضلاع. يَقُولُ اللهُ تَعالى كاشفاً هذا المِيزان: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9]... أي تُختَبَرُ وتُكشَفُ الخَفايا التي كانَ الإنسانُ يُزَيِّنُ ظاهِرَهُ ليُخفِيَها.
عبادَ الله، نحنُ نَعيشُ اليومَ في زَمَنٍ طَغَت فيه "الشَّكلِيَّاتُ" والمَظاهِرُ الزَّائفَةُ على كُلِّ شَيء، حتَّى أكلَت أرواحَنا، وأفسَدَت بُيوتَنا، وأرهَقَت جُيوبَنا. أصبَحنا في عصرِ "الصُّورة" و"الشَّاشَة". الإنسانُ يُقَيَّمُ بما يَلبَس، وبما يَركَب، والمَكانِ الذي يَسكُنُ فيه، والصُّوَرِ التي يَنشُرُها لِلنَّاس.
انظُروا إلى حالِنا اليوم في وسائلِ التَّواصُل، صِرنا نَعيشُ حَياتَين: حياةً حقيقيَّةً مُليئَةً بالتَّعَبِ والضُّغوطِ والمَشاكِل، وحياةً زائفَةً على الشَّاشات، نُصَوِّرُ فيها ابتساماتٍ مُصطَنَعة، وأطباقَ طَعامٍ مُزَيَّنَة، ولَحَظاتِ سَعادَةٍ مُزَيَّفَة، فقط لِنُثبِتَ لِلنَّاسِ أنَّنا سُعَداء!
يا لَلعَجَب! الرَّجُلُ قد يَكونُ أشرَسَ الخَلقِ مع زَوجَتِه في البَيت، فإذا رُفِعَت كاميرا الهاتِف، ابتَسَمَ ابتسامَةَ الحَنونِ الرَّفيق. والمَرأةُ قَد يَكُونُ بَيتُها مَلِيئاً بالخِلافاتِ والدُّيون، فَتَستَدينُ لِتَشتَريَ حقيبَةً بِآلافٍ، فَقَط لِتُصَوِّرَها لِصَديقاتِها اللَّواتي تُنافِسُهُن.
يقول الإمامُ ابن القيم رحمه الله: "والقلبُ في سَيره إلى الله بمنزلة الطائر، الحبُّ رأسُه، والخوفُ والرجاءُ جناحاه... فإذا انشغل العبدُ بتزيين ظاهره للخلق، خرب باطنُه الذي هو محل نظر الخالق".
أيها المسلمون، متى أصبَحنا عَبيداً لِنَظَرَاتِ النَّاسِ وإعجابِهِم؟ ولماذا نَستَدينُ، ونُرهِقُ كَواهِـلَنا، ونَعيشُ في ضَنكٍ وهمٍّ باللَّيلِ ومَذَلَّةٍ بالنَّهار، فقط لِنَبدوَ أغنياءَ أمامَ أُناسٍ قَد لا يُحِبُّونَنا أصلاً؟
يقول تعالى واصفاً هذا الاغتِرارَ بالظَّاهِرِ الفارِغ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].
لقد تَسَلَّلَ داءُ الشَّكلِيَّاتِ حتَّى إلى عِباداتِنا وأفراحِنا وأتراحِنا!
تَأمَّلوا في أفراحِنا والزَّواجات... هل المُهِمُّ اليومَ هو المِيثاقُ الغَليظ، وبِناءُ بَيتٍ على تَقوى من الله، واختيارُ ذاتِ الدِّينِ وصاحبِ الخُلُق؟ أم أنَّ المُهِمَّ هو حَجمُ القاعَة، ونَوعُ البُوفيه، وفُستانُ العَروس، والتَّصوير، والمُباهاةُ التي تُكَلِّفُ الملايين؟ كَم مِن زَواجٍ كَلَّفَ الملايينَ لِأجلِ "الصُّوَرِ والمَظاهِر"، ثم انتَهى بالطَّلاقِ بَعدَ شَهرَينِ لأنَّ الجَوهَرَ كان مَعدوماً! والنَّبيُّ ﷺ يَقول: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» (رواه أحمد).
وحتى في
المآتِمِ والعَزاءات، صارَ الاهتمامُ بِنَوعِ القَهوَة، وتَرتيبِ الكَراسي، وحَجمِ السُّرادِقِ، أهَمَّ مِنَ الاتِّعاظِ بالمَوت، وأهَمَّ مِنَ الدُّعاءِ للمَيِّت! حوَّلنا الدِّينَ والمَوتَ والحياةَ إلى "مَسْرَحِيَّةٍ" نَبحَثُ فيها عَن تَصفيقِ الجُمهور.
واسمعوا لهذه الآية التي تهز الوجدان، كيف يصف ربنا تبارك وتعالى المنافقين الذين اهتموا بالشكل ونسوا الجوهر: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4].
يا لَه من تشبيه! أجسادٌ ضخمة، وهيئاتٌ حسنة، وملابسُ فاخرة، وألسنةٌ فصيحة، لكنَّهم في حقيقة الأمر... خشب! خشبٌ ميت، لا شجرةٌ حيةٌ تُثمر، بل مقطوعةٌ مسندةٌ إلى الجدار. هذا هو حالُ كلِّ إنسانٍ عمّر ظاهره وخرّب باطنه.
أيها الإخوة الأحبة، تعالوا معي لنرى كيف كان يزن النبي ﷺ الرجال، وكيف أسقط موازين المظاهر الكاذبة.
يجلس النبي ﷺ يوماً مع أصحابه، فَمَرَّ رَجُلٌ مِن أشرافِ قُرَيش، رَجلٌ حَسَنُ الهَيئة، غالي الثِّياب، ذو مَنصِبٍ وجاه. فَسَأَلَ النبيُّ ﷺ أصحابَه: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ لِقَوْلِهِ (أي: هذا رجلٌ وزنه ثقيل، إن تقدم للزواج لا يُرد، وإن توسط في أمرٍ قُبلت وساطته). فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، مِن فُقَرَاءِ المُسلِمين، ثِيابُهُ مُتَواضِعَة، لا جاهَ لَهُ ولا سُلطان، ولا تَلتَفِتُ إليه الأبصار. فَسَأَلَهُمُ النَّبيُّ ﷺ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قالوا: يا رسولَ الله، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَلَّا يُسْتَمَعَ لِقَوْلِهِ.
هنا نطق الميزان الرباني... هنا أسقط النبي ﷺ أوهام الشكليات، وقال كلمته التي زلزلت المفاهيم: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا» (متفق عليه).
يا الله! هذا الفقير الذي لا تكاد تراه العيون، خيرٌ عند الله من مِلء كوكب الأرض بالكامل من ذلك الغني الأنيق فارغ القلب!
لماذا؟ لأنَّ الأوَّلَ قَد يَكُونُ غَنِيَّ الجَيبِ فَقيرَ القَلب، ظاهِرُهُ حَسَنٌ وباطِنُهُ مُمتَلِئٌ كِبراً وبُعداً عَن الله. والثَّاني، فَقيرُ الدُّنيا، لكنَّ قَلبَهُ مُمتَلِئٌ بِحُبِّ اللهِ وخَشيَتِه، وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: "لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس، فهو الرجل".
وهذا يقودنا لمسألة عظيمة: ما الذي جعلنا ننزلق في هذا المستنقع؟ مستنقع الشكليات؟
السَّبَبُ الأوَّلُ والأكبَر: هو الغَفلةُ عن حقيقةِ المَوتِ والآخِرَة. مَن يَعلَم أنَّهُ سيُدرَجُ في كَفَنٍ رَخيصٍ من قِطعَتَي قُماش، ثُمَّ يُوضَعُ في حُفرَةٍ ضَيِّقَةٍ في التُّراب، هل سَيَتَكَبَّرُ على النَّاسِ بِمَلابِسِه وسَيَّارَتِه؟ من نسي الدار الباقية، تفرغ لتزيين الدار الفانية.
السَّبَبُ الثَّاني: الفَراغُ الرُّوحي. القَلبُ إذا خَلا مِن مَعرفَةِ اللهِ ومَحَبَّتِه، بَحَثَ عن الاعتِرافِ والمَدحِ مِنَ المَخلوقين. الإنسانُ الفارغُ مِنَ الدَّاخِل يُحاوِلُ أن يَستُرَ هذا الفَراغَ بِتَضخيمِ الخارِج، كالعُلبَةِ الفارِغَة، كُلَّما قَرَعتَها صَدَرَ مِنها صَوتٌ أعلى!
السَّبَبُ الثَّالث: ضَعفُ التَّربية. صِرنا نُرَبِّي أبناءَنا على التَّفاخُر، نَغضَبُ إذا تَمَزَّقَ حِذاءُ الطِّفلِ الغالي، ولا نَتَحرَّكُ شَعرةً إذا تَمَزَّقَت أخلاقُه أو ضَيَّعَ صلاتَه! فَنَشَأَ جيلٌ يَقيسُ قيمَتَهُ وقيمةَ الآخَرين بـ"الماركات" و"اللايكات".
أيها المسلمون، متى نُدرك أنَّ قيمتَنا الحقيقية ليست في الأشياء التي نملكها، بل في القِيَم التي تملكنا؟
كم من مشهورٍ في الأرض، يُشار إليه بالبنان، ويُستَقبل بالسجاد الأحمر، وهو في السماء مجهول، لا يُعرف له صوتٌ بدعاء، ولا تُرفع له صحيفةٌ بعمل صالح! وكم من مجهولٍ في الأرض، خفي، نقي، لا يُؤبه له، لو أقسم على الله لأبره!
يقول النبي ﷺ: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَر، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (رواه مسلم).
لنتأمل معاً قصة الصحابي الجليل جُلَيْبِيب رضي الله عنه. كان رجلاً دميماً، فقيراً، قصيراً، ليس له نسبٌ يُذكر، ولا مالٌ يُحسب، حتى إن المجتمع كان يزدَريه. لكن كيف رآه رسول الله ﷺ؟
في إحدى الغزوات، تفقّد النبي ﷺ أصحابه بعد المعركة وقال: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. ثم قال ثانية: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. ثم قال ثالثة: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قالوا: لا.
فقال ﷺ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ».
فبحثوا عنه في القتلى، فوجدوه قد قُتل، وحوله سبعةٌ من الأعداء قتلهم ثم قتلوه. فوقف عليه رسول الله ﷺ وقال
كلمة تُكتب بماء الذهب: «قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ... هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ». ثم وضعه النبي ﷺ على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا رسول الله ﷺ، حتى حُفر له وقُبر.
يا لعظمة هذا الدين! جليبيب الذي كان مرفوضاً في حسابات الشكليات والمظاهر الدنيوية، أصبح في ميزان السماء: "هذا مني وأنا منه"! فما الذي رفعه؟ رفعه إيمانه، صدقه، تضحيته، قلبه الذي تعلّق بالله.
عباد الله، إننا بحاجة إلى هدم أصنام المظاهر التي بنيناها في نفوسنا. بحاجة إلى أن نُعيد الاعتبار للجوهر. أن نربي أنفسنا على أن العظمة ليست في الظهور، بل في الصدق والمخافة.
يقول الحسن البصري رحمه الله، وكان من أوعى الناس بالقرآن: "إن كان الرجل لتكون له الخبيئة من العمل الصالح لا يعلم بها أحد، وإن كان ليصلي في بيته والناس لا يشعرون، وإن كان ليجلس في المجلس فتأتيه دمعته فيردها حتى لا تُرى".
هكذا كانوا، يفرون من المظاهر، ونحن اليوم نبحث عنها بالعدسات والمكبرات!
فلنقف مع أنفسنا وقفة صدق. ولنتساءل: هل طغيان الشكليات أكل إخلاصنا؟ هل نحن نعبد الله لنرضيه، أم لنرضي أعيُن المجتمع؟
يقول الله تعالى في ختام سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. والرياء الخفي هو أن تعمل العمل الصالح وأنت تلتفت بعينك للناس: هل رأوني؟ هل أثنوا عليّ؟
أسأل الله العظيم أن يطهر قلوبنا من الرياء، وأعمالنا من السمعة، وأن يرزقنا صدق الباطن قبل حسن الظاهر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن طغيان الشكليات على حياتنا، ووقفنا مع خطورة تقييم الناس بالمظاهر الكاذبة، ثم تدبرنا الميزان الرباني الذي لا ينظر إلى الأجسام والأموال بل يغوص في القلوب والأعمال، وختمنا بقصة جليبيب وكيف رفعه جوهره على كل شكليات الدنيا. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نصنع من هذا الكلام واقعاً نعيشه؟ وكيف ننقذ أنفسنا وبيوتنا من فخ المظاهر الكاذبة؟
وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): اصنع لنفسك "خبيئة" من عمل صالح — طاعة تفعلها في السر لا يعلم بها حتى أقرب الناس إليك، سواء كانت ركعتين في جوف الليل، أو صدقة لا تعلم بها شمالك ما تنفق يمينك. قال النبي ﷺ: «من استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل»، فالعمل الخفي هو الذي يحمي القلب من التعلق بمدح الناس.
الثانية (لِسانيَّة): توقفوا عن تقييم الناس وتفضيلهم في مجالسكم بناءً على سياراتهم ومناصبهم وملابسهم. ارفعوا من شأن صاحب الخلق، وعظموا صاحب الأمانة ولو كان فقيراً بواباً. غيّروا لغة مجالسكم لكيلا ينشأ الصغار وهم يعتقدون أن المال هو مقياس الاحترام.
الثالثة (عَمَليَّة): لا تستدن من أجل المظاهر. عِش بما رزقك الله، وارضَ بقسمتك. الكوب الذي تشرب فيه الماء البارد ليروي ظمأك لن يغير طعمه إن كان من زجاج رخيص أو كريستال فاخر. لا تدمر استقرار بيتك ونفسيتك بديون من أجل حقيبة، أو سيارة، أو سفرية لكي تصورها للآخرين وتثبت لهم أنك تعيش في رفاهية. القناعة غنى الأبد.
الرابعة (اجتماعيَّة): اربطوا قيمة أبنائكم بأخلاقهم وعقولهم، لا بما يرتدونه. إذا عاد طفلك من مدرسته فلا تسأله فقط "ماذا أخذت من درجات؟" بل اسأله: "هل ساعدت أحداً اليوم؟ هل كنت صادقاً؟". اغرسوا فيهم الآية العظيمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، لا أغناكم ولا أجملكم ثياباً.
الخامسة (موضوعيَّة): قفوا أمام المرآة اليوم واسألوا أنفسكم بشفافية: "هل قلبي من الداخل يشبه ثيابي النظيفة من الخارج؟". إن العبد ليتعهد ثوبه من بقعة الطين، فليتعهد قلبه من بقعة الغل والحسد والرياء من باب أولى. أصلح سريرتك، يتكفل الله بعلانيتك.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على تنقية البواطن، وهي التي تجعل أعمالكم خالصة لوجهه الكريم، فلا تغتروا بالدنيا وقشورها، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11].
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا ممن حسنت سرائرهم، وطهرت ضمائرهم، وزكت أعمالهم.
اللهم طهر قلوبنا من الرياء، وألسنتنا من
الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
اللهم لا تجعلنا ممن يعظمون مظاهر الدنيا وينسون لقاءك، ولا تجعلنا ممن يغتر بثناء الناس وهو عندك من المفاليس.
اللهم أغننا بالقناعة، وارزقنا الرضا بما قسمت لنا، ولا تجعلنا نرهق أنفسنا فيما لا يرضيك.
اللهم اجعلنا من عبادك الأخفياء الأتقياء، الذين إن حضروا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، قلوبهم مصابيح الهدى.
اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، واجعلنا إخوة متحابين لا تفرقنا الدنيا ولا تلهينا الشكليات.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.