🕌 كيفَ نُعلِنُ فَرَحَتَنا في العِيدِ وكَيفَ نُجَلِّلُه؟
#خطبة_جمعة #العيد #الفرح_بالطاعة #السرور #مقاصد_الشريعة #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ بعدَ العُسرِ يُسراً، وبعدَ ليالي التَّعَبِ والمُكابَدةِ أعياداً وأجراً، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الفَرَحَ بِفَضلِهِ عِبادَةً، والسُّرورَ برَحمتِهِ شَعيرةً وزِيادةً، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أندى النَّاسِ بَسمَةً، وأعظَمُهم في الأعيادِ بَهجةً ومَرحَمةً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
كيفَ يَفرَحُ مَن فَقَدَ أحِبَّتَه؟ وكيفَ يَبتَسِمُ مَن أثقَلَتهُ الدُّيونُ أو الهُمومُ صَباحَ العِيد؟ نَظُنُّ جَميعاً أنَّ الفَرَحَ مُجَرَّدُ ضِحكَةٍ عابرةٍ أو ثَوبٍ جَديد، لكنَّ العِيدَ في دِيننا يَحمِلُ مَعنىً أعمَقَ من ذلك بكثير. هُناكَ فَرَحٌ مُزَيَّفٌ يُشبِهُ الزَّبَدَ يَزولُ مَع أوَّلِ ريح، وهُناكَ فَرَحٌ إيمانيٌّ بَديعٌ يَخترِقُ الجُدرانَ المُظلِمةَ ويَجبُرُ القُلوب. فكيفَ نَصِلُ إلى هذا الفَرَحِ العَجيب؟ وكيفَ نُجَلِّلُهُ بالمَهابَةِ فلا يَطيش؟ إجاباتٌ ومَعانٍ سَتَقلِبُ مَوازينَ أعيادِكم اليوم.
أيُّها المُسلِمون، نَقِفُ اليومَ أمامَ مَفهومٍ عَظيمٍ غَفَلَت عنهُ الكَثيرُ من القُلوب، ألا وهو "عِبادَةُ الفَرَح". نَعَم، الفَرَحُ عِبادَة. في زَمَنٍ طَغَت فيهِ الماديَّة، وأصبَحَت فيه البَهجَةُ تُشتَرى وتُباعُ في أسواقِ الدُّنيا، نَسينا الكِيميَاءَ الرَّبانيَّةَ السَّاحِرةَ التي وَضَعَها اللهُ في صُدورِ المُؤمِنين.
لقد جَرَت عادَةُ البَشَرِ أن يَفرَحوا بالمالِ إذا زاد، وبالمنصِبِ إذا جاء، وبالدُّنيا إذا أقبَلَت. لكنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ أَرادَ لِلأُمَّةِ المُحَمَّديَّةِ فَرَحاً من نَوعٍ آخَر، فَرَحاً بَديعاً غَريباً عن قَواميسِ أهلِ الأرض، فَرَحاً لا يَرتبطُ بِطِينِ الدُّنيا، بَل بِنُورِ السَّماء. يقولُ ربُّنا تباركَ وتَعالى كاشِفاً لنا هذه المُعادَلَة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
تَأمَّلوا هذه الآيةَ العَظيمة! اللهُ لا يَطلُبُ منَّا أن نَبتَسِمَ فَقَط، بَل يَأمُرُنا بِصيغَةِ الجَزم: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾. وكأنَّ الفَرَحَ بِرَحمةِ اللهِ، وإتمامِ الصِّيامِ، أو إدراكِ العَشرِ، وبُلوغِ مَواسِمِ الطَّاعات، لَيسَ خِياراً نَفسياً بَل هُوَ "تَكليفٌ شَرعي". أنتَ حينَ تَفرَحُ في العِيدِ، لا تُمَلِّقُ مَشاعِرَك، بَل تُعْلِنُ وِلاءَكَ لِرَبِّكَ، وتُظهِرُ شُكرَكَ لِمَولاك، وتُثبِتُ للعالَمينَ أنَّ العَطاءَ الرَّبانيَّ في قَلبِكَ أغلى من كُلِّ ما يَجمَعُهُ النَّاسُ في خَزائنِهم.
ولكن، لَعَلَّ قائلاً يَقول: هل الفَرَحُ يَتَناسَبُ مَعَ وَقارِ الدِّين؟ أليسَ الدِّينُ خُشوعاً وبُكاءً ومُحاسَبةً للنَّفس؟
إخوتي الأحبَّة، هُنا يَتَجَلَّى جَمالُ هذا الدِّينِ الذي وازَنَ بَينَ رُوحِ الإنسانِ وجَسَدِه. اسمَعوا لهذه القِصَّةِ البَديعةِ التي رَواها الإمامُ البُخاريُّ ومُسلِم، لِنَعرِفَ كَيفَ كانَ القائِدُ والمُعَلِّمُ والنَّبيُّ ﷺ يُهَندِسُ الفَرَحَ في قُلوبِ أصحابِه.
دَخَلَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنهُ إلى بَيتِ ابنَتِهِ عائِشَةَ رَضيَ اللهُ عنها في أيَّامِ عِيد، فَوَجَدَ عِندَها جارِيَتَينِ تُغَنِّيانِ وتَضرِبانِ بالدُّفِّ، والنَّبيُّ ﷺ مُضطَجِعٌ على فِراشِهِ ومُغَطٍّ وَجهَهُ بِثَوبِه. فَلَمَّا رَأى أبو بَكرٍ ذلك، غَضِبَ واشتَدَّ، ظَنّاً مِنهُ أنَّ هذا يُخالِفُ وَقارَ بَيتِ النُّبوَّة، فصاحَ مُستَنكِراً: «أمِزمارُ الشَّيطانِ في بَيتِ رَسولِ اللهِ ﷺ؟!».
وفي هذه اللَّحظَة، يَكشِفُ النَّبيُّ ﷺ وَجهَهُ العَظيم، ويلتَفِتُ إلى أبي بَكرٍ، ولا يَقولُ لَهُ صَدَقت، بَل يَقولُ كَلِمَةً أصبَحَت دُستوراً للفَرَحِ الإسلامي: «دَعهُما يا أبا بَكر، فإنَّها أيَّامُ عِيد». وفي رِوايَةٍ أُخرى قال: «يا أبا بَكر، إنَّ لِكُلِّ قَومٍ عِيداً، وهَذا عِيدُنا».
تَوقَّفوا عِندَ هذه الكَلِماتِ قَليلاً! «دَعهُما يا أبا بَكر»... النَّبيُّ ﷺ يُوقِفُ حَزْمَ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، لِيَفسَحَ المَجالَ لِلفَرَحِ أن يَأخُذَ مَساحَتَهُ الطَّبيعيَّةَ في النَّفسِ البَشَريَّة. الإسلامُ لا يُريدُ مِنكَ أن تَعيشَ في سَرادِقِ عَزاءٍ مُمتَدّ، ولا يُريدُ أن يَجعَلَ الحُزنَ شِعاراً للتَّدَيُّن. البَسمَةُ في العِيدِ دِين، واللَّعِبُ المُباحُ في العِيدِ دِين، والفَرَحُ المُنزَّهُ عن الحَرامِ في العِيدِ دِين!
قالَ الإمامُ ابنُ تَيميَّة رَحِمَهُ الله: "والقَلبُ لا يَصلُحُ ولا يُفلِحُ ولا يَلتَذُّ ولا يُسَرُّ ولا يَطيبُ ولا يَسكُنُ ولا يَطمَئِنُّ إلا بِعِبادَةِ رَبِّه". وهذا السُّرورُ هو ما نَقطِفُ ثِمارَهُ صَباحَ العِيد.
عبادَ الله، ولَعَلَّكُم تَسأَلون: كَيفَ نُعلِنُ فَرَحَتَنا؟ وكيفَ نُجَلِّلُها فلا تَتَحَوَّلَ إلى عَبَثٍ وتَفاهَة؟
هُنا يَأتِي الأُسلوبُ البَديعُ الغَريبُ الذي اختَصَّ اللهُ بِهِ عِبادَهُ المُؤمِنين. الفَرَحُ في عَقيدَتِنا مَكسُوٌّ بِعَباءَةِ "الجَلال". نحنُ لا نَفرَحُ كما يَفرَحُ الغافِلون، الذينَ إذا فَرِحوا عَصَوا، وإذا طَرِبوا سَكِروا، وإذا ابتهَجوا طَغَوا وابتَعَدوا عَن الله. فَرَحُ المُؤمِنِ فَرَحٌ "مُجَلَّلٌ بالمَهابَة".
هل سَألتَ نَفسَكَ يَوماً: لِماذا شَرَعَ اللهُ لنا أن نَبدَأَ أعيادَنا بالتَّكبير؟ لِماذا تَرتَجُّ المَساجِدُ والمُصَلَّياتُ صَباحَ العِيدِ بِصَوتٍ واحِد: "اللهُ أكبَر، اللهُ أكبَر، لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبَر، اللهُ أكبَر، ولِلَّهِ الحَمد"؟
يقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
إنَّ هذا التَّكبيرَ هو "كِيميَاءُ الرُّوح" التي تُجَلِّلُ الفَرَح. عِندَما تَقولُ "اللهُ أكبَر" صَباحَ العِيد، فأنتَ تَضَعُ إطاراً عَظيماً لِفَرَحِك. أنتَ تُعلِنُ أنَّ اللهَ أكبَرُ مِن كُلِّ مَخاوِفِك، وأكبَرُ مِن كُلِّ أحزانِك، وأكبَرُ مِن ضِيقِ رِزقِك، وأكبَرُ مِن دُيونِكَ وهُمومِك.
حينَ يَلبَسُ الفَرَحُ تاجَ التَّكبير، يَتَحَوَّلُ مِن مُجَرَّدِ غَريزَةٍ طائِشَة، إلى انكسارٍ واعتِرافٍ بالمُنْعِم. التَّكبيرُ يَمنَعُ الفَرَحَ أن يَطيرَ في هَواءِ الغَفلَة، ويَشُدُّهُ بِحِبالِ التَّقوى إلى الأرض. وهذا ما ذَكَرَهُ الحَقيقَةَ القُرآنيَّة: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. فإظهارُ البِشرِ وتَجلِيلُهُ بِذِكرِ اللهِ، هُوَ تَعظيمٌ لِشَعيرَةِ العِيد.
إخوتي الكِرام، قد يَقولُ قائِلٌ في نَفسِهِ الآن: مِن أينَ نَأتي بالفَرَحِ، والأُمَّةُ تَنزِفُ جِراحاً في أكثَرَ مِن بُقعَة؟ مِن أينَ نَأتي بِهذا السُّرورِ ودِماءُ إخوانِنا والمُستَضعَفينَ تَسيل، وبُيوتُهُم تُهدَم، وأطفالُهُم يُيَتَّمون؟ أليسَ الحُزنُ أولى بِنا في هذه الأيَّام؟ كَيفَ نَفرَحُ وهُم يَتَألَّمون؟
إنَّ هذا السُّؤالَ النَّبيلَ يَنبُعُ مِن قَلبٍ مُؤمِنٍ يَنبِضُ بِحُبِّ أُمَّتِه، مُصَدِّقاً لِقَولِهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه مسلم).
لكنَّ الجَوابَ البَديعَ الذي تُقَدِّمُهُ لَنا الشَّريعَة: إنَّ فَرَحَكَ في العِيدِ لَيسَ خِيانَةً لِجِراحِ أُمَّتِك، ولَيسَ انسِلاخاً مِن قَضاياهُم! بَل هو رِسالَةُ صُمودٍ ويَقين.
إنَّنا نَفرَحُ في العِيدِ لأنَّ إظهارَ الشَّعيرَةِ عِبادَة، ونَفرَحُ لأنَّنا نُوقِنُ أنَّ بَعدَ العُسرِ يُسراً كَما وَعَدَ رَبُّنا: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6]. نَفرَحُ لأنَّنا نُعلِنُ لأعداءِ الأمَّةِ أنَّ كُلَّ آلاتِ المَوتِ والدَّمارِ التي يَمتَلِكونَها، لَن تَستَطيعَ أن تَسلُبَ مِنَّا رُوحَنا ولا يَقينَنا بِنَصرِ الله.
نَفرَحُ ونَحنُ نَرفَعُ أيدِيَنا صَباحَ العِيدِ نَدعو للمُستَضعَفين، مُوقِنينَ بِقَولِ الله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]. فالفَرَحُ هُنا هُوَ "مُقاوَمَةٌ رُوحِيَّة"، هو إعلانٌ أنَّ الجِراحَ مَهما عَمُقَت، لَن تَقتُلَ الأَمَلَ المُتَجَذِّرَ في قُلوبِ المُوَحِّدين.
أيُّها الأحِبَّة، هَل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: كَيفَ يُعلِنُ فَرَحَهُ ذَلِكَ الفَقيرُ الذي لا يَملِكُ ثَمَنَ ثَوبٍ جَديدٍ لِطِفلِه؟ وكَيفَ تَفرَحُ تِلكَ الأُمُّ التي فَقَدَت فلذَةَ كَبِدِها وقَد جاءَ العِيدُ وقِطعَةٌ مِن قَلبِها تَحتَ التُّراب؟
واللهِ، إنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ أن تَرى هؤلاءِ في صَباحِ العِيدِ أصدَقَ فَرَحاً وأعمَقَ ابتِسامَةً مِن بَعضِ مَن يَمتَلِكونَ أموالَ الدُّنيا! ما السِّرُّ؟
السِّرُّ هُوَ أنَّهُم أدرَكوا مَعنى "تَجلِيلِ الفَرَحِ بالرِّضا".
انظُروا إلى حالِنا اليوم! في هذا العَصرِ الرَّقمي، عَصرِ الصُّوَرِ والمُظاهِر، تَجِدُ الشَّخصَ يَشتَري أغلَى الثِّياب، ويَذهَبُ إلى أرقَى الأماكِن، ويَلتَقِطُ الصُّوَرَ لِيُعلِنَ للعالَمِ أنَّهُ يَفرَح.. لكنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ فارِغ، مُكتَئِب، لا يَشعُرُ بِطَعمِ العِيد. لماذا؟ لأنَّهُ حَجَمَ العِيدَ في قِطعَةِ قُماشٍ أو قِطعَةِ حَلوى، ونَسيَ كِيمياءَ الرُّوح!
بَينَما قَد تَدخُلُ إلى بَيتٍ بَسيط، لا تَرى فيهِ زِينَةً مُتَكَلِّفَة، لكنَّكَ تَجِدُ فِيهِ نُوراً وسُروراً وأُنساً يَمَلأُ الآفاق. لأنَّهُم فَرِحوا بِطاعَةِ الله. قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله، وَهُوَ يُلَخِّصُ لَنا هذا المَفهوم: "كُلُّ يَومٍ لا يُعصَى اللهُ فيه فَهُوَ عِيد، وكُلُّ يَومٍ يَقطَعُهُ المُؤمِنُ في طاعَةِ مَولاهُ وذِكرِهِ وشُكرِهِ فَهُوَ لَهُ عِيد".
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ التَّاريخيِّ الذي يَهُزُّ القُلوب.
رَأى أَميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ رَحِمَهُ الله، ابنَهُ عَبدَ المَلِكِ صَباحَ العِيدِ وهو يَلبَسُ ثَوباً خَلِقاً (أي مُرتَقاً قَديماً)، فَبَكى عُمَر. فَنَظَرَ إلَيهِ ابنُهُ الشَّابُّ المُتَرَبِّي في مَدرَسَةِ النُّبوَّةِ وقال: ما يُبكيكَ يا أبتِ؟
فأجابَ الأبُ الرَّحيم، مَلِكُ الدُّنيا في زَمانِه: بَكَيتُ يا بُنَيَّ خَوفاً أن يَنكَسِرَ قَلبُكَ اليومَ إذا رَأكَ الصِّبيانُ بِهَذا الثَّوبِ المُتَمَزِّق.
فَابتَسَمَ الشَّابُّ وقالَ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "يا أميرَ المُؤمِنين، إنَّما يَنكَسِرُ قَلبُ مَن عَدِمَ رِضا الله، أو عَقَّ أُمَّهُ وأباه، وإنِّي لَأرجو أن يَكونَ اللهُ قَد رَضيَ عَنِّي بِرِضاكَ عَنِّي".
تَأمَّلوا! الثَّوبُ مُمَزَّق، لكنَّ الرُّوحَ مُعَيِّدَة! الجَيبُ فارِغ، لكنَّ القَلبَ يَطيرُ في سَماءِ الفَرَح. هَذا هُوَ المُؤمِنُ حينَ يُجَلِّلُ فَرَحَهُ باليَقين. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25].
هُم أدرَكوا ما أشارَ إليهِ النَّبيُّ ﷺ حِينَ قال: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» (متفق عليه). الفَرَحُ الحَقيقيُّ مَربوطٌ بِطاعَةٍ أُنجِزَت، وبِرَبٍّ كريمٍ عُبِد، وبِمَغفِرَةٍ رُجِيَت.
إخوَتي الكِرام، إنَّ مِن أعظَمِ طُرقِ إعلانِ الفَرَحِ وتَجلِيلِهِ في العِيد: أن نَنشُرَهُ على وُجوهِ مَن حَولَنا. العِيدُ لَيسَ عِيداً لِمَن أغْلَقَ بابَهُ على نَفسِهِ وقال: أنا وبَس.
أينَ أنتَ مِن قَولِ النَّبيِّ ﷺ في الحَديثِ الذي حَسَّنَهُ العُلَماء: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا...»؟
السُّرورُ الذي تَنثُرُهُ في العِيدِ، بابتِسامَةٍ صادِقَةٍ في وَجهِ أخيك، بعِيديَّةٍ تَضَعُها في يَدِ طِفلٍ فَقير، بِرسالَةِ تَسامُحٍ تَبعَثُها لِمَن قاطَعَك، هُوَ الدِّينُ يَمشي عَلى قَدَمَين! ألم يَقُلِ النَّبيُّ ﷺ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (رواه الترمذي). في العِيد، البَسمَةُ لَيسَت مُجَرَّدَ انبِساطٍ عَضَلِيٍّ في الوَجه، بَل هي إعلانُ رِضاً عَن تدبيرِ الرَّحمن، وصَدَقَةٌ مَجَّانيَّةٌ تُوزِّعُها على الأُمَّة.
قالَ العَلامَةُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "فَرَحُ القَلبِ بِاللهِ والدارِ الآخِرَةِ هُوَ يَنبوعُ كُلِّ خَير".
فلنَجعَل أعيادَنا يَنابيعَ خَيرٍ، نُعَظِّمُ فِيها شَعائِرَ رَبِّنا، ونَفرَحُ بِرَحمَتِه، ونُجَلِّلُ بَهجَتَنا بِتَقوى القُلوب.
أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، جَعَلَ لَنا مِن بَعدِ العُسرِ مَخارِج، ومِن بَعدِ الطَّاعاتِ مَباهِج، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن فِقهِ الفَرَحِ في الإسلام، وكَيفَ أنَّ البَهجَةَ بِفَضلِ اللهِ عِبادَة، وكَيفَ نُجَلِّلُ هذا الفَرَحَ بِتاجِ التَّكبيرِ واليَقين، وأدرَكنا أنَّ أُمَّتَنا تَفرَحُ رُغمَ الجِراحِ لأنَّها تَعقِدُ آمالَها بالسَّماءِ لا بالأرض. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الفَهمَ العَميقَ إلى واقِعٍ في يَومِ عِيدِنا؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِيَكونَ عِيدُكُم عِيداً رَبَّانياً صَحيحاً:
الأولى (قَلبيَّة): انْوِ بِفَرَحِكَ، وبِلُبسِكَ الجَديد، وبابتِسامَتِكَ صَباحَ العِيد، التَّقَرُّبَ إلى الله. قُل في قَلبِك: يا رَبِّ، أنا أُظهِرُ نِعمَتَكَ عَلَيَّ استِجابَةً لأمرِك، وتَطبيقاً لِسُنَّةِ نَبيِّك. فَتَتَحَوَّل المُباحاتُ بِهذه النِّيَّةِ إلى حَسَناتٍ كالجِبال.
الثانية (لِسانيَّة): زَيِّنوا ألسِنَتَكُم وأيَّامَكُم بالتَّكبير. كَبِّروا في بُيوتِكُم، وفي أروِقَةِ أسواقِكُم، وفي طُرُقكُم. أحيُوا هذه السُّنَّةَ العَظيمَةَ التي تَطردُ الشَّياطينَ وتَجلِبُ السَّكينة. ولا تَنسَوا إفشاءَ السَّلامِ والطِّيبِ مِنَ القَولِ مَع كُلِّ مَن تَلقَونَه.
الثالثة (عَمَليَّة): لا تَنقَطِعوا عَن مَساجِدِكُم بَعدَ المَواسِم. لا تَجعَلوا شَهرَ الطَّاعَةِ أو أيَّامَ الفَضلِ مَحَطَّةً عَبرتُموها ثُمَّ عُدتُم إلى الغَفلَة. مَن كان يَعبُدُ رَمضانَ أو يَعبُدُ مَواسِمَ الحَجِّ فإنَّها تَفوت، ومَن كان يَعبُدُ اللهَ فإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَموت. رَكعَتانِ في اللَّيل، أو وِردٌ مِنَ القُرآن، دَوامٌ مَطلوبٌ لا يُترَك.
الرابعة (اجتماعيَّة): العِيدُ شَرَعَهُ اللهُ لِتُوصَلَ الأرحامُ التي قُطِعَت. أُناديكُم مِن هذا المَقام: مَن كان بَينَهُ وبَينَ أخيهِ، أو أُختِهِ، أو عَمِّهِ، أو قَريبِهِ خُصومَة.. فَلْيَرفَع هاتِفَهُ اليَوم، ولْيَكُن هُوَ الأكبَرَ عَقلاً والأطهَرَ قَلباً، ولْيَبْدأ هُوَ بالسَّلام. قال ﷺ: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». لا تُفْسِدوا أعيادَكُم بِقَسوةِ الخِصام.
الخامسة (موضوعيَّة): جَلِّلوا فَرَحَكُم بالوُقوفِ عِندَ حُدودِ الله. الفَرَحُ المَشروعُ لا يَعني اختِلاطاً مُحَرَّماً، ولا كَشفاً للعَورات، ولا ضَياعاً للصَّلَوات. الفَرَحُ الحَقيقيُّ هُوَ الذي لا يُسخِطُ مَن أعطاكَ النِّعمَة. فاجعَلوا عِيدَكُم نُقيّاً مِنَ المَعاصي لِيَدومَ فَرَحُكُم في أعيادِ الآخِرة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العِيدَ الحَقيقيَّ هُوَ يَومَ نَلقَى اللهَ وهُوَ راضٍ عَنَّا، غَيرُ غَضبان.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَل أعيادَنا مَواسِمَ للرَّحمَة، ومَنازِلَ لِلمَغفِرة، ومَحَطَّاتٍ نَزدادُ فِيها مِنكَ قُرباً، وإلَيكَ حُبّاً.
اللَّهُمَّ كَما أفرَحتَنا في دُنيانا بِإتمامِ طاعَتِك، فأفرِحنا يَومَ القِيامَةِ بِرُؤيَةِ وَجهِكَ الكَريمِ مِن غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّة، ولا فِتنَةٍ مُضِلَّة.
اللَّهُمَّ اجبُر في هذا العِيدِ كُلَّ قَلبٍ مَكسور، واشفِ كُلَّ جَسَدٍ مَريض، واقضِ الدَّينَ عَن كُلِّ مَدِين، ونَفِّس هَمَّ كُلِّ مَهموم.
اللَّهُمَّ لا تَجعَل بَينَنا شَقِيّاً ولا مَحرُوماً، ولا قاطِعاً لِرَحِمِهِ إلا وَصَلَها وتُبتَ عَلَيه.
اللَّهُمَّ فَرِّج كَربَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ أَنزِل عَلَيهِم سَكينَتَك، وأفرِغ عَلَيهِم صَبراً، واربُط عَلى قُلوبِهِم، واجعَل لَهُم مِن بَعدِ هذا العُسرِ يُسراً، ومِن بَعدِ هذا الضِّيقِ مَخرَجاً.
اللَّهُمَّ ارزُقنا الفَرَحَ الذي يَمَلأُ القُلوبَ يَقِيناً، والبَسمَةَ التي تَمَلأُ الصُّحُفَ حَسَنات.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.