🕌 آياتُ النُّبُوَّة... مُعجِزاتٌ نَطَقَ بِها الحَجَرُ وانشَقَّ لها القَمَر
#خطبة_جمعة #معجزات_النبي #السيرة_النبوية #محبة_النبي #عقيدة #الإيمان_بالرسل
الحمدُ للهِ الذي أرسَلَ رَسولَهُ بالهُدى ودينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّه، وأيَّدَهُ بالآياتِ البَيِّنات، والمُعجِزاتِ الباهِرات، التي تَشهَدُ بِصِدقِ رِسالتِه، وعُلُوِّ مَكانَتِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ طاعةَ رَسولِهِ طاعةً له، ومَحَبَّتَهُ دَليلًا على مَحَبَّتِه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، وخيرَتُهُ من خَلقِه، وأمينُهُ على وَحيِه، المَبعوثُ رَحمةً للعالمين، وحُجَّةً على الخَلائقِ أجمعين، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليه، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
تَخَيَّلوا رَجُلًا يَقِفُ في صَحراءَ قاحلة، والجَيشُ يَكادُ يَهلِكُ من العَطَش، فيَنبُعُ الماءُ الزُّلالُ من بَينِ أصابِعِه لِيَشرَبَ مِئاتُ الرِّجال! وتَخَيَّلوا جِذعَ شَجرةٍ يابِسًا يَبكي ويَئِنُّ في المَسجِدِ شَوقًا إليه كما يَبكي الطِّفلُ الرَّضيع! هذه ليست أساطيرَ من نَسجِ الخَيال، بل هي لَحَظاتٌ حَقيقيَّةٌ عاشَها أصحابُ محمَّدٍ ﷺ ورأوها بأعيُنِهم. فما هي أعظَمُ مُعجِزاتِه التي نَعيشُها نحنُ اليوم؟ ولماذا أيَّدَهُ اللهُ بكُلِّ هذه الآيات؟ الجوابُ سَيَزيدُ قُلوبَكم يَقينًا في زَمَنِ الشُّكوك، فاستَعيروا لي أسماعَكم وقُلوبَكم.
أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: كيفَ استطاعَ ذلكَ النَّبيُّ الأُمِّيُّ، الذي خَرَجَ من أزقَّةِ مكَّة، أن يُغَيِّرَ وَجهَ التَّاريخ، وأن تَخضَعَ لهُ قُلوبُ الرِّجالِ قَبلَ رِقابِهم؟ إنَّه لم يَأتِهم بِسَيفٍ يَقهَرُ بهِ العُقول، ولم يَأتِهم بِمالٍ يَشتَري بهِ الذِّمَم، بل جاءَهم بِرِسالةٍ سانَدَتها قُدرَةُ خالِقِ الكَونِ، بآياتٍ خَرَقت نَواميسَ الطَّبيعة، وشَهِدَت لها السَّماواتُ والأرض. الكَونُ كُلُّهُ — بِحَجَرِهِ وشَجَرِه، بِماءِهِ وسَمائِه — كانَ يَعرِفُ مَن هو محمَّدٌ ﷺ، وكانَ يَنقادُ لأمرِهِ بإذنِ رَبِّه.
لقد بَعَثَ اللهُ نبيَّنا ﷺ في قَومٍ يُنكِرونَ الرِّسالة، ويَستَبعِدونَ النُّبُوَّة، فَطَلَبوا منهُ آيةً دالَّةً على صِدقِه. يَنظُرُ المشركونَ إلى السَّماء، فيَتَحَدَّونَهُ أن يَشُقَّ لهمُ القَمَرَ نِصفَين. وهل يَملِكُ بَشَرٌ أن يُحَرِّكَ جُرمًا في السَّماء؟ لكنَّهُ رَسولُ رَبِّ السَّماء! أشارَ ﷺ بإصبَعِهِ الشَّريفةِ إلى القَمَر، فانشَقَّ فِلقَتَين، فِلقَةً فوقَ الجَبَل وفِلقَةً دونَه! آيةٌ عَظيمةٌ رآها أهلُ مكَّة، ورآها المُسافِرونَ في الطُّرُق، وسَجَّلَها القُرآنُ الكَريمُ حَدَثًا خالِدًا لا يُمحى. يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [سورة القمر: 1-2].
تأمَّلوا يا عِبادَ الله! يَرَونَ القَمَرَ يَنشَقُّ أمامَ أعيُنِهم، بَدَلًا من أن يَسجُدوا للهِ ويُؤمِنوا بِرَسولِه، ﴿يَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾! عَمَى القُلوبِ إذا حَلَّ، لا تَنفَعُ مَعَهُ آياتُ السَّماواتِ والأرض. ولذلك قَرَّرَ القاضي عياضٌ رحمه اللهُ هذه الحقيقةَ الجَليَّةَ حينَ قال: «لقد ظَهَرَت مُعجِزاتُهُ ﷺ ظُهورًا لا يُدفَع، وتَواتَرَت تَواتُرًا لا يُنكَر، فمَن كَذَّبَ بها بَعدَ ذلِكَ فليسَ عَن قُصورٍ في الدَّليل، بل عَن عِنادٍ في القَلب».
وإذا كانَتِ السَّماءُ قد شَهِدَت لَهُ بانشِقاقِ القَمَر، وشَهِدَت لَهُ ليلةَ أُسرِيَ بهِ وعُرِجَ بِروحِهِ وجَسَدِهِ إلى سِدرَةِ المُنتَهى كما قال جَلَّ وعَلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [سورة الإسراء: 1]، فإنَّ الأرضَ — بِجَمادِها وشَجَرِها — قَد نَطَقَت بِمَحَبَّتِه، وشَهِدَت بِرِسالتِه.
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ العَجيب، الذي لَو لَم يُنقَل إلينا في أصحِّ الكُتُبِ والأسانيدِ لَقُلنا إنَّهُ خَيال. كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ الجُمُعَةَ في مَسجِدِهِ بالمدينة، وكانَ يَستَنِدُ إلى جِذعِ نَخلَةٍ مَقطوعٍ يابِس. فلمَّا كَثُرَ النَّاس، صَنَعوا لَهُ مِنبَرًا من ثَلاثِ دَرَجاتٍ لِيَرتَفِعَ صَوتُهُ ويَراهُ المُسْلِمون. وفي أوَّلِ جُمُعَةٍ، صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ المِنبَرَ الجَديد، وتَرَكَ الجِذعَ اليابِس.
تَخَيَّلوا ماذا حَدَث! يقولُ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما في الحديثِ الذي رَواهُ البُخاري: «فَلَمَّا كانَ يومُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبيُّ ﷺ علَى المِنبَرِ، فَصاحَتِ النَّخلَةُ الَّتي كانَ يَخطُبُ عِندَها كما يَصيحُ الصَّبِيُّ! وفي رِواية: سَمِعنا لِذلِكَ الجِذعِ صَوتًا كَصَوتِ العِشارِ (أي النَّاقةِ الحامِل) حتَّى كَثُرَ بُكاءُ المَسجِد». خَشَبَةٌ مَقطوعةٌ، لا رُوحَ فيها ولا قَلب، تَبكي وتَئِنُّ أَلَمًا على فِراقِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وحُزنًا على انقِطاعِ الذِّكرِ والوَحيِ الذي كانَ يُتلى بِجانِبِها!
فماذا فَعَلَ الرَّحمةُ المُهداة؟ هل تَجاهَلَ بُكاءَ الجَماد؟ لا والله! نَزَلَ النَّبيُّ ﷺ مِن على مِنبَرِهِ، ومَشى نَحوَ الجِذع، وضَمَّهُ إلى صَدرِهِ الشَّريف، فَسَكَنَ الجِذعُ وهَدأ، كما يُسَكَّنُ الطِّفلُ الصَّغير. يقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه اللهُ، وكانَ إذا حَدَّثَ بِهذا الحَديثِ بَكى حتَّى تَبلَلَ لِحيَتُه، ثمَّ يَقول: «يا مَعشَرَ المُسْلِمين، الخَشَبَةُ تَحِنُّ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ شَوقًا إليه، فأنتُم أحَقُّ أن تَشتاقوا إلى لِقائِه!».
يا لَلخَجَل! أينَ نحنُ من هذا الشَّوق؟ جِذعٌ يابِسٌ يَبكي حُبًّا لِمحمَّدٍ ﷺ، وقُلوبٌ تَنبِضُ بَينَ جَوانِحِنا، نَسمَعُ اسمَهُ، ونَسمَعُ سُنَّتَهُ، وتُمتهَنُ حُرمَتُهُ، فلا تَتَحَرَّكُ شَوقًا ولا غَيرة؟ أيُعقَلُ أن يَكونَ الخَشَبُ أَرَقَّ حِسًّا مِن قُلوبِ بَعضِ البَشَر؟
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ المُعجِزاتِ لم تَقتَصِر على السَّماءِ والشَّجَر، بل شَمِلَت كُلَّ ما تَحتاجُهُ أُمَّتُه. تَأمَّلوا مَعي هذا المَوقِفَ في غَزوَةِ الخَندَق، والمُسْلِمونَ في غايةِ الجوعِ والتَّعَب، يَحفِرونَ الخَندَقَ في جَوٍّ بارِد. يأتي جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما، فَيَرى النَّبيَّ ﷺ قد رَبَطَ حَجَرًا على بَطنِهِ مِن شِدَّةِ الجوع. يَتَمَزَّقُ قَلبُ جابِر، فَيَذهَبُ إلى زَوجَتِهِ ويَذبَحُ عِناقًا صَغيرة (جَدْيًا)، ويَطحَنُ صاعًا مِن شَعير، ويَدعو النَّبيَّ ﷺ في رَجُلَينِ أو ثَلاثة.
لكنَّ النَّبيَّ ﷺ — المُؤَيَّدَ مِنَ السَّماء — يَقِفُ ويُنادي في أهلِ الخَندَقِ جَميعًا: «يا أهلَ الخَندَقِ، إنَّ جابِرًا قد صَنَعَ سُورًا (طَعامًا) فَحَيَّ هَلًا بِكُم». ألْفُ رَجُلٍ يَتَوَجَّهونَ إلى طَعامٍ لا يَكفي لِخَمسَةِ أشخاص! فيَدخُلُ النَّبيُّ ﷺ ويُبارِكُ الطَّعام، ويَبدأُ بِتَوزيعِ الخُبزِ واللَّحمِ بِيَدِه. يقول جابِرٌ في الحديثِ الذي رَواهُ البُخاري ومُسْلِم: «فَأُقسِمُ بِاللَّهِ، لَقَد أَكَلوا حتَّى تَرَكوهُ وانحَرَفوا، وإنَّ بُرمَتَنا لَتَغِطُّ (أي تَغلي باللَّحم) كما هي، وإنَّ عَجينَنا لَيُخبَزُ كما هو»!
ألْفُ رَجُلٍ شَبِعوا من شاةٍ صَغيرةٍ وحَفنَةِ شَعير! من أينَ جاءَ هذا البَرَكة؟ إنَّهُ رَبُّ الأسبابِ الذي يَقولُ للشَّيءِ ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، يُجري آياتِهِ على يَدَي حَبيبِهِ ومُصطَفاه، لِيُثَبِّتَ قُلوبَ المُؤمِنين.
ولَيسَ الطَّعامُ وَحدَه، بل حتَّى الماء! في يَومِ الزَّوراء، حانَت صَلاةُ العَصر، والتَمَسَ النَّاسُ وُضوءًا فَلَم يَجِدوا. فَأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِقَدَحٍ صَغيرٍ فيهِ قَليلٌ من ماء. فَوَضَعَ يَدَهُ الشَّريفَةَ فيه، فماذا حَدَث؟ يقولُ أنَسُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه: «فَرَأيتُ الماءَ يَنبُعُ مِن بَينِ أصابِعِه! فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حتَّى تَوَضَّؤوا مِن عِندِ آخِرِهم». قيلَ لِأنَس: كَم كُنتُم؟ قال: «كُنَّا زُهاءَ ثَلاثِمائة»! ثَلاثُمِائَةِ رَجُلٍ يَشرَبونَ ويَتَوَضَّؤونَ مِن قَدَحٍ صَغير!
وهنا تَقِفُ العُقولُ مَبهوتة. يقولُ الإمامُ النَّوَويُّ رحمه اللهُ وهو يُعَلِّقُ على هذا الحديث: «هذِهِ المُعجِزَةُ مِن أظهَرِ المُعجِزاتِ وأجَلِّها، وقد تَكَرَّرَت مِنهُ ﷺ في مَواطِنَ كَثيرة، وهي أبلَغُ مِن نَبعِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ لِموسى عليه السَّلام؛ لأنَّ خُروجَ الماءِ مِن بَينِ اللَّحمِ والدَّمِ أعجَبُ مِن خُروجِهِ مِنَ الحَجَرِ الذي يُعهَدُ مِنهُ تَفَجُّرُ اليَنابيع».
يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَقُدرَةِ هذا الرَّبِّ العَظيم! إذا كانَ هذا حَالَ الجَماداتِ والماءِ مَعَهُ ﷺ، فَكَيفَ يَنبَغي أن يَكونَ حالُنا نحنُ أمَّتَه؟
واسمَعوا لِهذا، أيُّها الأحبَّة... قد يَقولُ قائِلٌ في نَفسِهِ الآن: "يا لَيتَني كُنتُ مَعَهم! يا لَيتَني رأيتُ القَمَرَ يَنشَق، أو شَرِبتُ مِنَ الماءِ الذي نَبَعَ مِن بَينِ أصابِعِه! لَو رأيتُ ذلِكَ لَزادَ إيماني ولَم أَعصِ اللَّهَ أبدًا".
ولكن، لِيَطمَئِنَّ قَلبُك. إنَّ اللهَ بِحِكمَتِهِ وعَدلِه، لَم يَحرِمنَا نحنُ — الذينَ جِئنا بَعدَ ألفٍ وأربَعِمائةِ سَنَة — مِن مُعجِزاتِ نَبيِّنا ﷺ. لَيسَت كُلُّ المُعجِزاتِ قَد طُوِيَت ومَضَت. هُناكَ مُعجِزَةٌ واحِدَةٌ كُبرى، مُعجِزَةٌ عُظمى، ما زالَت بَينَ أيدينا، طَرِيَّةً غَضَّةً كما أُنزِلَت. هل عَرَفتُموها؟
إنَّهُ القُرآنُ العَظيم!
يقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ المتَّفقِ عليه: «ما مِنَ الأنبياءِ نَبيٌّ إلَّا أُعطِيَ ما مِثلُهُ آمَنَ علَيهِ البَشَر، وإنَّما كانَ الَّذي أوتيتُ وَحيًا أوحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابِعًا يَومَ القِيامَة».
تأمَّلوا في هذا التَّحليل العَميق: عَصا موسى عليه السَّلامُ انشَقَّ بِها البَحر، ولكن أينَ العَصا اليوم؟ مَن لم يَرَها في وَقتِها لَم يَرَ سِوى خَبَرِها. وعيسى عليه السَّلامُ أبرَأَ الأكمَهَ والأبرَص، ومَن لم يَرَهُ لَم يَشهَد الآية. أمَّا مُعجِزَةُ مُحمَّدٍ ﷺ فهي هذا الكِتابُ الذي نَقرَؤُهُ كُلَّ يَوم. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 50-51].
أوَ لَم يَكفِهم؟! بلى واللهِ يَكفي. القُرآنُ هو المُعجِزَةُ الخالِدَة. تَحَدَّى اللهُ بِهِ الإنسَ والجِن، العَرَبَ والعَجَم، أصحابَ الفَصاحَةِ وأهلَ البَلاغَة، مِن لَدُن نُزولِهِ إلى أن تَقومَ السَّاعة. ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء: 88].
وهذا ما قَرَّرَهُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه اللهُ بِعِبارةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَبِ حينَ قال: «وآياتُ الأنبياءِ انقَضَت بِمَوتِهم، وآيَةُ نَبيِّنا ﷺ باقِيَةٌ إلى يَومِ القِيامَة، غَضَّةٌ طَرِيَّةٌ تَقرَعُ الأسماعَ وتَصِلُ إلى القُلوب».
في زَمَنِنا هذا، زَمَنِ الشُّبُهاتِ والفِتَن، حَيثُ تَتَلاطَمُ أمواجُ الإلحاد، وتُطرَحُ الشُّكوكُ في وَسائِلِ التَّواصُلِ كُلَّ يوم، يَقِفُ الشَّابُّ المُسلِمُ أحيانًا حائِرًا: كيفَ أثبُت؟ من أينَ أستَمِدُّ اليَقين؟ أقولُ لك: افتَح مُصحَفَك! انظُر في دِقَّةِ تَشريعاتِه، وفي إعجازِهِ اللُّغَويِّ الذي لا يُدانى، وفي إعجازِهِ العِلميِّ الذي يَكتَشِفُ العُلَماءُ أسرارَهُ يومًا بَعدَ يَوم. هذا الكِتابُ الذي نَزَلَ قَبلَ أكثَرَ مِن أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا على رَجُلٍ أُمِّيٍّ في صَحراء، يَحوي أسرارَ الكونِ، وطِبَّ النُّفوس، وقَوانينَ الاجتِماع. هل يُمكِنُ أن يَكونَ هذا مِن صُنعِ بَشَر؟ مُستَحيل! القُرآنُ هو جِذعُكَ الذي تَستَنِدُ إليه لِيَهدأَ قَلبُك، وهو نَبعُكَ الذي تَرتَوي مِنهُ في صَحراءِ الشُّبُهات.
أيها الإخوةُ الأحبَّة... لَقَد كانَ أصحابُ مُحمَّدٍ ﷺ يُؤمِنونَ بِه، لا لِمُجَرَّدِ ما يَرَونَ مِن خَوارِق، بل لِما يَرَونَ في سيرَتِهِ وأخلاقِهِ ورَحمَتِه. قال الله تَعالى يَصِفُ حالَهُ مَعنا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 128].
نحنُ لَم نَرَ الماءَ يَنبُع، ولَم نَسمَع الجِذعَ يَحِن، ولَم نَرَ القَمَرَ يَنشَق. لَكِنَّنا آمَنَّا بِه ﷺ، وصَدَّقناه، وأحبَبناه. وهل تَعلَمونَ أنَّهُ ﷺ قد بَادَلَنا هذا الحُبَّ قَبلَ أن نُخلَق؟
روى الإمامُ مُسْلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَفَ يَومًا في المَقبَرَةِ وقال لأصحابِه: «وَدِدتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي». فَتَعَجَّبَ الصَّحابَةُ وقالوا: أَوَلَسنا إخوانَك يا رَسولَ الله؟ قال: «أَنتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي».
يا لَها مِن بِشارَة! أن تَكونَ في قَلبِ رَسولِ اللهِ ﷺ، يَشتاقُ لِلِقائِك قَبلَ أن تولَد، لِأنَّكَ آمَنتَ بِهِ ولَم تَرَه. فإذا كُنتَ تَرجو أن تَكونَ مِن إخوانِهِ الذينَ اشتاقَ إليهِم، فما هو واجِبُكَ تِجاهَه؟
واجِبُنا ليسَ فَقَط أن نَطَرَبَ لِسَماعِ مُعجِزاتِه، بَل أن نَتَّبِعَ سُنَّتَه، ونُعَظِّمَ أمرَه، ونُدافِعَ عَن حُرمَتِه. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: 31]. فَالَّذي يَسمَعُ بِمُعجِزاتِ النَّبيِّ ﷺ ثمَّ يَهجُرُ سُنَّتَه، ويَترُكُ صَلاتَه، ويَتَخَلَّقُ بِغَيرِ أخلاقِه، فَأينَ إيمانُهُ ومَحَبَّتُه؟ ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف: 157].
بارَكَ اللَّهُ لي ولَكم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللَّهَ العَظيمَ لي ولَكم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه، إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمَدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أرسَلَهُ اللَّهُ سِراجًا مُنيرًا، وبَشيرًا ونَذيرًا، صَلَّى اللَّهُ علَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين.
أمَّا بَعد:
عِبادَ اللَّه، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن مُعجِزاتِ نَبيِّنا ﷺ الباهِرة، وكيفَ انشَقَّ لَهُ القَمَر، ونَبَعَ الماءُ مِن بَينِ أصابِعِه، وحَنَّ إليهِ جِذعُ النَّخلَة، ثمَّ وَقَفنا مَعَ مُعجِزَتِهِ الخالِدَةِ الباقِيَةِ بَينَ أيدينا: القُرآن الكَريم. والآن، إخوَاني، بَقِيَ السُّؤالُ الأهمُّ الذي سَيُحَدِّدُ إن كانَت هذهِ الخُطبَةُ قَد أثمَرَت في قُلوبِنا أم مَرَّت مُرورَ الرِّيح: كيفَ نُتَرجِمُ هذا اليَقينَ بِمُعجِزاتِهِ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ في حَياتِنا اليَوميَّة؟ كيفَ نَكونُ مِن أتباعِهِ صِدقًا، لا بِالكَلامِ فَقَط؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّةَ المَحَبَّةِ الخالِصَةِ لَهُ ﷺ في قَلبِك. قال ﷺ: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكونَ أحَبَّ إليهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجمَعين». اختَبِر قَلبَك: إذا تَعارَضَ هَواكَ ورَغبَتُكَ مَعَ ما أمَرَ بِهِ رَسولُ اللَّه، فَمَن تُقَدِّم؟ اجعَل هَواكَ تَبَعًا لِما جاءَ بِه.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): أكثِر مِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، خاصَّةً في هذا اليَوم الأغَرّ (يَومِ الجُمُعَة). الصَّلاةُ عَلَيهِ مِفتاحٌ لِتَفريجِ الهُمومِ ومَغفِرَةِ الذُّنوب. كُلَّما ذُكِرَ اسمُه، عَطِّر لِسانَكَ بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَإنَّهُ يَبلُغُهُ سَلامُك.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): أحيِ اللَّيلَةَ سُنَّةً واحِدَةً مِن سُنَنِهِ كُنتَ قَد تَرَكتَها أو غَفَلتَ عَنها. اقتَنِ سِواكًا وطَهِّر بِهِ فَمَك قَبلَ الصَّلاة، أو نَم على وُضوء، أو صُم يَومَ الإثنَينِ أوِ الخَميس. خُطوَةٌ عَمَليَّةٌ صَغيرةٌ تَقولُ بِها حَقًّا: "أنا أُحِبُّك يا رَسولَ اللَّه وأتَّبِعُ أثَرَك".
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): اجلِس مَعَ أبنائِكَ وبَناتِكَ اليَوم — لا تُؤَجِّل — واقصُص عَلَيهِم قِصَّةً واحِدَةً مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ ﷺ. أخبِرهُم عَن نَبعِ الماء، أو انشِقاقِ القَمَر. اربِط قُلوبَ الأجيالِ الصَّاعِدَةِ بِنَبيِّهِم؛ فَإن لَم تَمْلأ قُلوبَهُم بِمَحَبَّتِه، مَلَأَتها الشَّاشاتُ بِمَحَبَّةِ التَّافِهين.
الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): خُذِ المُصحَفَ اليَوم، واقرَأ مِنهُ ولَو صَفحَةً واحِدَة، ولَكِن بِنيَّةٍ جَديدة: استَشعِر أنَّكَ تَحمِلُ بَينَ يَدَيكَ المُعجِزَةَ الكُبرى التي أيَّدَ اللَّهُ بِها مُحمَّدًا ﷺ. اقرَأهُ قِراءَةَ المُتَدَبِّر، لا قِراءَةَ العابِر.
فاتَّقوا اللَّهَ عِبادَ اللَّه، فَإنَّ تَقوى اللَّهِ هي مِفتاحُ البَصيرَة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الحديد: 28].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا وحَبيبِنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أتباعِهِ الصَّادِقين، ومِن سُنَّتِهِ عامِلين، وعلى نَهجِهِ مُستَقيمين.
اللَّهُمَّ كَما آمَنَّا بِهِ ولَم نَرَه، فَلا تَحرِمنا رُؤيَتَهُ يَومَ القِيامَة. اللَّهُمَّ ارزُقنا شَفاعَتَه، وأورِدنا حَوضَه، واسقِنا مِن يَدِهِ الشَّريفَةِ شَربَةً هَنيئَةً مَريئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبدًا.
اللَّهُمَّ ثَبِّت قُلوبَنا على الإيمان، واحفَظ أبناءَنا وبَناتِنا مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَن، واجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا.
اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، وانصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان.
اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأحياءِ مِنهُم والأموات.
عِبادَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون.
فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.