من مكتبة مِداد الخطيب

بِرُّ الوالدَينِ وصِلَةُ الأرحامِ... جَنَّةُ الدُّنيا ومِفتاحُ البَرَكات

مشاركة
🕌 بِرُّ الوالدَينِ وصِلَةُ الأرحامِ... جَنَّةُ الدُّنيا ومِفتاحُ البَرَكات #خطبة_جمعة #بر_الوالدين #صلة_الرحم #الأسرة #أخلاق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الأرحامَ مَوصولةً بعَرشِه، ووَعَدَ الواصِلينَ بالبَرَكةِ في أعمارِهم وأرزاقِهم. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ بِرَّ الوالدَينِ قَرينَ التَّوحيدِ في كِتابه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ النَّاسِ بأهلِه، وأوصَلُهم لِرَحِمِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا رَجلًا يَطوفُ الأرضَ يَبحَثُ عن سَعةِ الرِّزقِ، ويَطرُقُ أبوابَ الأطبَّاءِ يَبحَثُ عن طُولِ العُمُرِ والعافيَة، وهو لا يَدري أنَّ المِفتاحَ الذي يَبحَثُ عنه مَوجودٌ مَعهُ في نَفسِ بَيتِه، وفي هاتِفِه جِهَةَ أرقامِ عائلتِه! فما هو هذا السِّرُّ العَجيب؟ وكيف نَغفُلُ عنه؟ هذا ما سَنَعرِفُه اليَوم. أيُّها المُسلِمون، قال اللهُ تعالى في مُحكَمِ التَّنزيلِ، آيةً تَستَوقِفُ القُلوب: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]. تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! رَبَطَ اللهُ جَلَّ جَلالُه أعظَمَ حَقٍّ في الوُجودِ، وهو تَوحيدُهُ وعِبادَتُه، بحَقِّ الوالدَين. لَم يَقُل "وبالوالدَينِ عَدلًا"، بَل قال "إحسانًا". والإحسانُ مَرتَبةٌ فَوقَ العَدل؛ أن تُعطِيَهُما وتَبذُلَ لَهُما بِلا حِساب، كما بَذَلا لَكَ وأنتَ طِفلٌ ضَعيفٌ لا تَملِكُ لِنَفسِكَ ضَرًّا ولا نَفعًا. وخَرَجَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما يَومًا، فَسُئِلَ عن أفضَلِ العَمَل، فَقالَ كَلمةً حاسِمة: "إنِّي لا أعلَمُ عَمَلًا أقرَبَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن بِرِّ الوالِدة". ولكِن، ماذا لَو قَصَّرنا؟ ماذا لَو شَغَلَتنا الدُّنيا والزَّوجاتُ والأولادُ عنهُما؟ واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، يَصعَدُ النَّبيُّ ﷺ المِنبَرَ فَيَقولُ: «آمين، آمين، آمين». فلمَّا سُئِلَ، أخبَرَ أنَّ جِبريلَ جاءَهُ فَقال: «رَغِمَ أنفُ رَجُلٍ أدرَكَ والِدَيهِ عِندَ الكِبَرِ أحَدَهُما أو كِلَيهِما، فَلَم يُدخِلاهُ الجَنَّة» (رواهُ مُسلم). رَغِمَ أنفُه! أي لَصِقَ بِالتُّرابِ خَسارةً وخَيبة. بابٌ مِن أبوابِ الجَنَّةِ مَفتوحٌ في بَيتِك، ثُمَّ تَترُكُه لِتَبحَثَ عن أبوابٍ أُخرى؟! أيُّها الأَحِبَّة، ومِن بِرِّ الوالدَينِ يَتَّسِعُ الدَّربُ لِيَشمَلَ العائلَةَ كُلَّها؛ صِلَةُ الرَّحِم. قال اللهُ سُبحانَه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. صِلَةُ الرَّحِمِ لَيسَت مُجَرَّدَ واجِبٍ اجتِماعيٍّ يَقومُ بهِ النَّاسُ في الأعياد، بَل هيَ مُعاهَدَةٌ مَعَ السَّماء. خَلَقَ اللهُ الرَّحِمَ فَقالَ لها: «مَن وَصَلَكِ وَصَلتُه، ومَن قَطَعَكِ قَطَعتُه». ويُبَشِّرُكُمُ النَّبيُّ ﷺ بِبِشارَةٍ عَاجِلةٍ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة، فَقال: «مَن أحَبَّ أن يُبسَطَ لهُ في رِزقِه، ويُنسَأَ لهُ في أثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَه» (مُتَّفَقٌ عليه). تَبحَثُ عن زِيادَةِ الرِّزق؟ تَبحَثُ عن طُولِ العُمُرِ وبَرَكَتِه؟ طَريقُكَ يَمُرُّ مِن بَيتِ عَمِّك، ومِن بابِ خالَتِك، ومِن هاتِفِ أُختِك. ولَعَلَّ قائِلًا يَقول: "أنا أصِلُهُم وهُم يَقطَعونني، أُحسِنُ إليهِم ويُسيئون!" هنا يَتَدَخَّلُ ميزانُ النُّبُوَّة، لِيَقولَ لكَ نَبيُّكَ ﷺ: «لَيسَ الواصِلُ بِالمُكافِئ، ولَكِنَّ الواصِلَ الذي إذا قُطِعَت رَحِمُهُ وَصَلَها» (رواهُ البُخاري). الواصِلُ الحَقيقيُّ هو الذي يَمسَحُ الخِلافات، ويَتَجاوَزُ عَنِ الزَّلَّاتِ احتِسابًا للأجرِ عِندَ الله، لا انتِظارًا لِرَدِّ الجَميلِ مِنَ النَّاس. لِنَقِف لَحْظَةً — يا عِبادَ الله — مَعَ قِصَّةٍ تَهزُّ القُلوب، تُبَيِّنُ لَنا كَيفَ أنَّ بِرَّ الوالِدَينِ يَكسِرُ الصُّخورَ الصَّمَّاء. في القِصَّةِ الصَّحيحَةِ للثَّلاثَةِ الذينَ أُغلِقَ عليهِمُ الغارُ بِصَخرَةٍ عَظيمَة، سَدَّت عليهِمُ المَخرَج. لا حَلَّ بَشَري، ولا أَمَل. فَدَعا كُلُّ واحِدٍ مِنهُم بِأرجى عَمَلٍ لَه. تَوَسَّلَ أحَدُهُم لِرَبِّه بِبِرِّه، فَقال: «اللَّهُمَّ إنَّه كان لي وَالِدانِ شَيخانِ كَبيران، وكُنتُ لا أَغبِقُ قَبلَهُما أهلًا ولا مالًا (أي لا أُطعِمُ أحدًا قَبلَهُما). فَنأى بي طَلَبُ الشَّجَرِ يَومًا (تَأخَّرتُ في العَمَل)، فَلَم أُرِح عليهِما حتَّى ناما، فَحَلَبتُ لَهُما غَبوقَهُما، فَوَجَدتُهُما نائِمَين. فَكَرِهتُ أن أوقِظَهُما، وكَرِهتُ أن أَسقِيَ الأهلَ قَبلَهُما، فَلَبِثتُ والقَدَحُ على يَدي أنتَظِرُ استيقاظَهُما حتَّى بَرَقَ الفَجرُ — والصِّبيَةُ يَتَضاغَونَ عِندَ قَدَمَيَّ مِنَ الجوع — فاستَيقَظا فَشَرِبا غَبوقَهُما. اللَّهُمَّ إن كُنتُ فَعَلتُ ذلكَ ابتِغاءَ وَجهِك، فَفَرِّج عَنَّا ما نَحنُ فيه مِن هذهِ الصَّخرة». فماذا حَدَث؟ هَل ضاعَ هذا البِرُّ؟ «فَانفَرَجَتِ الصَّخرَة». يا أُمَّةَ مُحمَّد، إنْ كانَ بِرُّ الوالِدَينِ قَد أزاحَ صَخرَةً مِنَ الجَبَل، أفَلا يُزيحُ صُخورَ الهُمومِ والأحزانِ والدُّيونِ مِن حَياتِنا؟! بَلى والله. الأيَّامُ تَمضي سَريعًا، والآباءُ والأُمَّهاتُ، والأعمامُ والأخوالُ كِبارُ السِّنِّ، يَرحَلونَ واحِدًا تِلوَ الآخَر. فَمَن كانَ لَهُ والدانِ أو رَحِمٌ، فَليَغتَنِم هذه الأبوابَ قَبلَ أن تُغلَق، وقَبلَ أن نَقِفَ على القُبورِ نَبكي حَسرةً على أيامٍ قَصَّرنا فيها وعُقوقٍ فَرَّطنا فيه. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ وكَفى، وصَلاةً وسَلاماً على عَبدِهِ الذي اصطَفى، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن لِلأثَرِ اقتَفى. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن مَكانَةِ الوالِدَين، وعَظيمِ أجرِ صِلَةِ الرَّحِم، وكَيفَ فَرَّجَ اللهُ الصَّخرةَ العَظيمَةَ بِبِرِّ الوالِدَين. والسُّؤالُ الأَهَمُّ الآن: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا في واقِعِنا المُتَسارِع؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللهَ أن يَجعَلَها مِفتاحَ خَيرٍ لنا جَميعًا: الأولى (قَلبِيَّة): اعقِدِ النِّيَّةَ الآن، وأنتَ في بَيتِ الله، على مُسامَحَةِ أقارِبِكَ وتَطهيرِ قَلبِكَ تِجاهَهُم. قُل: "اللَّهُمَّ إنِّي عَفَوتُ عَنهُم ابتِغاءَ وَجهِك". هَنيئًا لِمَن عادَ إلى بَيتِهِ اليَومَ بِقَلبٍ سَليم. الثَّانِيَة (لِسانِيَّة): اليَوم، خُذ هاتِفَكَ واتَّصِل بِعَمٍّ، أو عَمَّة، أو خالٍ، أو خالَة، لَم تُكَلِّمها مُنذُ زَمَن. كَلِمَةٌ واحِدة: "كَيفَ حالُكُم؟ افتَقَدتُكُم". هذهِ الكَلِمَةُ قَد تَكونُ سَبَبًا في بَسطِ رِزقِك. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): إن كانَ والِداكَ حَيَّين، فاذهَب إليهِما اليَوم، قَبِّل رُؤوسَهُما، واسأَلْهُما الرِّضا والدُّعاء. وإن كانا قَد رَحَلا إلى الله، فَتَصَدَّق عَنهُما اليَومَ ولَو بِالقَليل، وادعُ لَهُما، فَعَمَلُهُما لَم يَنقَطِع بِوُجودِ وَلَدٍ صالِحٍ يَدعو لَهُما. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): إيَّاكُم ثُمَّ إيَّاكُم أن تَسمَحوا لِلدُّنيا، ولِميراثٍ، أو أموالٍ، أو خِلافاتٍ تَافِهَةٍ، أن تُمَزِّقَ عائلاتِكُم وتَقطَعَ أرحامَكُم. المالُ يَأتي ويَذهَب، أمَّا قَطيعةُ الرَّحِمِ فَشُؤمٌ وعُقوبَةٌ مُعَجَّلَة. الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): رَبُّوا أبناءَكُم على صِلَةِ الأقَارِب. خُذُوهُم مَعَكُم لِزِيارَةِ كِبارِ السِّنِّ في العائِلَة. إنَّ الجيلَ الذي يَترَبَّى على الجَفاءِ، سَيَجفوكُم أنتُم غَدًا عِندَما تَكبَرون. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ اللهِ في آبائِكُم وأُمَّهاتِكُم وأرحامِكُم، فَإنَّها سَفينَةُ النَّجاة. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ اغفِر لآبائِنا وأُمَّهاتِنا، وارحَمهُم كَما رَبَّونا صِغارًا. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنهُم حَيًّا فَمَتِّعهُ بِالصِّحَّةِ والعافيَةِ واختِم لَهُ بِحُسنِ الخاتِمَة، ومَن كانَ مِنهُم مَيِّتًا فَأنزِل على قَبرِهِ الضِّياءَ والنُّورَ والفُسحَةَ والسُّرور. اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِنا، وأصلِح ذاتَ بَينِنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام. اللَّهُمَّ لا تَدَع فينا رَحِمًا مَقطوعَةً إلَّا وَصَلتَها، ولا عاقًّا إلَّا هَدَيتَهُ ورَدَدتَهُ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُسلِمينَ والمُسلِمات، والمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأَحياءِ مِنهُم والأَموات. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.