🕌 الخَوفُ مِنَ اللهِ... أَمَانُ القُلُوبِ وَطَرِيقُ النَّجَاة
#خطبة_جمعة #الخوف_من_الله #الخشية #المراقبة #اليوم_الآخر #رقائق
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ خَشْيَتَهُ طَرِيقاً إِلَى رِضْوَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الخَائِفِينَ وَسَيِّدُ المُتَّقِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً. أَمَّا بَعْدُ:
نَخَافُ مِنَ الفَقْرِ فَنَجْمَعُ المَالَ، وَنَخَافُ مِنَ المَرَضِ فَنَحْتَمِي عَنِ الوَبَاءِ، وَنَخَافُ مِنَ النَّاسِ فَنُدَارِيهِمْ وَنَسْتُرُ عُيُوبَنَا عَنْهُمْ. لَكِنْ هُنَاكَ خَوْفٌ وَاحِدٌ مَنَعْنَا أَنْ نَعِيشَهُ حَقَّ العَيْشِ، رَغْمَ أَنَّهُ الخَوْفُ الوَحِيدُ الَّذِي يُوَرِّثُ الأَمَانَ الأَبَدِيَّ. خَوْفٌ عَجِيبٌ.. يَجْعَلُكَ تَفِرُّ إِلَى مَنْ تَخَافُ مِنْهُ، لَا تَفِرُّ عَنْهُ! مَا سِرُّ هَذَا الخَوْفِ؟ وَلِمَاذَا نَحْنُ بِأَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَيْهِ اليَوْمَ؟ جَوَابٌ يَنْتَظِرُكُمْ بَعْدَ قَلِيلٍ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ، فِي زَحْمَةِ هَذِهِ الحَيَاةِ، وَتَكَاثُرِ المُغْرِيَاتِ، وَتَسَاهُلِ النَّاسِ فِي المَعَاصِي السِّرِّيَّةِ وَالعَلَنِيَّةِ، نَحْنُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى أَنْ نَقِفَ مَعَ عِبَادَةٍ غَائِبَةٍ. عِبَادَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَرَكَةِ جَوَارِحَ، وَلَا إِلَى بَذْلِ دِرْهَمٍ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهَا قَلْبٌ يَنْبِضُ بِالحَيَاةِ. عِبَادَةٍ هِيَ السِّيَاجُ الَّذِي يَحْمِي الإِنْسَانَ حِينَ تُغْلَقُ الأَبْوَابُ، وَتُرْخَى السُّتُورُ، وَيَغِيبُ الرَّقِيبُ مِنَ البَشَرِ.
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [سورة الرحمن: 46].
تَأَمَّلُوا مَعِي هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ... لَمْ يَقُلْ رَبُّنَا "وَلِمَنْ صَلَّى"، وَلَا "لِمَنْ صَامَ"، بَلْ قَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الخَوْفَ مِنَ اللهِ هُوَ المُحَرِّكُ الأَسَاسِيُّ لِكُلِّ طَاعَةٍ، وَهُوَ الرَّادِعُ المَتِينُ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. إِنَّ الخَوْفَ مِنَ اللهِ لَيْسَ شُعُوراً بِالرُّعْبِ كَمَا تَخَافُ مِنْ سَبُعٍ مُفْتَرِسٍ أَوْ مِنْ ظَالِمٍ بَاطِشٍ تُرِيدُ أَنْ تَهْرُبَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ... كَلَّا، بَلْ هُوَ خَوْفٌ مَمْزُوجٌ بِالمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالإِجْلَالِ. أَنْتَ تَخَافُهُ لِأَنَّكَ تُحِبُّهُ، وَتَخْشَى أَنْ تَسْقُطَ مِنْ عَيْنِهِ، أَوْ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ.
يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي المَدَارِجِ مُبَيِّناً هَذَا المَعْنَى الدَّقِيقَ: «القَلْبُ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّائِرِ، المَحَبَّةُ رَأْسُهُ، وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَاهُ، فَمَتَى سَلِمَ الرَّأْسُ وَالجَنَاحَانِ كَانَ الطَّائِرُ جَيِّدَ الطَّيَرَانِ». فَلَا يَصِحُّ سَيْرُنَا إِلَى اللهِ إِنْ كُسِرَ جَنَاحُ الخَوْفِ فِي قُلُوبِنَا.
وَلَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآنَ: مَتَى يُخْتَبَرُ هَذَا الخَوْفُ الْحَقِيقِيُّ؟
الْجَوَابُ: يُخْتَبَرُ حِينَ تَخْلُو بِنَفْسِكَ. حِينَ يَنَامُ النَّاسُ، وَيَبْقَى الْهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَالشَّاشَةُ تُضِيءُ فِي الْعَتَمَةِ، وَتُعْرَضُ عَلَيْكَ مَفَاتِنُ الدُّنْيَا وَحَرَامُهَا بِلَمْسَةِ إِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ. هُنَاكَ... لَا يَرَاكَ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ.
اسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي نَحْفَظُهُ جَمِيعاً، لَكِنَّنَا نَحْتَاجُ أَنْ نَعِيشَهُ الْيَوْمَ دَقِيقَةً دَقِيقَةً. يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...» إِلَى أَنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ صِنْفَيْنِ: «...وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
تَأَمَّلُوا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ... كِلَاهُمَا نَالَ الظِّلَّ العَظِيمَ يَوْمَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ بِسَبَبِ شَيْءٍ وَاحِدٍ: الخَوْفِ مِنَ اللهِ فِي الْخَلْوَةِ.
الأَوَّلُ تُهَيَّأُ لَهُ كُلُّ أَسْبَابِ المَعْصِيَةِ وَاللَّذَّةِ المُحَرَّمَةِ وَالْأَمَانِ مِنَ الفَضِيحَةِ، فَيَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ».
وَالثَّانِي جَلَسَ خَالِياً، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، لَمْ يَبْكِ أَمَامَ الكَامِيرَاتِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَبْكِ فِي المِحْرَابِ أَمَامَ المَأْمُومِينَ، بَلْ بَكَى خَالِياً خَوْفاً وَشَوْقاً، فَحَرَّمَ اللهُ هَذِهِ العَيْنَ الدَّامِعَةَ فِي الظَّلَامِ عَلَى النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ!
لِنَنْتَقِلْ مَعاً بِمُخَيِّلَتِنَا 1400 سَنَةٍ لِلْخَلْفِ، إِلَى زَمَنِ الفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. كَانَ عُمَرُ يَتَفَقَّدُ الرَّعِيَّةَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، فَخَرَجَ إِلَى البَادِيَةِ فَوَجَدَ رَاعِياً صَغِيراً يَرْعَى غَنَماً فِي الجَبَلِ بَعِيداً عَنِ الأَعْيُنِ. فَأَرَادَ الفَارُوقُ أَنْ يَمْتَحِنَ إِيمَانَهُ.
قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا غُلَامُ، بِعْنِي شَاةً مِنْ هَذِهِ الغَنَمِ.
قَالَ الغُلَامُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي، إِنِّي مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِي.
قَالَ لَهُ عُمَرُ مُخْتَبِراً وَمُحَرِّضاً: قُلْ لِسَيِّدِكَ إِنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهَا! خُذْ ثَمَنَهَا وَاسْتَمْتِعْ بِهِ، فَأَنْتَ فِي وَادٍ بَعِيدٍ، وَلَنْ يَعْلَمَ بِكَ أَحَدٌ!
فَنَظَرَ الغُلَامُ الأُمِّيُّ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ... لَمْ يُلْقِ خُطْبَةً طَوِيلَةً، وَلَمْ يَسْرُدْ قَصِيدَةً... بَلْ أَطْلَقَ كَلِمَةً وَاحِدَةً زَلْزَلَتْ كِيَانَ الفَارُوقِ. قَالَ الغُلَامُ: فَأَيْنَ اللهُ؟!
اللهُ أَكْبَرُ! غُلَامٌ أُمِّيٌّ فِي الصَّحْرَاءِ، لَمْ يَدْرُسْ مُجَلَّدَاتِ العَقِيدَةِ وَالفِقْهِ، وَلَكِنَّهُ قَرَأَ حَقِيقَةَ الخَوْفِ مِنَ اللهِ فِي قَلْبِهِ. فَمَا كَانَ مِنْ عُمَرَ إِلَّا أَنْ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً، ثُمَّ ذَهَبَ فَاشْتَرَى الغُلَامَ وَاشْتَرَى الْغَنَمَ وَأَعْتَقَهُ، وَقَالَ لَهُ: «أَعْتَقَتْكَ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْجُو أَنْ تُعْتِقَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ».
يَا لَهَا مِنْ مِحْنَةٍ نَمُرُّ بِهَا نَحْنُ كُلَّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ نَشْعُرَ! حِينَ يُعْرَضُ عَلَيْكَ المَالُ الحَرَامُ وَالرِّشْوَةُ وَلَا يَرَاكَ المُدِيرُ... قُلْ: فَأَيْنَ اللهُ؟ حِينَ تَخْلُو بِمَحَارِمِ اللهِ فِي شَاشَتِكَ وَالْغُرْفَةُ مُغْلَقَةٌ... قُلْ: فَأَيْنَ اللهُ؟ حِينَ تُحَدِّثُكَ نَفْسُكَ بِظُلْمِ زَوْجَتِكَ فِي بَيْتِكَ أَوْ ظُلْمِ شَرِيكِكَ فِي عَمَلِكَ... قُلْ لِنَفْسِكَ: فَأَيْنَ اللهُ؟
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُذْكَرُ فِي هَذَا البَابِ، حَالُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَخْوَفِهِمْ لِلَّهِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مَنْ مِنَّا بَكَى حَتَّى سُمِعَ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ (أَيْ كَغَلَيَانِ القِدْرِ عَلَى النَّارِ) مِنْ خَشْيَةِ الجَبَّارِ؟ هَذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!
يَقُولُ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: 41]، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَسْبُكَ الآنَ». فَابْتَفَتُّ إِلَيْهِ... فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ! الدُّمُوعُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ مِنْ هَوْلِ المَوْقِفِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ.
نَبِيٌّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ... يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ! فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ، المُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، السَّاهِينَ فِي الغَفَلَاتِ، الضَّاحِكِينَ اللَّاهِينَ، وَلَا نَدْرِي مَاذَا كُتِبَ لَنَا فِي صَحَائِفِنَا؟! لَقَدْ صَدَقَ الإِمَامُ الْحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ وَصَفَ الفَرْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا فَقَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَاناً وَشَفَقَةً (أَيْ خَوْفاً)، وَإِنَّ المُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْناً».
عِبَادَ اللهِ، اعْلَمُوا يَقِيناً أَنَّ ثَمَرَةَ الخَوْفِ مِنَ اللهِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتِ القَلَقَ وَالاضْطِرَابَ، بَلْ هِيَ الطُّمَأْنِينَةُ وَالأَمَانُ يَوْمَ يَشِيبُ الوِلْدَانُ.
إِنَّهَا قَاعِدَةٌ إِلَهِيَّةٌ عَادِلَةٌ، مُعَادَلَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا تَتَخَلَّفُ: مَنْ خَافَ اللهَ فِي الدُّنْيَا أَمَّنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ أَمِنَ مَكْرَ اللهِ فِي الدُّنْيَا أَخَافَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ العَظِيمِ: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ؛ إِنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
يَا لَهَا مِنْ صَفْقَةٍ رَابِحَةٍ مَعَ اللهِ! أَنْ تَبْكِيَ دَمْعَةً خَفِيَّةً فِي غُرْفَتِكَ النَّدِيَّةِ لَيْلاً، أَوْ تَمْتَنِعَ عَنْ شَهْوَةٍ دَعَتْكَ إِلَيْهَا نَفْسُكَ وَهَوَاكَ، لِتَقِفَ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ هَادِئَ البَالِ، مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ، آمِناً مُطْمَئِنّاً، وَالنَّاسُ تَتَسَاقَطُ حَوْلَكَ مِنَ الفَزَعِ وَالرُّعْبِ!
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الآمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ يَجْلِسُونَ فِي الجَنَّةِ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ سِرِّ نَجَاتِهِمْ: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ • فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ • إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الطور: 26-28]. السِّرُّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا «مُشْفِقِينَ»؛ أَيْ خَائِفِينَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، مُشْفِقِينَ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ، فَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ المَحْتُومَةُ: ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾.
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الأَمْرِ الأَخْطَرِ... لَعَلَّ سَائِلًا يَسْأَلُ: مَا الَّذِي يَنْزِعُ الخَوْفَ مِنَ القُلُوبِ اليَوْمَ؟
إِنَّهُ الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ: اسْتِصْغَارُ الذُّنُوبِ! أَنْ تَنْظُرَ إِلَى المَعْصِيَةِ وَتَقُولَ: «هِيَ صَغِيرَةٌ، هِيَ مُجَرَّدُ نَظْرَةٍ لَا تَضُرُّ، هِيَ مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ قُلْتُهَا، اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ». نَعَمْ، اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلَكِنَّهُ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْضاً!
وَقَدْ حَذَّرَنَا مِنْ ذَلِكَ سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ وَقَفَ يُخَاطِبُ جِيلَ التَّابِعِينَ قَائِلاً: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدَّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُوبِقَاتِ (أَيِ المُهْلِكَاتِ)» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
لَا تَنْظُرْ يَا عَبْدَ اللهِ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ!
إِخْوَتِي الكِرَامُ، فَإِلَى مَتَى هَذِهِ الغَفْلَةُ؟ إِلَى مَتَى نَعِيشُ وَكَأَنَّنَا مُخَلَّدُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ؟ القُبُورُ تُفْتَحُ كُلَّ يَوْمٍ لِتَسْتَقْبِلَ رِفَاقَنَا وَأَحْبَابَنَا، وَالأَعْمَارُ تُطْوَى صَفْحَةً بَعْدَ صَفْحَةٍ، وَالأَنْفَاسُ مَعْدُودَةٌ بِدِقَّةٍ لَنْ تَزِيدَ نَفَساً وَاحِداً. فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَنْ يَنْفَعَكَ مَالُكَ، وَلَا مَنْصِبُكَ، وَلَا أَصْدِقَاؤُكَ حِينَ تُحْمَلُ عَلَى الأَعْنَاقِ وَتُوضَعُ فِي لَحْدِكَ وَحِيداً مُنْفَرِداً بَعْدَمَا يُوَلِّي عَنْكَ المُشَيِّعُونَ.
فَكُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ وَأَنْتَ غَافِلٌ عَنْ مَقَامِ رَبِّكَ، هِيَ لَحْظَةٌ لَنْ تَعُودَ وَسَتُسْأَلُ عَنْهَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ كَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَاماً عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي اصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ مَنْزِلَةِ الخَوْفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَكَيْفَ أَنَّهُ جَنَاحُ النَّجَاةِ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَوَقَفْنَا مَعَ صُوَرٍ مُشْرِقَةٍ لِلْخَائِفِينَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتِهِ الأَجِلَّاءِ. وَرَأَيْنَا مَعاً حَقِيقَةَ تِلْكَ القَاعِدَةِ: أَنَّ مَنْ خَافَ فِي الدُّنْيَا أَمِنَ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَالآنَ، وَنَحْنُ نَسْتَعِدُّ لِمُغَادَرَةِ هَذَا المَجْلِسِ المَلَائِكِيِّ، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا الشُّعُورَ إِلَى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ فِي حَيَاتِنَا؟ كَيْفَ لَا تَمُوتُ هَذِهِ الخُطْبَةُ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ؟
أُوصِيكُمْ يَا عِبَادَ اللهِ بِخَمْسٍ عَمَلِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي، خُذُوهَا مَعَكُمْ إِلَى بُيُوتِكُمْ:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): اسْتَحْضِرْ عَظَمَةَ اللهِ قَبْلَ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. إِذَا هَمَّتْ نَفْسُكَ بِالحَرَامِ، وَخَلَوْتَ وَعَصَفَتْ بِكَ الشَّهْوَةُ، قُلْ لَهَا يَا نَفْسُ: أَيْنَ اللهُ؟ أَلَيْسَ يَرَانِي؟ فَإِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ الجَبَّارِ أَوْلَى بِكَ أَلْفَ مَرَّةٍ مِنَ الِاسْتِحْيَاءِ مِنَ البَشَرِ الضُّعَفَاءِ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): أَمْسِكْ لِسَانَكَ هَذَا اليَوْمَ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ خَوْفاً مِنَ المُحَاسَبَةِ وَقَصْمِ الحَسَنَاتِ. إِذَا جِئْتَ لِتَغْتَابَ أَحَداً فِي مَجْلِسٍ، أَوْ تُعَلِّقَ عَلَيْهِ مُسْتَهْزِئاً، تَذَكَّرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: 18]. الخَائِفُ مِنْ رَبِّهِ يُلْجِمُ لِسَانَهُ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): اجْعَلْ لِنَفْسِكَ خَبِيئَةً مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ فِي الخَفَاءِ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ، وَحَاوِلْ أَنْ تَبْكِيَ مِنْ خَشْيَتِهِ خَالِياً — وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ — حَتَّى تُكْتَبَ فِي قَوَائِمِ مَنْ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): إِيَّاكَ وَظُلْمَ العِبَادِ، لِأَنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللهُ يَقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ. لَا تَظْلِمْ زَوْجَتَكَ فِي بَيْتِكَ بِسُوءِ الخُلُقِ، وَلَا أَخَاكَ أَوْ أُخْتَكَ فِي مِيرَاثٍ، وَلَا عَامِلاً ضَعِيفاً يَعْمَلُ تَحْتَ يَدِكَ فَتَأْكُلَ حَقَّهُ، وَتَذَكَّرْ قَبْلَ ظُلْمِهِمْ وُقُوفَكَ ذَلِيلاً بَيْنَ يَدَيِ الجَبَّارِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): رَبِّ أَبْنَاءَكَ عَلَى حُبِّ اللهِ وَالخَوْفِ مِنْهُ كِلَيْهِمَا مَعاً بِتَوَازُنٍ. لَا تُخِفْهُمْ مِنَ النَّارِ فَقَطْ حَتَّى يَنْفِرُوا، بَلْ حَبِّبْ لَهُمُ الجَنَّةَ أَوَّلاً، ثُمَّ اغْرِسْ فِيهِمْ عَقِيدَةَ المُراقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَهُمْ حَيْثُ كَانُوا، لَا لِيُعَاقِبَهُمْ فَقَطْ، بَلْ لِيَحْمِيَهُمْ وَيَحْفَظَهُمْ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ التَّقْوَى هِيَ الثَّمَرَةُ الحَقِيقِيَّةُ المَلْمُوسَةُ لِلْخَوْفِ مِنَ الرَّحْمَنِ. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الأَكْرَمِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ المُبَارَكَةِ مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوباً تَوْجَلُ وَتَخْشَعُ مِنْ ذِكْرِكَ، وَعُيُوناً تَبْكِي خَلْوَةً مِنْ خَشْيَتِكَ وَحُبِّكَ.
اللَّهُمَّ ظَلِّلْنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، يَوْمَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْمَعْ عَلَيْنَا خَوْفَيْنِ وَأَمِّنَّا يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَتَلَقَّوْنَ صَحَائِفَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ رُدَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكَ رَدّاً جَمِيلاً، وَارْفَعِ البَلَاءَ وَالظُّلْمَ عَنِ المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
<br><br>
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحاً مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.