🕌 تَحَرُّرُ الأحرار.. كيفَ تَخشى اللهَ ولا تَخافُ النَّاس؟
#خطبة_جمعة #توحيد_الخوف #الشجاعة #مراقبة_الله #اليقين #التوحيد #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي قَهَرَ العِبادَ بجَبَروتِه، وأذَلَّ الرِّقابَ لعَظَمَتِه، الحمدُ للهِ الذي بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ والأرض، لا نافِعَ سِواهُ، ولا ضارَّ إلَّا بإذنِه، ولا مُعطِيَ لِما مَنَع، ولا مانِعَ لِما أعطى. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الخَوفَ مِنهُ أمانًا، والفِرارَ إليهِ مَلجَأً، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أشبَعَ اللهُ قَلبَهُ مَهابَةً لَهُ، فَصَغُرَ في عَينِهِ كُلُّ مَخلوق، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا نَرتَجِفُ من نَظرةِ بَشَرٍ مِثلِنا، ونَخافُ حُكمَ المُجتَمَع، ونَخشى قَطعَ الأرزاقِ مِن أيدٍ لا تَملِكُ لأنفُسِها نَفعًا ولا ضَرًّا؟ السرُّ ليس في قُوَّةِ النَّاس، بَل في فَراغٍ داخِلَ القَلبِ لم يُملَأْ بَعد. وثَلاثُ كَلِماتٍ كان يَقُولُها نَبيُّنا ﷺ غَيَّرَت مَعادَلَةَ الخَوفِ في الأرضِ كلِّها.. سَنَقِفُ عليها بَعدَ قَليل.
إخوتي في الله، خَلَقَ اللهُ الإنسانَ مُكَرَّمًا حُرًّا، وجَعَلَ عُبوديَّتَهُ لَهُ سُبحانَهُ قِمَّةَ التَّحَرُّر. لكِنَّ المُتَأمِّلَ في حالِ كَثيرٍ مِنَّا اليومَ، يَرى سُجونًا خَفيَّةً نَصنَعُها بأيدينا، ثُمَّ نُدخِلُ أنفُسَنا فيها، ونُغلِقُ الأبواب! سِجنُ "ماذا سَيَقولُ النَّاس؟"، سِجنُ "كَيفَ سيَنظُرُ إلَيَّ المُديِر؟"، سِجنُ "أخافُ أن أُنتَقَد"، سِجنُ المُجتَمَعِ ورأيِهِ ونَظَرَته.
أصبَحنا نَعيشُ حَياتَنا كأنَّنا في قَفَصِ اتِّهامٍ دائِم، نَلتَمِسُ رِضا المَخلوقينَ الضُّعَفاء، ونَنسى رِضا الخالِقِ العَظيم. نُجامِلُ في دينِنا، ونَتَنازَلُ عَن مَبادِئنا، ونَسكُتُ عَن الحَقِّ، بَل ونَفعَلُ الباطِلَ؛ كُلُّ ذلكَ خَشيَةَ أن تَسقُطَ مَنزِلَتُنا في أعيُنِ النَّاس!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: مَن هُم هؤلاء النَّاس؟
اسمعوا كيفَ يَصِفُهُمُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
تأمَّلوا هذه الآية! أنتَ تَخافُ مِن فَقير؟ تَرتَجِفُ مِن عَاجِز؟ تَخافُ عَلى رِزقِكَ مِن مَخلوقٍ لا يَملِكُ رِزقَ نَفسِه؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الخوف من المخلوقين يوجب الشرك، والخوف من الخالق يوجب التوحيد".
أيها المسلمون، إنَّ الخَوفَ من المُجتَمَعِ والنَّاسِ مَرَضٌ يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا. في الدُّنيا، يَعيشُ المَرءُ مُذَبذَبًا، مُنافِقًا، ذَليلًا، لا شَخصيَّةَ له، تُميلُهُ الكَلِمَة وتُسقِطُهُ النَّظرَة. وفي الدِّينِ، يَكفيكَ أن تَسمَعَ هذا الحَديثَ العَظيمَ الذي يَخلَعُ القُلوب.
يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «مَنِ التَمَسَ رِضا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وأرْضَى عَنهُ النَّاسَ، ومَنِ التَمَسَ رِضا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخِطَ اللهُ عَنهُ، وأسْخَطَ عَنهُ النَّاسَ» (رواه الترمذي).
يا سُبحانَ الله! المُعادَلَةُ مَعكوسَةٌ تَمامًا لِما نَظُنّ. تَتنازَلُ لِتُرضِيَهُم؟ سَيَسخَطونَ عَلَيك، وسَيَسخَطُ اللهُ قَبلَهُم. تَقفُ كالجَبَلِ ثابِتًا عَلى الحَقِّ ولَو غَضِبوا؟ سَيَرضى اللهُ عَنك، وسَيُلْقِي في قُلوبِهِمُ المَهابَةَ لك رَغمَ أنوفِهِم.
ولنَتَأمَّل مَعًا هذا المَشهَدَ التَّاريخيَّ المَهيب.
نَنتَقِلُ إلى زَمَنِ الإمامِ أحمَدَ بنِ حَنبَل رحمه الله، في مِحنَةِ خَلقِ القُرآن. السُّيوفُ مَسلولَة، والجَلَّادونَ واقِفون، والخَليفَةُ المُعتَصِمُ يَتوَعَّد، وقَد تَراجَعَ كَثيرٌ مِنَ العُلَماءِ خَوفًا من القَتلِ وتَأويلًا للضَّرورَة. الإمامُ أحمَد رَجُلٌ واحِد، أعزَل، مَربوطٌ بالسَّلاسِل.
كيفَ ثَبَت؟ كيفَ لم يَخَف مِن هذا المُجتَمَعِ المُتَسَلِّطِ وهَذِهِ السُّيوفِ اللَّامِعَة؟
يَقولُ الإمامُ أحمَد: كُنتُ في السِّجنِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ أبو الهَيثَم، وكانَ لِصًّا شَهيرًا مَقطوعَ اليَد. فَنَظرَ إلَيَّ وقال: "يا أحمَد، أنا لِصٌّ طَرَّار، جُلِدتُ ثَمانيَةَ عَشَرَ ألفَ جَلدَةٍ بالتَّفاريقِ في طاعَةِ الشَّيطان، وصَبَرتُ، فاصبِر أنتَ في طاعَةِ الرَّحمَن!".
كَلِمَةٌ واحِدَة، ثَبَّتَت إمامَ أهلِ السُّنَّة. وحينَ وَقَفَ الإمامُ أحمَدُ أمامَ السَّياف، لم يَكُن يَنظُرُ إلى السَّيف، بَل كانَ يَنظُرُ إلَى رَبِّ السَّيف!
هذا هو عِلاجُ الخَوفِ يا عِبادَ الله: تَوحيدُ الخَوف.
أن تَعلَمَ عِلمَ اليَقينِ أنَّ هَؤُلاءِ النَّاسَ جَميعًا، مِن لَدُن آدَمَ إلى قِيامِ السَّاعَة، لا يَملِكونَ تَحريكَ ذَرَّةٍ في هذا الكَونِ إلَّا بِأمرِ الله.
يَقولُ اللهُ تَعالى كاشِفًا لَنا حَقيقَةَ هذه المَخاوِفِ الشَّيطانيَّة: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ
يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
الخَوفُ مِنَ النَّاسِ وَهمٌ يَنفُخُهُ الشَّيطانُ في الصَّدر، فَإذا شَرَحَ اللهُ قَلبَكَ للإيمان، تَبَدَّدَ هذا الوَهم. قال الحسن البصري رحمه الله: "من خاف الله، خوّف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله، خوّفه من كل شيء".
واسمَعوا لهذا الحَديثِ العَظيم، الذي يُؤَسِّسُ عَقيدَةَ المُسلِمِ الصُّلبَة. الحديثُ الذي يَجِبُ أن نُحَفِّظَهُ لأبنائِنا في البُيوت، ونَكتُبَهُ في صُدورِنا قَبلَ أن نَخرُجَ كُلَّ صَباحٍ إلى أعمَالِنا ومُجتَمَعاتِنا.
رَكِبَ الغُلامُ الصَّغيرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما خَلفَ النَّبيِّ ﷺ، فَقالَ لَهُ كَلِماتٍ هي دُستورُ التَّحَرُّرِ البَشَري:
«يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجاهَك...».
ثُمَّ قال الكَلِمَةَ الفاصِلَة: «واعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلى أن يَنفَعوكَ بِشيءٍ لم يَنفَعوكَ إلَّا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك، ولَوِ اجتَمَعوا عَلى أن يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلَّا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيك، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُف» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
تَأمَّلوا..! لَوِ اجتَمَعَتِ الأُمَّة! الأمَّةُ كُلُّهَا.. بمُلوكِها، وأغنيائِها، ومُدَرائِها، ومُتَسَلِّطيها.. كُلُّهُم حَشَدوا جُيوشَهُم ليَضُرُّوك.. ماذا سيَحدُث؟ لا شَيء. صِفرٌ مُطلَق، إلَّا أن يَأذَنَ مالِكُ المُلْك. فلِماذا الانحِناءُ لَهُم إذًا؟ ولِماذا نَشتَري رِضاهُم بِغَضَبِ الجَبَّار؟
ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا؟ أليسَ فينا مَن يَستَحيي أن يُصَلِّيَ في عَمَلِهِ أمامَ زُمَلائِهِ خَوفًا مِن تَعليقاتِهِم؟ أليسَ في بناتِنا مَن تَترُكُ الحِجابَ الشَّرعيَّ خَوفًا مِن سُخريَةِ المُجتَمَع؟ أليسَ في رِجالِنا مَن يَقبَلُ الرِّشوةَ والرِّبا في وظيفتِهِ خَوفًا مِن طَردِ مُديرِه؟
انظُروا إلى موسى وهارونَ عَلَيهِما السَّلام، حينَ أرسَلَهُما اللهُ إلى أطغى طُغاةِ الأرض، فِرعَون، الذي كانَ يَذبَحُ الأطفالَ ويَستَحيي النِّساءَ ويَقولُ: أنا رَبُّكُمُ الأعلى.
موسى بَشَرٌ يَشعُرُ بالخَوفِ الطَّبيعيِّ، فَقالَ مُناجِيًا رَبَّه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾ [طه: 45].
فَجاءَ الجَوابُ الإلهيُّ الذي يَنزِلُ بَردًا وسَلامًا عَلى كُلِّ قَلبٍ خائِف: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46].
إنَّني مَعَكُما! المُهِمُّ لَيسَ قُوَّةُ العَدوِّ، ولا سَطوَةُ المُجتَمَع، ولا قَسوَةُ الطَّاغيَة.. المُهِمُّ هو: هَل اللهُ مَعَك؟ إذا كانَ اللهُ مَعَك، فَمَن عَلَيك؟ وإذا كانَ اللهُ عَلَيك، فَمَن مَعَك؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه". فإذا كان جناح الخوف عندك موجهاً للناس، سقطت على أرض النفاق والذل.
ولَعَلَّكُم تَسألون: كيفَ نُعالجُ هَذا المَرَض؟ كَيفَ نَنتَزِعُ خَوفَ النَّاسِ مِن قُلوبِنا ونَزرَعُ خَوفَ اللهِ وَحدَه؟
أوَّلًا: بمعرفَةِ أسماءِ اللهِ وصِفاتِه. كُلَّما ازدَدتَ باللهِ مَعرِفةً، ازدَدتَ لَهُ تَعظيمًا وللمَخلوقينَ تَصغيرًا. مَن عَلِمَ أنَّ اللهَ هو "الرَّزَّاقُ ذو القُوَّةِ المَتين"، استَحالَ أن يَخافَ عَلى رِزقِهِ مِن بَشَر. ومَن عَلِمَ أنَّ اللهَ هو "المُعِزُّ المُذِلّ"، لم يَطلُبِ العِزَّةَ في أبوابِ السَّلاطينَ ولا في إعجاباتِ الجَماهير.
ثانيًا: تَعظيمُ الآخِرَةِ في القَلب. إذا صَغُرَتِ الدُّنيا في عَينِك، صَغُرَ كُلُّ مَن فيها. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
تَخَيَّلوا مَعي هَذا المَشهَدَ العَظيم..
أنتَ واقِفٌ يَومَ القِيامَة، الشَّمسُ دانِيَةٌ مِنَ الرُّؤوس، والجَميعُ في هَولٍ وفَزَع. هذا المُجتَمَعُ الذي كُنتَ تَخافُ منهُ في الدُّنيا، وهؤلاءِ النَّاسُ الذينَ عَصَيتَ اللهَ لِتُرضِيَهُم.. أينَ هُم الآن؟
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37].
المُديرُ الذي كُنتَ تَرتَجِفُ مِنه، عارٍ حافٍ يَبحَثُ عَن حَسَنَةٍ واحِدَة. والمُجتَمَعُ الذي غَيَّرتَ مَبادِئَكَ لأجلِ قَبولِه، يَئِنُّ تَحتَ وَطأةِ الحِساب!
أيُعقَلُ أن تَبيعَ الجَنَّةَ الخالِدَةَ، ورِضا المَلِكِ الدَّيَّان، مِن أجلِ هَؤُلاء؟
فَيا مَن غَرَّتهُ مَظاهِرُ القُوَّةِ في أيدي البَشَر، ويا مَن تَخافُ أن تَقولَ كَلِمَةَ الحَقِّ، تَنَبَّه قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتار.
فلا شَيءَ في هَذِهِ الحَياةِ يَستَحِقُّ أن تَخسَرَ لأجلِهِ إيمانَكَ وكرامَتَك ومَبادِئَك. كُن عَبدًا للهِ وَحدَه، تَكُن
حُرًّا مِن كُلِّ أحَد.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه. أمّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن سِجنِ الخَوفِ مِنَ النَّاس، وكَيفَ أنَّ هَذا الخَوفَ وَهمٌ صَنَعَهُ الشَّيطان، وعَرَفنا أنَّ العِلاجَ هو تَوحيدُ الخَوفِ للهِ وَحدَه، وأنَّ الأُمَّةَ بِأكمَلِها لا تَملِكُ نَفعًا ولا ضَرًّا إلَّا بإذنِ الله. والآن، والسُّؤالُ الذي يَطرحُ نَفسَهُ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّحَرُّرَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَوميَّة؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّها تَكونُ مِفتاحًا لِلشَّجاعَةِ في القُلوب:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدِ التَّوَكُّلَ عَلى اللهِ في قَلبِك، وتَذَكَّر دائِمًا أنَّ رِزقَكَ في السَّماءِ وليسَ في جُيوبِ البَشَر، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. فَمَن أيقَنَ أنَّ الرِّزقَ مَقسوم، والأجَلَ مَحتوم، لم يَخَف أحَدًا.
الثانية (لِسانيَّة): اجعَل عَلى لِسانِكَ دائِمًا كَلِمَةَ الأحرار: "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل". هي الكَلِمَةُ التي قالَها إبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ حينَ أُلقِيَ في النَّار، وقالَها الصَّحابَةُ حينَ خَوَّفوهُم مِن جُيوشِ الأعداء، فَانقَلَبوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضل.
الثالثة (عَمَليَّة): قُم اليَومَ بِعَمَلٍ صالِحٍ كُنتَ تَختَفي بِهِ خَوفًا مِنِ انتِقادِ النَّاس. صَلِّ في عَمَلِكَ بِثَبات، قُل كَلِمَةَ الحَقِّ في مَجلِسٍ تَعَوَّدَ أصحابُهُ عَلى الغيبَة، أظهِر هُوِيَّتَكَ الإسلاميَّةَ باعتِزاز.
الرابعة (اجتماعيَّة): تَوَقَّف عَنُ مُحاوَلَةِ إرضاءِ الجَميعِ في مَواقِعِ التَّواصُلِ وفي حياتِكَ الشَّخصيَّة. رِضا النَّاسِ غايَةٌ لا تُدرَك، ورِضا اللهِ غايَةٌ لا تُترَك، فَاتْرُك ما لا يُدرَك لأجْلِ ما لا يُترَك.
الخامسة (موضوعيَّة): تَأمَّل سيرَةَ الخَليلِ إبراهيمَ عليه السلام. عاداهُ أبوه، وكَفَّرَهُ قَومُه، ورَموهُ في النَّارِ وَحدَه. لَم يَنهَرِط ولم يَتَنازَل، لِأنَّهُ كانَ "أُمَّةً" وَحدَه بِطاعَتِهِ لله. كُن إبراهيميَّ القَلب.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على خشيته وحده، وتُسقِط هيبة المخلوقين من صدوركم.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَملَأ قُلوبَنا مَهابَةً لَك، وخَشيَةً مِنك، وحُبًّا لَك، وتَوَكُّلًا عَلَيك.
اللَّهمَّ انزَع مِن قُلوبِنا خَوفَ المَخلوقين، واجعَل خَوفَنا ورَجاءَنا فيكَ وَحدَك.
اللَّهمَّ ارزُقنا شَجاعَةً نَقولُ بِها الحَقَّ ولا نَخشى فيكَ لَومَةَ لائِم.
اللَّهمَّ مَن كانَ مِكروبًا خائِفًا فآمِن رَوعَتَه، ومَن كانَ مَظلومًا فانصُره، ومَن كانَ مَهمومًا فَفَرِّج هَمَّه.
اللَّهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، وانصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَخافُكَ كَأنَّهُ يَراك، وأسعِدنا بِتَقواك، ولا تُشقِنا بِمَعصِيَتِك.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.