🕌 النجاة من النار: خوفٌ يَحمِلُ على الإصلاح
#خطبة_جمعة #النجاة_من_النار #الخوف_من_الله #اليوم_الآخر #عقيدة #التوبة #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدَّارَ الآخِرةَ دارَ القَرار، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ الجَنَّةَ مَثوَى الأبرار، وأنذَرَ المُعاندينَ بعَذابِ النَّار، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ الخَلقِ بالخَلق، وأشَدُّهم خَشيةً لله، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِه وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا نَارًا لا تُحرِقُ الأجسادَ فَحَسْب، بل تَطَّلِعُ على الأفئدَة. نارًا تَتَنَفَّس، وتَغضَب، وتَكادُ تَتَمَيَّزُ من الغَيظ. كلُّنا نَسمَعُ بها، وكلُّنا نَرجو النَّجاةَ منها، لكنَّ الكثيرينَ مِنَّا يَمضون في غَفلَةِ الدُّنيا كأنَّهم أَمِنوا مَكرَ الله. في هذا اليوم، نَقِفُ مع حَقيقةِ الخَوفِ الذي لا يُشِلُّ الحَرَكة، بل يُحيي القُلوب.. الخَوفِ الذي يَبني العَمَلَ ويَصنَعُ النَّجاة.
أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لو أنَّ إنذارَ حَريقٍ دَوَّى في هذا المسجدِ الآن، هل سَيَبقى أحَدُنا جالسًا في مَكانه؟ قَطعًا لا، سَنَهُبُّ جميعًا نَبحثُ عن أبوابِ النَّجاة. هذا هو حالُنا مع نِيرانِ الدُّنيا التي نَعرِفُها، والتي نَعلَمُ أنَّ أَلَمَها مهما اشتَدَّ فهو مُنقَطِع، وأنَّ الموتَ فيها قد يكونُ راحةً لصاحبِه.
لكن، ماذا عن نارِ الآخِرة؟ نارٌ ليس فيها موتٌ يُريح، ولا نَومٌ يُسَكِّن الألَم. يقولُ ربُّنا جَلَّ جَلالُه واصِفًا حالَ أهلِها: ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36].
واسمَعوا لِهذا الحديثِ العَظيم، الذي إذا تأمَّلتُموهُ لن تَبقى قُلوبُكم كما كانت. يقولُ الرَّسولُ ﷺ: «نارُكم هذه الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جُزءٌ من سَبعينَ جُزءًا من حَرِّ جَهَنَّمَ». فقالوا: واللهِ إن كانت لَكافيةً يا رسولَ الله! فقال: «فإنَّها فُضِّلَت عليها بتِسعَةٍ وستِّينَ جُزءًا، كلُّها مِثلُ حَرِّها» (متفق عليه).
يا لَعَظَمَةِ هذا المَشهَد! ويا لَشِدَّةِ هذا الخَطب! نارُ الدُّنيا كلُّها — ببراكينِها وصَهرِها للحديدِ والحجارة — ما هي إلا جُزءٌ واحدٌ من سبعينَ جُزءًا من نارِ جَهَنَّم. بل تَأمَّلوا مَشهدَ الإتيانِ بها يومَ العَرضِ الأكبر. يقولُ نبيُّنا ﷺ: «يُؤتَى بجَهَنَّمَ يومئذٍ لَها سَبعونَ ألفَ زِمامٍ، مع كلِّ زِمامٍ سَبعونَ ألفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» (رواه مسلم). احسِبوا هذا الرَّقمَ المَهُول: أربعةُ ملياراتٍ وتِسعُمائةِ مِليونِ مَلَك، من ملائكةِ اللهِ الأشدَّاء، يَجُرُّونَ هذه النَّار. إذا كانت هذه هي القُوَّةُ المَطلوبةُ فَقط لِسَحبِها وإمساكِها، فكيفَ بقُوَّةِ النَّارِ نَفسِها؟ وكيفَ بِمَن يَقَعُ فيها؟!
عبادَ الله، إنَّ القُرآنَ حينَ يَصِفُ هذه النَّار، لا يَصِفُها كَجَمادٍ أصَمّ، بل يَصِفُها كَوَحشٍ كاسِرٍ يَغلي غَضَبًا على مَن عَصى الله. يَقولُ سُبحانَه: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 7-8]. الشَّهيقُ هو صَوتُ سَحبِ الأنفاسِ في غايةِ الألَمِ والغَضَب. والفَوَرانُ هو شِدَّةُ الغَلَيان. إنَّها تَكادُ تَتَمَزَّقُ وتَتَقَطَّعُ من شِدَّةِ حَنَقِها وغَيظِها على أعداءِ اللهِ الذينَ استَهانوا بأمرِه وتَجَرَّأوا على مَحارِمِه.
أمامَ هذه الحَقائق، كيفَ كانَ حالُ مَن عَرَفوا اللهَ حَقَّ المَعرِفة؟ كيف كان حالُ الصَّحابةِ الكِرامِ الذينَ وُعِدوا بالجَنَّةِ وهم يَمشونَ على الأرض؟
هذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه — الفَاروقُ الذي يَهابُهُ الشَّيطانُ ويَفِرُّ من طَريقِه — يَمُرُّ ذاتَ لَيلةٍ يَتَعَسَّسُ في طُرُقاتِ المَدينة، فَيَسمَعُ رَجُلًا يَتهَجَّدُ في بيتِه ويَقرَأُ سُورةَ الطُّور، حتَّى بَلَغَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: 7-8]. فماذا فَعَلَ عُمَر؟ هَل مَضى كأنَّهُ لَم يَسمَع؟ لا والله. لَقَد أسنَدَ ظَهرَهُ إلى الجِدارِ من شِدَّةِ الوَقعِ على قلبِه، ثمَّ عادَ إلى بَيتِه، فَمَرِضَ شَهرًا كامِلًا يَعودُهُ النَّاسُ لا يَدرونَ ما مَرَضُه! مَرَضُهُ آيةٌ سَمِعَها فخالَطَت شَغافَ قَلبِه!
أيُّها الإخوة، ما الفَرقُ بَينَنا وبَينَ عُمَر؟ نَحنُ نَقرَأُ القُرآنَ كُلَّه، ونَسمَعُ الآياتِ تُتلى علينا في الجُمَعِ والجَماعات، ولا تَتَحَرَّكُ فينا شَعرة، ولا يَرجِفُ لنا قَلب! أَلِأنَّنا أَمِنَّا ما خافَ منه عُمَر؟ أم لأنَّ رانَ الذُّنوبِ قد غَلَّفَ القُلوبَ فَصارَت لا تَفقَهُ التَّحذير؟
ولْنَتأمَّل مَعًا قِصَّةً أُخرى مِن سِيرةِ نَبيِّنا ﷺ.. قِصَّةَ شابٍّ مِنَ الأنصارِ دَخَلَ الخَوفُ مِنَ النَّارِ قَلبَهُ، حتَّى إنَّهُ استَخفى في بَيتِه وصارَ يَبكي لا يَخرُج. فلَمَّا عَلِمَ بهِ النَّبيُّ ﷺ أتاهُ في بَيتِه، فاعتنَقَهُ الشَّابُّ وبَكى، فَسَألَهُ النَّبيُّ ﷺ عن حالِه، فقال: يا رَسولَ الله، أرجو رَحمةَ الله، وأخافُ ذُنوبي. فَقالَ الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ كَلِماتٍ هي بَلْسَمٌ لِكُلِّ خائف: «لا يَجتَمِعانِ في قَلبِ عَبدٍ في مِثلِ هذا المَوطِنِ إلَّا أعطاهُ اللهُ ما يَرجو وآمَنَهُ مِمَّا يَخاف» (رواه الترمذي وحسنه).
وهُنا، نَصِلُ إلى المِفصَلِ الأخطَرِ في خُطبتِنا.. النَّقلةِ التي يَجِبُ أن نَعيَها جَيِّدًا.
لِماذا خَلَقَ اللهُ النَّار؟ ولِماذا حَدَّثَنا عنها بِكُلِّ هذه التَّفاصيلِ المُرعِبة؟
قالَ العالِمُ الجَليلُ سُفيانُ الثَّوريُّ رَحِمَهُ الله: "خَلَقَ اللهُ النَّارَ رَحمةً، يُخَوِّفُ بِها عِبادَهُ لِيَعودوا إليه".
يَا سُبحانَ الله! النَّارُ رَحمة؟ نَعم، هي رَحمةٌ لِمَن عَقَل، لأنَّ الإنذارَ المُبَكِّرَ الذي يُنقِذُكَ مِنَ الهَلاكِ هو أعظَمُ رَحمة.
الخَوفُ مِنَ المَخلوقاتِ — كالأَسَدِ أو العَدوِّ — يَدفَعُكَ إلى الفِرارِ منها. أمَّا الخَوفُ مِنَ اللهِ ومِن عَذابِه، فإنَّهُ يَدفَعُكَ إلى الفِرارِ إليه. قالَ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50].
ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا اليَوم؟
نَشتَري التَّأمينَ لِسيَّاراتِنا، ونَضَعُ أجهِزَةَ الإنذارِ في بُيوتِنا خَشيَةَ حَريقِ الدُّنيا الذي قد يَقَعُ وقد لا يَقَع. وإذا اقتَرَبَ طِفلُنا مِن مِدفَأةٍ أو مَوقِدِ غازٍ صَرَخنا في وَجهِهِ ومَنَعناهُ بِكُلِّ قُوَّتِنا حِمايَةً لَه. وهذا حَقٌّ وفِطرة. لكن.. أينَ هذه الحِمايةُ مِن نارِ الآخِرة المَحتومة؟
يَسهَرُ الأبُ مَعَ ابنِهِ حتَّى الصَّباحِ لِيُذاكِرَ لِامتِحانِ الدُّنيا، ثُمَّ يَترُكُهُ نائمًا في صَلاةِ الفَجرِ ولا يُوقِظُه! أيُّ حُبٍّ هذا؟ وأيُّ رَحمةٍ تِلكَ التي تُنقِذُ مِن شَرَرِ الدُّنيا وتَترُكُ الجَسَدَ الغَضَّ لِنارِ الآخِرة؟
اللهُ تَعالى يُناديكُم ويُحَذِّرُكُم بِقولِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. كلمةُ "قُوا" تَكليفٌ بِصِناعَةِ الدِّرع، بِبِناءِ الحِصن، بالوِقايةِ الفِعليَّةِ العَمَليَّة.
فما هي هذه الدُّروعُ التي تَقِينا من النَّار؟
لَقَد بَيَّنَها لنا رَسولُ الهُدى ﷺ بِوُضوحٍ لا لَبسَ فيه:
أوَّلُها وأعظَمُها: صِدقُ التَّوحيدِ والإخلاص. يقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "وكُلَّما قَوِيَ التَّوحيدُ في قَلبِ العَبدِ، قَوِيَ مَنعُهُ مِنَ النَّار". فالنَّارُ مُحَرَّمَةٌ على مَن وَحَّدَ اللهَ صِدقًا، وفي الحَديث: «فإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ على النَّارِ مَن قال لا إلهَ إلا الله، يَبتَغي بذلك وَجهَ الله» (متفق عليه).
وثانيها: البُكاءُ في الخَلَواتِ مِن خَشيَةِ الله. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «عَينانِ لا تَمَسُّهُما النَّار: عَينٌ بَكَت مِن خَشيةِ الله، وعَينٌ باتَت تَحرُسُ في سَبيلِ الله» (رواه الترمذي). دَمعَةٌ واحِدةٌ تَسقُطُ في جَوفِ اللَّيلِ حَياءً مِنَ اللهِ، تُطفِئُ بِحارًا مِنَ الخَطايا.
وثالثُها: الصَّدَقة، ولو كانت شَيئًا يَسيرًا لا نُلقي له بالًا. قالَ ﷺ: «اتَّقوا النَّارَ ولَو بِشِقِّ تَمرة» (متفق عليه). نِصفُ تَمرةٍ مُخلِصَةٍ قد تَكونُ هي الجِدارَ العازِلَ بينَكَ وبينَ جَهَنَّم!
ورابعُها: حُسنُ الخُلُقِ ولِينُ الجانِب. واسمَعوا لِهذا البابِ العَظيمِ الذي نَغفُلُ عنه. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «ألا أُخبِرُكم بِمَن يَحرُمُ على النَّار، وبِمَن تَحرُمُ عليه النَّار؟ تَحرُمُ على كُلِّ قَريبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهلٍ» (رواه الترمذي وصححه). الرَّجُلُ البَشوش، المُتَسامِح، الذي لا يُعَقِّدُ الأُمور، ولا يَظلِمُ النَّاس، ولا يَأكُلُ حُقوقَهم.. هذا قَد حَرَّمَهُ اللهُ على النَّار.
وعلى النَّقيض، مَن أساءَ لِلنَّاسِ وَظَلَمَهم وسَلَطَ لِسانَهُ عليهم، فإنَّ صَلاتَهُ وصيامَهُ قد لا تُنجيه، كما في حَديثِ "المُفلِس" الذي يَأتي يَومَ القِيامَةِ بِصَلاةٍ وصيامٍ وزَكاة، ويَأتي وقد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا.. فَيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فَنِيَت حَسَناتُهُ قَبلَ أن يُقضى ما عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطاياهم فَطُرِحَت عليهِ ثُمَّ طُرِحَ في النَّار!
ألا أيُّها المُسلِمون.. مَن خافَ أَدلَج، ومَن أَدلَجَ بَلَغَ المَنزِل. ألا إنَّ سِلعةَ اللهِ غالية، ألا إنَّ سِلعةَ اللهِ الجَنَّة. إنَّ الخَوفَ المَحمودَ — كما يَقولُ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ الله — "ما بَعَثَ على العَمَل، وكَفَّ عن الزَّلَل".
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين مِن كُلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبتِنا الأولى مَعَ حَقيقةِ النَّارِ المُفزِعَة، ورأينا كيفَ كانَ خَوفُ الصَّالحينَ مِنها، وتَعَلَّمنا أنَّ الخَوفَ مِن عِقابِ اللهِ ليسَ شَلَلًا أو يَأسًا، بَل هو المُحَرِّكُ الأعظَمُ لِبِناءِ الحَياةِ وإصلاحِ النَّفس، وأنَّ الدُّروعَ مِنَ النَّارِ تُصنَعُ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة. والآن، بَقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأهمُّ الذي سيُحَدِّدُ مَصيرَ هذه الخُطبةِ في قُلوبِنا: كيفَ نُتَرجِمُ هذا الخَوفَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ مَيثاقًا لِلنَّجاة:
الأولى (قَلبيَّة): عاهِد نفسَك اللَّيلةَ على أن تَختَلي بِرَبِّك ولو لِرَكعَتَين، تَبكي فيهِما خَشيَةً وتَوبةً مِن ذُنوبِك. فالعَينُ التي تَبكي لا تَمَسُّها النَّار. نَحنُ في عَصرِ الشَّاشاتِ المُزدَحِمَة فقدنا لَذَّةَ الخَلوةِ والمُناجاة، فَاستَرِدَّها اللَّيلة.
الثانية (لِسانيَّة): أمسِك لِسانَكَ اليَومَ عَن كُلِّ غِيبَةٍ وخَوضٍ في أعراضِ النَّاس. قالَ ﷺ: «وهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِم إلَّا حَصائِدُ ألسِنَتِهِم» (رواه الترمذي). إن كُنتَ على وَشَكِ إرسالِ رِسالَةٍ تُسقِطُ فيها مِن قَدرِ إنسان، فاحذِفها الآن، فواللهِ لا تَستَحِقُّ أن تُحاسَبَ عليها في النَّار.
الثالثة (عَمَليَّة): أخرِج صَدَقةً اليَوم، ولَو بِأَقَلِّ القَليل. حَوِّل مَبلَغًا يَسيرًا لِمُحتاج، أو أطعِم جائِعًا. نَحنُ نُنفِقُ الكَثيرَ على قَهوَتِنا ومَلذَّاتِنا اليَوميَّة ونَنسى أنَّ "شِقَّ تَمرَةٍ" قَد يَقِينا حَرَّ جَهَنَّم.
الرابعة (اجتماعيَّة): كُن هَيِّنًا لَيِّنًا مَعَ مَن حَولَك. تَجاوَز عَمَّن أخطَأَ في حَقِّكَ اليَومَ في الشَّارعِ أو في العَمَل، قابِلِ الإساءَةَ بِابتِسامَة. تَذَكَّر دائِمًا أنَّ الجَبَّارينَ والمُتَكَبِّرينَ هم حَطَبُ النَّار، بَينَما التَّسامُحُ والرِّفقُ مِفتاحُ النَّجاة.
الخامسة (موضوعيَّة): واظِب على هذا الدُّعاءِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في الصَّباحِ وثَلاثًا في المَساء: "اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ الجَنَّة، وأستَجيرُ بِكَ مِنَ النَّار". قالَ النَّبيُّ ﷺ: «ما استَجارَ عَبدٌ مِنَ النَّارِ ثَلاثًا، إلَّا قالَتِ النَّار: اللَّهُمَّ أجِرهُ مِنَ النَّار» (رواه الترمذي وصححه). النَّارُ نَفسُها سَتَشفَعُ لَك! فهل نَغفُلُ عَن هَذا؟ نَحفَظُ أرقامًا سِريَّةً لِحِساباتِنا الدُّنيويَّة، ونَنسى الرَّقمَ السِّريَّ لِلنَّجاة!
فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن خافَ اللهَ في الدُّنيا، أَمِنَهُ اللهُ يَومَ الفَزَعِ الأكبَر. ولا تُؤَجِّلوا التَّغيير، فَإنَّ العُمُرَ قَصير، ولا نَدري مَتى يُسدَلُ السِّتار.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ رِضاكَ والجَنَّة، ونَعوذُ بِكَ مِن سَخَطِكَ والنَّار.
اللَّهُمَّ حَرِّم وُجوهَنا، ووُجوهَ آبائِنا وأُمَّهاتِنا، وأزواجِنا وذُرِّيَّاتِنا على النَّار، يا عَزيزُ يا غَفَّار.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا خافَكَ عَمِلَ بِما يُرضيك، واجعَل خَوفَنا مِنكَ حاجِزًا يَحجُزُنا عن مَعاصيك.
اللَّهُمَّ إنَّا نَستَجيرُ بِكَ مِنَ النَّار، اللَّهُمَّ أجِرنا مِنَ النَّار، اللَّهُمَّ أجِرنا مِنَ النَّار.
اللَّهُمَّ طَهِّر ألسِنَتَنا مِن الغِيبة، وقُلوبَنا مِن الحِقد، واجعَلنا هَيِّنينَ لَيِّنينَ سَهلينَ قُرباءَ مِنَ النَّاس.
اللَّهُمَّ آمِن رَوعاتِنا يومَ العَرضِ الأكبَر، واجعَلنا مِمَّن يُنادى عليهم: اُدخُلوها بِسَلامٍ آمِنين.
اللَّهُمَّ كُن لإخوانِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِهم، وانصُرهم بِنَصرِكَ المُبين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالنجاة من النار: خوف يحمل على الإصلاح
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.