🕌 العفو مع القدرة: قوة القلب الذي لا ينتقم لنفسه
#خطبة_جمعة #العفو #سلامة_الصدر #التسامح #أخلاق #تزكية_النفس #رقائق
الحمدُ للهِ الذي وَسِعَت رَحمتُهُ كلَّ شيء، وعَمَّ عَفوُهُ المُذنبين والمُقَصِّرين، الحمدُ لله العَفوِّ الغَفور، الذي يَقبَلُ التَّوبةَ عن عِبادهِ ويَعفو عن السَّيِّئات، ويَجزي المُحسنين بإحسانهم أضعافاً مضاعفة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، إلهٌ عَظيمٌ كَريم، يَأمُر بالعَفوِ ويُحِبُّ العافينَ عن النَّاس، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أعظَمُ النَّاسِ عَفواً عند المَقدِرة، وأطهرُهم قَلباً عند المَظلَمة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيها الإخوة المؤمنون، كم من قلبٍ بيننا اليوم يحمل في جوفه جمراً يحرقه؟ جمر الغضب، ونار الانتقام، وثقل الضغينة؟ كم منا من يسير في الأسواق، ويصلي في المساجد، وربما يبتسم في وجوه الناس، لكن قلبه من الداخل مقيدٌ بسلاسل القهر، لا ينام ليله وهو يفكر: كيف أرد الصاع صاعين؟ كيف أنتقم ممن ظلمني؟ كيف أكسر من كسرني؟
نحن نعيش في زمانٍ انقلبت فيه الموازين يا عباد الله. زمانٌ يُنظر فيه إلى العفو على أنه ضعف، وإلى التسامح على أنه سذاجة، وإلى التنازل على أنه انكسار وانهزام! صار الذي يعفو في أعين بعض الناس "مسكيناً" لا يقدر على أخذ حقه. فهل هذا هو ميزان السماء؟ هل هذا هو ما علمنا إياه خالقنا جل في علاه؟
واسمعوا لهذه الآية العظيمة التي تقلب موازين البشر، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [سورة البقرة: 237].
تأملوا! لم يقل أقرب للضعف، بل أقرب للتقوى! لأن القوة الحقيقية ليست في العضلات المفتولة، ولا في الصوت المرتفع، ولا في القدرة على تحطيم الخصوم. القوة الحقيقية بيّنها لنا نبينا ﷺ بأوضح عبارة حين قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه).
القوة — يا إخوتي — هي أن تكون قادراً على الانتقام، سيفك في يدك، وخصمك تحت سلطانك، وحقك ثابت، ثم تختار بإرادتك الحرة أن تنزل سيفك وتقول: عفوت عنك لوجه الله. هذه هي البطولة التي لا يطيقها إلا الرجال الكبار.
ولعلكم تسألون: لماذا يعفو الإنسان عمن ظلمه وكسر قلبه؟ ما الذي يجعله يتنازل عن حقه وهو قادر على استيفائه؟
الجواب جاء في وعدٍ ربانيٍّ يهز القلوب، وعدٍ لا يقدمه ملك من ملوك الدنيا، بل يقدمه مالك الملك جل جلاله. يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: 40].
توقفوا عند هذه الآية قليلاً... الله عز وجل في القرآن حدد أجوراً كثيرة؛ ذكر أجر الصيام، وأجر الصدقة، وأجر الصلاة. لكنه عندما جاء إلى العفو قال: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾!
قال الإمام الحسن البصري رحمه الله معلقاً على هذه الآية: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين أجرهم على الله؟ فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا".
تخيلوا هذا المشهد المهيب يوم القيامة! يوم يفزع الناس، وتتطاير الصحف، وينادي المنادي: من الذي أجره على الله فليقم؟ لا يقوم المصلي بصلاته، ولا المتصدق بماله، بل يقوم العافي عن الناس الذي كظم غيظه وستر زلة أخيه! فهل نُفرّط في هذا الشرف من أجل انتصارٍ زائف للنفس؟
إن القضية يا عباد الله ليست مجرد أخلاق اجتماعية لتنظيم الحياة، بل هي تجارة مع الله. يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا».
نعم، عزاً! الشيطان يوسوس لك: "إن عفوت ستُذل، سيتجرأون عليك، ستبدو ضعيفاً". والله ورسوله يخبرانك: لن تزداد إلا عزاً. فمن نصدق؟ هل نصدق وسوسة شيطانٍ يريد أن يزرع العداوة والبغضاء بيننا، أم نصدق الصادق المصدوق ﷺ؟
ولنتأمل معاً، لنتأمل كيف كان أصحاب النبي ﷺ يترجمون هذا العفو في أشد المواقف إيلاماً.
كلنا يعرف قصة الإفك، تلك الحادثة العظيمة التي طُعن فيها في عِرض رسول الله ﷺ، وفي شرف أحب أزواجه إليه، الصدّيقة بنت الصدّيق، عائشة رضي الله عنها. تخيلوا حجم الألم الذي اعتصر قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه! طُعن في ابنته شهراً كاملاً، والمدينة تموج بالشائعات.
ثم ماذا كانت المفاجأة؟ كان من بين الذين خاضوا في هذا الإفك الباطل وتحدثوا به رجل يقال له مِسْطَح بن أُثَاثَة. من هو مسطح؟ هو ابن خالة أبي بكر، ورجل فقير من المهاجرين، كان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه من ماله الحر تكرماً وصلة للرحم.
فلما انكشف الحق، ونزلت براءة عائشة من فوق سبع سماوات، غضب أبو بكر غضبةً مبررة، وحلف يميناً قال فيها: "والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال".
قرار منطقي، عادل، يتفق مع الفطرة البشرية! رجل تحسن إليه بمالك، فيطعن في عرض ابنتك! من يلوم أبا بكر على منعه النفقة؟
لكن السماء لها ميزان آخر... الله عز وجل يريد أن يربّي هذه الأمة على القمم العالية. فينزل الله قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، يخاطب فيه قلب أبي بكر الصديق: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَالَّلهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النور: 22].
واسمعوا لهذه الكلمات الربانية... ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟
هل سألتم أنفسكم يوماً هذا السؤال؟ عندما تقف ممتلئاً غضباً على أخيك، أو جارك، أو قريبك، وتأبى نفسك أن تسامح... اسأل نفسك: ألا أحب أن يغفر الله لي ذنوبي؟ بلى والله نحب!
فلما سمعها أبو بكر، بكى، الرجل العظيم ذو القلب الحي، بكى وقال: "بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي". وأرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: "والله لا أنزعها منه أبداً".
هذا هو العزم! هذا هو كسر كبرياء النفس من أجل الله! ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى: 43].
وهنا نصل إلى الأمر الأخطر، والمشهد الأعظم في كتاب الله عن العفو عند المقدرة.
دعونا ننتقل بقلوبنا إلى مصر، قبل آلاف السنين، إلى قصر العزيز. يقف يوسف عليه السلام، النبي الكريم، بعد سنوات من المعاناة؛ ألقي في البئر طفلاً، بيع كعبد، سُجن ظلماً لسنوات... والآن، هو عزيز مصر، بيده خزائن الأرض، وتحت إمرته الجيوش.
ويقف أمامه إخوته... ضعفاء، فقراء، محتاجين، أذلاء.
تخيلوا لو كنت أنت في هذا الموقف! من ظلمك، من دمر طفولتك، من فرّق بينك وبين أبيك، يقف الآن تحت رحمتك! حركة واحدة بإصبعك وتقطع أعناقهم، أو تلقيهم في السجن إلى الأبد.
فماذا فعل يوسف الكريم بن الكريم؟ هل أنبهم؟ هل شتمهم؟ هل عاقبهم؟
بكلمات تسيل رقةً ورحمةً وعظمة، قال جملة حفرها القرآن بالضوء: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف: 92].
"لا تثريب عليكم"... أي لا توبيخ، لا عتاب، لا لوم، ناهيك عن العقاب! بل ودعا لهم بالمغفرة: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
يا لعظمة هذا الدين! ويا لجمال هذه القلوب التي تصنعها النبوة! قلوب لا تسكنها الأحقاد، بل تسكنها الرحمة. وقد سار نبينا محمد ﷺ على نفس الدرب، حين فتح مكة، ودخلها منتصراً مؤزراً، ووقف أمامه صناديد قريش الذين أخرجوه، وحاربوه، وقتلوا أصحابه وعمه حمزة... فقال لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال كلمته العظيمة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبيناً هذا الخلق النبوي: "وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، إلا أن تُنتهك محارم الله". لم ينتقم لنفسه! ونحن ننتقم لأنفسنا في أتفه الأمور!
يا أمة محمد ﷺ، انظروا إلى حالنا اليوم.
والله إن القلب ليحزن حين يرى إخوة من بطن واحدة، أبناء أم وأب، يقاطعون بعضهم عشرات السنين من أجل ميراث، أو قطعة أرض، أو كلمة قيلت في لحظة غضب!
انظروا إلى الأصدقاء الذين تفرقوا من أجل رسالة هاتفية، وإلى الجيران الذين تقاطعوا من أجل موقف سيارة أو لعب أطفال!
هل نسينا أن الله يتطلع إلى القلوب؟ يقول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (متفق عليه).
خيرهما من يكسر حاجز الكبرياء! خيرهما من يبتلع كرامته الموهومة من أجل الله!
ولعل قائلاً يقول في نفسه الآن: "يا خطيب، أنت لا تعرف ماذا فعلوا بي! لقد أخذوا مالي، وتكلموا في عرضي، وشوهوا سمعتي... الجرح عميق، والظلم شديد".
أقول لك: بلى، الجرح مؤلم، والله يعلم وجع قلبك، والشرع لم يجبرك على العفو، فالعفو مقام إحسان وليس مقام إلزام، ولك الحق أن تأخذ حقك بالعدل كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
ولكن... أكمل الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله مبيناً سر العفو وفائدته العظيمة للمظلوم نفسه: "وفي العفو والصفح والمغفرة من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام... ما ليس في المقابلة والانتقام أصلاً".
الانتقام يا أخي يشرب من دماء قلبك أنت! الغل يحرق أعصابك أنت قبل أن يصل لخصمك! عندما تعفو، أنت لا تقدم خدمة لخصمك فحسب، بل تحرر نفسك من سجن الكراهية. أنت تغسل قلبك ليكون نقياً صالحاً لرحمة الله.
وقد كان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: "إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً، فقل: يا أخي، اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع".
وتدبروا معي هذا المعنى العجيب في كتاب الله. الله سبحانه وتعالى يعلم أن النفس البشرية تنفر ممن آذاها، فماذا شرّع لنا؟ قال جل جلاله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة فصلت: 34-35].
أن ترد السيئة بالحسنة! أن ترسل هدية لمن شتمك، وأن تتصل بمن قطعك! هذا فعل لا يلقاه إلا من جاهد نفسه جهاداً مريراً، وصبر صبراً عظيماً، ولذلك سماه الله "ذو حظ عظيم".
أيها الأحبة، تخيلوا لو كان هذا آخر يوم في حياة أحدنا. ماذا لو جاءك ملك الموت الليلة، ووقفت غداً بين يدي ربك وصحيفتك مليئة بالتقصير والذنوب؟ ألا ترجو ساعتها أن يعفو الله عنك؟ ألا تريد أن تستظل بظل عفوه؟
يقول النبي ﷺ محذراً ومبشراً: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ لَكُمُ اللَّهُ» (رواه أحمد). المعاملة بالجزاء من جنس العمل! فمن ضيَّق على عباد الله ضُيِّق عليه، ومن سامح وتجاوز، سامحه الله وتجاوز عنه. ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [سورة النساء: 149].
فطهروا قلوبكم يا عباد الله، ونقوا سرائركم، وانزعوا غل الصدور قبل أن تنزع الأرواح من الأجساد. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أمَّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن العفو وقوته، ووقفنا مع آيات القرآن التي تجعل العفو أقرب للتقوى ومفتاحاً لأجرٍ عظيم على الله، وتدبرنا كيف عفا يوسف عليه السلام عن إخوته، وكيف تجاوز أبو بكر عن مسطح، لندرك أن التسامح ليس ضعفاً بل هو قمة الشجاعة وانتصار على حظوظ النفس والشيطان. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: كيف نترجم هذا إلى واقع في حياتنا اليومية المليئة بالخلافات؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قلبية): طهّر نيتك واجعل عفوك خالصاً لله. لا تعفُ ليقول الناس عنك طيب القلب، بل اعفُ طمعاً في عفو الله عنك. تذكر ذنوبك وتقصيرك في حق خالقك، وقل في قلبك: "يارب، لقد تنازلت عن حقي عند عبدك الضعيف، فلا تحرمني من عفوك عني وأنا أضعف".
الثانية (لسانية): إن عجز قلبك عن المسامحة الفورية لكبر الجرح، فابدأ بلسانك: ادعُ لمن ظلمك بالهداية والمغفرة. الدعاء بظهر الغيب يزيل وحشة الصدر ويطفئ نار الغيظ. قل: "اللهم اغفر له واهدِ قلبه"، فإن الملائكة تؤمن وتقول: "ولك بمثل"، وما أُعطي العبدُ شيئاً أعظم من دعوة مَلَكٍ مستجابة.
الثالثة (عملية فعلية): بادر اليوم — نعم اليوم ولا تنتظر الغد — برسالة صلح أو اتصال هاتفي. من كان بينه وبين أخيه شحناء فليكن هو الأقوى، ابدأ بالسلام واكسر كبرياء الشيطان. قال النبي ﷺ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ» (رواه أبو داود). لا تدع الشمس تغرب اليوم وفي قلبك قطيعة لمسلم.
الرابعة (اجتماعية): صِلوا أرحامكم التي قُطعت من أجل الدنيا. الإرث يُقسَم ويُفنى، والمنازل تُباع، والمال يذهب، ولكن الدم لا يصير ماء، والرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله. لا تجعلوا متاع الدنيا الزائل سبباً في حرمانكم من الجنة.
الخامسة (موضوعية): تدرّبوا على فن "التغافل". ليس كل خطأ يُرد عليه، ولا كل زلة يُعاقب فاعلها. تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل. تنازلوا عن التدقيق في صغائر الأمور، وتجاوزوا عن هفوات الأزواج والأبناء والأصدقاء، تعيشوا في راحة وسكينة.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على كبح جماح الغضب، وإيثار ما عند الله على حظوظ النفس الفانية.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا ممن إذا ظُلِم عفا، وإذا أُسِيء إليه غفر، وإذا قُطِع وصل.
اللهم طهِّر قلوبنا من الغل، ونقِّ نفوسنا من الحقد والحسد، واجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم اعف عن زلاتنا، وتجاوز عن سيئاتنا، وتقبل منا صالح أعمالنا.
اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور.
اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، واجبر كسر المظلومين والمستضعفين في كل مكان، وانصرهم بنصرك المؤزر يا قوي يا عزيز.
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا غير غضبان.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالعفو مع القدرة: قوة القلب الذي لا ينتقم لنفسه
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.