من مكتبة مِداد الخطيب

صاحبك يصنع مستقبلك

مشاركة
🕌 صاحبك يَصنَعُ مُستَقبَلَك #خطبة_جمعة #الصحبة_الصالحة #الشباب #أخلاق #تربية #الأصدقاء #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الأُخُوَّةَ في الدِّينِ أوثَقَ عُرَى الإيمان، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، حَذَّرَنا من قُرناءِ السُّوءِ ومَسالكِ الخُسران، وجَعَلَ التَّقوى مِيزانَ الرِّفاقِ والخِلَّان. وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، خَيرُ خَليلٍ وأصدَقُ صاحِب، أرسَى دَعائمَ الصُّحبَةِ الصَّالحةِ، فكان لأصحابِه نِعمَ المُعَلِّمُ والمُوَجِّه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الذينَ تَعاهَدوا على الحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبر، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد: عبادَ الله، تخيَّلوا رجلاً وَضَعَ رِجلَهُ على عَتَبَةِ الجَنَّة، وبَينَهُ وبينَ النَّعيمِ المُقيمِ أن يَنطِقَ بِكلمةٍ واحدةٍ فقط، حتى كادَ أن يكونَ مِن صَحابةِ رسولِ الله! لكنَّ صوتاً خَبيثاً بجانِبِه هَمَسَ في أُذُنِه فَقلَبَ مَسارَه، فَهَوى بِه في قَعرِ جَهنَّمَ إلى الأبَد! مَن هذا الرَّجل؟ ومَن صاحِبُ هذا الصَّوت؟ وما هي الكلمة؟ هذا ما سَنقِفُ عليهِ بعدَ قليل، لِنَعلَمَ يقيناً أنَّ الصَّاحبَ ليسَ مُجرَّدَ رَفيقِ دَرب، بل هو قَدَرٌ تَمشي إليه، ومُستَقبَلٌ تَصنَعُه بيَدِك. يا عبادَ الله، هل سألتم أنفسكم يوماً: لماذا نَتَشابَه مع من نُصاحِب؟ لماذا نَستَعيرُ مُفرداتِهم بغيرِ وَعي، ونَتَبَنَّى طموحاتهم، بل وحتى نَضحَكُ كما يَضحكون، ونَغضَبُ مِمَّا يَغضَبون؟ إنَّها العَدوى الخَفيَّةُ التي لا تُدرِكُها العُيون. لقد فَطَرَ اللهُ الأرواحَ على التَّجانُسِ والمُشاكَلَة. واسمعوا إلى هذا القَانونِ النَّبويِّ العظيمِ الذي يَحكُمُ عِلاقاتِ البَشَر، يقولُ نبيُّنا ﷺ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» (رواه مسلم). الصَّاحبُ — أيُّها المُؤمنون — ساحِب. يَسحَبُكَ إمَّا إلى أعلى عِلِّيِّين، أو إلى أسفَلِ سافِلين. ولِعِظَمِ هذا الأثَر، لم يَترُكِ القُرآنُ مَسألةَ الصُّحبَةِ لِأهوائِنا، بل أمَرَنا أمراً قاطعاً حاسماً، فقال جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. تأمَّلوا! لم يَقُل "اصدُقوا" فَحَسب، بل قال: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. لأنَّ اللهَ يَعلَمُ أنَّكَ مهما حاوَلتَ أن تكونَ صادقاً وأنتَ تَعيشُ في مُستَنقَعِ الكَذِب، فإنَّ بِيئَتَكَ سَتَغلِبُك، وصُحبَتَكَ سَتَطويك. وقد وَضَعَ لَنا النَّبيُّ ﷺ قاعِدَةً ذَهَبيَّةً تَزِنُ بِها نَفسَكَ ومُستَقبَلَك، فقال في الحديثِ الصَّحيح: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (رواه أبو داود). قفوا هنا لحظة... "على دِينِ خليلِه". الدِّينُ هُنا ليسَ فَقَط الإسلامَ والكُفر، بل الدِّينُ هو العادَةُ، والسُّلوكُ، والأخلاقُ، والطُّموح. أنتَ نُسخَةٌ مُعَدَّلةٌ مِن أصدقائك الخَمسَةِ المُقَرَّبين. إن كانوا أهلَ مَساجِد، وَجَدتَ نَفسَكَ تَستَحي أن تَتَخَلَّفَ عنِ الصَّلاة. وإن كانوا أهلَ غِيبَةٍ ونَميمَةٍ وتَفاهَة، وَجَدتَ لِسانَكَ يَخوضُ مع الخائضين دونَ أن تَشعُر. قال الإمامُ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ مُحَذِّراً من هذا الاختِراقِ النَّفسي: "الطِّباعُ مَجبولَةٌ على التَّشَبُّهِ والاقتِداء، بل الطَّبعُ يَسرِقُ مِنَ الطَّبعِ مِن حَيثُ لا يَدري صاحِبُه!". نعم، يَسرِقُ مِن طَبعِه. يَسرِقُ مِن وقتِه. يَسرِقُ مِن إيمانِه. وتَعالوا الآنَ إلى المَشهَدِ الذي بَدأنا بهِ خُطبَتَنا. المَشهَدُ الذي يُوَثِّقُ أخطَرَ جريمَةِ صُحبَةٍ في التَّاريخ. كانَ هُناكَ رَجُلٌ من كُفَّارِ قُرَيش يُدعى عُقبَةَ بنَ أبي مُعَيط. هذا الرَّجُلُ كانَ يَجلِسُ إلى النَّبيِّ ﷺ ويَسمَعُ منه، حتى رَقَّ قَلبُه، وكادَ أن يُسلِم. وذاتَ يَومٍ، صَنَعَ عُقبَةُ طَعاماً ودَعا إليه النَّبيَّ ﷺ، فأبَى النَّبيُّ أن يَأكُلَ حتى يَشهَدَ عُقبَةُ أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ مُحمَّداً رَسولُ الله. فنَطَقَ بِها عُقبَة! نَطَقَ بالشَّهادَة. لكن... كان لِعُقبَةَ صَديقٌ غائبٌ في الشَّام، اسمُه أُبَيُّ بنُ خَلَف. صَديقُ طُفولَتِه، ورفيقُ مَجالِسِه. لَمَّا عادَ أُبَيٌّ، سَمِعَ بخَبَرِ إسلامِ عُقبَة، فَجاءَهُ مُغضَباً مُعاتِباً: "يا عُقبَة، صَبَوتَ وتَركتَ دينَ آبائك؟!". فَحاوَلَ عُقبَةُ أن يَعتَذِر، وقال: "واللهِ ما صَبَوت، ولكنَّهُ رَجُلٌ أبَى أن يَأكُلَ طَعامي حتى أشهَدَ له، فاستَحْيَيتُ منه". فماذا قالَ صَديقُ السُّوء؟ ألقى في وَجهِه أبشَعَ اختِبارٍ للصَّداقَة، قال: "وَجهي مِن وَجهِكَ حَرامٌ، لا أُكَلِّمُكَ أبداً حتى تَأتِيَ مُحمَّداً فَتَبصُقَ في وَجهِه وتَكفُرَ بِه!". تخيَّلوا المُصيبَة! ضَغطُ الصَّاحِب. الخَوفُ مِن فَقدِ الصَّديق. الخَوفُ مِن سُخريَةِ الرِّفاق. ضَعُفَ عُقبَة... وانهارَ أمامَ صاحِبِه... وذَهَبَ ففَعَلَ الفِعلَةَ الشَّنيعَةَ وماتَ على الكُفرِ وقُتِلَ يومَ بَدر. في هذا الرَّجُل، وفي صَديقِه، وفي كُلِّ صَداقَةٍ تُبعِدُ عَنِ الله، نَزَلَت آياتٌ تُمَزِّقُ القُلوبَ في سورَة الفُرقان. اسمعوا ماذا يَقولُ اللهُ عن هذا المَشهَدِ يومَ القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29]. تأمَّلوا... لم يَقُل "يَعَضُّ أصبَعَه"، بل ﴿يَعَضُّ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾. يَأكُلُ يَدَيهِ حَسرَةً وغَيظاً ونَدَماً! ولماذا؟ هل قال يا لَيتَني جَمَعتُ المال؟ يا ليتني نِلتُ المَناصِب؟ لا! ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. لاحظوا كَلِمَة "فُلاناً". لم يَذكُرِ القُرآنُ اسمَ "أُبَيِّ بنِ خَلَف". لماذا؟ لأنَّ "فُلاناً" هذا قَد يكونُ أيَّ شَخصٍ في حَياتِك. "فُلان" قد يكونُ زَميلَكَ في العَمَلِ الذي يُهَوِّنُ لكَ أكْلَ الحَرام. "فُلان" قد يكونُ جارَكَ الذي يُثَبِّطُكَ عَن صلاةِ الفَجر. "فُلان" قد يكونُ صَديقَكِ في الجَامِعةِ الذي يُجَرِّئُكَ على التَّهاوُنِ في الحِجاب. كُلُّ مَن صَرَفَكَ عَنِ اللهِ خُطوَة، هو "فُلان" الذي سَتَعَضُّ على يَدَيكَ بسبَبِه يومَ الحِساب! عبادَ الله، وفي هذا الزَّمان، زَمانِ الهواتفِ والإنترنت، لم يَعُدِ الصَّاحِبُ هو فَقَط مَن يَجلِسُ بجوارِك. لا! صَديقُكَ اليَومَ قد يَكونُ مَجموعَةً في تطبيقاتِ التَّواصُل (WhatsApp)، يَبُثُّونَ فيها الشُّبَهاتِ أو المَقاطِعَ المُحَرَّمَة. صديقُكَ اليومَ قد يَكونُ "مَشهوراً" على مِنَصَّاتِ التَّواصُل، تُتابِعُه سَاعَتَينِ يَومياً، فَتَتَشَرَّبُ لُغَتَه، وتَستَسهِلُ مَعصِيَتَه، وتُعجَبُ بِتَفاهَتِه. يا مَعاشِرَ الشَّباب، مَن تُتابِعون؟ مَن هُم أصدقاءُ شاشاتِكم؟ كَم مِن شابٍّ كانَ طَموحاً عالِيَ الهِمَّة، دَخَلَ في مَجموعَةٍ للألعابِ الإلكترونيَّة، فَصارَ يَسمَعُ السِّبابَ والشَّتائِم، وتَضييعَ الصَّلَوات، فَتَطَبَّعَ بِطِباعِهم، وانتَكَسَت هِمَّتُه! قال بَعضُ السَّلَفِ حِكمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "لا تَصحَب مَن لا يُنهِضُكَ حالُه، ولا يَدُلُّكَ على اللهِ مَقالُه". وقال مالكُ بنُ دينارٍ رحمهُ الله: "كُلُّ جَليسٍ لا تَستَفيدُ مِنهُ خَيراً... فاجتَنِبه!". ولكِن لِماذا يَجِبُ أن نَهجُرَ بيئَةَ السُّوء؟ لِماذا لا نَبقى فيهِم ونُقاوِم؟ لأنَّ البِيئَةَ أقوى مِن قَرارِك! واسمعوا إلى هذا الحَديثِ المُذهِلِ الذي يَكشِفُ عُمقَ الفَهمِ النَّفسيِّ والاجتِماعيِّ في الإسلام. حديثُ الرَّجُلِ الذي قَتَلَ تِسعَةً وتِسعينَ نَفساً، ثم أكمَلَ المِئةَ بعابِدٍ جاهِل. لَمَّا أرادَ التَّوبَةَ الصَّادِقَة، دُلَّ على عالِم. فماذا قال لهُ العالِم؟ قال: «وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ» (متفق عليه). تأمَّلوا! الرَّجُلُ صادق، والدَّليلُ أنَّهُ خَرَجَ مُهاجِراً تائِباً، لكنَّ العالِمَ يَعرِفُ أنَّ هذا الصِّدقَ سَيَتَبَخَّرُ إذا عادَ إلى أصدقاءِ المَعصيَة. قال له: "لا تَرجِع إلى أرضِك، فإنَّها أرضُ سَوء". أنتَ لا يُمكِنُكَ أن تَتَعافى في نَفسِ البِيئَةِ التي أَمْرَضَتك. لا يُمكِنُكَ أن تَتوبَ مِنَ التَّدخينِ وأنتَ تَجلِسُ يومياً في مَقاهي المُدَخِّنين. لا يُمكِنُكَ أن تَحفَظَ عَينَكَ وأنتَ تُتابِعُ حِساباتِ العُراة. لا يُمكِنُكَ أن تَستَقيمَ على صلاةِ الفَجرِ وأنتَ تَسهَرُ مَع شِلَّةٍ لا يَعرِفونَ للمَسجِدِ طَريقاً. البِيئةُ سَتَبتَلِعُك! ... أيها المسلمون، هل تَتَخَيَّلونَ أنَّ أثَرَ الصُّحبَةِ يَمُتَدُّ حتى في الجَنَّة؟ نعم! يَومَ القيامَة، يَجلِسُ أهلُ الجَنَّةِ على السُّرُرِ مُتَقابِلين، يَتَذاكَرونَ أيَّامَ الدُّنيا. اسمعوا هذا المَشهَدَ القُرآنيَّ العَجيبَ في سورَةِ الصَّافَّات: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: 51]. رَجُلٌ في الجَنَّة يَتَذَكَّرُ صَديقاً كانَ مَعَهُ في الدُّنيا. ماذا كان يَقولُ هذا الصَّديق؟ ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. كان الصَّديقُ يُشَكِّكُهُ في دينِه، ويَسخَرُ مِن التزامِه. فَيَنظُرُ هذا المُؤمِنُ من أعلى الجَنَّةِ لِيَرى مَصيرَ صاحِبِه... ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. رآهُ يَحتَرِقُ في النَّار! فماذا قال المُؤمِن؟ ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 56-57]. كِدتَ لَتُردِين! كدتَ تُهلِكُني مَعَك! لولا أن رَحِمَني اللهُ وعَصَمَني مِن صُحبَتِك لَكُنتُ مَعَكَ في قَعرِ النَّار. يا عِبادَ الله، كَم مِن شَخصٍ بَينَنا اليَومَ يَحتاجُ أن يَقولَ لِصاحِبِه في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة: "إن كِدتَ لَتُردِينِ"؟ الذي يَجُرُّكَ إلى مَواطِنِ الشُّبُهات.. إن كادَ لَيُرديك! والذي يُهَوِّنُ عليكَ أكلَ الرِّبا والرِّشوَة.. إن كادَ لَيُرديك! والذي يُشَجِّعُكَ على عُقوقِ والِدَيكَ والتَّمَرُّدِ عليهِما.. إن كادَ لَيُرديك! وقد قَطَعَ اللهُ سُبحانَهُ العُذْر، وبيَّنَ أنَّ كُلَّ صَداقَةٍ لم تُبنَ على طاعَةِ اللهِ، سَتَنقَلِبُ يومَ القيامةِ إلى عَداوةٍ ودِماءٍ ولَعَنات: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. كلُّ حُبٍّ، كلُّ صَداقة، كلُّ شَراكَة، ستَتحوَّل إلى عَداوة، إلا صَداقةً بُنِيَت على تَقوى الله. وفي المُقابِل.. ما أعظَمَ صَديقَ الخَير! صَديقُ الخَيرِ هو الذي إذا غَفَلتَ ذَكَّرَك، وإذا ذَكَرتَ اللهَ أعانَك. هو الذي إذا رآكَ على مَعصيَةٍ نَصَحَكَ في السِّرِّ ولَم يَفضَحك. هو أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، الذي سارَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ في أخطَرِ رِحلَةٍ في التَّاريخ، فَلَمَّا اختَبَآ في الغارِ والكُفَّارُ فَوقَ رُؤوسِهما، بَكى أبو بكر! ليس خَوفاً على نَفسِه، بل خَوفاً على صاحِبِه ورَسولِه. فنَزَلَت فيهِم أعظَمُ تزكِيَةٍ لصُحبَةٍ في كِتابِ الله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. قال الإمامُ الحسَنُ البَصريُّ رحمهُ الله: "استَكثِروا مِنَ الأصدِقاءِ المُؤمِنين، فإنَّ لَهُم شَفاعَةً يومَ القِيامَة". فيا مَن تَسمَعُني الآن، راجِع قائِمَةَ أصدقائك، واعرِضهم على قَلبِك. مَن مِنهُم يَأخُذُ بيَدِكَ إلى الجَنَّة، فَتَمَسَّك بِه وعَضَّ عليهِ بالنَّواجِذ. ومَن مِنهُم يَجُرُّكَ إلى النَّار، فاقطَع حَبلَهُ اليوم، قَبلَ أن تَقطَعَ الحَسراتُ قَلبَكَ يومَ القِيامَة. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن أثَرِ الصَّاحِب، وكيفَ أنَّ الصُّحبَةَ لَيست مَسألَةً ثانويَّةً في حَياتِنا، بل هي التي تَصنَعُ الطِّباعَ، وتُشكِّلُ العاداتِ، وتُحَدِّدُ المَصيرَ يَومَ الحِساب. ورَأيْنا كيفَ أهلكَ قَرينُ السُّوءِ عُقبَةَ بنَ أبي مُعَيط، وكيفَ أنجَتِ الصُّحبَةُ الصَّالحةُ أقواماً فَرَفَعَتهُم إلى الجَنَّة. والآن، إخوَتي، بقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا وحياةِ أبنائنا؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): فَتِّش في قَلبِكَ عَمَّن تُحِب. فإنَّ النَّبيَّ ﷺ حَسَمَ قَضيَّةَ المَصيرِ بِقَولِه: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (متفق عليه). إن كُنتَ تُحِبُّ الصَّالحينَ وتَأنَسُ بِهم فأَبشِر، وإن كانَ قَلبُكَ يَهوى أهلَ التَّفاهَةِ والمَعاصي فاحذَر! غَيِّر مَحَبَّتَكَ اليَومَ قَبلَ أن تُحشَرَ مَع مَن لا تَرجو نَجاتَه. الثانية (لِسانيَّة): إذا جَلَستَ مَع أصحابِكَ وبَدَؤوا في غِيبَةِ مُسلِمٍ أو الخَوضِ في بَاطِل، فَلا تَكُن شَيطاناً أخرَس! نَبِّههُم بلُطف، أو قُم عَنِ المَجلِس. لا تُجامِل أحَداً على حِسابِ دينِك، فإنَّهُم لَن يَحمِلوا عَنكَ وِزراً يَومَ القيامَة. الثالثة (عَمَليَّة): واجه هاتِفَك اليَوم. ادخُل إلى مجموعاتِ التَّواصُل (WhatsApp وغيرها)، وغادِر كُلَّ مجموعَةٍ تُفسِدُ قَلبَك، وتَسرِقُ وَقتَك، وتُعَوِّدُكَ على البَذاءَة. وألغِ مُتابَعَةَ كُلِّ "مَشهورٍ" لا يَزيدُكَ إلا غَفلَةً وبُعداً عَنِ الله. هؤلاءِ هُم قُرناءُ العَصر، ومُقاطعَتُهُم حِمايَةٌ لِمُستَقبَلِك. الرابعة (اجتماعيَّة): أرسِل رِسالَةً اليَومَ أو اتَّصِل بِصَديقٍ صالِحٍ أثَّرَ في حَياتِكَ إيجابياً. اشكُرهُ على نُصحِه، وعلى وقوفِهِ مَعكَ في أزماتِك. الصَّداقَةُ الصَّالحةُ نِعمَةٌ تَحتاجُ إلى شُكرٍ وتَعَهُّد، فلا تَترُكوها تَذبُلُ في زَحامِ الحَياة. الخامسة (موضوعيَّة): كُن أنتَ الصَّاحِبَ الصَّالِح. لا تَكُن فَقَط باحِثاً عَنِ الأَخيار، بل كُن جُزءاً مِنهُم. إذا رَأيتَ صاحِباً لَكَ قَد ضَعُفَت هِمَّتُه، أو زَلَّت قَدَمُه، فلا تَترُكهُ لِلشَّيطان! شُدَّ على يَدِه، وذَكِّرهُ بِرَبِّه، وكُن لَهُ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ كَحامِلِ المِسك، إن لَم يُعطِكَ طَيَّبَكَ بِرِيحِه. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ كُلَّ رَفيقٍ سَيُفارِق، وكلَّ صَاحِبٍ سَيَرحَل، ولَن يَبقى لَكَ في قَبرِكَ إلَّا عَمَلُكَ الصَّالِح، فاجعَلوهُ خَيرَ صَاحِب. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين. اللَّهُمَّ ارزُقنا الصُّحبَةَ الصَّالحةَ التي تَذُكِّرُنا إذا نَسينا، وتُعينُنا إذا ذَكَرنا. اللَّهُمَّ قِنا شَرَّ قُرناءِ السُّوء، واصرِفنا عَنهُم واصرِفهُم عَنَّا، وباعِد بَينَنا وبَينَهُم كَما باعَدتَ بَينَ المَشرِقِ والمَغرِب. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا وفَتَياتِنا مِن رُفقاءِ الضَّلالَة، ودُعاتِ الفِتنَة، ومِنَ الانجِرافِ خَلفَ الشَّهواتِ والشُّبُهات. اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِ المُؤمِنين، واجعَلنا إخواناً على سُرُرٍ مُتَقابِلينَ في جَنَّاتِ النَّعيم. اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأَحياءِ مِنهُم والأَموات. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.