من مكتبة مِداد الخطيب

فَرِيضَةُ الحِجَابِ الشَّرْعِيِّ وَعِفَّةُ المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ: شُرُوطُ الحِجَابِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَخَطَرُ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ

مشاركة
فَرِيضَةُ الحِجَابِ الشَّرْعِيِّ وَعِفَّةُ المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ: شُرُوطُ الحِجَابِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَخَطَرُ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ الحَمدُ للهِ الحَيِيِّ السِّتِّيرِ، الَّذِي يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّترَ وَالعَفَافَ مِن عِبَادِهِ، وَشَرَعَ الحِجَابَ تَطهيرًا لِلقُلُوبِ وَصِيَانَةً لِلأَعرَاضِ وَحِفظًا لِكَرَامَةِ المَرأَةِ المُؤمِنَةِ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، العَلِيمُ بِمَا يُصلِحُ الفِطَرَ وَالمُجتَمَعَاتِ، الحَكِيمُ فِيمَا فَرَضَهُ مِنَ الأَحكَامِ وَالآدَابِ وَالحُرُمَاتِ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، وَأَغيَرَ النَّاسِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ أَن تُنتَهَكَ، بَعَثَهُ اللهُ وَالمَرأَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ سِلعَةٌ تُمتَهَنُ وَمَتَاعٌ يُورَثُ، فَرَفَعَ بِالإِسلَامِ قَدرَهَا، وَأَعلَى مَكَانَتَهَا، وَتَوَّجَ رَأسَهَا بِتَاجِ الحِجَابِ وَالحِشمَةِ وَالوَقَارِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأُمهَاتِ المُؤمِنِينَ القَانِتَاتِ العَفِيفَاتِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَارِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَعَظِّمُوا شَعَائِرَهُ وَحُدُودَهُ، وَاعلَمُوا أَنَّ خَيرَ اللِّبَاسِ مَا اجتَمَعَ فِيهِ سَترُ الظَّاهِرِ بِالحِشمَةِ وَالعَفَافِ، وَعِمَارَةُ البَاطِنِ بِالخَشيَةِ وَالتَّقوَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ السَّترَ وَالحَيَاءَ لَيسَا أَمرًا طَارِئًا عَلَى الإِنسَانِيَّةِ، وَلَا تَقْلِيدًا وَرِثَتهُ الشُّعُوبُ عَن بِيئَاتِهَا كَمَا يَزعُمُ أَدعِيَاءُ التَّغرِيبِ وَالهَوَى؛ بَلِ السَّترُ هُوَ الفِطرَةُ الأُولَى الَّتِي فَطَرَ اللهُ عَلَيهَا أَبَوَينَا آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا التَّعَرِّي وَكَشفُ العَورَاتِ وَهَتكُ الأَستَارِ فَهُوَ أَقدَمُ مَكرٍ دَبَّرَهُ إِبلِيسُ لِإِغوَاءِ بَنِي آدَمَ وَإِذلَالِهِم! تَدَبَّرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- كَيفَ كَشَفَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ المَعرَكَةَ القَدِيمَةَ المُتَجَدِّدَةَ بَينَ الرَّحمَنِ الدَّاعِي إِلَى السَّترِ، وَالشَّيطَانِ الدَّاعِي إِلَى التَّعَرِّي وَالسُّفُورِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27]، وَانظُرُوا مَاذَا فَعَلَ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فِي اللَّحظَةِ الأُولَى الَّتِي بَدَت فِيهَا سَوآتُهُمَا: ﴿فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه: 121]! لَم يَطِيقَا البَقَاءَ لَحظَةً وَاحِدَةً بِلَا سَترٍ، فَأَسرَعَا يَرْقَعَانِ وَرَقَ الشَّجَرِ وَرَقَةً فَوقَ وَرَقَةٍ لِيَستُرَا أَبدَانَهُمَا حَيَاءً مِنَ اللهِ! فَيَا لَلعَجَبِ! كَيفَ يُسَمَّى نَزعُ الحِجَابِ وَكَشفُ المَفَاتِنِ اليَومَ «تَقَدُّمًا وَرُقِيًّا وَحَضَارَةً»، وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ رِدَّةٌ إِلَى الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى، وَاستِجَابَةٌ لِخُطَّةِ إِبلِيسَ الَّتِي حَذَّرَنَا اللهُ مِنهَا مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ؟! قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا أَطهَرَ نِسَاءِ الأَرضِ وَمِن وَرَائِهِنَّ نِسَاءَ المُؤمِنِينَ قَاطِبَةً: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. فَالسَّترُ وَالحِجَابُ هُوَ نُورُ الإِسلَامِ وَعُنوَانُ الرُّقِيِّ الإِنسَانِيِّ، وَالتَّبَرُّجُ وَالسُّفُورُ هُوَ شِعَارُ الجَاهِلِيَّةِ وَإِن تَزَيَّا بِأَزيَاءِ الحَدَاثَةِ وَالمَوضَةِ! إِخوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ الحِجَابَ فِي الإِسلَامِ لَيسَ عَادَةً شَعبِيَّةً تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأَزمِنَةِ وَالأَمكِنَةِ، وَلَا هُوَ مَسأَلَةٌ هَامِشِيَّةٌ تَخضَعُ لِلأَذوَاقِ وَالأَمزِجَةِ، بَل هُوَ فَرِيضَةٌ إِلَهِيَّةٌ مَقطُوعٌ بِوُجُوبِهَا فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجمَاعِ الأُمَّةِ، وَعبَادَةٌ عَظِيمَةٌ تَتَقَرَّبُ بِهَا المَرأَةُ المُسلِمَةُ إِلَى رَبِّهَا، وَتُعلِنُ بِهَا عُبُودِيَّتَهَا وَانقِيَادَهَا لِأَمرِ خَالِقِهَا وَمَولَاهَا! استَمِعُوا إِلَى النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ الجَلِيلِ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]، وَاستَمِعُوا إِلَى الأَمرِ المُحكَمِ المفَصَّلِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- كَيفَ رَبَطَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَتَيِ النُّورِ وَالأَحزَابِ بَينَ الحِجَابِ وَبَينَ الإِيمَانِ فَقَالَ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾، وَقَالَ: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لِيَعلَمَ كُلُّ ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ الحِجَابَ ثَمَرَةُ الإِيمَانِ فِي القَلبِ، وَبُرهَانُ التَّسلِيمِ لِأَمرِ الرَّحمَنِ الَّذِي قَالَ فِي السُّورَةِ نَفسِهَا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]. وَتَأَمَّلُوا الحِكمَةَ البَالِغَةَ الَّتِي عَلَّلَ اللهُ بِهَا فَرِيضَةَ الحِجَابِ حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]! يَا اللهُ! مَنِ المُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ أَوَّلَ مَا نَزَلَت؟ إِنَّهُم أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ -أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ- وَأُمَّهَاتُ المُؤمِنِينَ الطَّاهِرَاتُ المُطَهَّرَاتُ! فَإِذَا كَانَ أَطهَرُ الرِّجَالِ قُلُوبًا بَعدَ الأَنبِيَاءِ، وَأَطهَرُ النِّسَاءِ سَرَائِرَ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، قَد أَمَرَهُمُ اللهُ بِالحِجَابِ وَقَالَ لَهُم: ﴿ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، فَكَيفَ يَجرُؤُ أَحَدٌ فِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي تَلَاطَمَت فِيهِ أَمْوَاجُ الشَّهَوَاتِ أَن يَقُولَ: «الإِيمَانُ وَالطَّهَارَةُ فِي القَلبِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الحِجَابِ»؟! أَيَزعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّ قُلُوبَهُم أَطهَرُ مِن قُلُوبِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَزوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ؟! وَلِذَلِكَ لَمَّا نَزَلَت آيَةُ الحِجَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ، ضربَت نِسَاءُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ أَروَعَ مَثَلٍ فِي التَّارِيخِ لِسُرعَةِ الاستِجَابَةِ الفَورِيَّةِ لِأَمرِ اللهِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: «يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ -أَي أُزُرَهُنَّ وَمَلَاحِفَهُنَّ- فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»! وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَن صَفِيَّةَ بِنتِ شَيبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ذَكَرَت نِسَاءَ الأَنصَارِ فَأَثنَت عَلَيهِنَّ وَقَالَت: «لَمَّا نَزَلَت سُورَةُ النُّورِ عَمَدْنَ إِلَى حُجُورِهِنَّ فَشَقَقْنَهَا فَاخْتَمَرْنَ بِهَا، فَخَرَجْنَ فِي صَلَاةِ الفَجرِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الأَكْسِيَةِ»! لَم تَقُل وَاحِدَةٌ مِنهُنَّ: «أَمهِلُونِي حَتَّى أَقتَنِعَ»، وَلَا «حَتَّى أَتَزَوَّجَ»، وَلَا «حَتَّى أَشتَرِيَ ثِيَابًا جَدِيدَةً مِنَ السُّوقِ»، بَل شَقَقنَ أَطرَافَ مَلَاحِفِهِنَّ فِي اللَّحظَةِ نَفسِهَا وَستَرنَ رُؤُوسَهُنَّ وَنُحُورَهُنَّ وَأَبدَانَهُنَّ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ! وَانظُرُوا إِلَى مَوقِفٍ آخَرَ يَهُزُّ الوِجدَانَ مِن مَدرَسَةِ النُّبُوَّةِ: فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قُلتُ: بَلَى! قَالَ: «هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي! قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ! فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا»! بِاللهِ عَلَيكُم تَأَمَّلُوا هَذَا المَشهَدَ! امرَأَةٌ مُؤمِنَةٌ تُصَابُ بِنَوبَاتِ الصَّرعِ فَتَسقُطُ عَلَى الأَرضِ فَاقِدَةً لِلوَعيِ، وَمَعَ أَنَّ المَرفُوعَ عَنهُ القَلَمُ فِي حَالِ إِغمَائِهِ لَا إِثمَ عَلَيهِ، إِلَّا أَنَّ حَيَاءَهَا وَإِيمَانَهَا جَعَلَاهَا تَصبِرُ عَلَى مَرَضِ الصَّرعِ وَآلَامِهِ، وَلَا تَصبِرُ عَلَى أَن يَنكَشِفَ شَيءٌ مِن بَدَنِهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ عَنِ الوَعيِ! فَأَينَ هَذِهِ المَرأَةُ الَّتِي بُشِّرَت بِالجَنَّةِ وَهِيَ تَمشِي عَلَى الأَرضِ، مِمَّن تَخرُجُ اليَومَ بِكَامِلِ وَعيِهَا وَصِحَّتِهَا وَعَافِيَتِهَا، فَتَكشِفُ شَعرَهَا أَو نَحرَهَا أَو ذِرَاعَيهَا أَو تَلبَسُ الضَّيِّقَ الفَاتِنَ أَمَامَ الأَجَانِبِ فِي الطُّرُقَاتِ وَالشَّاشَاتِ؟! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِن أَعظَمِ المَكَائِدِ الَّتِي يُرَوِّجُهَا دُعَاةُ الفِتنَةِ فِي عَصرِنَا أَنَّهُم لَمَّا عَجَزُوا عَن نَزعِ الحِجَابِ مِن رُؤُوسِ كَثِيرٍ مِن بَنَاتِ المُسلِمِينَ، عَمَدُوا إِلَى تَفرِيغِ الحِجَابِ مِن مَضمُونِهِ وَحَقِيقَتِهِ الشَّرعِيَّةِ، فَأَخرَجُوا لَنَا مَا يُشتَبَهُ بِالحِجَابِ وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ تَبَرُّجٌ يَحتَاجُ إِلَى حِجَابٍ! إِنَّ الحِجَابَ الشَّرعِيَّ الَّذِي يُرضِي اللهَ وَرَسُولَهُ لَيسَ مُجَرَّدَ قِطعَةِ قُمَاشٍ تُوضَعُ عَلَى الرَّأسِ مَعَ ثِيَابٍ ضَيِّقَةٍ تَصِفُ مَفَاتِنَ الجَسَدِ، أَو أَصباغٍ وَزِينَةٍ صَارِخَةٍ عَلَى الوَجهِ، أَو عُطُورٍ فَوَّاحَةٍ تَملَأُ الطَّرِيقَ! بَل لِلحِجَابِ الشَّرعِيِّ شُرُوطٌ وَضَوَابِطُ بَيَّنَهَا القُرآنُ وَالسُّنَّةُ وَفَصَّلَهَا عُلَمَاءُ الإِسلَامِ: فَأَوَّلُ شُرُوطِهِ: استِيعَابُ جَمِيعِ البَدَنِ بِالسَّترِ الصَّائِنِ، وَثَانِيهَا: أَلَّا يَكُونَ الحِجَابُ زِينَةً فِي نَفسِهِ يَجذِبُ أَنظَارَ الرِّجَالِ بِأَلوَانِهِ الصَّارِخَةِ وَزَخَارِفِهِ الفَاتِنَةِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: 31]، وَثَالِثُهَا: أَن يَكُونَ صَفِيقًا سَمِيكًا لَا يَشِفُّ عَمَّا تَحتَهُ، وَفَضفَاضًا وَاسِعًا غَيرَ ضَيِّقٍ وَلَا مُلتَصِقٍ بِالبَدَنِ فَيَصِفَ تَقَاطِيعَهُ؛ وَفِي هَذَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»! قَالَ أَهلُ العِلمِ فِي تَفسِيرِ «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: هِيَ المَرأَةُ الَّتِي تَلبَسُ ثَوبًا رَقِيقًا يَشِفُّ عَن بَشَرَتِهَا، أَو ثَوبًا ضَيِّقًا يُحَدِّدُ أَعضَاءَهَا وَمَفَاتِنَهَا، أَو تَسترُ بَعضَ بَدَنِهَا وَتَكشِفُ بَعضَهُ؛ فَهِيَ كَاسِيَةٌ بِالاسمِ وَالصُّورَةِ، عَارِيَةٌ فِي الحَقِيقَةِ وَالأَثَرِ! وَلَمَّا أُتِيَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِثِيَابٍ مِن مِصرَ تُسمَّى «القَبَاطِيَّ» قَالَ: «لَا تُلبِسُوا نِسَاءَكُمُ القَبَاطِيَّ»، قَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّهَا لَا تَشِفُّ! قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّهَا وَإِن لَم تَشِفَّ فَإِنَّهَا تَصِفُ!». وَمِن شُرُوطِ الحِجَابِ الشَّرعِيِّ كَذَلِكَ: أَلَّا يَكُونَ مُبَخَّرًا وَلَا مُطَيَّبًا عِندَ خُرُوجِ المَرأَةِ مِن بَيتِهَا حَيثُ يَمُرُّ بِهَا الرِّجَالُ الأَجَانِبُ؛ فَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ»، وَأَن يَقتَرِنَ حِجَابُ الثَّوبِ بِحِجَابِ المِشيَةِ وَالصَّوتِ وَالأَخلَاقِ؛ فَلَا خُضُوعَ بِالقَولِ يُطمِعُ مَن فِي قَلبِهِ مَرَضٌ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]، وَلَا تَبَختُرَ فِي المِشيَةِ، بَل حَيَاءٌ وَوَقَارٌ كَمَا وَصَفَ اللهُ ابْنَتَيِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي سُورَةِ القَصَصِ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25]؛ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «جَاءَت تَمشِي عَلَى استِحيَاءٍ، لَيسَت بِسَلفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ خَرَّاجَةٍ وَلَّاجَةٍ، وَاضِعَةً ثَوبَهَا عَلَى وَجهِهَا!». أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأَزوَاجُ وَالإِخوَةُ: إِنَّ فَرِيضَةَ الحِجَابِ لَيسَت مَسؤُولِيَّةَ المَرأَةِ وَحدَهَا، بَل هِيَ أَمَانَةٌ فِي أَعنَاقِ الرِّجَالِ وَالأَولِيَاءِ الَّذِينَ استَرعَاهُمُ اللهُ عَلَى بُيُوتِهِم وَنِسَائِهِم وَبَنَاتِهِم! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا». فَكَم هُوَ مُؤلِمٌ أَن تَرَى رَجُلًا يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ يَخرُجُ فِي الطَّرِيقِ أَوِ الأَسوَاقِ أَوِ المُنَاسَبَاتِ وَبِجِوَارِهِ زَوجَتُهُ أَوِ ابنَتُهُ بِلَا حِجَابٍ شَرعِيٍّ، أَو بِثِيَابٍ ضَيِّقَةٍ وَزِينَةٍ ظَاهِرَةٍ، لَا تَتَحَرَّكُ فِي قَلبِهِ غَيرَةُ الإِيمَانِ وَلَا يَخشَى سُؤَالَ المَلِكِ الدَّيَّانِ! بَل وَالأَدهَى مِن ذَلِكَ مَا ابتُلِيَ بِهِ بَعضُ النَّاسِ فِي زَمَنِ الشَّاشَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجتِمَاعِيِّ مِن عَرضِ يَومِيَّاتِ أَهلِ بُيُوتِهِم وَزِينَةِ نِسَائِهِم وَبَنَاتِهِم وَضَحِكَاتِهِنَّ أَمَامَ المَلَايِينِ مِنَ الغُرَبَاءِ؛ طَمَعًا فِي شُهرَةٍ زَائِفَةٍ أَو مَكاسِبَ مَالِيَّةٍ حَقِيرَةٍ! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ سَعدَ بنَ عُبَادَةَ قَالَ: لَو رَأَيتُ رَجُلًا مَعَ امرَأَتِي لَضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ غَيرَ مُصْفِحٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد عَلِمنَا أَنَّ الحِجَابَ فِطرَةٌ إِنسَانِيَّةٌ، وَفَرِيضَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَعِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا القَلبُ المُؤمِنُ إِلَى اللهِ، وَحصنٌ حَصِينٌ يَصُونُ طَهَارَةَ القُلُوبِ وَتَمَاسُكَ الأُسَرِ وَالمُجتَمَعَاتِ، كَمَا عَلِمنَا أَنَّ لِلحِجَابِ الشَّرعِيِّ شُرُوطًا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهَا مِنَ السَّترِ وَالاتِّسَاعِ وَالصَّفَاقَةِ وَتَركِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ أَمَامَ الأَجَانِبِ. وَإِنَّنَا مِن فَوقِ هَذَا المِنبَرِ نُوَجِّهُ تَحِيَّةَ إِجلَالٍ وَإِكبَارٍ وَدُعَاءٍ صَادِقٍ لِكُلِّ أُمٍّ وَأُختٍ وَابنَةٍ مُؤمِنَةٍ قَبَضَت عَلَى جَمرِ دِينِهَا وَحِجَابِهَا وَعَفَافِهَا فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالغُربَةِ، فَلَم تَستَوحِش مِن قِلَّةِ السَّالِكِينَ، وَلَم تَعبَأ بِسُخرِيَةِ المُرْجِفِينَ، وَلَم يُثنِهَا حَرُّ الصَّيفِ عَن سَترِهَا وَجِلبَابِهَا؛ لِأَنَّهَا تَستَحضِرُ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 81]، فَأَبشِرِي أَيَّتُهَا العَفِيفَةُ الصَّابِرَةُ بِقَولِ نَبِيِّكِ ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ! وَأَمَّا مَن قَصَّرَت فِي حِجَابِهَا أَو تَسَاهَلَت فِيهِ أَو أَجَّلَتهُ، فَنَقُولُ لَهَا بِقُلُوبٍ مُشفِقَةٍ نَاصِحَةٍ: يَا أَمَةَ اللهِ، مَن يَضمَنُ لَكِ أَن تَعِيشِي إِلَى الغَدِ؟ أَتُحِبِّينَ أَن يَكُونَ الكَفَنُ الأَبيَضُ هُوَ أَوَّلَ حِجَابٍ كَامِلٍ يَستُرُ بَدَنَكِ يَومَ تُحمَلِينَ عَلَى الأَعنَاقِ؟! عُودِي إِلَى رَبِّكِ اليَومَ، وَاصدُقِي مَعَ اللهِ يُبدِّلِ اللهُ سَيِّئَاتِكِ حَسَنَاتٍ! وَحَتَّى نَقُومَ بِحَقِّ هَذِهِ الفَرِيضَةِ العَظِيمَةِ فِي بُيُوتِنَا وَمُجتَمَعِنَا، فَإِنَّنَا نَتَوَاصَى بِخَمسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ: الأُولَى: إِلَى كُلِّ امرَأَةٍ وَفَتَاةٍ مُسلِمَةٍ: زِنِي حِجَابَكِ بِمِيزَانِ الشَّرعِ لَا بِمِيزَانِ الهَوَى وَالمَوضَةِ؛ فَتَفَقَّدِي ثِيَابَكِ قَبلَ خُرُوجِكِ مِن بَيتِكِ، وَاسأَلِي نَفسَكِ: هَل هَذَا اللِّبَاسُ سَاتِرٌ فَضفَاضٌ غَيرُ شَفَّافٍ وَلَا مُتَبَرِّجٍ وَلَا مُعَطَّرٍ يَرضَى عَنهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ إِذَا لَقِيتُهُ بِهِ؟ الثَّانِيَةُ: اِحذَرُوا أَشَدَّ الحَذَرِ مِن «التَّبَرُّجِ الرَّقَمِيِّ» عَبرَ الهَوَاتِفِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجتِمَاعِيِّ؛ فَإِنَّ حُرمَةَ المَرأَةِ وَصُورَتِهَا وَزِينَتِهَا عَلَى الشَّاشَاتِ كَحُرمَتِهَا فِي الطُّرُقَاتِ بَل أَشَدُّ خَطَرًا؛ لِأَنَّ المَشهدَ فِي الطَّرِيقِ يَنقَضِي فِي لَحظَةٍ، وَأَمَّا الصُّورَةُ وَالمَقطَعُ المَنشُورُ عَلَى الشَّبَكَةِ فَيَبقَى إِثمُهُ جَارِيًا يَشهَدُهُ الآلَافُ حَتَّى بَعدَ مَوتِ صَاحِبَتِهِ! الثَّالِثَةُ: إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ: اِغرِسُوا حُبَّ السَّترِ وَالحَيَاءِ وَالعَفَافِ فِي قُلُوبِ بَنَاتِكُم مُنذُ نُعُومَةِ أَظفَارِهِنَّ بِالرِّفقِ وَالحِكمَةِ وَالتَّشجِيعِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَلَا تُعَوِّدُوا الصَّغِيرَةَ عَلَى الأَلبِسَةِ القَصِيرَةِ وَالضَّيِّقَةِ بِحُجَّةِ أَنَّهَا طِفلَةٌ صَغِيرَةٌ؛ فَمَن شَبَّ عَلَى الحَيَاءِ شَابَ عَلَيهِ، وَمَن أَلِفَ التَّكَشُّفَ صَغِيرًا شَقَّ عَلَيهِ السَّترُ كَبِيرًا. الرَّابِعَةُ: إِلَى الأَزوَاجِ وَالأَولِيَاءِ وَالتُّجَّارِ: أَعِينُوا نِسَاءَكُم وَبَنَاتِكُم عَلَى العَفَافِ بِتَوفِيرِ اللِّبَاسِ الشَّرعِيِّ السَّاتِرِ الجَمِيلِ فِي هَيبَتِهِ وَوَقَارِهِ، وَلَا يَحمِلَنَّ جَشَعُ المَالِ تُجَّارَ المَلَابِسِ عَلَى استِيرَادِ أَو تَروِيجِ الأَلبِسَةِ الفَاضِحَةِ الَّتِي تُشِيعُ التَّبَرُّجَ بَينَ بَنَاتِ المُسلِمِينَ؛ فَمَن أَعَانَ عَلَى إِثمٍ كَانَ شَرِيكًا فِي وِزرِهِ. الخَامِسَةُ: لِنَعلَمْ جَمِيعًا -رِجَالًا وَنِسَاءً- أَنَّ الحِجَابَ هُوَ حَلَقَةٌ فِي مَنظُومَةِ العِفَّةِ الكَامِلَةِ الَّتِي تَبدَأُ بِغَضِّ البَصَرِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ معًا؛ فَكَمَا أَمَرَ اللهُ المَرأَةَ بِالحِجَابِ، أَمَرَ الرَّجُلَ قَبلَهَا بِغَضِّ البَصَرِ وَحِفظِ الفَرجِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]؛ فَبِغَضِّ البَصَرِ وَالحِجَابِ وَتَيسِيرِ الحَلَالِ تَطهُرُ القُلُوبُ وَتَسلَمُ المُجتَمَعَاتُ. اللَّهُمَّ يَا حَيِيُّ يَا سِتِّيرُ، اِستُر عَورَاتِنَا، وَآمِن رَوعَاتِنَا، وَاحفَظنَا مِن بَينِ أَيدِينَا وَمِن خَلفِنَا، وَعَن أَيمَانِنَا وَعَن شَمَائِلِنَا وَمِن فَوقِنَا، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَن نُغتَالَ مِن تَحتِنَا، اللَّهُمَّ جَمِّلْ نِسَاءَنَا وَبَنَاتِنَا وَنِسَاءَ المُسلِمِينَ بِالحَيَاءِ وَالحِجَابِ وَالعَفَافِ وَالحِشمَةِ، وَاجعَلْ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَالصَّحَابِيَّاتِ الطَّاهِرَاتِ قُدوَةً لَهُنَّ فِي القَولِ وَالعَمَلِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ بُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا مِن فِتَنِ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ وَالفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيبُ الكريم، فالمِنبرُ أمانة، ووقتُ النَّاسِ وقلوبُهم وديعةٌ بينَ يديك؛ فإن شِئتَ ألقَيتَها كما هي، وإن رأيتَ أنَّ مقامَ النَّاسِ يَقتضي اختصارًا أو تقديمًا وتأخيرًا فافعَل، وإن كنتَ تُريدُها على وَجهٍ آخَرَ منَ البَسطِ أوِ الإيجازِ، أو على نَظمٍ غيرِ هذا النَّظم، فاذكُر لي ما تُريدُ على وَجهِ التَّحديد، فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.