🕌 الأمومةُ في الأَسر... حينَ تُستَهدَفُ الرَّحمَة
#خطبة_جمعة #الأسيرات #الأمومة #نصرة_المستضعفين #فلسطين #حقوق_المرأة #الأسرة
الحمدُ للهِ الذي كَرَّمَ بني آدَمَ، وجَعَلَ الرَّحمَةَ مِفتاحًا لِقُلوبِ عِبادِه، الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ مَقامَ الأُمومَةِ فَقَرَنَ بِرَّها بِتَوحيدِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، يَسمَعُ أنينَ المَظلومينَ في ظُلُماتِ السُّجون، ويُبصِرُ دُموعَ الأُمَّهاتِ المَقهورات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، نَبيُّ الرَّحمَةِ، ومُحَرِّرُ الإنسانِ مِن رِبقَةِ الظُّلم، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا مَعي أنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكُم تُقادُ بِالقُيودِ وَهِيَ تَحمِلُ رُوحًا بَينَ أحشائِها. إنَّنا نَتَحَدَّثُ اليَومَ عَن قَضيَّةٍ تَهُزُّ عَرشَ الرَّحمَن، وقِصَّةِ أُمومَةٍ تُغتَالُ خَلفَ أسوارٍ مُظلِمَة. بَعضُنا يَبكي لِمَشهَدٍ عابِرٍ في شاشَة، ولَكِن هُناكَ مَن تَعيشُ هَذا المَشهَدَ كُلَّ لَحظَة... فَما واجِبُنا؟ وكَيفَ نَنصُرُهُنَّ في زَمَنِ الخِذلان؟ الجَوابُ كَلِمَةٌ ومَوقِفٌ بَعدَ قَليل.
أيُّها المُسلِمون، يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ في كِتابِهِ الكَريم، مُقَرِّرًا مَقامًا لا يَدانيهِ مَقام: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]. تأمَّلوا هَذِهِ الآيَةَ العَظيمَة... الرَّبُّ الخالِقُ العَظيم يَأخُذُنا في رِحلَةٍ إلى أضعَفِ لَحَظاتِ الإنسان، لَحظَةِ الحَملِ والأُمومَة. "وَهنًا عَلى وَهن"... ضَعفٌ عَلى ضَعف، مَشَقَّةٌ تُعانِقُ مَشَقَّة. لأجلِ هَذا الضَّعفِ المُقَدَّس، جَعَلَ الإسلامُ لِلأُمِّ مِنَ التَّكريمِ ما فاقَ كُلَّ تَصَوُّر.
جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فَقال: يا رَسولَ الله، مَن أحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحابَتي؟ قال: «أُمُّكَ». قال: ثُمَّ مَن؟ قال: «أُمُّكَ». قال: ثُمَّ مَن؟ قال: «أُمُّكَ». قال: ثُمَّ مَن؟ قال: «أَبُوكَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه).
لَقَد أحاطَ الإسلامُ الأُمَّ بِسِياجٍ مِنَ الرَّحمَة، وجَعَلَ الجَنَّةَ تَحتَ أقدامِها، فَلا يُرفَعُ صَوتٌ فَوقَ صَوتِها، ولا يُقطَعُ أمْرٌ دونَ بِرِّها. قالَ الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ رَحِمَهُ الله: "بِرُّ الأُمِّ دَينٌ في رَقَبَةِ الإنسان، لا يَسقُطُ عَنهُ ما دامَ حَيًّا، فَإنَّها حَمَلَتهُ حَيثُ لا يَحمِلُهُ أحَد، وتَحَمَّلَت مِن أجلِهِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ أحَد".
لَكِن، يا عِبادَ الله، أينَ نَحنُ اليَومَ مِن هَذِهِ الرَّحمَة؟
انقُلوا أبصارَكُم إلى واقِعٍ مُؤلِم... إلى قِطاعِ غَزَّة وفِلَسطين المُبارَكَة، إلى سُجونِ الظَّالِمين، حَيثُ تُساقُ الأُمَّهاتُ المُسلِماتُ إلى غَياهِبِ المَقابِرِ الأحياء. نِساءٌ حَوامِل، وأُمَّهاتٌ فُصِلنَ عَن رُضَّعِهِنّ، يُكَبَّلنَ بِالسَّلاسِل، ويُذَقنَ سُوءَ العَذاب.
هل تَخَيَّلتُم يَومًا مَعنى أن تَكونَ الأُمُّ أسيرَة؟
أن يَمخاضَها الطَّلقُ وهِيَ مُكَبَّلَةُ اليَدَينِ والقَدَمَينِ إلى سَريرٍ حَديدي، يَحُفُّ بِها سَجَّانونَ غِلاظُ القُلوب، بَدَلًا مِن أن تَكونَ بَينَ أهلِها وأحِبَّتِها؟
يَقولُ رَبُّنا واصِفًا قَسوَةَ الحَملِ في ظُروفِهِ الطَّبيعيَّة: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]. فَكَيفَ إذا كانَ هَذا الكُرهُ مَصحوبًا بِقَسوَةِ القَيد، وبَردِ الزِّنْزانَة، والإهمالِ الطِّبِّيِّ المُتَعَمَّد؟
واسمَعوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ مِن سُنَّةِ نَبيِّنا ﷺ، لِتَعرِفوا كَيفَ يُعامِلُ الإسلامُ الأُمومَة.
أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِامرَأةٍ مِن غامِد، قَد أَقَرَّت عَلى نَفسِها بِالزِّنا وهِيَ حامِل. جَريمَةٌ تُوجِبُ الحَدَّ الشَّرعي. ولَكِن، ما دامَت تَحمِلُ جَنينًا في بَطنِها، هَل أقَامَ عَلَيها الحَدَّ فَورًا؟ هَل عاقَبَ الجَنينَ بِذَنبِ أُمِّه؟
لا والله! بَل قالَ لَها النَّبيُّ ﷺ: «اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي».
ذَهَبَت ووَلَدَت، ثُمَّ جاءَت بِالصَّبيِّ تَحمِلُه، فَقالَ ﷺ رَحمَةً بِطُفولَتِهِ ورَضاعَتِه: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ».
سَنَتانِ كامِلَتانِ تَتَأَجَّلُ فيهِما العُقوبَةُ الشَّرعيَّةُ رِعايَةً لِحَقِّ الجَنينِ في الرَّضاعَةِ وحَقِّ الأُمِّ في حَضانَتِه! (رَواهُ مُسلِم).
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! الشَّريعَةُ تُؤَجِّلُ الحُدودَ حِفظًا لِحَقِّ الطِّفلِ والأُم. فَكَيفَ بِمَن يَعتَقِلُ الأُمَّهاتِ البَريئاتِ، ويُسَلِّطُ عَلَيهِنَّ العَذابَ، ويَحرِمُ الجَنينَ حَقَّهُ في الحَياةِ الكَريمَة؟
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامَةَ رَحِمَهُ اللهُ في "المُغني": "لا خِلافَ بَينَ أهلِ العِلمِ أنَّ الحامِلَ لا تُرجَمُ حَتَّى تَضَعَ حَملَها... ولا يُحالُ بَينَها وبَينَ وَلَدِها حَتَّى يَستَغنيَ عَنها". هَذا مَعَ المُذنِبَة، فَكَيفَ بِالأسيرَةِ العَفيفَةِ المُجاهِدَة؟
أيُّها الإخوَة، إنَّ قَسوَةَ حِرمانِ الأُمِّ مِن رِعايَةِ وَلَدِها، أو فَصلِها عَنهُ خَلفَ القُضبان، جَريمَةٌ تَأباها فِطرَةُ الإنسانِ قَبلَ شَريعَةِ الرَّحمَن.
كُنَّا نَقرَأُ في السِّيرَةِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ في سَفَر، فَرَأى بَعضُ الصَّحابَةِ طائِرًا صَغيرًا (حُمَّرَة) مَعَها فَرخان، فَأَخَذوا الفَرخَين. فَجاءَتِ الأُمُّ تُعَرِّشُ (تَرفرِفُ بِجِناحَيها وتَصرُخُ أَلَمًا عَلى فِراخِها). فَلَمَّا رَآها النَّبيُّ ﷺ قَامَ غاضِبًا وَقال: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا!» (رَواهُ أبو داود بِإسنادٍ صَحيح).
سُبحانَ الله! نَبيُّ الأُمَّةِ يَغضَبُ لِطائِرٍ صَغيرٍ فُجِعَ بِفِراخِه، ويَأمُرُ بِرَدِّها إِلَيه.
فَبِرَبِّكُم... مَن يَغضَبُ اليَومَ لِلأُمَّهاتِ الفِلَسطينيَّاتِ اللَّواتي فُجِعنَ بِأولادِهِنّ؟
مَن يَرُدُّ لَهُنَّ أطفالَهُنَّ الَّذين يَبكونَ خَلفَ الجُدران؟
أَيُعقَلُ أن يَتَحَرَّكَ قَلبُ النَّبيِّ ﷺ لِطائِر، وتَتَجَمَّدَ قُلوبُ مَلايينِ المُسلِمينَ أمامَ صَرَخاتِ الأُمَّهاتِ المُؤمِناتِ الأسيرات؟
مَشهَدٌ واقِعيٌّ مُعاصِر... أمٌّ فِلَسطينيَّةٌ أسيرَة، تُمضِي سَنَواتٍ في زِنْزانَة، وتَرى ابنَها يَكبَرُ مِن خِلالِ صُوَرٍ شَحيحَةٍ تُهَرَّبُ إِلَيها كُلَّ عِدَّةِ أشهُر. تُحرَمُ مِن ضَمِّه، مِن شَمِّ رائِحَتِه، مِن سَماعِ كَلِمَةِ "أُمِّي" وهُوَ يَستَيقِظ. أَيُّ ظُلمٍ هَذا؟ وأيُّ قَهرٍ يَعتَصِرُ قَلبَها كُلَّ لَيلَة؟
يَقولُ المَولى سُبحانَهُ مُوَبِّخًا مَن قَسَت قُلوبُهُم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]. إنَّ الصَّمتَ عَلى هَذِهِ المُعاناةِ هُوَ جُزءٌ مِن هَذِهِ القَسوَة.
يا عِبادَ الله، أينَ نَحنُ مِن مَسؤوليَّتِنا؟
قالَ تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]. الوَلايَةُ هُنا تَعني النُّصرَة، والمَحَبَّة، والتَّعاوُن، والدِّفاع. إذا استُبيحَت كَرامَةُ امْرَأَةٍ مُؤمِنَة، فَقَد استُبيحَت كَرامَةُ الأُمَّةِ كُلِّها.
ويَقولُ الحَبيبُ المُصطَفى ﷺ مُحَذِّرًا مِنَ الخِذلان: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). هَل نَعلَمُ مَعنى "لا يُسلِمُه"؟ أي لا يَترُكُهُ في الهَلَكَة، لا يَتَخَلَّى عَنهُ لِلعَدوِّ يَنهَشُ لَحمَه ويَأسِرُ حُرِّيَّتَه.
لَقَد قَرَّرَ عُلَماؤُنا أنَّ فِكاكَ الأسرى، وخاصَّةً الأسيرات، هُوَ مِن أوجَبِ الواجِبات. قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة رَحِمَهُ الله: "فَكُّ الأسرى مِن أعظَمِ الواجِبات، وبَذلُ المالِ المَوقوفِ وغَيرِهِ في ذَلِكَ مِن أعظَمِ القُرُبات، فَكَيفَ بِمُحَرَّماتِ المُسلِمينَ إذا استُبيحَت!".
ولَكِن، دَعوني أقولُ لَكُم كَلِمَةً تَبعَثُ الأمَل... هَؤُلاءِ الأسيرات، رَغمَ القُيود، هُنَّ أحرارٌ بِإيمانِهِنّ. هُنَّ سُلالَةُ سُمَيَّةَ أُمِّ عَمَّار، أوَّلِ شَهيدَةٍ في الإسلام، الَّتي عُذِّبَت فَلَم تَتَراجَع. العَدوُّ يَملِكُ مَفاتيحَ السِّجن، لَكِنَّهُ لا يَملِكُ مَفاتيحَ قُلوبِهِنَّ المَليئَةِ بِاليَقينِ بِوَعْدِ الله. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
ألا فَلنَستَيقِظ مِن غَفلَتِنا. فالسُّؤالُ لَيسَ فَقَط عَن حالِهِنّ، بَل السُّؤالُ العَظيمُ يَومَ القِيامَةِ سَيَكونُ عَنَّا نَحن: ماذا فَعَلنا لَهُنّ؟ هَل دَعَونا؟ هَل بَذَلنا؟ هَل رَبَّينا أبناءَنا عَلى مَعرِفَةِ قَضِيَّتِهِنّ؟
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، الرَّحمَنِ الرَّحيم، ناصِرِ المُستَضعَفين، وكاسِرِ شَوكَةِ الظَّالِمين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن مَقامِ الأُمومَةِ في دينِنا، ووَقَفنا بِقُلوبٍ يَعتَصِرُها الألَمُ عِندَ مُعاناةِ الأسيراتِ، وخاصَّةً الحَوامِلَ والأُمَّهات، وذَكَرنا كَيفَ غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ لِطائِرٍ فُجِعَ بِوَلَدِه، فَكَيفَ بِأُمَّهاتِ المُؤمِنين؟ وكَيفَ أنَّ دينَنا يُؤَجِّلُ العُقوبَةَ الشَّرعيَّةَ حِفظًا لِحَقِّ الجَنين، بَينَما يَتَلَذَّذُ العَدوُّ بِحِرمانِ الأُمِّ كَرامَتَها. والآنَ بَقِيَ السُّؤالُ العَمَلي: كَيفَ نَنصُرُهُنَّ ونُتَرجِمُ هَذا الألَمَ إلى أثَر؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَكونُ عُذرًا لَنا أمامَ الله:
الأولى (قَلبيَّة): استَحضِروا نِيَّةَ الوَلاءِ والنُّصرَةِ لَهُنَّ دائِمًا. اجعَلوا ألَمَهُنَّ ألَمَكُم. لا تَأتِيكُمُ الأخبارُ فَتُقَلِّبوها كَأنَّها أرقام. مَن لَم يَهتَمَّ بِأمرِ المُسلِمينَ فَلَيسَ مِنهُم.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): خَصِّصوا دَعوَةً في كُلِّ سُجودٍ، وفي ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ، لِلأُمَّهاتِ الأسيرات. قُولوا: يا رَبّ، فُكَّ قَيدَهُنّ، وآمِن رَوعَتَهُنّ، واربُط عَلى قُلوبِهِنّ. الدُّعاءُ سِلاحٌ لا يَعطَلُ، وسِهامُ اللَّيلِ لا تُخطِئ. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): الدَّعمُ الماليُّ لِعائِلاتِهِنَّ وأطفالِهِنَّ المَحرومينَ مِنهُنّ، عَبْرَ الجِهاتِ المَوثوقَة. دِرهَمٌ تُنفِقُهُ لِكِفالَةِ طِفلٍ بَقِيَ بِلا أُمٍّ أسيرَة، قَد يَكونُ هُوَ السَّبيلَ لِنَجاتِكَ يَومَ الحِساب.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): احكُوا قِصَصَهُنَّ لأبنائِكُم في البُيوت. رَبُّوا جيلًا يَعرِفُ أنَّ كَرامَةَ الأُمَّةِ مِن كَرامَةِ نِسائِها. عَلِّموهُم أنَّ لَنا حَرائِرَ في السُّجونِ يَدفَعنَ ثَمَنَ الثَّباتِ عَلى الأَرضِ المُقَدَّسَة، حَتَّى لا تَندَثِرَ القَضيَّةُ في زِحامِ التَّفاهات.
الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): المُقاطَعَةُ لِكُلِّ مَن يَدعَمُ هَذا الكِيانَ الظَّالِم. كُلُّ دِرهَمٍ تَدفَعُهُ لِشَرِكَةٍ تُمَوِّلُ سَجَّانًا، هُوَ رَصاصَةٌ أو قِفلٌ يُوضَعُ عَلى زِنْزانَةِ أُختِك. كُونوا حازِمينَ في دَعمِ إخوانِكُم ولَو بِالامتِناع.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقين، وأنَّ اللهَ يُمَهِّلُ ولا يُهمِل. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قالَ رَبُّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ بِاسمِكَ الأعظَمِ، الرَّحمَنِ الرَّحيم، الجَبَّارِ القَهَّار، أن تَنظُرَ بِعَينِ رَحمَتِكَ إلى الأُمَّهاتِ الأسيراتِ في سُجونِ الظَّالِمين.
اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِهِنّ، وآمِن رَوعَتَهُنّ، واحرُس أعراضَهُنّ، واستُر عَوراتِهِنّ، واكفِهِنَّ شَرَّ الأشرارِ وكَيدَ الفُجَّار.
اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَيهِنَّ ألَمَ البُعدِ، وقَسوَةَ القَيد، واجمَعهُنَّ بِأطفالِهِنَّ وأحِبَّتِهِنَّ سالِماتٍ غانِماتٍ مَنصورات.
اللَّهُمَّ إنَّهُنَّ مَغْلُوباتٌ فَانتَصِر، ضَعيفاتٌ فَاقْوَهُنّ، مَظلوماتٌ فَاخْذُل ظالِمَهُنّ.
اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِمَن ظَلَمَهُنَّ وعَذَّبَهُنّ، اللَّهُمَّ أحصِهِم عَدَدًا، واقتُلهُم بَدَدًا، ولا تُغادِر مِنهُم أحَدًا، وأَرِنا فيهِم عَجائِبَ قُدرَتِك.
اللَّهُمَّ استَعمِلنا في طاعَتِك، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّرّ، ولا تَجعَلنا مِمَّن يَخذُلُ إخوانَهُ في أوقاتِ المِحَن.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.