🕌 تِلْكَ حُدُودُ اللَّه... خَطَرُ الجَوْرِ فِي المَوَارِيث
#خطبة_جمعة #المواريث #حقوق_المرأة #الظلم #قطيعة_الرحم #أكل_أموال_الناس #الأسرة #فقه
الحمدُ للهِ الذي تَوَلَّى قِسمَةَ التَّرِكَاتِ بِنَفسِه، ولَم يَكِلْهَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نَبِيٍّ مُرسَل، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، أقامَ مَوازينَ القِسطِ فلا يُظلَمُ عِندَهُ مِثقالُ ذَرَّة، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، بَشِيرُ العَادِلِينَ ونَذِيرُ الظَّالِمِينَ، الذي حَذَّرَ من أكلِ أموالِ اليَتامى والنِّساءِ والضُّعفاء، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا رَجُلًا يَصومُ النَّهار، ويَقومُ اللَّيل، ويَبني المساجِد، ويَحُجُّ عامًا بَعدَ عام... ثُمَّ يَأتي يومَ القيامةِ مُفلِسًا، يُطْرَحُ في نارِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ أمتارٍ من الأرضِ أو دَراهِمَ مَعدودة! كيفَ يَحدُثُ هذا؟ لأنَّ المَظلومَةَ هذه المَرَّةَ ليسَت غَريبَة، بل هي أختُهُ من لَحمِهِ ودَمِه. اليومَ سنَقِفُ أمامَ أخطَرِ قضيَّةٍ ماليَّةٍ تَوَلَّى اللهُ تَفصيلَها بِنَفسِهِ من فَوقِ سَبعِ سَماوات... فَريضَةِ المَواريث.
أيُّها المُسلِمون، إنَّ النَّفسَ البَشَريَّةَ مَجبولَةٌ على حُبِّ المال، مُتَعَلِّقَةٌ بالدِّرهَمِ والدِّينار، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [سورة الفجر: 20]. ولأنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ يَعلَمُ ضَعفَ هذه النُّفوس، ويَعلَمُ ما يُحدِثُهُ طَمَعُ الدُّنيا في القُلوب؛ فإنَّهُ سُبحانَهُ لَم يَترُك قِسمَةَ المَواريثِ لِعُقولِ البَشَر، ولا لِعاداتِ المُجتَمَعات، ولا لأهواءِ الآباء، ولا لاجتِهادِ الأبناء. بل نَزَلَت آياتُ المَواريثِ في سورةِ النِّساءِ مُفَصَّلَةً بِأرقامٍ وقُسورٍ قاطِعَة: النِّصف، الرُّبع، الثُّمُن، الثُّلُثان، الثُّلُث، السُّدُس.
تَأمَّلوا معي يا عِبادَ الله... القُرآنُ الكَريمُ لَم يُفَصِّل كَيفيَّةَ الصَّلاةِ رَكعَةً رَكعَة، ولَم يُفَصِّل أعدادَ أنصِبَةِ الزَّكاةِ بالتَّفصيلِ الدَّقيق، بل تَرَكَ ذلكَ لِلسُّنَّةِ النَّبَويَّة. أمَّا المِيراث، فقَد تَوَلَّى اللهُ قِسمَتَهُ آيَةً آيَة، وحَرفًا حَرفًا. لِماذا؟ لِيَسُدَّ كُلَّ بابٍ أمامَ أطماعِ البَشَر، ولِيَقطَعَ كُلَّ عُذرٍ لِمُتَحايِل.
ثُمَّ ماذا قالَ بَعدَ أن أنهَى قِسمَةَ المَواريث؟ اسمعوا لهذه الآيَةِ التي تَهتَزُّ لها الجِبال، يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [سورة النساء: 13-14].
تِلكَ حُدُودُ الله! ليسَت حُدودَ القَبيلَة، ولا حُدودَ العُرف، ولا حُدودَ المَحكَمَة... إنَّها خُطوطٌ حَمراءُ رَسَمَها المَلِكُ الجَبَّار. فَمَن ذا الَّذي يَجرُؤُ أن يَمُدَّ يَدَهُ لِيُغَيِّرَ خَطًّا رَسَمَهُ الله؟ مَن ذا الَّذي يَستَدرِكُ على خالِقِهِ فَيَقول: هذا لا يَستَحِق، وهذه أُنثى لا نُعطيها، وهذا ولَدٌ نُعطيهِ أكثَر؟!
يقولُ الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِهِ لهذه الآيَة: "تَوَعَّدَ اللهُ المُتَعَدِّينَ في المَواريثِ بالعَذابِ المُهين، لأنَّهُم رَادُّونَ لحُكمِهِ، مُعقِّبونَ على قِسمَتِه". فالمَسألَةُ يا إخوَتي ليسَت دَراهِمَ تُؤخَذ، بل هي مُصادَمَةٌ صَريحَةٌ لِحُكمِ اللهِ وعَدلِه.
ولَعَلَّكُم تَسألون: أينَ الخَلَلُ اليَوم؟ أينَ يَقَعُ الظُّلمُ الذي نُحَذِّرُ مِنه؟
الظُّلمُ الأكبَرُ، والجُرحُ الأعمَقُ في بُيوتِ المُسلِمينَ اليَوم، يَقَعُ على النِّساء... على الأمِّ، والبِنتِ، والأُخت.
في الجاهِليَّةِ الأولى، كانَ العَرَبُ إذا ماتَ المَيِّتُ، قالوا: "لا يَرِثُنا إلَّا مَن يَحمِلُ السَّيفَ، ويَركَبُ الخَيل، ويُقاتِلُ العَدوَّ"، فحَرَموا النِّساءَ والصِّبيان. فَجاءَ الإسلامُ العَظيم، دينُ العَدلِ والرَّحمَة، فنَسَفَ هذه الجاهِليَّة، وأنزَلَ اللهُ حَقَّ المَرأةِ مَحفوظًا مُكَرَّمًا: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [سورة النساء: 7].
"نَصِيبًا مَفرُوضًا"... لَيسَ مِنَّةً مِنَ الأخ، ولا صَدَقَةً مِنَ العائِلَة، ولا مِنحَةً يَتَفَضَّلُ بِها كَبيرُ القَوم. هو حَقٌّ مَقطوعٌ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات.
ولَكِن، وا أسَفاهُ على حالِ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ اليَوم! رَجَعوا إلى جاهِليَّةٍ مُغَلَّفَةٍ بأعذارٍ واهِيَة. يَموتُ الأب، فَيَستَحوذُ الإخوَةُ الذُّكورُ على العَقاراتِ والأموالِ والتِّجارات، ويَترُكونَ الأخواتِ يَتَضَوَّرنَ حَسرةً. وإذا
سَألتَهُم: لِماذا لا تُعطونَ أختَكُم حَقَّها؟ خَرَجَت أعذارُ الجاهِليَّة: "لا نُريدُ أن يَذهَبَ حَلالُ أبينا إلى رَجُلٍ غَريب!" يَقصدونَ زَوجَ أختِهِم. يا سُبحانَ الله! هَل أَنتُم أغيَرُ على حَلالِ أبيكُم مِنَ اللهِ الَّذي شَرَعَ لها هذا المِيراث؟ هَل أصبَحَ حُكمُ العاداتِ والعائِلَةِ أقدَسَ في قُلوبِكُم مِن حُكمِ رَبِّ العالَمين؟
ويَقولُ بَعضُهُم: "نَحنُ لا نَأكُلُ حَقَّها، المِيراثُ مَحفوظ، وتَأخُذُهُ مَتى شاءَت". وتَمضي السَّنَوات، عَشرٌ، وعِشرون، والأرضُ تَغلو، والعَقارُ يُدِرُّ أرباحًا، والإخوَةُ يَتَنَعَّمون، والأُختُ الفَقيرَةُ تَستَحي أن تُطالِبَ بِحَقِّها، خَشيَةَ أن يَغضَبَ إخوَتُها ويَقطَعوها.
ألا يَعلَمُ هَذا الأخُ المُماطِلُ المُتَحايِلُ حَديثَ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ اسمعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَقصِمُ الظُّهور: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه).
شِبرٌ واحِد! حَفنَةٌ مِن تُرابٍ تُؤخَذُ ظُلمًا، تُطَوَّقُ بها في عُنُقِكَ يَومَ القيامَةِ إلى سَبعِ أرَضين! فَكَيفَ بِمَن يَقضِمُ مَزارِع، وبُيوتًا، وحِساباتٍ بَنكيَّةً أودَعَها الأبُ أمانَةً لِتُقسَمَ بالعَدل؟!
وتَأمَّلوا معي هَذِه القِصَّةَ العَجيبَةَ الَّتي رَواها الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِه. أروَى بِنتُ أُوَيس، امرَأةٌ ادَّعَت أنَّ سَعيدَ بنَ زَيدٍ — رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أحَدَ العَشَرَةِ المُبَشَّرينَ بالجَنَّة — قَد أخَذَ شَيئًا مِن أرضِها. فَماذا قالَ سَعيد؟ هَل كابَرَ؟ هَل عانَد؟ هَلِ استَغَلَّ مَكانَتَهُ في الإسلام؟
قال سَعيد: "دَعُوها وإيَّاها، فَإنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقول: مَن أخَذَ شِبرًا مِن الأرضِ بِغَيرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ في سَبعِ أرَضينَ يومَ القيامَة... اللَّهُمَّ إن كانَت كاذِبَةً، فَأعمِ بَصَرَها، واجعَل قَبرَها في دارِها".
قالَ الرَّاوي: فَرَأيتُها عَمياءَ تَلتَمِسُ الجُدُر، تَقُولُ: أصابَتني دَعوَةُ سَعيد، فَبَينَما هي تَمشي في الدَّارِ مَرَّت على بِئرٍ في الدَّار، فَوَقَعَت فيها فكانَت قَبرَها!
هَذا سَعيدُ بنُ زَيد، المُبَشَّرُ بالجَنَّة، يَتَنازَلُ عنُ حَقِّهِ وهو صادِق، خَشيَةَ أن يَقِفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ في خُصومَةِ أرض. فَأينَ نَحنُ مِن هَذا الخَوف؟ أينَ هَذا الأخُ الَّذي يَنامُ قَريرَ العَين، وبَطنُهُ مَلآنُ مِن حَقِّ أختِه، وهي تَبكي في اللَّيلِ تَشكو إلى اللهِ ظُلمَ أقرَبِ النَّاسِ إليها؟!
يا عِبادَ الله، إنَّ أكَلَ أموالِ البَناتِ لَيسَ مُجَرَّدَ ظُلمٍ ماليّ، بَل هو ذَنبٌ مُرَكَّبٌ تَجتَمِعُ فيهِ كَبائِرُ عِدَّة: هو تَعَدٍّ لِحُدودِ الله، وهو أكلٌ للمالِ بالباطِل، وهو قَطيعَةٌ للرَّحِم.
يقولُ اللهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [سورة محمد: 22-23].
هَل تَظُنُّونَ أنَّ الأختَ الَّتي حُرِمَت مِن حَقِّها سَتَبقى تَنظُرُ إلى أخيها بِنَفسِ الحُب؟ هَل تَظُنُّونَ أنَّ العائِلَةَ الَّتي تُمَزِّقُها المَحاكِمُ ويَتَبادَلُ فيها الإخوَةُ التُّهَمَ لا تَزالُ رَحِمًا مَوصولَة؟
لقَد دَمَّرَت أموالُ المَواريثِ أسَرًا كانَت مَضرِبَ المَثَلِ في التَّرابُط! تَجِدُ الأخَ يُقاطِعُ أختَهُ سَنَواتٍ طِوال، لا يَعودُها إن مَرِضَت، ولا يُعَزِّيها إن أُصيبَت، ولا يَفرَحُ لِفَرَحِها... كُلُّ هَذا مِن أجلِ عَرَضٍ زائِل. وقَد صَدَقَ النَّبيُّ ﷺ حينَ قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه).
ومِن أعجَبِ ما نَرى في واقِعِنا المُعاصِر، طَريقَةُ "التَّخجيل". حَيثُ يَجتَمِعُ الإخوَة، ويَأتُونَ للأخَواتِ يَقولون: "نَحنُ إخوَتُكُن، وسَنَقومُ مَقامَ الوالِد، هَل تُرِدنَ بَيعَ بَيتِ العائِلَة؟ هَل تُرِدنَ إدخالَ الغُرَباءِ بَينَنا؟ تَنَازَلنَ لَنا وسَنُرضيكُنَّ". فتَستَحي الأخت، ويَضيقُ صَدرُها، وتَخافُ أن تُتَّهَمَ بالجَشَع، فَتَتَنازَلُ وهي مُكرَهَة، وقَلبُها يَعتَصِرُ ألَمًا.
واللهِ، إنَّ هَذا التَّنازُلَ باطِلٌ شَرعًا، وما أخَذَهُ الإخوَةُ بِهَذِه الطَّريقَةِ هو سُحتٌ حَرام! يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». وطِيبُ النَّفسِ لا يَكونُ مَعَ الإكراهِ النَّفسيِّ، والتَّهديدِ المُبَطَّنِ بِالمُقاطَعَة.
ويَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "الظُّلمُ مُحَرَّمٌ في كُلِّ دِين، وعلى كُلِّ لِسان، لا يُباحُ قَطُّ، ولا يَتَبَدَّل".
بَل إنَّ الظُّلمَ قَد يَبدَأُ مِنَ الأبِ نَفسِهِ قَبلَ مَوتِه! نَعَم... قَد يَكونُ الأبُ هو أوَّلَ مَن يُخالِفُ حُدودَ الله، حينَ يَجمَعُ أموالَهُ في صِحَّتِهِ، ويُسَجِّلُ العَقاراتِ والأملاكِ بأسماءِ أبنائِهِ
الذُّكور، ويَترُكُ البَناتِ خاوياتِ الأيدي. بِحُجَّةِ أنَّ "الذُّكورَ سَيَحمِلونَ اسمَ العائِلَة"، وأنَّ "البَناتِ لَهُنَّ أزواجٌ يُنفِقونَ عَلَيهِن".
هَذا واللهِ هو الجَورُ الَّذي أبكاهُ النَّبيُّ ﷺ، وغَضِبَ مِنهُ أشَدَّ الغَضَب.
استَمِعوا إلى هذا المَوقِفِ النَّبَويِّ الحاسِم: جاءَ بَشيرُ بنُ سَعدٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فَقال: يا رَسولَ الله، إنِّي نَحَلتُ (أي أهدَيتُ) ابنِي هَذا غُلامًا (أي عَبدًا) كانَ لي. فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قال: لا. فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ المُنصِفُ العادِل: «فَارْجِعْهُ». وفي رِوايَةٍ قال: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»، وفي رِوايَةٍ أُخرى قال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه).
سَمَّاهُ النَّبيُّ ﷺ "جَورًا" أي ظُلمًا! هَذا في الهِبَةِ والعَطيَّةِ في الحَياة، فَكَيفَ بِمَن يَتَعَمَّدُ حِرمانَ البَناتِ مِنَ المِيراثِ بَعدَ المَمات؟
يَقولُ الإمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله: "وفي هَذا الحَديثِ النَّهيُ الشَّديدُ عَن تَفضيلِ بَعضِ الأولادِ على بَعضٍ في العَطيَّةِ لِغَيرِ عُذرٍ شَرعيّ".
أيُّها الأب... لا تَترُك خَلفَكَ نِيْرانًا مُشتَعِلَةً بَينَ أبنائِكَ وبَناتِك. عَدلُكَ بَينَهُم في حَياتِكَ هو ضَمانُ رَحمَتِهِم وتَواصُلِهِم بَعدَ مَماتِك.
...
فانْتَبِه.
قَبلَ أن يُسْدَلَ السِّتار، وتَقِفَ وَحيدًا بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الحَقّ.
تَخَيَّلوا مَعي ذَلِكَ المَشهَدَ الرَّهيب... يَومَ القيامَة، يَومَ يُنادى اسمُك، وتَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ لا تَملِكُ دِرهَمًا ولا عَقارًا، وتَأتي أُختُكَ الَّتي هَضَمتَ حَقَّها، تَتَعَلَّقُ بِعُنُقِك، وتَقول: "يا رَبّ، سَل هَذا لِماذا أكَلَ حَقِّي الَّذي فَرَضتَهُ لي؟ سَل هَذا لِماذا تَرَكَني في فاقَةٍ وحاجَةٍ وهو يَتَنَعَّمُ بِمالِ أبي؟"
هُناكَ... لا تُوجَدُ مَحاكِمُ دُنيَويَّة، ولا مُحامونَ بارِعون، ولا ثَغَراتٌ قانونيَّة، هُناكَ مَحكَمَةٌ قاضيها هو الله، وشُهودُها المَلائِكَة!
قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟». قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتاع. فَقال: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا... فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (رَواهُ مُسلِم).
يَأخُذونَ صَلاتَكَ، وصِيامَكَ، وتِلاوَتَكَ للقرآن... كُلُّ هذا يَذهَبُ وفاءً لِحُقوقِ المَظلومين.
فيا مَنِ استَثقَلَ إعطاءَ الأُختِ حَقَّها... هَل تَرضى أن تَبيعَها حَسَناتِكَ يَومَ القيامَة؟ هَل تَرضى أن تَحمِلَ خَطاياها ثُمَّ تُرمى في النَّار؟
واللهِ إنَّ الفَقرَ في الدُّنيا وأنتَ بَريءُ الذِّمَّة، أهونُ ألفَ مَرَّةٍ مِن أن تَلقى اللهَ وفي رَقَبَتِكَ مَظْلَمَةٌ لِضَعيفَةٍ لا ناصِرَ لَها إلَّا الله.
أسأَلُ اللهَ العَظيمَ أن يُطَهِّرَ قُلوبَنا مِن قَذَرَاتِ الدُّنيا، وأن يَكفِيَنا بِحَلالِهِ عَن حَرامِه.
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ خَطَرِ التَّعَدِّي على حُدودِ اللهِ في المَواريث، وعَرَفنا كَيفَ أنَّ حِرمانَ النِّساءِ والبَناتِ هو عودَةٌ لِجاهِليَّةٍ حَذَّرَ مِنها القُرآن، وشاهَدنا ذلكَ المَوقِفَ المُخيفَ يَومَ القيامَةِ حَينَ يَأتي العَبدُ مُفلِسًا بِسَبَبِ حَقٍّ أكَلَه، وقَطيعَةٍ صَنَعَها. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الخَوفَ إلى واقِعٍ نُنقِذُ بِهِ أنفُسَنا قَبلَ فَواتِ الأوان؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِن شُحِّ النَّفسِ وحُبِّ المالِ الحَرام. اعقِدِ النِّيَّةَ اليَومَ مُعاهِدًا الله: "يا رَبّ، لن تَدخُلَ جَوفي لُقمَةٌ مِن حَقِّ أُختي أو قَريبَتي". تَذَكَّر حَديثَ المَصطَفى ﷺ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ». فاجعَلِ الجَنَّةَ أغلى عِندَكَ مِن قِطعَةِ أرض.
الثانية (لِسانيَّة): كُن صَوتَ الحَقِّ في عائِلَتِك. إذا كُنتَ أنتَ
الأخَ الأكبَرَ أو المُؤَثِّرَ في العائِلَة، فاصدَع بِها بِلِسانِك جَليَّةً واضِحَة: "كُلُّ شَيءٍ سَيُقسَمُ بِالعَدلِ كَما شَرَعَ الله، ولَن نَستَثنيَ أُختًا ولا ضَعيفًا". لا تَصمُت على ظُلمٍ تَراهُ يُحاكُ ضِدَّ النِّساءِ في مَجالِسِ الإخوَة، فالساكِتُ عَنِ الحَقِّ شَيطانٌ أخرَس.
الثالثة (عَمَليَّة): أسرِعوا في قِسمَةِ المَواريثِ ولا تُؤَجِّلوها. بِمُجَرَّدِ انتِهاءِ العَزاء، استَدعوا أهْلَ العِلمِ والمُثَمِّنين، واعطوا كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه. إنَّ التَّأجيلَ المُميتَ لِسَنَواتٍ هو المَرتَعُ الخَصبُ لِلشَّيطانِ لِيَزرَعَ الفِتَنَ والأطماعَ في القُلوب. بَرِّئوا ذِمَّةَ المَيِّتِ بأسرَعِ وَقت.
الرابعة (اجتماعيَّة): إن كُنتَ — عياذًا بالله — مِمَّن أطالَ يَدَهُ إلى مِيراثِ أخَواتِه، فواللهِ إنَّ بابَ التَّوبَةِ ما زالَ مَفتوحًا! اذهَب إلى أُختِكَ اللَّيلَة، قَبِّل رَأسَها، ورُدَّ إلَيها حَقَّها كامِلًا غَيرَ مَنقوص، وزِدها هَديَّةً تُرَضِّي بِها خاطِرَها عَن سَنَواتِ التَّأخير. لا تَنتَظِر غَدًا، فالمَوتُ يَأتِي بَغتَة، والخَصمُ يَومَ القيامة لا يَرحَم.
الخامسة (موضوعيَّة): أَيُّها الآباء، اتَّقوا اللهَ في أولادِكُم. لا تُسَجِّلوا الأملاكَ لِلذُّكورِ دونَ الإناث، ولا تَترُكوا أوراقًا مُلغَزَةً أو وَصايا جائِرَةً تُشعِلُ النَّارَ بَينَ أبنائِكُم بَعدَ رَحيلِكُم. مَن أرادَ العَدل، فَلْيَسأل أهْلَ العِلمِ قَبلَ أن يَتَصَرَّفَ في مالِهِ صَدَقَةً أو هِبَة، لِيَكونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن دينِه.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوَى اللهِ هي الَّتي تَمنَعُ اليَدَ عَنِ الحَرام، وتَكبَحُ النَّفسَ عَنِ الظُّلم، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «إنَّ مِن أحَبِّكُم إلَيَّ وأقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القيامَةِ أحاسِنَكُم أخلاقًا»، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِن حُبِّ المالِ الحَرام، واكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك.
اللَّهُمَّ رُدَّنا إلى الحَقِّ رَدًّا جَميلًا، ولا تَجعَلنا مِمَّن يَأكُلونَ التُّراثَ أكلًا لَمًّا ويُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا.
اللَّهُمَّ ارزُقنا العَدلَ في الغَضَبِ والرِّضا، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر.
اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المَظلومين، ورُدَّ الحُقوقَ إلى أهلِها، واجمَع شَمْلَ الأسَرِ المُسلِمَةِ على المَحَبَّةِ والرَّحمَةِ والعَدل.
اللَّهُمَّ ارحَم آباءَنا وأُمَّهاتِنا، وتَجاوَز عَن زَلَّاتِهِم، واجعَلهُم في عَلِّيِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ أن نَظْلِمَ أو نُظْلَم، أو نَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَينا.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.