فَتحُ القُسطَنطِينِيَّةِ وَسِيرَةُ السُّلطَانِ الصَّالِحِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن تَحَقُّقِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ وَصِنَاعَةِ القَادَةِ الرَّبَّانِيِّينَ
الحَمدُ للهِ القَوِيِّ العَزِيز، النَّاصِرِ المُعِزِّ الحَمِيد، الَّذِي وَعَدَ أَولِيَاءَهُ الصَّادِقِينَ بِالنَّصرِ وَالتَّمكِينِ وَالفَتحِ المَجِيد، وَصَدَقَ رَسُولَهُ الأَمِينَ فِيمَا بَشَّرَ بِهِ مِن فُتُوحِ الإِسلَامِ عَلَى مَرِّ العُصُورِ وَالأَمَدِ البَعِيد، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠-٤١]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، لَا مُبدِّلَ لِكَلِمَاتِه، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَتَقدِيرَاتِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الصَّادِقُ المَصدُوقُ الَّذِي لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، بَشَّرَ أُمَّتَهُ بِفَتحِ القُسطَنطِينِيَّةِ وَهِيَ فِي أَشَدِّ سَاعَاتِ الحِصَارِ وَالابتِلَاء، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ العَزَائِمِ وَالوَفَاء، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا دَامَتِ الأَرضُ وَالسَّمَاء.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَبِالتَّقوَى تُفتَحُ المَغَالِيقُ، وَتُدَكُّ الحُصُونُ، وَيَتَنَزَّلُ نَصرُ اللهِ المَيمُون، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ تَارِيخَ أُمَّتِنَا الإِسلَامِيَّةِ لَيسَ حِكَايَاتٍ تُروَى لِلتَّسلِيَةِ وَالسَّمَر، بَل هُوَ مَدرَسَةٌ حَيَّةٌ تُحيِي فِي القُلُوبِ اليَقِينَ بِوَعدِ اللهِ، وَتُعلِّمُ الأَجيَالَ كَيفَ يُصنَعُ النَّصرُ وَكَيفَ يُبنَى الرِّجَال! وَإِنَّ مِن أَعظَمِ الصَّفَحَاتِ المُشرِقَةِ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ تِلكَ المَلحَمَةَ الخَالِدَةَ الَّتِي غَيَّرَت مَجرَى التَّارِيخِ البَشَرِيِّ، وَحَقَّقَت مَوعُودَ النُّبُوَّةِ بَعدَ أَكثَرَ مِن ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالجِهَاد؛ أَلَا وَهِيَ «فَتحُ القُسطَنطِينِيَّةِ عَلَى يَدِ السُّلطَانِ الصَّالِحِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى»!
عِبَادَ اللهِ: لَقَد بَدَأَت قِصَّةُ هَذَا الفَتحِ العَظِيمِ مِن مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّة؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَمُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن بِشرٍ الخَثعَمِيِّ أَوِ الغَنَوِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَتُفتَحَنَّ القُسطَنطِينِيَّةُ، فَلَنِعمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعمَ الجَيشُ ذَلِكَ الجَيشُ!». وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «بَينَمَا نَحنُ حَولَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَكتُبُ، إِذ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ المَدِينَتَينِ تُفتَحُ أَوَّلًا: قُسطَنطِينِيَّةُ أَو رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: مَدِينَةُ هِرَقلَ تُفتَحُ أَوَّلًا»؛ يَعنِي القُسطَنطِينِيَّة.
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ فَعَلَت هَذِهِ الكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ: «فَلَنِعمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعمَ الجَيشُ ذَلِكَ الجَيشُ» فِي قُلُوبِ المُسلِمِينَ جِيلًا بَعدَ جِيل! لَقَد صَارَ كُلُّ قَائِدٍ مُسلِمٍ، وَكُلُّ جُندِيٍّ مُوَحِّدٍ، يَتَطَلَّعُ إِلَى أَن يَفُوزَ بِهَذَا الوِسَامِ النَّبَوِيِّ الخَالِد! فَخَرَجَتِ الحَمَلَاتُ الإِسلَامِيَّةُ مُنذُ عَهدِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَفِي تِلكَ الحَملَةِ الأُولَى خَرَجَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ الشَّيخُ الكَبِيرُ أَبُو أَيُّوبَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -مُضِيفُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وَقد جَاوَزَ الثَّمَانِينَ مِن عُمرِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ هُنَاكَ أَوصَى الجَيشَ أَن يَدفِنُوهُ عِندَ أَقرَبِ نُقطَةٍ تَصِلُ إِلَيهَا خُيُولُ المُجَاهِدِينَ عِندَ أَسوَارِ القُسطَنطِينِيَّة؛ لِيَسمَعَ صَهِيلَ خُيُولِ الفَاتِحِينَ مِن قَبرِه!
وَتَوَالَتِ الحَمَلَاتُ عَبرَ العَصرِ الأُمَوِيِّ وَالعَبَّاسِيِّ وَالعُثمَانِيِّ طَوَالَ ثَمَانِمِائَةِ عَامٍ، وَالقُسطَنطِينِيَّةُ مَنِيعَةٌ بِأَسوَارِهَا الثَّلَاثِيَّةِ الشَّاهِقَةِ، وَبِحَارِهَا المُحِيطَةِ، وَسَلَاسِلِهَا الحَدِيدِيَّةِ الضَّخمَة؛ حَتَّى أَذِنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِتَحَقُّقِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي العَامِ السَّابِعِ وَالخَمسِينَ بَعدَ الثَّمَانِمِائَةِ لِلهِجرَةِ عَلَى يَدِ شَابٍّ صَالِحٍ لَم يَتَجَاوَزِ الحَادِيَةَ وَالعِشرِينَ مِن عُمرِه؛ إِنَّهُ السُّلطَانُ المُجَاهِدُ مُحَمَّدٌ الثَّانِي، الَّذِي خَلَّدَهُ التَّارِيخُ بِاسْمِ «مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ» رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى!
فَكَيفَ صُنِعَ هَذَا السُّلطَانُ الصَّالِحُ يَا عِبَادَ الله؟ وَمَا هِيَ الأَركَانُ الَّتِي قَامَ عَلَيهَا ذَلِكَ الفَتحُ المُبِين؟
إِنَّ سِيرَةَ السُّلطَانِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ تُعَلِّمُنَا أَنَّ النَّصرَ لَا يَأتِي مُصَادَفَةً، بَل يَقُومُ عَلَى أَربَعِ دَعَائِمَ رَاسِخَة:
الدِّعَامَةُ الأُولَى: التَّربِيَةُ الإِيمَانِيَّةُ وَالعِلمِيَّةُ عَلَى أَيدِي العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّين!
فَقَد عَهِدَ بِهِ وَالِدُهُ السُّلطَانُ الصَّالِحُ مُرَادٌ الثَّانِي رَحِمَهُ اللهُ مُنذُ صِبَاهُ إِلَى عَالِمَينِ جَلِيلَينِ حَازِمَينِ هُمَا: الشَّيخُ أَحمَدُ بنُ إِسمَاعِيلَ الكُورَانِيُّ، وَالشَّيخُ مُحَمَّدٌ شَمسُ الدِّينِ بنُ حَمزَةَ المَعرُوفُ بِـ«آق شَمسِ الدِّينِ» رَحِمَهُمَا الله؛ فَحَفِظَ الفَاتِحُ القُرآنَ الكَرِيمَ، وَدَرَسَ الحَدِيثَ وَالفِقهَ وَالسِّيرَةَ، وَتَعَلَّمَ العُلُومَ العَسكَرِيَّةَ وَالهَندَسَةَ وَالفَلَكَ وَالتَّارِيخَ وَأَتقَنَ عِدَّةَ لُغَات. وَكَانَ شَيخُهُ «آق شَمسُ الدِّينِ» يَأخُذُ بِيَدِهِ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ عَلَى سَاحِلِ البَحرِ، وَيُشِيرُ إِلَى أَسوَارِ القُسطَنطِينِيَّةِ وَيَقرَأُ عَلَيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بِيَقِينٍ يَغرِسُ الهِمَّةَ فِي أَعمَاقِ رُوحِه: «يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَرجُو أَن تَكُونَ أَنتَ الأَمِيرَ المَقصُودَ فِي هَذَا الحَدِيثِ!». فَكَبِرَ الغُلَامُ وَفِي قَلبِهِ هَدَفٌ وَاحِدٌ لَا يَنَامُ عَنهُ: أَن يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّة!
وَالدِّعَامَةُ الثَّانِيَةُ: صَلَاحُ القَلبِ، وَالتَّجَرُّدُ للهِ، وَالعُبُودِيَّةُ الخَاشِعَة!
لَقَد كَانَ السُّلطَانُ مُحَمَّدٌ الفَاتِحُ رَجُلَ قِيَامِ لَيلٍ وَصِيَامٍ وَذِكرٍ وَإِخبَات؛ وَفِي أَثنَاءِ الحِصَارِ الَّذِي استَمَرَّ ثَلَاثَةً وَخَمسِينَ يَومًا، أَمَرَ السُّلطَانُ جُندَهُ بِتَجدِيدِ التَّوبَةِ، وَرَدِّ المَظَالِمِ، وَمُلَازَمَةِ الصِّيَامِ وَالتَّهَجُّدِ وَتِلَاوَةِ القُرآن، وَطَافَ العُلَمَاءُ بَينَ صُفُوفِ الجَيشِ يُذَكِّرُونَهُم بِاللهِ وَيَقرَؤُونَ عَلَيهِم أَحَادِيثَ الجِهَاد. وَفِي لَيلَةِ الهُجُومِ الفَاصِلِ فِي العِشرِينَ مِن جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ سَبعٍ وَخَمسِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ لِلهِجرَة، بَاتَ الجَيشُ كُلُّهُ فِي صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَبُكَاءٍ بَينَ يَدَيِ اللهِ، وَدَخَلَ السُّلطَانُ خَيمَةَ شَيخِهِ آق شَمسِ الدِّينِ فَوَجَدَهُ سَاجِدًا عَلَى التُّرَابِ وَدُمُوعُهُ تَجرِي عَلَى لِحيَتِهِ البَيضَاءِ يَستَنزِلُ نَصرَ اللهِ، فَلَمَّا أَشرَقَ صَبَاحُ الثُّلَاثَاءِ تَنَزَّلَ نَصرُ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيم!
وَالدِّعَامَةُ الثَّالِثَةُ: الإِعدَادُ المَادِّيُّ الأَقصَى وَالأَخذُ بِأَرقَى أَسبَابِ القُوَّةِ وَالابتِكَار!
فَلَم يَكتَفِ الفَاتِحُ رَحِمَهُ اللهُ بِالأَمَانِيِّ، بَلِ امتَثَلَ أَمرَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ فَبَنَى قَلعَةَ «رُومَلِّي حِصَار»، وَصَنَعَ المَدَافِعَ العِملَاقَةَ الَّتِي لَم يَعهَدهَا العَالَمُ مِن قَبل، وَلَمَّا أَغلَقَ البِيزَنطِيُّونَ مَدخَلَ «القَرنِ الذَّهَبِيِّ» بِالسِّلْسِلَةِ الحَدِيدِيَّةِ العَظِيمَةِ، ابتَكَرَ الفَاتِحُ خُطَّتَهُ العَبقَرِيَّةَ المُذهِلَةَ؛ فَمَهَّدَ طَرِيقًا بَرِّيًّا فَوقَ التِّلَالِ وَالجِبَالِ، وَفَرَشَهُ بِالأَلواحِ الخَشَبِيَّةِ المَطلِيَّةِ بِالشَّحمِ وَالزَّيتِ، وَسَحَبَ فِيهِ سَبعِينَ سَفِينَةً حَربِيَّةً فِي لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ مِن مَضِيقِ البُسفُورِ حَتَّى أَنزَلَهَا فِي قَلبِ القَرنِ الذَّهَبِيِّ، فَاستَيقَظَ العَدُوُّ عَلَى تَكبِيرِ المُسلِمِينَ وَأَسطُولِهِم فِي عُقرِ مَأمَنِهِم!
وَالدِّعَامَةُ الرَّابِعَةُ: التَّوَاضُعُ عِندَ النَّصرِ وَالرَّحمَةُ وَالعَدلُ مَعَ المَغلُوبِين!
فَمَا إِن دَخَلَ السُّلطَانُ مُحَمَّدٌ الفَاتِحُ المَدِينَةَ حَتَّى تَرَجَّلَ عَن فَرَسِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا للهِ عَلَى التُّرَابِ شُكرًا وَتَذَلُّلًا، ثُمَّ أَعلَنَ الأَمَانَ العَامَّ لِأَهلِ المَدِينَةِ عَلَى دِمَائِهِم وَأَموَالِهِم وَكَنَائِسِهِم وَمُعتَقَدَاتِهِم، وَافتَدَى كَثِيرًا مِنَ الأَسرَى مِن حُرِّ مَالِهِ، فَقَدَّمَ لِلعَالَمِ أَروعَ صُورَةٍ لِعَدلِ الإِسلَامِ وَرَحمَتِهِ حِينَ يَملِكُ وَيَنتَصِر!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ ذِكرَى فَتحِ القُسطَنطِينِيَّةِ وَسِيرَةَ السُّلطَانِ الصَّالِحِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ تَبعَثُ فِي قُلُوبِنَا اليَومَ ثَلَاثَ رَسَائِلَ عَظِيمَةٍ نَحتَاجُ إِلَيهَا أَشَدَّ الحَاجَة:
الرِّسَالَةُ الأُولَى: الثِّقَةُ التَّامَّةُ بِمَوعُودِ اللهِ وَتَصدِيقُ بِشَارَاتِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
فَكَمَا تَحَقَّقَ الشَّطرُ الأَوَّلُ مِنَ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ بِفَتحِ القُسطَنطِينِيَّةِ بَعدَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ مِن نُطقِ الصَّادِقِ المَصدُوقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِهَا، فَإِنَّ كُلَّ مَا وَعَدَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن نُصرَةِ هَذَا الدِّينِ، وَبلُوغِهِ مَا بَلَغَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ، وَفَتحِ رُومِيَّةَ، وَظُهُورِ الحَقِّ، آتٍ لَا مَحَالَةَ، فَلَا يَتَسَرَّبَنَّ اليَأسُ إِلَى قَلبِ مُؤمِنٍ مَهمَا اشتَدَّتِ الخطُوب!
وَالرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالمُرَبِّينَ وَالشَّبَاب!
انظُرُوا مَاذَا يَصنَعُ الشَّابُّ المُسلِمُ إِذَا رُبِّيَ عَلَى القُرآنِ وَالعِلمِ وَمَعَالِي الأُمُور! لَقَد كَانَ مُحَمَّدٌ الفَاتِحُ شَابًّا فِي الحَادِيَةِ وَالعِشرِينَ مِن عُمرِهِ حِينَ دَكَّ أَعتَى إِمبرَاطُورِيَّةٍ فِي زَمَانِهِ وَنَالَ ثَنَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَرَبُّوا أَولَادَكُم عَلَى الهِمَّةِ العَالِيَةِ، وَحُبِّ العِلمِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالاعتِزَازِ بِالإِسلَام، وَاربِطُوهُم بِأَبطَالِ أُمَّتِهِمُ الحَقِيقِيِّينَ بَدَلًا مِنَ التَّعلُّقِ بِالتَّافِهِين.
وَالرِّسَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ نَصرَ الأُمَّةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالجَمعِ بَينَ «نِعْمَ الأَمِيرُ وَنِعْمَ الجَيشُ»، وَبَينَ «سَجَدَاتِ اللَّيلِ وَمَدَافِعِ النَّهَارِ»؛ إِيمَانٌ صَادِقٌ وَتَقوَى فِي القُلُوبِ، مَعَ إِتقَانٍ عِلمِيٍّ وَعَمَلِيٍّ فِي المَيَادِين. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ خَلَّدَ ذَلِكَ الفَتحَ المُبِين:
بُشرَى النَّبِيِّ تَحَقَّقَت بِالفَاتِحِ ... شَهمٍ تَقِيٍّ فِي المَعَالِي طَامِحِ
قَادَ السَّفِينَ عَلَى الجِبَالِ بِعَزمَةٍ ... مَمزُوجَةٍ بِدُعَاءِ لَيلٍ صَالِحِ
نِعمَ الأَمِيرُ وَنِعمَ جَيشٌ قَد سَمَا ... بِالدِّينِ وَالعَدلِ العَظِيمِ الرَّاجِحِ
فَرحِمَ اللهُ السُّلطَانَ الصَّالِحَ مُحَمَّدًا الفَاتِحَ وَشُيُوخَهُ وَجُندَهُ، وَجَزَاهُم عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاء.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَارحَمْ أَئِمَّةَ الهُدَى وَقَادَةَ الفَتحِ الصَّالِحِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِين، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِين، وَانصُر عِبَادَكَ المُوَحِّدِين. اللَّهُمَّ هَيِّئ لِأُمَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَمرَ رُشدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهلُ طَاعَتِك، وَيُهدَى فِيهِ أَهلُ مَعصِيَتِك، وَيُؤمَرُ فِيهِ بِالمَعرُوفِ وَيُنهَى فِيهِ عَنِ المُنكَر. اللَّهُمَّ رَبِّ شَبَابَ المُسلِمِينَ عَلَى القُرآنِ وَالإِيمَانِ وَالعِزَّةِ وَالهِمَّةِ العَالِيَة، وَاجعَلهُم بُنَاةً لِلمَجدِ وَحُمَاةً لِلدِّين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
فَتحُ القُسطَنطِينِيَّةِ وَسِيرَةُ السُّلطَانِ الصَّالِحِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن تَحَقُّقِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ وَصِنَاعَةِ القَادَةِ الرَّبَّانِيِّينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.