من مكتبة مِداد الخطيب

فَوَائِدُ وَفَضَائِلُ ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَنزِلَةِ الذِّكرِ وَثَمَرَاتِهِ العَظِيمَةِ فِي حَيَاةِ القُلُوبِ وَسَعَادَةِ الدَّارَينِ

مشاركة
فَوَائِدُ وَفَضَائِلُ ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَنزِلَةِ الذِّكرِ وَثَمَرَاتِهِ العَظِيمَةِ فِي حَيَاةِ القُلُوبِ وَسَعَادَةِ الدَّارَينِ الحَمدُ للهِ العَلِيِّ العَظِيم، السَّمِيعِ العَلِيم، الَّذِي جَعَلَ ذِكرَهُ حَيَاةً لِلقُلُوبِ وَطُمَأنِينَةً لِلصُّدُورِ وَأُنسًا لِأَروَاحِ المُؤمِنِين، وَوَعَدَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ بِالمَغفِرَةِ وَالأَجرِ الكَرِيم، وَشَرَّفَ مَن ذَكَرَهُ فِي الفَرشِ بِذِكرِهِ لَهُ فِي المَلَإِ الأَعلَى عِندَ العَرشِ العَظِيم، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، كَلِمَةُ التَّوحِيدِ العُظمَى، وَسَيِّدَةُ الأَذكَارِ الَّتِي بِهَا تَحيَا النُّفُوسُ وَتَرقَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، إِمَامُ الذَّاكِرِين، وَقُدوَةُ الشَّاكِرِينَ المُخبِتِين، الَّذِي كَانَ يَذكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحيَانِه، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالإِكثَارِ مِن ذِكرِهِ فِي الغُدُوِّ وَالآصَال؛ فَإِنَّ ذِكرَ اللهِ مِيرَاثُ الأَولِيَاء، وَسِلَاحُ الأَتقِيَاء، وَتِجَارَةُ الأَصفيَاء، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١-٤٢]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: تَأَمَّلُوا مَعِي فَرَائِدَ الأَوَامِرِ الإِلَهِيَّةِ فِي القُرآنِ الكَرِيم؛ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَ عِبَادَهُ بِالصَّلَاةِ جَعَلَ لَهَا مَوَاقِيتَ مَحدُودَةً، وَلَمَّا أَمَرَهُم بِالزَّكَاةِ جَعَلَ لَهَا نِصَابًا وَحَولًا، وَلَمَّا أَمَرَهُم بِالصِّيَامِ جَعَلَ لَهُ شَهرًا فِي العَامِ، وَلَمَّا أَمَرَهُم بِالحَجِّ جَعَلَهُ مَرَّةً فِي العُمُرِ لِمَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا؛ إِلَّا عِبَادَةً وَاحِدَةً لَم يَجعَلِ اللهُ لَهَا حَدًّا يُنتَهَى إِلَيهِ، وَلَا وَقتًا يُقتَصَرُ عَلَيهِ، وَلَا عُذرًا لِعَاقِلٍ فِي تَركِهَا عَلَى أَيِّ حَالٍ مِنَ الأَحوَال، بَل أَمَرَ بِالإِكثَارِ مِنهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى الجُنُوبِ، فِي الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، وَفِي الغِنَى وَالفَقرِ، وَفِي السَّفَرِ وَالحَضَر؛ أَلَا وَهِيَ عِبَادَةُ «ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»! قَالَ الحَبرُ التَّرجُمَانُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِ آيَةِ الأَحزَاب: «إِنَّ اللهَ لَم يَفرِضْ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهلَهَا فِي حَالِ العُذرِ، غَيرَ الذِّكرِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَم يَجعَلْ لَهُ حَدًّا يَنتَهِي إِلَيهِ، وَلَم يَعذِرْ أَحَدًا فِي تَركِهِ إِلَّا مَغلُوبًا عَلَى عَقلِه!». بَل إِنَّ جَمِيعَ الشَّعَائِرِ وَالعِبَادَاتِ إِنَّمَا شُرِعَت لِإِقَامَةِ ذِكرِ اللهِ تَعَالَى؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. عِبَادَ اللهِ: لَقَد جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَّرَةُ بِبَيَانِ فَضَائِلِ الذِّكرِ بَيَانًا يَأخُذُ بِمَجَامِعِ القُلُوب؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُم بِخَيرِ أَعمَالِكُم، وَأَزكَاهَا عِندَ مَلِيكِكُم، وَأَرفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُم، وَخَيرٍ لَكُم مِن إِنفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيرٍ لَكُم مِن أَن تَلقَوا عَدُوَّكُم فَتَضرِبُوا أَعنَاقَهُم وَيَضرِبُوا أَعنَاقَكُم؟»، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ!»، قَالَ: «ذِكرُ اللهِ تَعَالَى!». وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ قَد كَثُرَت عَلَيَّ، فَأَخبِرنِي بِشَيءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ»، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطبًا مِن ذِكرِ اللهِ!». فَمَا هِيَ الفَوَائِدُ وَالثَّمَرَاتُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَجنِيهَا الذَّاكِرُ للهِ فِي دُنيَاهُ وَقَبرِهِ وَآخِرَتِه؟ لَقَد عَدَّ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ النَّفِيسِ «الوَابِلِ الصَّيِّبِ» أَكثَرَ مِن سَبعِينَ فَائِدَةً مِن فَوَائِدِ الذِّكرِ، يَحسُنُ بِنَا أَن نَقِفَ فِي هَذَا المَقَامِ مَعَ سَبعِ فَوَائِدَ كُبرَى مِنهَا تَشرَحُ الصُّدُورَ وَتُوقِظُ الهِمَم: الفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ ذِكرَ اللهِ هُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ، وَرَاحَةُ الأَروَاحِ، وَشِفَاءُ القَسوَةِ وَالهُمُوم! إِنَّ القَلبَ البَشَرِيَّ يَا عِبَادَ اللهِ إِذَا خَلَا مِن ذِكرِ خَالِقِهِ صَارَ قَبرًا مُوحِشًا وَجَسَدًا مَيِّتًا وَإِن كَانَ صَاحِبُهُ يَمشِي بَينَ الأَحيَاء! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ!». وَإِذَا ضَاقَت عَلَيكَ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت، وَتَكَالَبَت عَلَيكَ الأَحزَانُ وَالأَوجَاعُ وَالمَخَاوِفُ، فَفِرَّ إِلَى ذِكرِ اللهِ تَجِدِ السَّكِينَةَ تَنزِلُ عَلَى فُؤَادِكَ كَالغَيثِ البَارِدِ، مِصدَاقًا لِقَولِ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وَكَانَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ كَلِمَتَهُ البَلِيغَة: «الذِّكرُ لِلقَلبِ مِثلُ المَاءِ لِلسَّمَكِ؛ فَكَيفَ يَكُونُ حَالُ السَّمَكِ إِذَا فَارَقَ المَاءَ؟!». وَالفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الذَّاكِرَ يَفُوزُ بِذِكرِ اللهِ لَهُ فِي المَلَإِ الأَعلَى وَمَعِيَّتِهِ الخَاصَّة! تَصَوَّرْ يَا عَبدَ اللهِ وَأَنتَ جَالِسٌ فِي مَسجِدِكَ أَو بَيتِكَ أَو طَرِيقِكَ تَقُولُ بِقَلبٍ خَاشِعٍ: «سُبحَانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ»؛ أَنَّ مَلِكَ المُلُوكِ وَجَبَّارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَذكُرُكَ بِاسْمِكَ مِن فَوقِ عَرشِهِ عِندَ مَلَائِكَتِهِ المُقَرَّبِين! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِن ذَكَرَنِي فِي نَفسِهِ ذَكَرتُهُ فِي نَفسِي، وَإِن ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرتُهُ فِي مَلَإٍ خَيرٍ مِنهُم!». أَيُّ شَرَفٍ فِي الكَونِ يَعدِلُ أَن يَذكُرَكَ اللهُ العَظِيمُ فِيمَن عِندَهُ؟! وَالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ ذِكرَ اللهِ يَطرُدُ الشَّيطَانَ وَيَقمَعُهُ، وَيَجعَلُ العَبدَ فِي حِصنِ اللهِ الحَصِين! فَإِنَّ الشَّيطَانَ جَاثِمٌ عَلَى قَلبِ ابنِ آدَمَ، فَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللهَ خَنَسَ وَصَغُرَ وَانهَزَم! وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَسُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَارِثِ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَآمُرُكُم أَن تَذكُرُوا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصنٍ حَصِينٍ فَأَحرَزَ نَفسَهُ مِنهُم، كَذَلِكَ العَبدُ لَا يُحرِزُ نَفسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكرِ اللهِ!». وَالفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الذِّكرَ أَيسَرُ العِبَادَاتِ مَؤُونَةً وَأَعظَمُهَا أَجرًا وَأَثقَلُهَا فِي المِيزَانِ وَأَسرَعُهَا سَبقًا إِلَى الجِنَان! فَحَرَكَةُ اللِّسَانِ أَخَفُّ حَرَكَاتِ الجَوَارِحِ، لَا تُكَلِّفُ مَالًا وَلَا جُهدًا بَدَنِيًّا شَاقًّا، وَلَكِنَّ أُجُورَهَا عِندَ اللهِ كَأَمثَالِ الجِبَال! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ»، قَالُوا: «وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟»، قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ!». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحمَنِ: سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ، سُبحَانَ اللهِ العَظِيمِ». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَأَن أَقُولَ: سُبحَانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ!». وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَالَ: سُبحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمدِهِ، غُرِسَت لَهُ نَخلَةٌ فِي الجَنَّةِ!». فَكَم مِنَ النَّخِيلِ وَالبَسَاتِينِ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى يُفَوِّتُهَا الغَافِلُ فِي دَقَائِقِ يَومِه! وَالفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ الذِّكرَ يَحتُّ الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا كَمَا تَحتُّ الرِّيحُ الوَرَقَ اليَابِس! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَالَ: سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ، فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّت خَطَايَاهُ وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ!». مِائَةُ تَسبِيحَةٍ لَا تَستَغرِقُ مِن وَقتِكَ ثَلَاثَ دَقَائِق، تَمحُو ذُنُوبًا مِثلَ زَبَدِ البَحر! وَالفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ ذِكرَ اللهِ يُعطِي الذَّاكِرَ قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وَنَشَاطًا فِي عَمَلِهِ وَبَرَكَةً فِي يَومِه! وَشَاهِدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا شَكَت مَا تَلقَى فِي يَدِهَا مِن أَثَرِ الرَّحَى وَخِدمَةِ البَيتِ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَادِمًا، فَجَاءَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَد أَخَذَا مَضَاجِعَهُمَا فَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيرٍ مِمَّا سَأَلتُمَا؟ إِذَا أَخَذتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَو أَوَيتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا، فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَربَعًا وَثَلَاثِينَ؛ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمَا مِن خَادِمٍ!». قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: «بَلَغنَا أَنَّ مَن حَافَظَ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَاتِ لَم يُصِبْهُ إِعيَاءٌ فِيمَا يُعَانِيهِ مِن شُغلٍ وَغَيرِهِ!». وَالفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ إِدمَانَ الذِّكرِ فِي السَّرَّاءِ سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ فِي الشَّدَائِدِ وَحُسنِ الخَاتِمَةِ عِندَ المَمَات! كَمَا أَنقَذَ اللهُ نَبِيَّهُ يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن بَطنِ الحُوتِ وَالظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ بِفَضلِ تَسبِيحِهِ وَذِكرِهِ؛ حَيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ۝ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣-١٤٤]، وَمَن عَاشَ لِسَانُهُ رَطبًا بِذِكرِ اللهِ، ثَبَّتَهُ اللهُ عِندَ السَّكَرَاتِ فَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنيَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَدَخَلَ الجَنَّة! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَفضَلَ الذِّكرِ وَأَرفَعَهُ عِندَ اللهِ هُوَ مَا اجتَمَعَ فِيهِ القَلبُ وَاللِّسَان؛ أَن يَنطِقَ اللِّسَانُ بِالتَّسبِيحِ وَالتَّحمِيدِ وَالتَّهلِيلِ وَالتَّكبِيرِ وَالِاستِغفَارِ وَقَلبُكَ حَاضِرٌ مُستَشعِرٌ لِعَظَمَةِ اللهِ وَمَعَانِي كَلِمَاتِه! وَاحرِصُوا يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى غَنِيمَةِ «مَجَالِسِ الذِّكرِ وَالعِلمِ وَالقُرآنِ»؛ تِلكَ المَجَالِسِ الَّتِي تَبحَثُ عَنهَا مَلَائِكَةُ الرَّحمَنِ فِي طُرُقَاتِ الأَرض، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَقعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ، وَنَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَن عِندَهُ!». وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ فِي خِتَامِ مَجلِسِ الذِّكر: «فَأُشهِدُكُم أَنِّي قَد غَفَرتُ لَهُم»، فَيَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: «فِيهِم فُلَانٌ لَيسَ مِنهُم، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ!»، فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُه: «هُمُ القَومُ لَا يَشقَى بِهِم جَلِيسُهُم!». فَإِن أَرَدتَ يَا عَبدَ اللهِ أَن تَكُتبَ فِي دِيوَانِ «الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»، فَالزَمْ ثَلَاثَ وَصَايَا يَومِيَّةٍ لَا تُفَرِّطْ فِيهَا أَبَدًا: أَوَّلًا: لَا تَخرُجْ مِنَ المَسجِدِ بَعدَ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ قَبلَ أَن تَأتِيَ بِأَذكَارِ دُبُرِ الصَّلَاةِ كَامِلَةً بِتَأَنٍّ وَخُشُوع. ثَانِيًا: اجعَلْ لِأَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَأَذكَارِ النَّومِ وَقتًا ثَابِتًا مُقَدَّسًا فِي يَومِكَ؛ فَهِيَ دِرعُكَ الحَصِينُ مِن كُلِّ سُوء. ثَالِثًا: استَثمِرْ أَوقَاتَ المَشيِ وَالرُّكُوبِ وَالِانتِظَارِ وَالعَمَلِ بِالذِّكرِ المُطلَق؛ مِن تِلَاوَةِ القُرآنِ، وَقَولِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ» مِائَةَ مَرَّةٍ فِي اليَومِ، وَالحَوقَلَةِ الَّتِي هِيَ كَنزٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالِاستِغفَارِ؛ وَاحذَرْ أَن تَجلِسَ مَجلِسًا تَقُومُ مِنهُ دُونَ أَن تَذكُرَ اللهَ فِيهِ فَيَكُونَ عَلَيكَ تِرَةً وَحَسرَةً يَومَ القِيَامَة. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ تَغَنَّى بِلَذَّةِ الذَّاكِرِين: إِذَا مَرِضنَا تَدَاوَينَا بِذِكرِكُمُ ... فَنَترُكُ الذِّكرَ أَحيَانًا فَنَنتَكِسُ فَالقَلبُ بِالذِّكرِ يَحيَا بَعدَ مَوتَتِهِ ... وَالنَّفسُ بِالذِّكرِ فِي دَيجُورِهَا تَئِسُ طُوبَى لِعَبدٍ لِسَانُ الحَقِّ مَنطِقُهُ ... فِي المَلَإِ الأَعلَى بِهِ الرَّحمَنُ يَحتَرِسُ فَطَيِّبُوا أَفوَاهَكُم وَعَمِّرُوا أَوقَاتَكُم وَأَحيُوا قُلُوبَكُم بِذِكرِ رَبِّكُم جَلَّ وَعَلَا. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِك. اللَّهُمَّ اجعَل أَلسِنَتَنَا رَطبَةً بِذِكرِك، وَقُلُوبَنَا عَامِرَةً بِخَشيَتِكَ وَمَحَبَّتِك، وَاجعَلنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات. اللَّهُمَّ أَحيِ قُلُوبَنَا بِنُورِ ذِكرِكَ وَقُرآنِك، وَطَهِّر أَلسِنَتَنَا مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَاللَّغوِ وَالبُهتَان، وَاذكُرنَا فِي المَلَإِ الأَعلَى عِندَكَ يَا رَحمَن. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.