من مكتبة مِداد الخطيب

غَزَّة... مِقْيَاسُ الإِيمَانِ وَمُخْتَبَرُ اليَقِين

مشاركة
🕌 غَزَّة... مِقْيَاسُ الإِيمَانِ وَمُخْتَبَرُ اليَقِين #خطبة_جمعة #غزة #فلسطين #الصبر_على_الابتلاء #الجهاد #اليقين #نوازل الحمدُ للهِ مُعِزِّ المؤمنين بنصره، ومُذِلِّ الجبَّارين بقَهره، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الابتلاءَ سُنَّةً تُمَحِّصُ الصُّفوف، وتَكشِفُ الزَّيْفَ، وتَرفَعُ دَرَجاتِ الصَّادقين في جنَّات النَّعيم. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، ناصِرُ المُستضعَفين، ومُهلكُ الظَّالمين، ولو تَمالَأَ عليهم مَن بِأقطارها. وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُجاهدين وقُدوةُ الصَّابرين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا معي مساحةً جُغرافيَّةً صغيرة، تُسقِطُ أقنِعَةَ العالَمِ كُلِّه، وتُعيدُ تعريفَ الإيمانِ في قلوبِ مِليارَيْ مُسلم. أرضٌ يُهدَمُ فيها الحَجَر، لكن يُبنى فيها يَقينٌ لم تَشهَدْهُ الأمَّةُ منذُ قُرون. خُطبَتُنا اليومَ ليست لِلبُكاءِ على الضَّحايا؛ فالشُّهداءُ لا يُبكى عليهم، بَل نَحنُ مَن نَحتاجُ إلى البُكاءِ على أنفُسِنا. خطبَتُنا اليومَ لِنَتَعَلَّمَ من الأساتذةِ الذين يُلَقِّنونَنا دُروسَ العَقيدةِ تَحتَ الأنقاض. ما هو السِّرُّ العَظيمُ الذي جَعَلهم لا يَنكَسِرون؟ وكيفَ نكونُ شُركاءَهم من مَواقِعنا؟ الجوابُ في الدَّقائقِ القادمة. أيُّها المسلمون، إنَّ النَّاظِرَ اليومَ إلى ما يَجري لأهلِنا في غزَّةَ العِزَّة، يَقِفُ مَذهولًا أمامَ مَشهَدَينِ مُتَناقِضَين: مَشهَدُ إجرامٍ صهيونيٍّ لم يَعرِفِ التَّاريخُ المُعاصِرُ لهُ مَثيلًا، ومَشهَدُ صُمودٍ ويَقينٍ غَزِّيٍّ جَعَلَ العُقولَ تَحار. نَنظُرُ نحنُ إلى الشَّاشاتِ فنَبكي أَلَمًا وجَزَعًا، ويَنظُرونَ هُم إلى السَّماءِ من بَينِ الرُّكامِ فيَبتَسِمونَ رِضًا وتَسليمًا! كيفَ يُعقَلُ هذا؟ أيُّ قُلوبٍ يَحمِلونَ في صُدورِهم؟ إنَّ الإجابةَ — يا عبادَ الله — مَوجودةٌ في كِتابِ اللهِ الذي نَقرَؤُهُ كُلَّ يَومٍ، لكنَّ أهلَ غزَّةَ أخرَجوهُ منَ المَصاحِفِ ومَشَوا بِهِ على الأرض. لقد ظَنَّ كَثيرٌ منَّا أنَّ الإيمانَ هُوَ أن نَعيشَ في رَخاء، وأنَّ النَّصرَ هو ألا نُخدَش، حتَّى جاءَت هذه النَّازِلَةُ لِتُذَكِّرَنا بِالسُّنَّةِ القُرآنيَّةِ الغائبة. يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. تَأمَّلوا كَلِمَةَ ﴿وَزُلْزِلُوا﴾! زِلزالٌ نَفسيٌّ ومادِّيٌّ وعَسكَري، زِلزالٌ يَجعَلُ الرَّسولَ والمؤمنينَ يَستَبطِئونَ النَّصرَ مِن شِدَّةِ الأَلَم. وهَل هُناكَ زِلزالٌ أشَدُّ مِمَّا نَراهُ اليَوم؟ دِماءٌ تُسفَك، وأشلاءٌ تُمَزَّق، ومَساجِدُ تُدَمَّر، وأطفالٌ يَرتَجِفونَ جُوعًا وخَوفًا. وهُنا يَبرُزُ السُّؤالُ الذي يَسكُنُ عُقولَ كَثيرٍ مِنَ الشَّبابِ اليوم: لِماذا يَسمَحُ اللهُ بِهذا؟ أَلَيسَ اللهُ قادِرًا على أن يَخسِفَ بِالصَّهاينَةِ الأرضَ في لَحظَة؟ بَلى، وَاللهِ إنَّهُ لَقادِر! ولكنَّ المَسألَةَ لَيست مَسألَةَ قُدرَة، بَل هي مَسألَةُ حِكمَةٍ وتَمحيص. يَقولُ العليمُ الخَبير: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 4]. ويُبَيِّنُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة — رَحِمَهُ الله — حِكمَةَ هذا المُصابِ الجَلَلِ فيقول: "والمِحَنُ الَّتي يُمضيها اللهُ على المؤمنينَ هي بِمَنزِلَةِ الكِيرِ الذي يُخرِجُ خَبَثَ الحَديد، ليَبقى الذَّهَبُ الخالِص". نَعَم، إنَّها عَمَلِيَّةُ استِخلاصٍ لِلذَّهَب. غزَّةُ اليَومَ هي كِيرُ الأُمَّة؛ تُسقِطُ المُنافِقين والمُتَخاذِلين في وَحلِ العار، وتُخرِجُ لَنا رِجالًا ونِساءً وأطفالًا هُم خُلاصَةُ التَّوحيد. اللهُ سُبحانَهُ يَصطَفي الشُّهداء، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]، والشَّهادَةُ لَيست هَزيمَة، بَل هِيَ أعلَى مَراتِبِ الاصطِفاءِ الرَّبَّاني. أيُّها المؤمنون، لَقَد كُنَّا نَقرَأُ في كُتُبِ العَقيدَةِ عَن مَعنى "الرِّضا بِالقَضاءِ والقَدَر"، وكُنَّا نَظُنُّ أنَّنا فَهِمنَاه. ثُمَّ رأينا تِلكَ الأُمَّ الغَزِّيَّةَ الَّتي تُمسِكُ بِجُثمانِ طِفلِها المُقَطَّع، فلا تَشُقُّ جَيبًا، ولا تَلطِمُ خَدًّا، ولا تَصرُخُ اعتِراضًا على الله، بَل تَرفَعُ إصبعَها وتَقولُ بِيَقينٍ يُزَلزِلُ الجِبال: "الحمدُ لله، مالي ووَلَدي فِداءٌ لِدينِ الله، خُذهُ يا رَبِّ حتَّى تَرضى!". مِن أينَ جاؤوا بِهذا؟ كيفَ استَطاعوا أن يُطَبِّقوا التَّوحيدَ العَمَليَّ في أَقسى لَحَظاتِ البَشَريَّة؟ لقد أدرَكوا حَقيقَةَ هذا الحَديثِ العَظيم. ففي صَحيحِ مُسلم، يَقولُ نَبِيُّنا ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له». هَؤلاءِ القَومُ فَهِموا أنَّ الدُّنيا لَيست دَارَ القَرار، وأنَّ المَوتَ لَيسَ النِّهايَة، بَل هو بابٌ لِمُعانَقَةِ السَّماء. جَسَّدوا قَولَهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]. ولَكِن، رُبَّما يَقولُ قائِل: أينَ المَخرَج؟ وكيفَ يَكونُ هَذا نَصرًا والدِّماءُ تَسيلُ والبُيوتُ تُهَدَّم؟ يا عِبادَ الله، عُودوا مَعي إلى سُورَةٍ نَقرَؤُها كَثيرًا، سُورَةِ البُروج. اقرَؤوا قِصَّةَ "أصحابِ الأُخدود". مَلِكٌ طَاغِيَةٌ شَقَّ خَنادِقَ في الأرض، وأضرَمَ فيها النِّيران، وألقى فيها المؤمنينَ رِجالًا ونِساءً وأطفالًا، أُحرِقوا جَميعًا حتَّى تَفَحَّمَت أجسادُهم لِمُجَرَّدِ أنَّهم قالوا رَبُّنا الله. هَل هَبَّت ريحٌ فأطفَأَتِ النَّار؟ لا. هَل نَزَلَ مَلاكٌ فأهلَكَ المَلِك؟ لا. ماتَ المُؤمنونَ جَميعًا مُحتَرِقين. بِمَقاييسِ الأرض، هذه هَزيمَةٌ ساحِقَةٌ وإبادَةٌ جَماعِيَّة. لَكِن، ماذا قالَ اللهُ عَن تِلكَ النِّهايَة؟ هَل وَصَفَها بِالهَزيمَة؟ اسْمَعوا ماذا سَمَّاهَا اللهُ في قُرآنِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11]. يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! الفَوزُ الكَبيرُ ليسَ دائمًا في البَقاءِ على الأرض، بَلِ الفَوزُ الكَبيرُ هوَ أن تَموتَ على التَّوحيد وأنتَ ثابِتٌ لا تَتَنازَل! يُقَرِّرُ الإمامُ ابنُ القَيِّم — رَحِمَهُ الله — في هذا المَعنى حَقيقَةً مُبهِرَةً يَقولُ فيها: "إنَّ النَّفسَ إذا تَجَرَّدَت لله، خَفَّ عليها كُلُّ أَلَم، فالمَصائِبُ تَكسِرُ البَدَن، لكِنَّها إذا صادَفَت قَلبًا حَيًّا مُتَّصِلًا بِربِّه، طارَت الرُّوحُ إلى خالِقِها قَبلَ أن يَتألَّمَ الجَسَد". غزَّةُ اليَومَ هي أُخدودُ العَصر. الظَّالِمُ يَظُنُّ أنَّهُ يَحفِرُ لأهلِ الإيمانِ مَقابِرَ جَماعِيَّة، لَكِنَّهُ في الحَقيقَةِ يَحفِرُ لِنَفسِهِ دَرَكًا في النَّار، ويَزرَعُ لَهُم قُصورًا في الجَنَّة. يا مَعاشِرَ المُصلِّين، إنَّ بَعضَ النَّاسِ قد يَتَسَلَّلُ إلَيهِ اليَأسُ عِندَما يَرى جَبَرُوتَ الصَّهايِنَة وتَكبُّرَهم وعُلوَّهم في الأرض، ويَرى تَخاذُلَ العالَمِ وتَواطُؤَه. لَكِن، إيَّاكُم أن تَظُنُّوا لِلَحظَةٍ أنَّ اللهَ تارِكُهم! يَقولُ القَويُّ المَتين: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. ولَقَد حَسَمَ الرَّسولُ ﷺ هذا المَشهَدَ بِقَولِهِ كما في صَحيح البُخاري: «إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حتَّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. أينَ حُقوقُ الإنسان؟ أينَ العالَمُ المُتَمَدِّن؟ أينَ قَوانينُ الدُّوَل؟ لَقَد احتَرَقَت كُلُّ هَذِهِ المُصطَلَحاتِ الكاذِبَةِ في شَوارِعِ غَزَّة، ولَم يَبقَ لِلمُسلِمينَ إلَّا أن يَعرِفوا أنَّهُ لا عِزَّ لَهُم إلَّا بِهَذا الدِّين، ولا حامِيَ لَهُم بَعدَ اللهِ إلَّا عودَتُهم إلى هُوِيَّتِهم. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. أُمَّةَ الإسلام، نَصِلُ الآنَ إلى السُّؤالِ الأَخطَر، السُّؤالِ الذي سَنَقِفُ جَميعًا للحِسابِ عَلَيهِ يَومَ القِيامَة: ماذا عَنَّا نَحن؟ هَؤُلاءِ قاموا بِواجِبِهم، قَدَّموا الدِّماءَ والأبناء، وصَبَروا المَرارَة... فَماذا قَدَّمنا نَحن؟ هل دِماءُ غَزَّةَ ابتِلاءٌ لَهُم وَحدَهم؟ واللهِ إنَّهُ لابتِلاءٌ لَنا نَحنُ أُمَّةَ المِليارَيْ مُسلم! اسْمَعوا إلى النَّبيِّ ﷺ وهو يَضعُ قاعِدَةَ الجَسَدِ الواحِد الَّتي لا تَحتَمِلُ التَّأويل. يَقولُ الصَّادقُ المَصدوق: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ» [متفق عليه]. ومَعنى "لا يُسلِمُهُ" أي: لا يَترُكُهُ لِعَدُوِّهِ ليَفتِكَ بِه. ويَقولُ في حَديثٍ آخَر: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذا اشْتَكى منه عُضْوٌ تَداعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى». فَهَل تَداعى جَسَدُنا؟ هل سَهِرَت قُلوبُنا؟ كانَ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلام — رَحِمَهُ الله — يَقِفُ أيَّامَ حُروبِ الصَّليبيِّينَ ويَقولُ لِلنَّاس: "وَمِن حَقِّ المُسلِمينَ بَعضِهم عَلى بَعض، أن لا يَهتَنِئوا بِطَعامٍ ولا شَرابٍ، وإخوانُهُم مَقطوعٌ عَنهُمُ الزَّاد، ومُسَلَّطٌ عَلَيهِمُ العَدوّ، فَمَن باتَ شَبعانَ وجارُهُ جائعٌ وهُوَ يَعلَم، فَقَد بَرِئَت مِنهُ ذِمَّةُ الإسْلام". أيُّها المُسلِم، لَئِن كُنتَ لا تَملِكُ السِّلاحَ لِتَدفَعَ عَنهُم، فَهَل فَقَدتَ الدُّعاء؟ وهل عَجَزتَ عنِ الدَّعمِ بِالمال؟ وهل بَخِلتَ بِنَشرِ مَظلَمَتِهم وفَضحِ الظَّالِم؟ هَل استَعظَمتَ أن تُقاطِعَ مَن يَدعَمُ قاتِلَهُم بِمالِك؟ إنَّ العَجزَ الحَقيقيَّ لَيسَ أن تَكونَ بَعيدًا عَن أرْضِ المَعرَكَة، بَلِ العَجزُ أن تَكونَ في مَعرَكَةٍ تَستَطيعُ أن تَضرِبَ فيها بِسَهمٍ، فتَبخَلَ بِه! تَذَكَّروا أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ قادِرٌ عَلى نَصرِهِم، ولَكِنَّهُ يَختَبِرُ مَواقِفَنا. ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾. اللهُمَّ إنَّا نَبرَأُ إلَيكَ مِن حَولِنا وقُوَّتِنا إلى حَولِكَ وقُوَّتِك، ونَستَغفِرُكَ مِن تَقصيرِنا، فاقبَل مَعذِرَتَنا وانصُر إخوانَنا. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، ناصِرُ الحَقِّ ومُبطِلُ الباطل، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَلحَمَةِ الصُّمودِ في غَزَّة، وتَدَبَّرنا سُنَّةَ اللهِ في الابتِلاء، وعَرَفنا كَيفَ يَكونُ صَبرُ المؤمنينَ حُجَّةً عَلى كُلِّ مُتَخاذِل، وكَيفَ أنَّ النَّارَ الَّتي تُحرِقُ الأجسادَ لا تَستَطيعُ أن تَخدِشَ الإيمانَ في القُلوب. والآن، ونَحنُ نُغادِرُ هَذا المَكان، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الذي سيُحَدِّدُ حَقيقَةَ تَفاعُلِنا: كيفَ نُتَرجِمُ هذهِ المَشاعِرَ إلى مَواقِف؟ أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم، خَمسٍ تَبَرؤُونَ بِها أَمامَ الله: الأولى (قَلبيَّة): اليَقينُ التَّامُّ بِوَعدِ الله، إيَّاكُم واليَأسَ! إيَّاكُم أن تَهزِمَكُمُ المَشاهِدُ القاسِيَةُ فَتَظُنُّوا أنَّ الباطِلَ قَدِ انتَصَر. النَّصرُ قادِمٌ، وهَذا الجِيلُ سَيَرى عَجائِبَ قُدرَةِ اللهِ في الظَّالِمين، فاجعَلُوا قُلوبَكُم مُطمَئِنَّةً بِأنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقين. الثانية (لِسانيَّة): قُنوتُ النَّوازِلِ والإلحاحُ في الدُّعاء. اجعَلوا في صَلَواتِكُم دَعوَةً لا تَنقَطِعُ لأهلِ غَزَّة. دَعوَةٌ في ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِر قد تَرُدُّ صاروخًا أو تُطعِمُ جائِعًا وأنتُم لا تَشعُرون. الثالثة (عَمَليَّة): المُقاطَعَةُ الجادَّةُ والبَذلُ المالي. المُقاطَعَةُ لِكُلِّ مَن يَدعَمُ أعداءَ اللهِ لَيست قَرارًا عابِرًا، بَل هِيَ أقَلُّ دَرَجاتِ إنكارِ المُنكَر. والمُساهَمَةُ بِالمالِ لإغاثَتِهم عَن طَريقِ المَنافِذِ المَوثوقَةِ جِهادٌ بِالمالِ لا عُذرَ لِقادِرٍ في تَركِه. الرابعة (اجتماعيَّة): رَبُّوا أبناءَكُم على هَذِهِ القَضيَّة. احكُوا لَهُم عَن المَسجِدِ الأقصى، وعَن غَزَّة، وعَن أبطالِها. ازرَعوا في الجِيلِ الجَديدِ أنَّ فِلَسطينَ لَيست قَطِيعَةَ أرضٍ نَتَنازَعُ عَلَيها، بَل هي آيَةٌ في كِتابِ الله، وعَقيدَةٌ في قَلبِ كُلِّ مُسلِم. الخامسة (موضوعيَّة): تَوبَةٌ صادِقَة. نَعَم، ذُنوبُنا نَحنُ تُؤَخِّرُ النَّصرَ عَنهُم. كُلَّما ابتَعَدنا عَنِ اللهِ في بيوتِنا وأسواقِنا، كُلَّما طالَ البَلاءُ عَلى الأُمَّة. تَوبَتُكَ اليومَ وَصَلاتُكَ وعَودَتُكَ إلى اللهِ، هي جُزءٌ مِنَ المَعرَكَةِ لاستِعجالِ رَحمَةِ الله. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ أُمَّتَكُم جَسَدٌ واحِد، وأنَّكُم مَسؤولونَ عَنهُ يَومَ العَرضِ الأكبَر. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّد، كَما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. اللَّهُمَّ يا ناصِرَ المُستَضعَفين، يا قاصِمَ الجَبابِرَةِ والمُتَكَبِّرين، اللَّهُمَّ إنَّ لَنا إخوانًا في غَزَّةَ قَد مَسَّهُمُ الضُّرُّ وأنتَ أرحَمُ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ إنَّهُم حُفاةٌ فاحمِلهم، وعُراةٌ فاكسُهُم، وجِياعٌ فأشبِعهُم، ومَظلومونَ فانتَصِر لَهُم! اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِ أُمَّهاتِ الشُّهداء، وامسَح عَلى رُؤوسِ الأيتام، واشفِ صُدورَ قَومٍ مُؤمِنين. اللَّهُمَّ إنَّ الدِّماءَ قَد سالَت، والأشلاءَ قَد تَمَزَّقَت، ولا مُشتَكى إلَّا إلَيك، ولا ناصِرَ إلَّا أنت. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِالصَّهاينَةِ الغاصِبينَ المُعتَدين. اللَّهُمَّ شَتِّت شَملَهُم، وفَرِّق جَمعَهُم، وأَرِنا فيهِم عَجائِبَ قُدرَتِك. اللَّهُمَّ لا تَرفَع لَهُم رايَة، ولا تُحَقِّق لَهُم غايَة، واجعَلهُم لِمَن خَلفَهُم آيَة. اللَّهُمَّ أيقِظ قُلوبَ هَذِهِ الأُمَّة، ورُدَّنا إلى دِينِكَ رَدًّا جَميلًا، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. 🌿 هنا يَنتهي القَلَمُ، وهنا تَبدأ مَسؤوليَّتُك أيُّها الخطيب. هذا نَصٌّ صاغَه نموذجٌ آليٌّ، والآلةُ تُحسِن وتُسيء. فلا تَأمَن لها إلَّا بعد تَحَقُّق — راجِع آياتها وأحاديثَها من مَصادرها، وامزُجها بقَلبِك وتَجربَتك، فالمِنبرُ ميزانٌ يومَ الحساب. وإن أرَدتَ صَقلَ هذه الخُطبة فحَدِّد طَلَبَك بدقَّة، تَنَل ما يُلائم منبَرَك.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.