من مكتبة مِداد الخطيب

غزَّةُ.. الجُرحُ المَنسِيُّ والنَّصرُ الآتِي

مشاركة
🕌 غزَّةُ.. الجُرحُ المَنسِيُّ والنَّصرُ الآتِي #خطبة_جمعة #غزة #فلسطين #نصرة_المستضعفين #الأخوة_الإسلامية #نوازل الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الابتلاءَ تَمحيصًا للقُلوب، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَسمَعُ أنينَ المُستَضعَفينَ ويَرى مَكانَهم، ويُملي للظَّالمينَ حتى إذا أخَذَهم لم يُفلِتهُم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرينَ وقائدُ المُجاهِدينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَخَيَّلوا جُرحًا يَنزِفُ في جَسَدِ إنسانٍ لأكثرَ من عام، يَنزِفُ دَمًا حارًّا بلا تَوَقُّف. في الأيَّامِ الأُولى، كانَ النَّاسُ يَلتَفُّونَ حَولَهُ، يَبكونَ لِبُكائِه، ويَصرُخونَ لِوَجَعِه. لكن، مع مُرورِ الشُّهور، اعتادَ المارَّةُ على رُؤيَةِ الدَّم! صاروا يَمُرُّونَ بجِوارِ الجَريحِ ويَتَحَدَّثونَ في أُمورٍ أُخرى، وكأنَّ الجُرحَ لم يَعُد مَوجودًا، فقَط لأنَّه لم يَعُد "خَبَرًا جَديدًا"! هذا الجُرحُ — يا عِبادَ الله — ليسَ مَجازًا خَياليًّا، بل هو قِطعَةٌ مِنَّا.. هذا الجُرحُ هو غزَّة. فهل ماتَت أعصابُ أُمَّتِنا حتى أَلِفنا المَشهَد؟ الجوابُ بَعدَ قَليل. أيُّها الإخوَةُ الأَحِبَّة، إنَّ الحَديثَ اليومَ ليسَ حَديثَ تَرَفٍ فِكريٍّ، ولا تَحليلًا سياسيًّا بارِدًا. بل هو حَديثٌ عَن دَمٍ يُسفَك، وعَن عَقيدَةٍ تُمتَحَن، وعَن وُقوفٍ بَينَ يَدَيِ اللهِ غَدًا سَنُسأَلُ فيهِ عَن كُلِّ قَطرَةِ دَمٍ خَذَلناها. يَقولُ اللهُ تبارَكَ وتَعالى، في آيَةٍ تَهُزُّ وِجدانَ كُلِّ مَن في قَلبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمان: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [سورة النساء: 75]. تَأمَّلوا هَذا العِتابَ الرَّبَّانيَّ العَظيم: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾؟ ماذا أصابَكُم؟ أينَ نَخوَتُكُم؟ أينَ إيمانُكُم ومُستَضعَفوكُم يُذبَحون؟ إخوَتي في الله، لقد تَحَوَّلَت بُوصلَةُ الأَخبارِ في الأيَّامِ الأخيرَةِ، وانشَغَلَ العالَمُ والإعلامُ بِصِراعاتِ الدُّوَلِ الكُبرى، وبِالتَّهْديداتِ الإقليميَّةِ المَكشوفَة، وتَراجَعَ ذِكرُ المَطحونينَ في الخِيام. لكنَّ طائِراتِ المَوتِ لم تَتَوَقَّف عَن قَصفِ أجسادِ الأَطفال! في هَذِهِ اللَّحظَةِ التي تَجلِسونَ فيها آمنينَ مُطمَئِنِّينَ في مَساجِدِكُم، هُناكَ عَائِلاتٌ في غَزَّة تُهَجَّرُ للمَرَّةِ العِشرين! يَنزِحونَ مِن رُكامٍ إلى رُكام، ومِن خَيمَةٍ مُمَزَّقَةٍ إلى شِبرِ رَملٍ لا يَقيهِم بَردًا ولا يَحجُبُ عَنهُم حِمَمًا. يَحمِلُ الأَبُ أشلاءَ طِفلِهِ في كيسٍ بلاسْتيكيّ، وتَصرُخُ الأُمُّ بَينَ الأنقاضِ يائِسَةً، وقَد ظَنُّوا — لِشِدَّةِ الخِذلان — أنَّ أمَّةَ المِليارَي مُسلِمٍ قَد مُسِحَت مِن خَريطَةِ الوُجود! فوا عَجَبًا لأُمَّةٍ تَقرَأُ صَباحَ مَساءَ قَولَ نَبيِّها ﷺ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذَا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» (متفق عليه). أسأَلُكُم بِالله: إذا كانَ العُضوُ يُقطَعُ ويُحرَقُ ويُداسُ، والجَسَدُ لا يَشعُر، ولا يَسهَر، ولا يُحَمَّى.. فما التَّشخيصُ الطِّبِّيُّ لِهَذا الجَسَد؟ إنَّهُ الشَّلَل! إنَّهُ مَوتُ الأَعصاب! وهَذِهِ هي المُصيبَةُ الكُبرى، أن نَعتادَ المَشهَد، فَتَصبِحَ صُوَرُ الأَشلاءِ مُجَرَّدَ "مَنشورٍ" نُمَرِّرُهُ بِإصبَعِنا عَلى شاشَةِ الهاتِفِ دُونَ أن تَطرِفَ لَنا عَين! قَالَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "استَوينَا في العافيَة، فإذا نَزَلَ البَلاءُ بانَ الصَّادِقُ مِنَ الكاذِب". وهَذا البَلاءُ الذي نَزَلَ بِإخوانِنا هو كاشِفَةٌ لَنا نَحنُ، قَبلَ أن يَكونَ ابتِلاءً لَهُم. هُم يَدفَعونَ ضَريبَةَ الدِّفاعِ عَن شَرَفِ هَذِهِ الأُمَّة، وعَن مَسرى نَبيِّها ﷺ، وأمَّا نَحنُ فَنُمتَحَنُ في قُلوبِنا ووَقْفَتِنا. ولَعَلَّ قائِلًا يَقول، وقَد ضاقَ صَدرُهُ وطالَ عَليهِ الأَمَد: أينَ نَصرُ الله؟ لِماذا يَترُكُ اللهُ هَؤُلاءِ المُؤمِنينَ المُستَضعَفينَ لِهَذا العَذابِ الطَّويل، وَيُملي لِهَذا العَدُوِّ المُتَغَطرِسِ المُجرِم؟ يا عِبادَ الله، هذا السُّؤالُ قَد سَأَلَهُ مَن هُم خَيرٌ مِنَّا، سَأَلَهُ الصَّحابَةُ والنَّبيُّ ﷺ بَينَ أظهُرِهِم! يقولُ سُبحانَه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ
أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة: 214]. تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ اللَّفظَةَ القُرآنيَّةَ المُزَلزِلَة: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾! زِلزالٌ في النُّفوس، وفي المُعتَقَدات، وفي المَخاوِف. لَيسَت مَسألَةً هَيِّنَة. عِندَما طالَ الحِصارُ في غَزوَةِ الأَحزاب، وبَلَغَتِ القُلوبُ الحَناجِر، وظَنَّ المُنافِقونَ أنَّ الإِسلامَ قَدِ انتَهى، ماذا قالَ اللهُ عَنِ المُؤمِنينَ الصَّادِقين؟ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 22]. يُقَرِّرُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ قاعِدَةً عَظيمَةً فيقول: "وَمِن سُنَّةِ اللهِ أنَّهُ إذا أرادَ أن يُظهِرَ دِينَهُ، أقامَ لَهُ مَن يُعارِضُهُ، فَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ ويُبطِلُ الباطِل". فيا أَهلَ غَزَّة، يا مَن تَنامونَ عَلى الجوعِ وتَستَيقِظونَ عَلى القَصف: نُشهِدُ اللهَ أنَّكُم حُجَّةٌ عَلَينا. طوبى لَكُم، فَقَد اصطَفاكُمُ اللهُ لِهَذا الثَّغْر. إنَّكُم لا تُواجِهونَ الصَّهايِنَةَ وَحدَهُم، بَل تُواجِهونَ نِفاقَ العالَمِ وتَواطُؤَهُ وكِبرَهُ المُجرِم. واسمَعوا هَذا الحَديثَ العَظيمَ الذي كَأنَّ النَّبيَّ ﷺ يَنطِقُ بِهِ في وَصفِكُمُ اليَوم! قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ، إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (رواه أحمد). تَأمَّلوا الوَصفَ النَّبَويَّ الدَّقيق: «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ». وهَل هُناكَ خِذلانٌ أشَدُّ مِمَّا نَراهُ اليَوم؟ صَمْتٌ رَسميٌّ، وشَلَلٌ شَعبيٌّ، وخِذلانٌ أُمَميٌّ. لَكِنَّ النَّبيَّ ﷺ بَشَّرَهُم أنَّ هذا الخِذلانَ "لَا يَضُرُّهُم" في مَعارِجِ القَبولِ عِندَ الله، وإن مَسَّهُمُ اللَّأواءُ والأَلَم. إخوَتي الأَحِبَّة، هُناكَ مُغالَطَةٌ قَد يَقَعُ فيها بَعضُ النَّاس؛ حَيثُ يَظُنُّونَ أنَّ صُورَةَ النَّصرِ الوَحيدَةِ هي التَّمكينُ المادِّيُّ الفَوريّ. ويَنسَونَ أنَّ الثَّباتَ عَلى المَبدَأِ نَصر. وأنَّ إفشالَ مُخَطَّطاتِ التَّهجيرِ نَصر. وأنَّ صُلوحَ هَذِهِ الأَجيالِ لتَكونَ شُهَداءَ عِندَ اللهِ نَصرٌ أعظَم. أَلَم يَقرَأوا سُورَةَ البُروج؟ ماذا حَلَّ بِأَصحابِ الأُخدود؟ لقد حُرِّقوا جَميعًا في النَّار ولم يَنجُ مِنهُم أحَد! فَهَل هُزِموا؟ يَقولُ اللهُ تَعالى بَعدَ ذِكرِ مُصيبَتِهِم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [سورة البروج: 11]. سَمَّاهُ اللهُ فَوزًا كَبيرًا لأنَّ العِبرَةَ بِالخَواتيمِ عِندَ المَلِكِ الحَقّ. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "لَولا مِحَنُ الدُّنيا ومَصائِبُها لَأصابَ العَبدَ مِن أَدواءِ الكِبرِ والعُجبِ والفَرعَنَةِ ما هو هَلاكُهُ عاجِلًا وآجِلًا، فَمِن رَحمَةِ أرحَمِ الرَّاحِمينَ أن يَتَفَقَّدَهُ في الأحيانِ بِأنواعٍ مِن أَدويَةِ المَصائِبِ لتَكونَ حِميَةً لَه مِن هَذِهِ الأَدواء". فهذا البَلاءُ، رُغمَ مَرارَتِه، يُصَفِّي الأُمَّة، ويَفرِزُ الصُّفوف، ويَفْضَحُ المُنافِقين، ويَرفَعُ الشُّهَداء. وَيا أَيُّهَا المُجرِمونَ الصَّهايِنَة، ومَن سانَدَكُم، ومَن أمَدَّكُم بِالسِّلاحِ والمَال.. لا تَغتَرُّوا بِصَمتِ المَآذِن، ولا بِتَفَرُّقِ الكَلِمَة اليَوم. اسْمَعوا كَلامَ المَلِكِ الجَبَّارِ الذي تَغفُلونَ عَنه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [سورة إبراهيم: 42]. كُلُّ قَطرَةِ دَمِ طِفلٍ، كُلُّ دَمعَةِ أُمٍّ، كُلُّ خَيمَةٍ احْتَرَقَت، مُسَجَّلَةٌ في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنسى. عبادَ الله، إنَّنا نَشهَدُ أَيَّامًا فاصِلَةً مِن عُمُرِ الدُّنيا. فلا تَكونوا مِنَ الغافِلين، ولا مِنَ المُتَفَرِّجينَ الذينَ يَجلِسونَ عَلى مَقاعِدِ المُتَفَرِّجينَ في مَعرَكَةِ الأُمَّةِ المَصيريَّة. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله،
تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن جُرحِ غَزَّةَ الذي كادَ أن يُنسى في زِحامِ الأَحداث، ووَقَفنا مَعَ حَقيقَةِ أنَّ النَّصرَ ليسَ فَقَط زَوالَ الطَّائرات، بَلِ الثَّباتَ عَلى الحَقِّ وَسَطَ المِحَن، وعَرَفنا أنَّ اللهَ لا يَغفَلُ عَن ظُلمِ الظَّالمين، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بَشَّرَ هَؤُلاءِ بِالثَّباتِ وأنَّ الخِذلانَ لا يَضُرُّهُم. والآن، السُّؤالُ الأَهَمُّ الذي سيُسأَلُ عَنهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا قَبلَ أن يَتَحَرَّكَ مِن مَكانِه: ماذا أصنَعُ أنا؟ وكيفَ أتَرجِمُ هَذا الشُّعورَ إلى عَمَل؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مَنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا في قُلوبِكُم قَضيَّةَ الولاءِ والبَراء، وإيَّاكُم ثُمَّ إيَّاكُم أن "تَعتادوا" المَشهَد. الاعتيادُ خِيانَة! إذا رَأَيتَ صُورَةً لِدِماءِ إخوانِكَ فَدَمَعَت عَينُكَ، فاحمَدِ اللهَ أنَّ في قَلبِكَ حَياة. قالَ ﷺ: «المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُهُ ولا يُسلِمُه» (متفق عليه). ولا تُسْلِمْ أخاكَ لِلنِّسيان. الثانية (لِسانيَّة وإعلاميَّة): لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحَديثِ عَنهُم والنَّشرِ لِقَضيَّتِهِم. الكَلِمَةُ سِلاح، وفَضْحُ ظُلمِ الصَّهايِنَةِ جِهادٌ بِالبَيان. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» (رواه أبو داود). لِسانُكَ ومِنَصَّتُكَ وحِسابُكَ أمانَة، فَلا تَصمُت. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): المُقاطَعَةُ الاقتِصاديَّةُ لِمَن يَدعَمُ هَذا الكِيانَ المُجرِم، والتَّبَرُّعُ السَّخيُّ لِلمُحاصَرينَ عَبْرَ الجِهاتِ المَوثوقَة. اقتَطِع مِن مالِكَ اليَوم، فَإنَّ الدِّرهَمَ يَقَعُ في يَدِ اللهِ قَبلَ أن يَقَعَ في يَدِ المِسكين. الرابعة (اجتماعيَّة وتَربَويَّة): عَلِّموا أبناءَكُم في البُيوتِ قِصَّةَ فِلَسطين. أرووا لَهُم أينَ المَسجِدُ الأَقصى، ولِماذا هو مُقَدَّس؟ أخبروهم أنَّ لَنا إخوَةً هُناك يَدفعونَ دِماءَهُم ثَمَنًا لعَزة الدِّين. الجيلُ الذي لا يَنسى، هو الجيلُ الذي سَيُحَرِّر. الخامسة (موضوعيَّة حاسِمَة): الدُّعاءُ الصَّادِق. لا تَكُن أبخَلَ النَّاسِ فَتَبخَلَ بِدَعوَةٍ في سُجودِك، أو في جَوفِ اللَّيل، أو يَومَ الجُمُعَة. سِهامُ اللَّيلِ لا تُخطِئ. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكُم عَلى نُصرَةِ المَظلوم، والوُقوفِ مَعَ الحَقِّ مَهما كَلَّفَ الثَّمَن. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ يا سَامِعَ السِّرِّ والنَّجوى، يا كاشِفَ الضُّرِّ والبَلوى، يا مُنجِيَ المُؤمِنين، ويا مُهلِكَ الظَّالمين. اللَّهُمَّ كُن لِإخوانِنا المُستَضعَفينَ في غَزَّة، اللَّهُمَّ إنَّهُم حُفاةٌ فاحمِلهم، وعُراةٌ فاكسُهُم، وجِياعٌ فأشبِعهُم، وخائِفونَ فآمنِ رَوعاتِهِم. اللَّهُمَّ أنزِل عَليِهِم مِن صَبْرِك سِربالًا، ومِن يَطُمَأنينَتِكَ غِطاءً، واجعَل نارَ العَدُوِّ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيهِم كَما جَعَلتَها بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبراهيم. اللَّهُمَّ إنَّهُم قَد خُذِلوا مِن قِبَلِ العالَم، وأنتَ حَسبُهُم ونِعمَ الوَكيل، فانصُرهُم بِنَصرِك، وأيِّدهُم بِجُندٍ مِن عِندِك. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِالصَّهايِنَةِ المُعتَدين، ومَن عاوَنَهُم، ومَن مَدَّهُم بالسِّلاحِ والمَال، اللَّهُمَّ أحصِهِم عَدَدًا، واقتُلهُم بَدَدًا، ولا تُغادِر مِنهُم أحَدًا، اللَّهُمَّ أنزِل بِهِم بَأسَكَ الذي لا يُرَدُّ عَنِ القَومِ المُجرِمين. اللَّهُمَّ أيقِظ قُلوبَ هَذِهِ الأُمَّة، واجعَلنا مِمَّن يَنصُرُ دِينَكَ ويَقِفُ مَعَ أوليائِك، ولا تُؤاخِذنا بِتَقصيرِنا وضَعفِنا يا أرحَمَ الرَّاحِمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.