🕌 معاناة أهلنا في غزة.. ودماء الأحرار التي توقظ الأمة
#خطبة_جمعة #غزة #الجهاد #فلسطين #نصرة_المظلوم #الشهادة #الأقصى
الحمدُ لله.. الحمدُ لله القويِّ القهَّار، الجبَّارِ المتكبِّر، قاصمِ الجبابرة، ومُهلِكِ الأكاسرة، مُذِلِّ الطُّغاة، ورافِعِ شأن الحُفاة العُراة من أهل الإيمان واليقين. الحمدُ لله الذي جَعَلَ العِزَّةَ لله ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يَعلَمون، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، إلهٌ نَصَرَ عبدَه، وأعَزَّ جُندَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه، يُمهِلُ الظالمين حتى إذا أخَذَهم لم يُفلِتهم، ويَبتَلي المؤمنين لِيَتَّخِذَ منهم شُهداء. وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المجاهدين، وقائدُ الغُرِّ المُحَجَّلين، الذي بُعِثَ بالسيف بين يَدَي الساعة حتى يُعبَدَ اللهُ وحدَه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه، ومَن سارَ على دَربه واستَنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد:
يا أمةَ محمد! يا أمةَ القرآن! يا أحبابَ المصطفى ﷺ!
إننا نَعيشُ اليومَ في زمانٍ تَبكي فيه الحجارةُ من هَول المأساة، وتَتَفطَّرُ فيه السماواتُ من صَمت البشر. إننا نَعيشُ في زمنٍ قَلَّ فيه الرِّجال، وكَثُرَ فيه أشباهُ الرِّجال! اليومَ، لن أتحدَّثَ إليكم بكلامٍ باردٍ نَمطي، بل بكلماتٍ مَمزوجةٍ بالدَّم والدُّموع، بكلماتٍ تَصعَدُ من تحت أنقاض غَزَّة العِزَّة، ومن بين جبالِ نابلسَ الشَّامخة. اليومَ، سأروي لكم قصَّةَ شيخٍ بسيط، بطلٍ حقيقي، عَلَّمَ الدنيا كيفَ يَموتُ الرِّجال، وكيف تُداسُ رِقابُ الغاصبين. من هو؟ وكيف أعادَ لنا سيرةَ صلاح الدين في عصر الخذلان؟ الجوابُ بعد قليل، لمَن كان له قَلبٌ أو ألقى السَّمعَ وهو شهيد!
أيها الموحِّدون.. يا حُماةَ العقيدة:
اسمعوني ووحدوا الله! إنَّ العَينَ لتَدمَع، وإنَّ القَلبَ ليَحزَن، وإنَّا لِما يَجري لأهلنا في غَزَّة لَمحزونون ومَكلومون! غَزَّةُ تُباد! غَزَّةُ تُطحَن! أطفالٌ تُمَزَّقُ أجسادُهم، ونساءٌ تُرَمَّل، وشيوخٌ تُهدَمُ فوق رُؤوسهمُ البيوت، ومساجدُ تُسوَّى بالأرض، ومستشفياتٌ تُحاصَر وتُحرَق. أربعون ألف شهيد أو يزيدون، ومئات الآلاف من الجرحى والمشرَّدين، والأمةُ الملياريةُ الكبيرةُ تَنظرُ عبر الشاشات وتَعُدُّ الشهداءَ كما تَعُدُّ الأرقام!
يا ويحَ قلبي! أين نحن من كلام ربِّ العالمين القائل في مُحكَم التنزيل: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. تأملوا يا عباد الله! اللهُ يَستنكِرُ قعودَنا! اللهُ يَسألنا من فوق سبع سماوات: ما لكم لا تنصرون إخوانكم؟ ما الذي أقعَدَكم؟ هل رَكَنتم إلى الدنيا؟ هل خِفتم الموت؟ أم خِفتم على مناصبكم وأموالكم؟ واسمعوا لهذا الحديث العظيم الذي يَخلع القلوب من مَكانها، يقول الصادق المصدوق ﷺ: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ...» (رواه أبو داود). فكيف بمن يَخذُل شعباً كاملاً يُباد على مرأى ومَسمع من العالم أجمع؟!
يا أحفاد خالد وصلاح الدين.. يا أمَّةَ اقرأ:
لقد كَشَفَت غَزَّةُ سَوءةَ العالَم المُنافِق، العالَم الذي يَتغنَّى بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان، ولكنه عَميٌ وأصَمٌّ أمام دماء المسلمين. لقد عَلَّمتنا غزة أنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدة، وأنَّ اليهودَ والصهاينةَ هم أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا، كما أخبرنا ربنا الجليل مُنذ أربعة عشر قرناً: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82]. لا تَنتظروا عدلاً من مَجلسِ أمن، ولا مِن أُممٍ متحدة، فإنهم لا يَعرفون إلا لغةَ القوة، ولا يَحترمون إلا مَن يَحمل السلاح ويُدافع عن حقِّه وعِرضِه.
ولكن... وسط هذا الرُّكام، ووسط هذا الظلام الدامس، ووسط هذا الخذلان من أشباه الرجال الذين يَتراقصون على دماء الشُّهداء ويُطبِّعون مع القَتَلة... يَخرجُ لنا من رَحِمِ الأرض المباركة رجالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ! يخرج لنا أبطالٌ يُعيدون للأمة كرامتها المَهدورة، ويُذكِّروننا بأنَّ في هذه الأمةِ دماءً حيةً تَأبى الضيمَ وترفض الانكسار!
دعوني أقصُّ عليكم قصةً حدثت بالأمس القريب، قصةً ترفع الرأس وتُدمع العين فخراً. إنها قصةُ شيخنا المُشتبك، البطل، الأسد الهصور.. "فاروق رمضان". هل سمعتم باسمه؟ إن لم تسمعوا فاستمعوا اليوم، واكتبوا اسمه في صحائف المجد!
الشيخ فاروق رمضان، يا عباد الله، ليس قائداً عسكرياً يتخفى في الخنادق، وليس مسؤولاً سياسياً، بل هو فلاحٌ بسيط! نعم، فلاحٌ مسلم من قرية "تِل" في محافظة نابلس، لا ينتمي لتنظيماتٍ، ولا يختبئ خلف أحزاب. فلاحٌ يذود عن بيته وعن أرضه وعن أشجار زيتونه وبيوت جيرانه، بما كفلته شرائع السماء، قبل أن تكفله قوانين الأرض الكاذبة.
في يومٍ من الأيام، وفي عزِّ النهار، هجم عليه في أرضه قطيعٌ من خنازير المستوطنين المدججين بالسلاح والمدعومين بجيش الاحتلال، هجموا عليه بقصد ترويعه وقتله وسرقة أرضه! ماذا فعل الشيخ فاروق؟ هل صرخ مناشداً الأمم المتحدة؟ هل رفع يديه مستسلماً؟ هل هرب ليحمي حياته تاركاً أرضه للغاصبين؟
لا والله! وألف لا! هنا مدرسة محمد ﷺ! هنا مصنع الرجال! لم يكن الشيخ يملك سلاحاً نارياً في أرضه، بل كان يملك سلاحاً أعتى وأقوى.. كان يملك "لا إله إلا الله"! كان يملك اليقين بأن الموت في سبيل العرض والأرض شهادة! انقضّ الشيخ الأعزل، الفلاح البسيط، كالأسد الجائع على المعتدي الغاصب، وفي مشهدٍ يحبس الأنفاس، اشتبك معهم بالأيدي، وهاجم "رئيس قسم الأمن في مستوطنة حفات غلعاد" - المستوطنة المقامة غصباً على أرضه - وجرّده من سلاحه الرشاش، وانتزع السلاح منه انتزاعاً، وقتله بسلاحه! أرداه قتيلاً جزاءً وفاقاً لعدوانه وظلمه، ثم اشتبك مع البقية حتى ارتقى بعدها شهيداً إلى رب العالمين! 💔🇵🇸
الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! كبّروا يا مسلمون! هؤلاء هم أبطالنا! هؤلاء هم أحفاد خالد وأبي عبيدة وصلاح الدين! هؤلاء من يمسحون عار الأمة!
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمن ليفاجئه الموت وهو في طاعة، فيلقى الله على أحسن حال". وأي حال أحسن من أن تلقى الله مدافعاً عن بيتك وأرضك ضد أعداء الله؟ وقد سُئل رسول الله ﷺ: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (رواه مسلم).
الشيخ فاروق، يا عباد الله، مارس حقه المشروع في الدفاع عن النفس وفق شرع الله أولاً، ووفق قواعد الاشتباك والقوانين الدولية ثانياً! إن الشيخ فاروق ليس إرهابياً كما يزعم إعلام الغرب الكاذب، بل الإرهابي هو الذي يسرق الأرض، ويحرق الزرع، ويقتل الطفل، ويدنس المقدسات! الشيخ فاروق هو ابن الأرض وأحد سدنتها وحراسها؛ هاجمه مستوطنون غرباء استولوا على أرضه وأراضي بلدة "تل" بالقوة، وهو ما تجرّمه كل قرارات الأرض، فكيف بقرارات السماء؟!
ولله در القائل حين سطر بدموعه هذه الأبيات في رثاء بطلنا الشهيد، فاسمعوها بقلوبكم قبل آذانكم:
أرفع لرأسك فأنت مسلمٌ يعربي
الذلُّ والخذلانُ لأشباهِ الرجالِ
فاروقُ حرٌّ وقالَ صهيونُ يَهبي
موتُ الكرامةِ خيرٌ من موتِ البغالِ!
نعم والله! موت الكرامة، وأنت مقبل غير مدبر، وأنت تدافع عن عرضك وأرضك، خير من موت الجبناء وأشباه الرجال الذين رضوا بالذل والهوان! الله يتقبلك يا شيخ فاروق في عليين، ويصبّر أهلك، ويجعل دمك الطاهر لعنة على المحتلين وناراً تحرق المتخاذلين!
أيها الإخوة الكرام.. إن ما يجري في غزة وما يسطره أبطال الضفة كنابلس وجنين وطولكرم، ليس مجرد أحداث إخبارية نمر عليها مرور الكرام! إنها "الفرقان"! إنها المحنة التي تميز الخبيث من الطيب! يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].
قرر الإمام ابن القيم في زاد المعاد أن من أعظم حكم الابتلاء إظهار صدق الصادقين وكذب المنافقين. واليوم، نرى بأعيننا طائفة مؤمنة، قليلة العدد والعُدة، محاصرة مجوعة، تكالبت عليها أمم الكفر كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ومع ذلك يقفون كالجبال الرواسي! دُمرت بيوتهم، فجلسوا فوق الركام يقرؤون القرآن! قُتل أطفالهم، فرفعوا أيديهم للسماء وقالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل"! أليس هذا مصداقاً لحديث النبي ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (رواه أحمد).
يا أمة الإسلام.. أيعقل أن يقدم هؤلاء المستضعفون دماءهم وأبناءهم رخيصة في سبيل الله، ونحن نبخل عليهم حتى بالمقاطعة؟ كيف نرضى أن نشرب ونأكل من منتجات تدعم آلة القتل الصهيونية؟ كيف يهنأ لنا عيش ونساء غزة يصرخن في جوف الليل ولا يجدن مستشفى يؤويهن؟ إن كنت تحب الله ورسوله، فلماذا تسكت؟ وإن كنت تخاف من بطش البشر، فكيف لا تخاف من غضب الجبار يوم القيامة حين تسأل عن خذلانك لإخوانك؟!
تأملوا معي هذا المشهد في غزوة أحد.. لما أُشيع أن النبي ﷺ قد قُتل، ألقى بعض المسلمين السلاح من هول الصدمة واليأس. فمر بهم الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتل رسول الله! فصرخ فيهم بكلمة تُكتب بماء الذهب: "وماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ!". ثم انطلق كالسهم نحو العدو، وهو يقول لسعد بن معاذ: "يا سعد! واهاً لريح الجنة! إني لأجد ريح الجنة دون أحد!". فقاتل حتى قُتل، وُجد في جسده بضع وثمانون ضربة بسيف ورمح وسهم، وما عرفته إلا أخته ببنانه!
هذا هو الإيمان! وهذا هو اليقين الذي يحمله أهل غزة اليوم، ويحمله الشيخ فاروق! يشمون ريح الجنة من تحت الركام، ومن بين أزقة نابلس! فما عذرنا نحن؟ ما عذر الشباب الذين يبكون على مباريات كرة القدم ومقاطع التافهين، بينما شباب فلسطين يسطرون ملاحم البطولة بدمائهم؟
استيقظوا يا مسلمون! عودوا إلى دينكم! توبوا إلى ربكم! فإن نصر الله آتٍ لا محالة، ولكن السؤال: أين موقعك أنت من هذا النصر؟ هل ستكون في صف الممهدين له، أم في صف المتفرجين المتخاذلين؟ ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38].
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلاماً على عبدِه الذي اصطفى، وعلى آلهِ وصحبِهِ ومن بهديِهِ اهتدى واقتفى. أمَّا بعدُ:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن جراح غزة النازفة التي فضحت نفاق العالم، ووقفنا وقفة إجلال وإكبار مع بطولة الشيخ الفلاح فاروق رمضان الذي علّم الدنيا كيف يكون الدفاع عن العرض والأرض، وعلمنا أن الأمة تمر بمخاض عسير ليميز الله الخبيث من الطيب، وأن موت الكرامة خير من حياة الذل. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم: ماذا نصنع نحن؟ هل نكتفي بالبكاء والتأثر ثم نعود إلى بيوتنا وكأن شيئاً لم يكن؟
وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر نيةً صادقةً ويقيناً لا يتزعزع بأن نصر الله قادم، وأن هذا الكيان الصهيوني الغاصب إلى زوال. يقول النبي ﷺ: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالدِّينِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ». لا تيأسوا مهما طالت المحنة، فإن مع العسر يسراً.
الثانية (لِسانيَّة): لا تسكتوا عن نصرة إخوانكم! اجعلوا ألسنتكم تلهج بالدعاء لهم في كل سجدة وفي جوف الليل. وتحدثوا عن قضيتهم في كل مجلس. افضحوا جرائم المحتل. من لم يستطع الجهاد بيده، فليجاهد بلسانه وكلمته، فإن الكلمة الطيبة الصادقة رصاصة في صدر الباطل. لا تقل: "ماذا سيفعل صوتي؟" صوتك مع أصوات الملايين يصنع طوفاناً!
الثالثة (عَمَليَّة): المقاطعة الاقتصادية نصرةً لغزة ولدماء الشهداء. قاطعوا كل منتج يدعم هذا الكيان المجرم. والله إنه لعار على مسلم أن يدفع درهماً أو ديناراً يتحول إلى رصاصة تقتل طفلاً مسلماً! تبرعوا من أموالكم لإغاثة إخوانكم المحاصرين الجياع، فإن النبي ﷺ يقول: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» (متفق عليه).
الرابعة (اجتماعيَّة): ربُّوا أولادكم وأطفالكم على حب المسجد الأقصى! علموهُم أسماء مدن فلسطين وقراها! احكوا لهم قصة الشيخ فاروق رمضان، وقصة أبي عبيدة، وقصص أطفال غزة الذين يقرؤون القرآن تحت القصف! لا تتركوهم فريسة للتفاهات والشاشات. الأسرة التي تربي أبناءها على هذه المعاني هي التي ستنجب جيل التحرير القادم.
الخامسة (موضوعيَّة): استعدوا وكونوا رجالاً لا أشباه رجال! أصلحوا أنفسكم، واتركوا المعاصي، وحافظوا على صلاة الفجر في جماعة. إن الجيل الذي سيحرر الأقصى لا ينام عن صلاة الفجر، ولا يضيع وقته في الملهيات. عودوا إلى الله عودة صادقة، فإن الذنوب تؤخر النصر.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على نصرة إخوانكم والاستجابة لأمر ربكم.
ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقول ربكم جل جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم يا منزل الكتاب، ويا مجري السحاب، ويا هازم الأحزاب، اهزم الصهاينة المعتدين وزلزلهم!
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في غزة وفي فلسطين وفي كل مكان.
اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، وتقبل شهدائهم، وداوِ جرحاهم، واشفِ مرضاهم، وأطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، واجبر كسرهم يا أرحم الراحمين!
اللهم ارحم الشيخ البطل فاروق رمضان، وتقبله في الشهداء الصالحين، واجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، واربط على قلب أهله وذويه وصبرهم يا رب العالمين.
اللهم أرنا في الصهاينة الغاصبين عجائب قدرتك، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية!
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا من الخاذلين ولا من المنافقين.
اللهم طهر المسجد الأقصى من دنس الغاصبين، وارزقنا فيه صلاة قبل الممات.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.