من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

الرفق بمن يخطئ: إصلاح الإنسان قبل الانتصار عليه

مشاركة
🕌 الرِّفقُ بِمَن يُخطِئ: إِصلاحُ الإِنسانِ قَبْلَ الانتِصارِ عَلَيْه #خطبة_جمعة #الرفق #الرحمة #إصلاح_المخطئ #أخلاق #الدعوة #الأسرة الحمدُ للهِ الذي وَسِعَت رَحمتُهُ كُلَّ شيء، وسَبَقَت مَغفرَتُهُ غَضَبَه، وجَعَلَ الرِّفقَ زينةً للأعمالِ ومِفتاحاً للقُلوب. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَستُرُ العاصين، ويَحلُمُ عن الجاهلين، ويَقبَلُ تَوبةَ التَّائبين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ النَّاسِ بالنَّاس، وأعظَمُ المُعَلِّمينَ رِفقاً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي رَجُلاً يَقِفُ في أَقدَسِ بُقعَةٍ، ويَرتَكِبُ أَبشَعَ خَطيئَةٍ أَمامَ عُيونِ النَّاس، فيَثورُ الجَميعُ لِتَمزيقِه... لَكِنَّ تَدخُّلاً هادئاً غَيَّرَ مَصيرَهُ لِلأَبَد. اليوم، نحن نَقِفُ أمام خَيطٍ رَفيعٍ جِدّاً: الفَرقُ بين أن نَنتَصِرَ لِدينِ الله، وبَينَ أن نَنتَصِرَ لِأَنفُسِنا تَحتَ غِطاءِ الدِّين. كيفَ نُفَرِّقُ بَينَهُما؟ وهَل نَحنُ نُصلِحُ المُخطِئِينَ أَم نَدفَعُهُم لِلهَلاك؟ بَعدَ قَليلٍ تَتَّضِحُ الحَقيقَة. أيها الإخوة الكرام، هل سألنا أنفسنا يوماً حين نرى مخطئاً يقع في زلة: هل تحركنا الغيرة الصادقة على دين الله، أم الرغبة الخفية في إثبات أننا أفضل منه؟ متى آخر مرة رأيت فيها شخصاً يخطئ فدعوت له في سرك بالهداية قبل أن تنكر عليه بلسانك؟ نحن نعيش في زمانٍ كثرت فيه الأخطاء، وكثر فيه الخاطئون، لكننا نسينا كيف نعالج الخطأ. تحولنا إلى قضاةٍ نصدر الأحكام، وجلادين ننفذ العقوبات، ونسينا أننا أطباء مهمتنا مداواة الأرواح الجريحة. يقول الله تعالى في محكم كتابه، وهو يصف المنهج الذي يجب أن نعامل به الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. تأملوا هذه الآية العظيمة! الخطاب لمن؟ لأشرف الخلق ﷺ. والحديث عن أي قوم؟ عن قوم عصوا أمره يوم أحد، وتركوا أماكنهم، وتسببوا في كسر رباعيته وشج وجهه الشريف! ومع ذلك، لم يقل الله له: وبّخهم، ولا عنّفهم، بل قال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. لأن الهدف الأسمى في شريعتنا ليس تحطيم المخطئ، بل انتشاله من خطئه. واسمعوا لهذه الحادثة العجيبة التي وقعت في مسجد رسول الله ﷺ، وهي حادثة لو وقعت اليوم في أحد مساجدنا لربما سُفك فيها دم! يدخل أعرابي جاف الطبع إلى مسجد النبي ﷺ، وفي زاوية من زوايا المسجد يقف ويبول! كارثة بكل المقاييس! في أطهر مكان، وبين يدي أطهر الصحابة. كيف كانت ردة الفعل؟ ثار الصحابة رضي الله عنهم، وصاحوا به ليزجروه ويمنعوه. هنا تدخل المعلم الأول، الطبيب الأعظم، المشرع الحكيم ﷺ. ماذا قال؟ هل صرخ؟ هل غضب لنفسه؟ بل قال بكلمات تقطر رحمة وحكمة: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (رواه البخاري). دعوه! كلمة أوقفت غضب المجتمع. لماذا؟ لأن النبي ﷺ يعلم أن هذا الأعرابي جاهل لا يعاند، وأن زجره وهو على تلك الحال سيؤذيه بدنياً، وسينجس أماكن أخرى من المسجد، والأهم من ذلك: سينفره من الدين كله. فلما انتهى الأعرابي، دعاه النبي ﷺ برفق، وعلمه أن المساجد لا تصلح لشيء من هذا القذر، بل هي لذكر الله والصلاة. ماذا كانت النتيجة؟ هذا الأعرابي الذي رأى فظاظة الناس ورحمة المعلم، رفع يديه إلى السماء وقال: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا!». لقد أثمر الرفق حباً، وأثمرت الرحمة هداية. ومن هنا ندرك الجملة التي يجب أن تُنقش في قلوبنا: المؤمن طبيبٌ يداوي الجراح، وليس جلاداً يوسعها. نحن نكره المعصية لنميتَها، لا لنُميت العاصي بها. أيها الأحبة في الله، إن المخطئ حين يقع في ذنب، يكون في أضعف حالاته الإيمانية والنفسية. الشيطان يجلده من جهة، ونفسه اللوامة توبخه من جهة أخرى. فإذا جئنا نحن بقسوتنا وعنفنا، صرنا عوناً للشيطان على أخينا! أُتي النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر، فأمرهم فضربوه. فلما انصرف الرجل، قال رجل من القوم: "اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به!". فغضب النبي ﷺ والتفت إليهم قائلاً: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، وفي رواية أخرى حاسمة: «لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» (رواه البخاري). كيف نرضى أن نكون سياطاً مسلطة على ظهور المخطئين، والله يفتح لهم أبواب التوبة؟ أين نحن من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أُخبر عن رجل كان قوياً ثم سقط في شرب الخمر، فكتب إليه عمر يعظه ويبشره بسعة رحمة الله، ثم التفت إلى أصحابه وقال: "هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم زلّ زلة، فسددوه ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه". وقد لخص الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله هذا الفارق الدقيق بكلمات تُكتب بماء الذهب، حين قال: "المؤمن يَسْتُر وينصَح، والفاجر يهتِك ويُعيِّر". الأول غايته إيصال المخطئ إلى بر الأمان، والثاني غايته إسقاط المخطئ ليقف هو على أنقاضه مستعليا! وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: "ليكن حظ المؤمن منك ثلاث: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه". أيها المسلمون، ولعل قائلاً يقول: هل معنى هذا أن نسكت عن الباطل؟ هل نترك المخطئين يعبثون؟ الجواب: كلا! حاشا لله. الدعوة إلى الله والإنكار على المخالف واجب شرعي، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. لكن الإشكالية ليست في "الإنكار"، الإشكالية في "الأسلوب". تأملوا معي.. الله عز وجل يرسل نبيين كريمين، موسى وهارون عليهما السلام، إلى من؟ إلى أطغى أهل الأرض، إلى فرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى"، والذي سفك دماء الأطفال واستعبد الرجال. بماذا أمرهما الله؟ ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 43-44]. سبحان الله! قولاً ليناً لفرعون؟! نعم، لأن القول اللين هو الذي يخترق قشرة الكبر، وهو الذي يفتح أقفال القلوب. فإذا كان هذا هو الأدب الإلهي مع من ادعى الربوبية، فكيف يجب أن يكون أدبنا مع مسلمٍ موحدٍ غلبته شهوته أو زلت به قدمه؟! وما دمنا نتحدث عن المواقف الكبرى، فتعالوا ننتقل الآن إلى مشهدٍ من أشد مشاهد السيرة النبوية حساسية وخطرًا. نحن في السنة الثامنة للهجرة، النبي ﷺ يجهز جيشاً عظيماً لفتح مكة في سرية تامة. السرية هي رأس مال هذه المعركة. وإذا بأحد الصحابة البدريين، حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، يرتكب خطيئة كبرى.. جريمة بمقاييس الدول خيانة عظمى! يكتب كتاباً لأهل مكة يخبرهم فيه بمسير النبي ﷺ إليهم! ينزل الوحي كاشفاً هذا السر. تُرسل السرية وتأتي بالكتاب. يُستدعى حاطب ليقف بين يدي النبي ﷺ. الموقف مهول، والصدمة كبيرة. هذا خرق أمني كاد أن يبيد الجيش الإسلامي! ينتفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغيرته المعهودة وحرقه على الدين صارخاً: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ!". ردة فعل عمر طبيعية، فهو يرى حجم الخطر وتأثير الخطأ. لكن المربي الأعظم ﷺ ينظر أبعد من الفعل، ينظر إلى تاريخ الإنسان، إلى قلبه، إلى إمكانية إصلاحه. يسأله بهدوء: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟». فأجاب حاطب يرتجف، مبيناً أنه لم يكفر ولم يرتد، بل أراد أن تكون له يد عند قريش يحمي بها أهله الضعفاء هناك. فماذا كانت الكلمات التي نزلت برداً وسلاماً؟ التفت النبي ﷺ إلى عمر وقال: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (متفق عليه). يا لروعة هذا الدين! ويا لرحمة هذا النبي الكريم! لم يلغِ تاريخ حاطب المشرق بخطأ واحد، رغم فداحته. لم يحطمه أمام الناس. أنقذه وأعاده للصف مسلماً قوياً، ولم يقتله بسيف العقوبة. وهكذا لخص الإمام ابن تيمية رحمه الله هذا المنهج الرباني العظيم بقوله: "أهل السنة نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس". يعلمون الحق، ويرحمون الخلق. أيها الأحبة، لننزل بهذه المعاني إلى واقعنا اليوم. انظر إلى تعاملنا مع بعضنا البعض في البيوت. يخطئ الابن المراهق، وتتغلب عليه شهوته، فيكتشف الأب هذا الخطأ. كيف يتصرف؟ هل يستر وينصح ويبني؟ أم يفضح ويطرد ويحطم؟ كم من شاب انحرف كلياً لأن أباه لم يعرف كيف يرفق به عند زلته الأولى! وانظر إلى الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي اليوم.. "الفضائح الإلكترونية". يزل العالم، أو يخطئ الداعية، أو يغلط المشهور، فتنصب المشانق، وتُسل السيوف، وتُنشر المقاطع! لماذا؟ هل أرادوا حقاً إصلاحه؟ أم هو حظ النفس وتصفية الحسابات وشهوة الارتفاع على أكتاف الساقطين؟ يقول الإمام الشافعي رحمه الله: تَعَمَّدْني بِنُصحِكَ في انْفِرادي ... وَجَنِّبْني النَّصيحَةَ في الجَماعَهْ فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ ... مِنَ التَّوْبيخِ لا أَرْضَى اسْتِماعَهْ هل أردنا يوماً إصلاح إنسان، فدمرناه بقسوتنا؟ ماذا لو أن الله عاملنا بذنوبنا كما نعامل الناس بزلاتهم؟ ألسنا جميعاً نقف على حافة الزلل لولا ستر الله الجميل؟ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45]. يا عبد الله.. من جرد سيف لسانه على زلات الناس، قُتل به يوم تنكشف زلته. النبي ﷺ يحذرنا: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (متفق عليه). في هذه اللحظة بالضبط، وأنت تستمع إلى هذه الكلمات، تذكر شخصاً في حياتك أساء أو أخطأ أو قصر، وكنت تنوي أن تقابله بقسوة وغلظة. راجع نيتك. غير طريقتك. انزل إليه لتنتشله، لا لتدوس عليه. قال تعالى مبيناً سعة الباب المفتوح: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، القائل: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (رواه مسلم)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمّا بعد: عباد الله، عَرَفنا في خطبتنا الأولى كيف أن المنهج الرباني والنبوي في التعامل مع المخطئين يقوم على الرحمة قبل العقوبة، والإصلاح قبل التوبيخ. ووقفنا مع أعرابي بال في المسجد فكسبه النبي برفق، ومع حاطب بن أبي بلتعة وقد أخطأ خطأ جسيماً فاستنقذه النبي بحكمة. ورأينا كيف أن حظ النفس قد يختلط بغيرة الدين فنفسد من حيث أردنا الإصلاح. والآن، كيف نترجم هذا المنهج العظيم إلى واقع نعيشه في بيوتنا وعلاقاتنا؟ أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري: الأولى (قلبية): جرد نيتك عند مناصحة أي مخطيء. لا تنصحه لتريه أنك أفضل منه، بل انصحه وأنت مشفق عليه، خائف عليه من عذاب الله، مقدر لضعفه البشري. فمن نصح بشفقة وصل كلامه للقلب. الثانية (لسانية): احفظ لسانك عن فضيحة المخطئ وتعييره. ذنب تراه اليوم في أخيك، لا تتشمت به، فوالله لا تدري متى يُسلب منك الثبات وتقع فيه أنت! احفظ سر أخيك، فالكلمة القاسية قد تقتله معنوياً. الثالثة (عملية فعلية): إذا رأيت مخطئاً، فاخلو به وانصحه سراً. النصيحة في العلن فضيحة. ابدأ بذكر محاسنه، قل له: "أنت فيك كذا وكذا من الخير، وهذا الخطأ لا يليق بأمثالك"، فهذا يرفع همته لترك الذنب. الرابعة (اجتماعية): في بيوتكم، مع زوجاتكم وأبنائكم.. افصلوا بين "الخطأ" و"المخطئ". إذا أخطأ ابنك، اغضب من فعله، ولكن لا تطرده من رحمتك. أظهر له أنك ترفض السلوك ولكنك تحبه ولن تتخلى عنه. البيوت القاسية تُخرّج أجيالاً مريضة. الخامسة (موضوعية): تذكروا دائماً أننا كلنا خطاءون. «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي). من كان يرجو أن يعفو الله عن زلاته يوم القيامة، فليعفُ هو عن زلات الناس في الدنيا. ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على خفض الجناح للمؤمنين، والرحمة بالخاطئين، والرفق بالجاهلين. ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللهم إنا نسألك أن تزين قلوبنا بالرفق، وتطهر ألسنتنا من القسوة. اللهم كما سترت عيوبنا وذنوبنا عن أعين الناس، فاجعلنا ممن يسترون عورات المسلمين، ولا تفضحنا بين خلقك ولا يوم العرض عليك. اللهم اهدِ ضال المسلمين، ورُد شاردنا إليك رداً جميلاً، ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا. اللهم من زلت به القدم من إخواننا فخذ بيده، ومن غلبته شهوته فقوِّ إيمانه، ولا تجعلنا أعواناً للشيطان على إخواننا أبداً. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، وارحم ضعف المستضعفين من المسلمين في كل مكان. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.