من مكتبة مِداد الخطيب

غَضُّ البَصَرِ وَالعِفَّةُ فِي الخَلوَةِ الرَّقَمِيَّةِ: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَصِيَانَةُ القَلبِ مِن فِتَنِ الشَّاشَاتِ

مشاركة
غَضُّ البَصَرِ وَالعِفَّةُ فِي الخَلوَةِ الرَّقَمِيَّةِ: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَصِيَانَةُ القَلبِ مِن فِتَنِ الشَّاشَاتِ الحَمدُ للهِ العَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُورِ، الرَّقِيبِ عَلَى خَائِنَةِ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي السُّتُورُ، اللَّطِيفِ الخَبِيرِ الَّذِي لَا يَعزُبُ عَن عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الظُّلُمَاتِ وَلَا فِي النُّورِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ أَهلُ الحَمدِ وَالثَّنَاءِ المَوفُورِ، شَرَعَ لِعِبَادِهِ غَضَّ الأَبصَارِ وَحِفظَ الفُرُوجِ لِيُزَكِّيَ نُفُوسَهُم مِن دَنَسِ الهَوَى وَالغُرُورِ، وَجَعَلَ مَخَافَتَهُ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ مِفتَاحًا لِلأُنسِ بِهِ وَنَيلِ المَغفِرَةِ وَالأُجُورِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى، وَيَرَى تَقَلُّبَ البَصَرِ فِي اللَّيلِ البَهِيمِ إِذَا سَجَى، وَيَسمَعُ خَفَقَانَ القَلبِ إِذَا نَازَعَهُ دَاعِي الشَّهوَةِ وَدَاعِي الهُدَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَتقَى البَرِيَّةِ سَرِيرَةً، وَأَطهُرُ الخَلقِ سِيرَةً، وَأَعظَمُهُم لِرَبِّهِ خَشيَةً فِي الخَلَوَاتِ وَالجَلَوَاتِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ الأَبرَارِ الَّذِينَ استَحيَوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ فَحَفِظُوا الرَّأسَ وَمَا وَعَى، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ وَالمَآلِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَفِي المَنشَطِ وَالمَكرَهِ، وَفِي النُّورِ وَالظَّلَامِ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الحِصنُ الَّذِي يَحمِي القَلبَ إِذَا غُلِّقَتِ الأَبوَابُ، وَالحَارِسُ الَّذِي يَيقَظُ فِي الضَّمِيرِ إِذَا غَابَت عُيُونُ الرُّقَبَاءِ وَالأَصحَابِ، وَقَد أَمَرَنَا رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ بِتَقوَاهُ وَحَذَّرَنَا مِن إِهمَالِ نَظَرِهِ إِلَينَا فَقَالَ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: لَقَد كَانَ الإِنسَانُ فِي الأَزمِنَةِ الغَابِرَةِ إِذَا أَرَادَ أَن يَتَعَرَّضَ لِفِتنَةِ النَّظَرِ أَو مَوَاطِنِ الغَوَايَةِ، احتَاجَ إِلَى أَن يَخرُجَ مِن بَيتِهِ، وَيَسِيرَ فِي الطُّرُقَاتِ، وَيَتَجَشَّمَ عَنَاءَ السَّيرِ وَمَخَاطِرَ الفَضِيحَةِ أَمَامَ الأَعيُنِ؛ أَمَّا فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَقَد تَغَيَّرَت صُورَةُ الِابتِلَاءِ تَغَيُّرًا جَذرِيًّا هَائِلًا؛ إِذ دَخَلَتِ الفِتنَةُ إِلَى غُرَفِ النَّومِ، وَاستَقَرَّت فِي الجُيُوبِ وَالأَكُفِّ، وَغَدَتِ الشَّاشَةُ الصَّغِيرَةُ المَحمُولَةُ نَافِذَةً مَفتُوحَةً عَلَى مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا، يُقَلِّبُهَا المَرءُ بِطَرفِ إِصبَعِهِ فِي جَوفِ اللَّيلِ وَأَفرَادُ أُسرَتِهِ نِيَامٌ مِن حَولِهِ، لَا يَعلَمُ أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ عَلَى أَيِّ مَشهَدٍ وَقَفَت عَينُهُ، وَلَا إِلَى أَيِّ صَفحَةٍ انصَرَفَ قَلبُهُ! وَهُنَا تَحدِيدًا، فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الصَّامِتَةِ بَينَ العَبدِ وَشَاشَةِ هَاتِفِهِ، يَقَعُ الِامتِحَانُ الأَعظَمُ لِصِدقِ الإِيمَانِ، وَتَظهَرُ الحَقِيقَةُ الكُبرَى الَّتِي تُمَيِّزُ مَن يَخشَى اللهَ بِالغَيبِ عَمَّن يَخشَى عُيُونَ النَّاسِ وَكَامِيرَاتِ المُرَاقَبَةِ! فَمَا الَّذِي يَحجِزُ الإِصبَعَ عَن ضَغطَةٍ مُحَرَّمَةٍ لَا يَرَاهَا بَشَرٌ؟ وَمَا الَّذِي يَصرِفُ البَصَرَ عَن مَقطَعٍ عَابِرٍ يَظهَرُ فَجأَةً فِي تَطبِيقَاتِ التَّوَاصُلِ وَالمُتَصفِّحَاتِ؟ إِنَّهُ المِيزَانُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى عُنوَانًا لِأَهلِ الكَرَامَةِ وَالمَغفِرَةِ يَومَ الفَصلِ، حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المُلكِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَوَّلَ حَقِيقَةٍ يَنبَغِي أَن تَستَقِرَّ فِي قَلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ وَمُؤمِنَةٍ وَهُوَ يُمسِكُ بِهَاتِفِهِ فِي خَلوَتِهِ، هِيَ أَنَّ الخَلوَةَ الرَّقَمِيَّةَ وَهمٌ كَبِيرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي مِيزَانِ الشَّرعِ؛ فَالوَضْعُ المَسَمَّى بِالتَّصَفُّحِ الخَفِيِّ قَد يَحجُبُ سِجِلَّ البَحثِ عَن أَفرَادِ الأُسرَةِ، وَقُفلُ الشَّاشَةِ بِالبَصمَةِ قَد يَمنَعُ الزَّوجَةَ أَوِ الوَالِدَ مِنَ الاطِّلَاعِ عَلَى مَحفُوظَاتِ الهَاتِفِ، وَإِطفَاءُ المِصبَاحِ قَد يَستُرُ الجَسَدَ عَن أَعيُنِ الجِيرَانِ؛ وَلَكِن هَل يَحجُبُ ذَلِكَ شَيئًا عَن عِلمِ اللهِ العَلِيمِ الخَبِيرِ؟! لَقَد أَيقَظَ القُرآنُ الكَرِيمُ القُلُوبَ الغَافِلَةَ بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ تَهتَزُّ لَهَا الجِبَالُ الرَّوَاسِي، فَقَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِ خَائِنَةِ الأَعيُنِ: «هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ جَالِسًا مَعَ القَومِ، فَتَمُرُّ المَرأَةُ فَيُسَارِقُهُمُ النَّظَرَ إِلَيهَا، فَإِذَا فَطِنُوا لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، وَإِذَا غَفَلُوا عَنهُ نَظَرَ، وَقَدِ اطَّلَعَ اللهُ مِن قَلبِهِ عَلَى أَنَّهُ يَوَدُّ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى عَورَتِهَا!». فَتَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ: إِذَا كَانَتِ النَّظرَةُ الخَاطِفَةُ المُختَلَسَةُ بَينَ الجُلَسَاءِ هِيَ خَائِنَةُ الأَعيُنِ الَّتِي يَعلَمُهَا اللهُ، فَكَيفَ بِمَن يَستَرسِلُ السَّاعَةَ وَالسَّاعَتَينِ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ، يَتَنَقَّلُ مِن صُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ إِلَى مَقطَعٍ فَاضِحٍ، وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ فِي مَأمَنٍ لِأَنَّ البَابَ مُوصَدٌ؟! أَلَم يَسمَع قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يُعَاتِبُ مَن يَستَخفِي مِنَ الخَلقِ وَيَنسَى الخَالِقَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾؟! وَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَحَذِّرًا أُمَّتَهُ مِن آفَةِ انفِصَامِ السَّرِيرَةِ عَنِ العَلَانِيَةِ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»، فَفَزِعَ ثَوبَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَلَّا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا». وَها هُنَا يَا عِبَادَ اللهِ وَقفَةُ تَحقِيقٍ عِلمِيٍّ وَتَربَوِيٍّ لَا بُدَّ مِنهَا؛ حَتَّى لَا يَأخُذَ الشَّيطَانُ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ سَوطًا يَجلِدُ بِهِ قُلُوبَ التَّائِبِينَ وَالمُجاهِدِينَ لِأَنفُسِهِم فَيُوقِعَهُم فِي اليَأسِ وَالقُنُوطِ! فَقَد بَيَّنَ أَئِمَّةُ العِلمِ وَالتَّحقِيقِ، كَالعَلَّامَةِ الشِّنقِيطِيِّ وَغَيرِهِ رَحِمَهُمُ اللهُ، أَنَّ هُنَاكَ فَرقًا عَظِيمًا بَينَ حالَينِ فِي الخَلوَةِ: بَينَ مَن يَخلُو بِالمَعصِيَةِ وَهُوَ مُستَهِينٌ بِنَظَرِ اللهِ، مُستَجرِئٌ عَلَى حُدُودِهِ، لَا يَرجُو للهِ وَقَارًا، إِنَّمَا يَتَزَيَّنُ بِالطَّاعَةِ أَمَامَ النَّاسِ رِيَاءً وَسُمعَةً، فَإِذَا غَابَت عُيُونُهُم وَثَبَ عَلَى الحَرَامِ وَثبَةَ المُستَحِلِّ المُستَخِفِّ بِلَا نَدَمٍ وَلَا انكِسَارٍ؛ وَبَينَ عَبدٍ مُؤمِنٍ يُعَظِّمُ اللهَ فِي قَلبِهِ، وَيُحِبُّ الطَّاعَةَ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَلَكِن تَغلِبُهُ ضَعفُ البَشَرِيَّةِ أَحيَانًا فَيَزِلُّ فِي خَلوَتِهِ، فَلَا يَكادُ يَقَعُ فِي الذَّنبِ حَتَّى يَحتَرِقَ قَلبُهُ أَلَمًا وَحَسرَةً، وَيَمقُتَ مَا صَنَعَ، وَيَستَحيِيَ مِن رَبِّهِ، وَيَفزعَ إِلَى الِاستِغفَارِ وَالوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَمُجَاهَدَةِ نَفسِهِ مِن جَدِيدٍ! فَهَذَا الثَّانِي المُنكَسِرُ النَّادِمُ المُجَاهِدُ لَيسَ مِن أَهلِ الهَبَاءِ المَنثُورِ، بَل هُوَ فِي جِهَادٍ مُستَمِرٍّ مَعَ عَدُوِّهِ، وَلَكِنَّ الحَدِيثَ يُحَذِّرُهُ مِن أَن يَتَحَوَّلَ التَّسَاهُلُ المُتَكَرِّرُ مَعَ الأَيَّامِ إِلَى إِلفٍ لِلمَعصِيَةِ وَمَوتٍ لِحَيَاءِ القَلبِ! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَعَظَ نَفسَهُ فِي الخَلَوَاتِ فَقَالَ: إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُل ... خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخفَى عَلَيهِ يَغِيبُ أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لِمَاذَا جَعَلَ الإِسلَامُ غَضَّ البَصَرِ هُوَ خَطَّ الدِّفَاعِ الأَوَّلَ عَنِ العِفَّةِ وَالطَّهَارَةِ؟ لِأَنَّ العَينَ هِيَ رَائِدُ القَلبِ وَبَرِيدُهُ، وَالشَّاشَةُ الرَّقَمِيَّةُ فِي عَصرِنَا هِيَ أَعظَمُ مُستَقبِلٍ لِهَذَا البَرِيدِ؛ فَكُلُّ مَا يَمُرُّ أَمَامَ العَينِ مِن صُوَرٍ وَمَقَاطِعَ لَا يَنتَهِي عِندَ حُدُودِ الشَّبَكِيَّةِ، بَل يَنطَبِعُ فِي الخَيَالِ، وَيُوقِدُ شَرَارَةَ الفِكرَةِ، فَتَتحَوَّلُ الفِكرَةُ إِلَى شَهوَةٍ، وَالشَّهوَةُ إِلَى إِرَادَةٍ جَازِمَةٍ، ثُمَّ تَطلُبُ الجَوَارِحُ تَنفِيذَهَا! وَلِهَذَا جَمَعَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بَينَ غَضِّ البَصَرِ وَحِفظِ الفَرجِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدَّمَ غَضَّ البَصَرِ تَقدِيمَ السَّبَبِ عَلَى النَّتِيجَةِ، فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وَأَردَفَهَا سُبحَانَهُ بِالأَمرِ نَفسِهِ لِلمُؤمِنَاتِ؛ لِأَنَّ فِتنَةَ الشَّاشَاتِ لَا تَستَثنِي رَجُلًا وَلَا امرَأَةً، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. تَأَمَّلُوا قَولَهُ سُبحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾؛ إِنَّ الزَّكَاةَ هُنَا هِيَ الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ وَالإِشرَاقُ؛ فَمَن كَفَّ بَصَرَهُ عَنِ الحَرَامِ زَكَا قَلبُهُ، وَطَهُرَت مَشَاعِرُهُ، وَنَمَت فِي صَدرِهِ السَّكِينَةُ وَالطُّمَأنِينَةُ. وَمَا أَبدَعَ مَا سَطَّرَهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الجَوَابِ الكَافِي حِينَ عَدَّدَ مَنَافِعَ غَضِّ البَصَرِ فَقَالَ مَا مَعنَاهُ: «فِي غَضِّ البَصَرِ عِدَّةُ مَنَافِعَ: أَحَدُهَا أَنَّهُ امتِثَالٌ لِأَمرِ اللهِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ سَعَادَةِ العَبدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَمنَعُ مِن وُصُولِ أَثَرِ السَّهمِ المَسمُومِ الَّذِي لَعَلَّ فِيهِ هَلَاكَهُ إِلَى قَلبِهِ، وَالثَّالِثَةُ أَنَّهُ يُورِثُ القَلبَ أُنسًا بِاللهِ وَجَمعِيَّةً عَلَيهِ؛ فَإِنَّ إِطلَاقَ البَصَرِ يُفَرِّقُ القَلبَ وَيُشَتِّتُهُ وَيُورِثُ الوَحشَةَ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، وَالرَّابِعَةُ أَنَّهُ يُقَوِّي القَلبَ وَيُفرِحُهُ كَمَا أَنَّ إِطلَاقَ البَصَرِ يُضعِفُهُ وَيُحزِنُهُ، وَالخَامِسَةُ أَنَّهُ يُكسِبُ القَلبَ نُورًا كَمَا أَنَّ إِطلَاقَهُ يُلبِسُهُ ظُلمَةً؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ اللهُ سُبحَانَهُ آيَةَ النُّورِ عُقَيبَ الأَمرِ بِغَضِّ البَصَرِ». وَايمُ اللهِ، لَقَد صَدَقَ وَأَصَابَ كَبِدَ الحَقِيقَةِ! فَسَلُوا كُلَّ مَنِ ابتُلِيَ بِإِدمَانِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ فِي الخَلَوَاتِ الرَّقَمِيَّةِ: هَل وَجَدَ بَعدَ سَاعَاتِ التَّصَفُّحِ المَشبُوهِ فَرَحًا أَوِ انشِرَاحًا أَو رَاحَةً؟! كَلَّا وَاللهِ! بَل يَجِدُ بَعدَهَا ثِقَلًا فِي الرُّوحِ، وَظُلمَةً فِي الوَجهِ، وَوَحشَةً قَاتِلَةً بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، وَنُفُورًا عَن أَهلِهِ وَزَوجِهِ، وَتَشَتُّتًا فِي ذِهنِهِ، وَكَسلًا عَنِ الصَّلَاةِ وَالذِّكرِ! يَبحَثُ المِسكِينُ فِي الشَّاشَةِ عَن لَذَّةٍ تُسعِدُهُ، فَلَا يَحصُدُ إِلَّا غُصَّةً تُحزِنُهُ وَحَسرَةً تُقعِدُهُ! إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِذَا كَانَتِ الشَّاشَاتُ اليَومَ تَدفَعُ بِالمَشَاهِدِ المُحَرَّمَةِ وَالإِعلَانَاتِ الفَاتِنَةِ دَفعًا مِن غَيرِ استِئذَانٍ، فَكَم مِن مُؤمِنٍ يَفتَحُ هَاتِفَهُ لِحَاجَةٍ مَشرُوعَةٍ أَو خَبَرٍ نَافِعٍ أَو تَوَاصُلٍ مَعَ أَهلِهِ، فَيَقفِزُ أَمَامَ عَينَيهِ مَقطَعٌ مُغرٍ أَو صُورَةٌ كَاشِفَةٌ! فَمَا هُوَ المَوقِفُ الشَّرعِيُّ وَالعَمَلِيُّ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الفَاصِلَةِ؟ لَقَد حَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا الأَمرَ بِتَوجِيهٍ نَبَوِيٍّ دَقِيقٍ أَخرَجَهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن نَظرَةِ الفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَن أَصرِفَ بَصَرِي». وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتبِعِ النَّظرَةَ النَّظرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيسَت لَكَ الآخِرَةُ». انظُرُوا إِلَى هَذَا الفِقهِ النَّبَوِيِّ العَمِيقِ فِي إِدَارَةِ الإِرَادَةِ البَشَرِيَّةِ: النَّظرَةُ الأُولَى العَارِضَةُ الَّتِي تَظهَرُ عَلَى الشَّاشَةِ فَجأَةً مِن غَيرِ قَصدٍ وَلَا بَحثٍ مَعفُوٌّ عَنهَا؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَن طَوقِ العَبدِ وَاِختِيَارِهِ، وَلَكِنَّ البُطُولَةَ الإِيمَانِيَّةَ تَكمُنُ فِي الثَّانِيَةِ الأُولَى بَعدَهَا مباشرةً: هَل تَصرِفُ بَصَرَكَ وَتَرفَعُ إِصبَعَكَ وَتُغلِقُ النَّافِذَةَ فَوْرًا، أَم تَستَوقِفُ المَشهَدَ وَتُعِيدُ النَّظَرَ وَتَفتَحُ الرَّابِطَ؟! إِنَّ قُوَّةَ الإِرَادَةِ فِي الإِسلَامِ تُبنى عَلَى قَاعِدَةِ حَسمِ البِدَايَاتِ؛ فَإِنَّ إِغلاقَ المَقطَعِ فِي ثَانِيَتِهِ الأُولَى يَسِيرٌ هَيِّنٌ عَلَى النَّفسِ، أَمَّا إِذَا أَرسَلتَ البَصَرَ يَتَأَمَّلُ، وَتَرَكتَ الخَيَالَ يَستَرسِلُ، فَقَد فَتَحتَ البَابَ لِسَيلٍ جَارِفٍ يَصعُبُ عَلَيكَ سَدُّهُ بَعدَ أَن يَتَفَجَّرَ! قَالَ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ وَابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي تَربِيَةِ النُّفُوسِ مَا خُلَاصَتُهُ: «إِنَّمَا يَسهُلُ قَطعُ الهَوَى فِي مَبَادِئِهِ قَبلَ أَن يَستَحكِمَ، كَالشَّجَرَةِ الصَّغِيرَةِ تَقتَلِعُهَا بِيَدِكَ فِي أَوَّلِ نَبَاتِهَا، فَإِذَا تَرَكتَهَا حَتَّى ضَرَبَت بِعُرُوقِهَا فِي الأَرضِ عَجَزتَ عَن قَلعِهَا بِالفُؤُوسِ!». مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: وَمِن أَخطَرِ مَا جَلَبَتهُ الخَلوَةُ الرَّقَمِيَّةُ المُنفَلِتَةُ عَلَى حَيَاةِ النَّاسِ اليَومَ، أَنَّهَا لَا تَقتَصِرُ عَلَى إِفسَادِ العَلَاقَةِ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ فَحَسبُ، بَل تَهْدِمُ السَّكَنَ الأُسَرِيَّ وَالمَوَدَّةَ الزَّوجِيَّةَ هَدمًا خَفِيًّا؛ فَالرَّجُلُ أَوِ المَرأَةُ الَّذِي يُطلِقُ بَصَرَهُ فِي شَاشَتِهِ لِيَتَتَبَّعَ صُوَرًا مُصطَنَعَةً مُعَدَّلَةً بِالمُرشِّحَاتِ وَالأَصباغِ، يَقَعُ فِي فِتنَةِ المُقَارَنَةِ الكَاذِبَةِ، فَيَزهَدُ فِيمَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَتَبرُدُ المَوَدَّةُ فِي بَيتِهِ، وَيَعيشُ فِي سُخطٍ دَائِمٍ عَلَى وَاقِعِهِ؛ وَقَد حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالمُؤمِنِينَ مِن مَدِّ الأَعيُنِ إِلَى زَخَارِفِ الدُّنيَا وَمُتَعِهَا الزَّائِلَةِ فَقَالَ فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وَأَرشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مَن وَقَعَ فِي قَلبِهِ شَيءٌ مِن فِتنَةِ النَّظَرِ العَابِرِ أَن يَصُونَهُ بِالحَلَالِ الطَّيِّبِ الَّذِي أَغنَاهُ اللهُ بِهِ، فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ المَرأَةَ تُقبِلُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، وَتُدبِرُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، فَإِذَا أَبصَرَ أَحَدُكُمُ امرَأَةً فَأَعجَبَتهُ فَلْيَأتِ أَهلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفسِهِ». وَأَمَّا الشَّبَابُ وَالفَتَيَاتُ الَّذِينَ لَم يَتَيَسَّر لَهُمُ الزَّوَاجُ بَعدُ، وَهُم يَعِيشُونَ فِي عَصرٍ تَفَجَّرَت فِيهِ المَغْرِيَاتُ عَبرَ الهَوَاتِفِ وَالشَّبَكَاتِ، فَإِنَّ الإِسلَامَ يَفتَحُ لَهُم بَابَ الِاستِعفافِ وَالمُجَاهَدَةِ وَالصَّومِ وَإِشغَالِ النَّفسِ بِالعِلمِ وَالعَمَلِ وَالبِنَاءِ، وَيَعِدُهُم بِإِعَانَةِ اللهِ الخَاصَّةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَن يَستَعفِف يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَن يَستَغنِ يُغنِهِ اللهُ، وَمَن يَتَصَبَّر يُصَبِّرهُ اللهُ». وَفِي الصَّحِيحَينِ أَيضًا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ استَطَاعَ مِنكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّج؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ وَأَحصَنُ لِلفَرجِ، وَمَن لَم يَستَطِع فَعَلَيهِ بِالصَّومِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا أَرَدنَا أَن نَستَحضِرَ نَمَاذِجَ خَالِدَةً تُرَبِّي فِينَا شَجَاعَةَ العِفَّةِ عِندَمَا تُغلَقُ الأَبوَابُ وَتَتَهَيَّأُ أَسبَابُ المَعصِيَةِ بِلَا رَقِيبٍ بَشَرِيٍّ، فَلْنَقِفْ مَعَ أَعظَمِ مَشهَدِ عِفَّةٍ سَجَّلَهُ الوَحيُ فِي تَارِيخِ الإِنسَانِيَّةِ؛ مَشهَدِ نَبِيِّ اللهِ الكَرِيمِ يُوسُفَ بنِ يَعقُوبَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ! شَابٌّ فِي رَيعَانِ الصِّبَا وَالقُوَّةِ وَالجَمَالِ، غَرِيبٌ عَن أَهلِهِ وَوَطَنِهِ لَا يَعرِفُهُ أَحَدٌ فَيَستَحيِيَ مِنهُ، مَملُوكٌ فِي قَصرٍ فَاخِرٍ لَا سُلطَانَ لِأَحَدٍ عَلَى سَيِّدَتِهِ فِيهِ، وَإِذَا بِامرَأَةِ العَزِيزِ - ذَاتِ المَنصِبِ وَالجَاهِ وَالجَمَالِ - تُغلِّقُ الأَبوَابَ بَابًا بَعدَ بَابٍ، وَتَدعُوهُ إِلَى نَفسِهَا دَعوَةً صَرِيحَةً آمِنَةً مِن كُلِّ فَضِيحَةٍ دُنيَوِيَّةٍ! فَمَا الَّذِي حَضَرَ فِي قَلبِ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي تِلكَ الخَلوَةِ المُحكَمَةِ؟ لَقَد حَضَرَ جَلَالُ اللهِ، وَحَضَرَ الوَفَاءُ بِالنِّعمَةِ، فَانطَلَقَ لِسَانُهُ بِتِلكَ الكَلِمَةِ الَّتِي صَارَت شِعَارَ الأَعِفَّاءِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. ثُمَّ فَرَّ إِلَى البَابِ هَارِبًا مِن مَوطِنِ الفِتنَةِ؛ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ العَاقِلَ لَا يَبقَى فِي مَكَانِ الإِغرَاءِ يَختَبِرُ صَبرَهُ، بَل يَفِرُّ مِنَ النَّافِذَةِ المُحَرَّمَةِ فِرَارَهُ مِنَ الحَرِيقِ! وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ المَبِيتُ إِلَى الغَارِ فَانحَدَرَت صَخرَةٌ فَسَدَّت عَلَيهِمُ الغَارَ، تَوَسَّلَ أَوَّلُهُم إِلَى اللهِ بِأَعظَمِ عَمَلٍ صَالِحٍ ادَّخَرَهُ لِسَاعَةِ الكَربِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَت لِيَ ابنَةُ عَمٍّ كَانَت أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدتُهَا عَن نَفسِهَا فَامتَنَعَت مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّت بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتنِي فَأَعطَيتُهَا عِشرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَن تُخَلِّيَ بَينِي وَبَينَ نَفسِهَا، فَفَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرتُ عَلَيهَا قَالَت: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ! فَانصَرَفتُ عَنهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِن كُنتُ فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُج عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ، فَانفَرَجَتِ الصَّخرَةُ!». اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! تَأَمَّلُوا كَيفَ أَنَّ تَركَ لَذَّةٍ مُحَرَّمَةٍ فِي خَلوَةٍ قَادِرَةٍ خَوفًا مِنَ اللهِ، يُزِيحُ الصُّخُورَ الصَّمَّاءَ عَن طَرِيقِ العَبدِ فِي دُنيَاهُ، وَيَفتَحُ لَهُ أَبوَابَ الفَرَجِ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ، وَيُبوِّئُهُ يَومَ القِيَامَةِ مَقَامًا تَحتَ ظِلِّ عَرشِ الرَّحمَنِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، فَذَكَرَ مِنهُم: «وَرَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ». وَانظُرُوا فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ إِلَى مِثَالٍ حَيٍّ يَتَكَرَّرُ فِي بُيُوتِنَا: شَابٌّ أَو رَبُّ أُسرَةٍ كَانَ قَدِ استَدرَجَتهُ خَوَارِزمِيَّاتُ التَّطبِيقَاتِ شَيئًا فَشَيئًا، بَدَأَ بِتَصَفُّحِ الفُضُولِ أَواخِرَ اللَّيلِ، ثُمَّ تَسَاهَلَ فِي مَقَاطِعَ تَخدِشُ الحَيَاءَ، حَتَّى وَجَدَ نَفسَهُ أَسِيرًا لِعَادَةٍ خَفِيَّةٍ تَسرِقُ نَومَهُ، وَتُطفِئُ نُورَ صَلَاتِهِ، وَتَزرَعُ فِي صَدرِهِ ضِيقًا لَا يَدْرِي أَهلُهُ سَبَبَهُ! فَلَمَّا صَدَقَ مَعَ اللهِ فِي لَحظَةِ يَقَظَةٍ، أَدرَكَ أَنَّ العِفَّةَ تَحتَاجُ إِلَى حَزمٍ عَمَلِيٍّ لَا إِلَى أَمَانِيَّ مُجَرَّدَةٍ؛ فَقَرَّرَ أَن يَقطَعَ دَابِرَ الخَلوَةِ الرَّقَمِيَّةِ الفَارِغَةِ: جَعَلَ مَكَانَ شَحنِ هَاتِفِهِ خَارِجَ غُرفَةِ نَومِهِ، وَحَذَفَ التَّطبِيقَاتِ وَالحِسَابَاتِ الَّتِي تَستَثِيرُ الغَرَائِزَ، وَفَعَّلَ أَدَوَاتِ الحَجبِ الآمِنِ، وَعَاهَدَ رَبَّهُ أَنَّهُ كُلَّمَا خَطَرَت لَهُ خَاطِرَةُ السُّوءِ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكعَتَينِ؛ فَمَا مَضَت عَلَيهِ أَسَابِيعُ حَتَّى عَادَت إِلَى قَلبِهِ حَلَاوَةُ المُنَاجَاةِ، وَأَشرَقَت فِي بَيتِهِ المَوَدَّةُ، وَاستَردَّ حُرِّيَّةَ إِرَادَتِهِ مِن أَسرِ الشَّاشَةِ! فَاللهَ اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ فِي صِيَانَةِ أَبصَارِكُم وَقُلُوبِكُم فِي خَلَوَاتِكُم؛ فَإِنَّ العُمرَ أَقصَرُ مِن أَن يُبدَّدَ فِي ظُلُمَاتِ النَّظَرِ الحَرَامِ، وَإِنَّ لَذَّةَ العِفَّةِ وَبَردَ اليَقِينِ أَعظَمُ وَأَبقَى مِن كُلِّ وَهمٍ عَابِرٍ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى مُبَشِّرًا مَن خَافَ مَقَامَهُ وَكَفَّ نَفسَهُ عَنِ الهَوَى فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَعفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعلَمُ مَا تَفعَلُونَ، وَيَستُرُ عَلَى المُنكَسِرِينَ فِي ظُلَمِ اللَّيَالِي مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ النَّاظِرُونَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَيِيُّ السِّتِّيرُ الَّذِي يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّترَ وَيَفرحُ بِأَوبَةِ التَّائِبِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ استِحضَارَ سَترِ اللهِ الجَمِيلِ عَلَيكُم فِي خَلَوَاتِكُم هُوَ مِن أَعظَمِ بَوَاعِثِ الحَيَاءِ مِنهُ سُبحَانَهُ؛ فَكَم مِن مَرَّةٍ خَلَا العَبدُ بِهَاتِفِهِ فَعَصَى، فَلَم يَهتِكِ اللهُ سِترَهُ، وَلَم يُطْلِعْ عَلَيهِ أَقرَبَ النَّاسِ إِلَيهِ، وَلَم يَقبِض رُوحَهُ عَلَى تِلكَ الحَالِ، بَل أَمهَلَهُ وَحَلُمَ عَنهُ وَأَبقَى لَهُ مَهَابَتَهُ وَمَوَدَّتَهُ فِي قُلُوبِ الخَلقِ! أَفَلَا يَستَحيِي العَبدُ الكَرِيمُ مِن رَبٍّ هَذَا لُطفُهُ وَحِلمُهُ وَسَترُهُ أَن يُقَابِلَ نِعمَةَ البَصَرِ وَنِعمَةَ التِّقنِيَةِ وَنِعمَةَ العَافِيَةِ بِمَا يُسخِطُهُ؟! قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِمَاءِ العُيُونِ: «ابنَ آدَمَ، لَم تَزَلْ مُكَرَّمًا مَا لَم تَتعَاطَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيكَ، فَإِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ فَقَد هُنتَ عَلَى اللهِ!». وَكَانَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ يُوصُونَ طُلَّابَ العِلمِ وَالسَّالِكِينَ بِغَضِّ البَصَرِ وَتَقوَى الخَلَوَاتِ؛ لِأَنَّ العِلمَ وَالنُّورَ وَالبَرَكَةَ لَا تَسكُنُ قَلبًا يُدَنِّسُهُ صَاحِبُهُ فِي الخَفَاءِ، وَقَد نَظَمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ التَّجرِبَةَ الرُّوحِيَّةَ الصَّادِقَةَ فَقَالَ: شَكَوتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفظِي ... فَأَرشَدَنِي إِلَى تَركِ المَعَاصِي وَأَخبَرَنِي بِأَنَّ العِلمَ نُورٌ ... وَنُورُ اللهِ لَا يُهدَى لِعَاصِي أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ تَربِيَةَ الإِرَادَةِ وَتَحصِينَ النَّفسِ فِي الخَلوَةِ الرَّقَمِيَّةِ لَا يَتِمَّانِ بِالتَّمَنِّي، بَل بِخُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ حَازِمَةٍ وَبَابِ رَجَاءٍ مَفتُوحٍ لَا يُوصَدُ أَبَدًا؛ وَدُونَكُم هَذِهِ الوَصَايَا العَمَلِيَّةَ الخَمسَ لِحِمَايَةِ القُلُوبِ وَالبُيُوتِ: الوَصِيَّةُ الأُولَى: هَندَسَةُ البِيئَةِ الرَّقَمِيَّةِ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ قَبلَ هُجُومِ الفِتنَةِ؛ فَالعَاقِلُ لَا يَثِقُ بِنَفسِهِ أَمَامَ الشَّهَوَاتِ، بَل يَفرِضُ عَلَى نَفسِهِ سِيَاجًا وَاقِيًا: فَلَا تَدخُلْ إِلَى فِرَاشِ نَومِكَ وَالهَاتِفُ فِي يَدِكَ بِلَا حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَتَجَنَّبِ الخَلوَةَ مَعَ الشَّاشَاتِ فِي أَوقَاتِ الفَرَاغِ وَالإِرهَاقِ اللَّيلِيِّ، وَبَادِرْ فَوْرًا إِلَى إِزَالَةِ كُلِّ تَطبِيقٍ أَو مَجمُوعَةٍ أَو صَفحَةٍ تَعلَمُ مِن نَفسِكَ أَنَّهَا مَدخَلٌ لِلزَّلَلِ، وَاستَخدِمِ الضَّغطَ عَلَى خَيَارِ «غَيرُ مُهتَمٍّ» أَوِ الحَظرِ الفَورِيِّ لِكُلِّ مُحتَوًى هَابِطٍ حَتَّى تَطهُرَ خَوَارِزمِيَّاتُ شَاشَتِكَ؛ مِصْدَاقًا لِأَمرِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: قَانُونُ الثَّانِيَةِ الأُولَى وَصَرفُ البَصَرِ الفَورِيُّ؛ دَرِّبْ إِرَادَتَكَ عَلَى أَن تَكُونَ أَسرَعَ مِن خَطَفَاتِ الشَّيطَانِ؛ فَمَتى ظَهَرَت أَمَامَكَ صُورَةٌ مُحَرَّمَةٌ أَو مَقطَعٌ فَاتِنٌ، فَلَا تَمنَحْ نَفسَكَ مُهلَةً لِلتَّفكِيرِ أَوِ الفُضُولِ، بَلِ اصرِفْ بَصَرَكَ وَأَغلِقِ الصَّفحَةَ فِي اللَّحظَةِ الأُولَى قَولًا وَاحِدًا: «مَعَاذَ اللهِ!»، وَتَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ نَظرَةٍ تَترُكُهَا للهِ يُعوِّضُكَ اللهُ بِهَا حَلَاوَةً وَنُورًا وَفِرَاسَةً فِي قَلبِكَ تَجِدُ بَردَهَا فِي صَدرِكَ! الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: مَلءُ الخَلَوَاتِ بِطَاعَاتِ السِّرِّ الخَفِيَّةِ؛ فَإِنَّ النَّفسَ إِن لَم تَشغَلْهَا بِالحَقِّ شَغَلَتكَ بِالبَاطِلِ، وَأَنجَعُ دَوَاءٍ لِذُنُوبِ الخَلَوَاتِ هُوَ مُزَاحَمَتُهَا بِحَسَنَاتِ الخَلَوَاتِ! فَلْيَكُنْ لَكَ كُلَّ لَيلَةٍ خَبيئَةٌ مِن عَمَلٍ صَالِحٍ لَا يَعلَمُ بِهَا أَحَدٌ سِوَى اللهِ: رَكعَتَانِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، أَو صَدَقَةٌ إِلكترُونِيَّةٌ خَفِيَّةٌ تُرسِلُهَا عَبرَ هَاتِفِكَ نَفسِهِ الَّذِي تُجَاهِدُ فِيهِ نَفسَكَ، أَو وِردٌ مِنَ القُرآنِ وَالِاستِغفَارِ؛ حَتَّى يَشهَدَ لَكَ هَاتِفُكَ وَخَلوَتُكَ بِالطَّاعَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجدَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: رِعَايَةُ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ بِالحِوَارِ وَالوِقَايَةِ الرَّحِيمَةِ؛ فَلَا نَترُكْ فَلَذَاتِ أَكبَادِنَا فِي غُرَفٍ مُغلَقَةٍ مَعَ أَجهِزَةٍ مَفتُوحَةٍ بِلَا ضَوَابِطَ وَلَا مَتَابَعَةٍ تَربَوِيَّةٍ حَكِيمَةٍ، بَل نَزرَعْ فِي قُلُوبِهِم مُنذُ الصِّغَرِ مَحبَّةَ اللهِ وَمُرَاقَبَتَهُ وَالعِزَّةَ بِالعِفَّةِ، وَنَجعَلْ اِستِخدَامَ الشَّاشَاتِ فِي الصَّالَاتِ المَفتُوحَةِ مَعَ تَفعِيلِ بَرَامِجِ الحِمَايَةِ العَائِلِيَّةِ، وَفتحِ قَنَوَاتِ الحِوَارِ الآمِنِ مَعَهُم حَتَّى يَصَارِحُونَا إِذَا عَرَضَ لَهُم مَا يُريبُهُم دونَ خَوفٍ أَو تَعنِيفٍ. الوَصِيَّةُ الخَامِسَةُ: إِيَّاكَ وَالقُنُوطَ مَهمَا تَكَرَّرَتِ العَثرَةُ، وَبَادِرْ إِلَى التَّوبَةِ وَمَحوِ الأَثَرِ فِي الحَالِ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ إِذَا أَوقَعَ العَبدَ فِي زَلَّةِ النَّظَرِ جَاءَهُ مِن بَابِ التَّيئِيسِ فَقَالَ لَهُ: «أَنتَ مُنَافِقٌ لَا فائدةَ مِن تَوبَتِكَ!»؛ فَاكسِرْ كَيدَ الشَّيطَانِ بِتَجدِيدِ التَّوبَةِ فَوْرًا، وَإِتبَاعِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ المَاحِيَةِ، وَاستَحضِرْ نِدَاءَ أَرحَمِ الرَّاحِمِينَ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قَالَ الإِمَامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن لَم يَقدِرْ عَلَى أَن يَسبِقَ مَعَ المُتَّقِينَ، فَلْيَسِرْ فِي قَافِلَةِ التَّائِبِينَ؛ فَإِنَّ التَّائِبَ حَبِيبُ الرَّحمَنِ!». فَيَا أَيُّهَا التَّائِبُ المُنكَسِرُ فِي خَلوَتِهِ، وَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ المُجَاهِدُ لِشَهوَتِهِ: أَبشِرْ بِرَبٍّ كَرِيمٍ يَرَى مُجَاهَدَتَكَ، وَيَعلَمُ صِدقَ دَمعَتِكَ، وَيَفرَحُ بِتَوبَتِكَ، فَاصدُقِ اللهَ فِي سِرِّكَ يُصلِحِ اللهُ لَكَ عَلَانِيَتَكَ، وَاعمُرْ خَلوَتَكَ بِمَخَافَتِهِ يَملَأْ قَلبَكَ بِأُنسِهِ وَمَحَبَّتِهِ! أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى خَيرِ البَرِيَّةِ وَأَزكَى البَشَرِيَّةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنَسأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَنَسأَلُكَ القَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنَسأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَنَسأَلُكَ قُرَّةَ عَينٍ لَا تَنقَطِعُ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ؛ فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ اجعَلْ سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، اللَّهُمَّ استُرْ عَورَاتِنَا، وَآمِنْ رَوعَاتِنَا، وَاحفَظْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَحَصِّنْ فُرُوجَهُم وَأَبصَارَهُم وَقُلُوبَهُم، وَهَيِّئْ لَهُم أَسبَابَ العَفَافِ وَالصَّلَاحِ وَالفَلَاحِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، وَأَصلِحْ أَحوَالَ الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاجعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.