من مكتبة مِداد الخطيب

غَيثُ السَّمَاءِ وَبَردُ الخِيَامِ فِي غَزَّةَ الإِبَاءِ: بَشَائِرُ الفَرَجِ بَعدَ اجتِمَاعِ العُسرَينِ وَفِقهُ المُوَاسَاةِ وَالنَّجدَةِ فِي زَمَنِ النَّوَازِلِ

مشاركة
غَيثُ السَّمَاءِ وَبَردُ الخِيَامِ فِي غَزَّةَ الإِبَاءِ: بَشَائِرُ الفَرَجِ بَعدَ اجتِمَاعِ العُسرَينِ وَفِقهُ المُوَاسَاةِ وَالنَّجدَةِ فِي زَمَنِ النَّوَازِلِ الحَمدُ للهِ مُرْسِلِ الرِّيَاحِ وَمُنشِئِ السَّحَابِ الثِّقَالِ، وَمُنَزِّلِ الغَيثِ بَعدَ القُنُوطِ وَالإِمحَالِ، وَمُبَدِّلِ العُسرِ بِاليُسرِ وَالضِّيقِ بِالانفِرَاجِ فِي كُلِّ حَالٍ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الصَّابِرِينَ المُحتَسِبِينَ تَحتَ قَطَرَاتِ الأَمطَارِ، الثَّابِتِينَ فِي مَيَادِينِ الِابتِلَاءِ وَالِاصطِبَارِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَادِرُ القَهَّارُ، الرَّحِيمُ الغَفَّارُ، الَّذِي يُحيِي الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا فَتُزهِرُ بَعدَ الجَفَافِ رُبَاهَا، وَيُحيِي الأُمَمَ المَكلُومَةَ بَعدَ قَرحِهَا فَتَبلُغُ بِالصَّبرِ مُنَاهَا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، الَّذِي شَدَّ عَلَى بَطنِهِ الحَجَرَ مِنَ الجُوعِ، وَصَبَرَ مَعَ أَصحَابِهِ فِي خَندَقِ البَردِ وَالهُلُوعِ، حَتَّى جَاءَهُ نَصرُ اللهِ وَالفَتحُ المَسمُوعُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَصَحَابَتِهِ المَهاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، وَعَلَى كُلِّ مُرَابِطٍ صَابِرٍ اقتَفَى أَثَرَهُم إِلَى يَومِ القَرَارِ، أَمَّا بَعد: فَأُوصِيكُم -يَا أَهلَ غَزَّةَ المُرَابِطِينَ، وَيَا عِزَّ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ؛ فَهِيَ الدِّفءُ إِذَا اشتَدَّ الزَّمهَرِيرُ، وَهِيَ المَأوَى إِذَا هُدِّمَتِ الدُّورُ وَالقُصُورُ، وَهِيَ الحِصنُ المَنِيعُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَى أَعتَابِهِ كُلُّ الشُّرُورِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ سُورَةِ آلِ عِمرَان: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. أَيُّهَا الصَّامِدُونَ فِي خِيَامِ الصَّبرِ وَالإِبَاءِ، يَا مَنِ افْتَرَشتُمُ الغَبرَاءَ وَالتَحَفتُمُ السَّمَاءَ: هَا هِيَ سَحَائِبُ الشِّتَاءِ قَد أَظَلَّتْ سَمَاءَكُم، وَهَا هُوَ الغَيثُ قَد هَطَلَ عَلَى دِيَارِكُم وَخِيَامِكُم؛ فَاخْتَلَطَ مَاءُ المَطَرِ بِدُمُوعِ الصَّابِرِينَ، وَامتَزَجَ بَردُ الشِّتَاءِ بِأَنِينِ الأَطفَالِ وَالنَّازِحِينَ! وَلَكِنَّ المُؤمِنَ البَصِيرَ الَّذِي يَنظُرُ بِنُورِ القُرآنِ، لَا يَقرَأُ نُزُولَ المَطَرِ بِعَينِ اليَأسِ وَالحِرمَانِ، بَل يَقرَؤُهُ بِعَينِ الوَحيِ وَالإِيمَانِ؛ فَيُدرِكُ ذَلِكَ الِارتِبَاطَ القُرآنِيَّ العَمِيقَ بَينَ إِحيَاءِ الأَرضِ المَيِّتَةِ بِالغَيثِ المِدرَارِ، وَإِحيَاءِ الأُمَمِ المَكلُومَةِ بَعدَ الدَّمَارِ وَالحِصَار! تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- كَيفَ يَربِطُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ بَينَ نُزُولِ الغَيثِ عَلَى الأَرضِ الهَامِدَةِ المَحْرُوقَةِ، وَبَينَ بَعثِ الحَيَاةِ وَالعِزَّةِ فِي النُّفُوسِ المَقهُورَةِ المَسحُوقَةِ؛ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الرُّوم: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. إِنَّ الأَرضَ الَّتِي تَرَونَهَا اليَومَ قَد أَثخَنَتهَا القَذَائِفُ وَالنِّيرَانُ، وَغَطَّاهَا الرُّكَامُ وَالدُّخَانُ، هَا هِيَ تَغتَسِلُ بِمَاءِ السَّمَاءِ الطَّهُورِ، لِتُعلِنَ لِلعَالَمِ أَجمَعَ أَنَّ الرَّبَّ الَّذِي يُنَزِّلُ القَطرَ مِنَ السَّحَابِ، فَيُخرِجُ الزَّهرَ النَّضِيرَ مِن بَينِ الصَّخرِ وَاليَبَابِ، هُوَ القَادِرُ سُبحَانَهُ عَلَى أَن يُحيِيَ غَزَّةَ مِن جَدِيدٍ، وَأَن يُنبِتَ مِن تَحتِ رُكَامِهَا نَصرًا عَزِيزًا وَفَجرًا مَجِيدًا! أَلَيسَ اللهُ هُوَ القَائِلَ فِي سُورَةِ الشُّورَى آيَةً تَمسَحُ عَن قُلُوبِكُم غُبَارَ اليَأسِ وَالقُنُوط: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾؟! وَفِي الحَدِيثِ الحَسَنِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابنُ مَاجَه عَن أَبِي رَزِينٍ العُقَيلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِن قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُربِ غِيَرِهِ» -أَي قُربِ تَغيِيرِهِ لِلحَالِ مِنَ الشِّدَّةِ إِلَى الفَرَجِ-، فَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: أَوَيَضحَكُ الرَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَم»، فَقَالَ الصَّحَابِيُّ بِفِطرَتِهِ المُلْهَمَةِ: «لَن نَعدَمَ مِن رَبٍّ يَضحَكُ خَيرًا»! يَا أَهلَ غَزَّةَ الأَبرَارَ، وَيَا سَادَةَ الصَّبرِ وَالفَخَارِ: لَعَلَّ قَائِلًا مِنكُم يَنظُرُ إِلَى خَيمَتِهِ الَّتِي اقتَلَعَتهَا الرِّيَاحُ، وَأَغرَقَتهَا السُّيُولُ فِي المَسَاءِ وَالصَّبَاحِ، فَيَقُولُ فِي نَفسِهِ: لَقَدِ اجتَمَعَ عَلَينَا عُسرَانِ شَدِيدَانِ، وَبَلَاءَانِ عَظِيمَانِ؛ عُسرُ الحَربِ وَالحِصَارِ وَالنُّزُوحِ وَالتَّجوِيعِ، وَعُسرُ المَطَرِ وَالوَحلِ وَالبَردِ وَالصَّقِيع! فَأَبشِرُوا ثُمَّ أَبشِرُوا؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ سُنَنِ اللهِ الكَونِيَّةِ وَالشَّرعِيَّةِ أَنَّ «اجتِمَاعَ العُسرَينِ هُوَ أَصدَقُ أَمَارَةٍ عَلَى قُربِ الفَرَجِ وَتَبَاشِيرِ النَّصرِ»! فَالحَبلُ لَا يَنقَطِعُ إِلَّا إِذَا بَلَغَ غَايَةَ الشَّدِّ وَالإِحكَامِ، وَالفَجرُ لَا يَنبَلِجُ إِلَّا فِي أَحلَكِ سَاعَاتِ الظَّلَامِ؛ وَلِهَذَا كَرَّرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعدَهُ الصَّادِقَ فِي سُورَةِ الشَّرحِ فَقَال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. خَرَجَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ وَابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم عَلَى النَّاسِ يُبَشِّرُونَهُم بِهَذِهِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ قَائِلِينَ: «أَبشِرُوا؛ فَوَاللهِ لَن يَغلِبَ عُسرٌ يُسرَينِ»! لَاحِظُوا أَنَّ اللهَ لَم يَقُلْ: «بَعدَ العُسرِ يُسرًا»، بَل قَالَ: ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ أَي أَنَّ اليُسرَ مَقرُونٌ بِالعُسرِ مُصَاحِبٌ لَهُ، فَإِذَا تَضَاعَفَ البَلَاءُ، وَاجتَمَعَ عَلَى الأَبدَانِ بَردُ الشِّتَاءِ وَضِيقُ الخِبَاءِ، فَتِلكَ سَاعَةُ المَخرَجِ مِن رَبِّ السَّمَاءِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ البَقَرَة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالعَقِيدَةِ: إِذَا هَبَّتْ عَلَى خِيَامِكُم عَوَاصِفُ الشِّتَاءِ القَارِسَةِ، وَارتَجَفَتْ أَجسَادُ أَطفَالِكُم تَحتَ الأَغطِيَةِ المُبلَّلَةِ فِي اللَّيَالِي الدَّامِسَةِ؛ فَتَذَكَّرُوا -تَسلِيَةً لِقُلُوبِكُم وَتَثبِيتًا لِأَفئِدَتِكُم- أَنَّكُم لَستُم بِدعًا فِي هَذَا الطَّرِيقِ، بَل أَنتُم تَطَؤُونَ بِأَقدَامِكُمُ المُبَارَكَةِ مَوطِئَ سَيِّدِ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ فِي «لَيَالِي الخَندَقِ» العَصِيبَة! أَعِيدُوا بِذَاكِرَتِكُم ذَلِكَ المَشهَدَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ؛ حِينَ تَحَزَّبَتِ الأَحزَابُ عَلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مِن كُلِّ مَكَانٍ، وَحُوصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ فِي أَشَدِّ لَيَالِي الشِّتَاءِ بَردًا وَزَمهَرِيرًا، وَأَقسَاهَا جُوعًا وَخَوفًا وَتَقتِيرًا؛ حَتَّى وَصَفَ اللهُ تَعَالَى حَالَهُم فِي سُورَةِ الأَحزَابِ فَقَال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. فِي تِلكَ اللَّيَالِي الشَّاتِيَةِ المُظلِمَةِ، كَانَ الصَّحَابَةُ يَعصِبُونَ الحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِم مِن شِدَّةِ الجُوعِ وَالخَوَاءِ، وَكَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَكرَمُ الخَلقِ عَلَى اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد عَصَبَ عَلَى بَطنِهِ الشَّرِيفِ حَجَرَينِ اثنَين! وَاستَمِعُوا إِلَى حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ يَروِي لَنَا فِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ صُورَةً حَيَّةً مِن بَردِ الخَندَقِ فَيَقُولُ: «لَقَد رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَيلَةَ الأَحزَابِ، وَأَخَذَتنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ» -أَي بَردٌ قَارِسٌ يَقطَعُ الأَوصَالَ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا رَجُلٌ يَأتِينِي بِخَبَرِ القَومِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ؟» فَسَكَتَ القَومُ فَلَم يُجِبهُ مِنهُم أَحَدٌ مِن شِدَّةِ الخَوفِ وَالجُوعِ وَالبَردِ! حَتَّى نَادَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حُذَيفَةَ بِاسمِهِ، فَقَامَ وَهُوَ يَرتَعِدُ مِنَ القُرِّ، فَمَسَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَدَعَا لَهُ قَائِلًا: «اللَّهُمَّ احفَظهُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ، وَعَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ، وَمِن فَوقِهِ وَمِن تَحتِهِ»؛ قَالَ حُذَيفَةُ: فَوَاللهِ مَا خَلَقَ اللهُ فِيمَا بَينِي وَبَينَ القَومِ مِن خَوفٍ وَلَا بَردٍ، فَمَضَيتُ كَأَنَّمَا أَمشِي فِي حَمَّامٍ دَافِئ! فَيَا أَهلَ غَزَّةَ: إِنَّ رَبَّ الخَندَقِ هُوَ رَبُّ غَزَّةَ! وَإِنَّ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ وَالدِّفءَ عَلَى قَلبِ حُذَيفَةَ وَأَصحَابِهِ فِي زَمهَرِيرِ الأَحزَابِ، ثُمَّ أَرسَلَ الرِّيحَ وَالجُنُودَ فَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ، لَقَادِرٌ عَلَى أَن يُنزِلَ دِفءَ سَكِينَتِهِ عَلَى خِيَامِكُم، وَأَن يَقلِبَ مِحنَتَكُم إِلَى مِنحَةٍ وَنَصرٍ مُبِين! ثُمَّ اعلَمُوا -يَا أَهلَ الصَّبرِ وَالمَصَابَرَةِ- أَنَّ كُلَّ رَجفَةِ بَردٍ تَسري فِي أَبدَانِكُم، وَكُلَّ قَطرَةِ مَطَرٍ تَبلُّ ثِيَابَكُم، وَكُلَّ لَيلَةٍ تَسهَرُ فِيهَا الأُمُّ تَحضُنُ طِفلَهَا لِتَقِيَهُ قَسوَةَ الصَّقِيعِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مَكتُوبٌ عِندَ اللهِ فِي دِيوَانِ الجِهَادِ وَالرِّبَاطِ، مَرفُوعٌ بِهِ الدَّرَجَاتُ، مَمحُوٌّ بِهِ السَّيِّئَاتُ! أَلَم تَسمَعُوا قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ وَهُوَ يُسَجِّلُ آثَارَ المَشَقَّةِ فِي مِيزَانِ الآخِرَة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؟! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِن خَطَايَاهُ»! فَكَيفَ إِذَا اجتَمَعَ مَعَ الصَّبرِ عَلَى البَردِ إِسبَاغُ الوُضُوءِ بِالمَاءِ البَارِدِ، وَخَوضُ الطِّينِ وَالأَوحَالِ لِعِمَارَةِ المَسَاجِدِ وَالمُصَلَّيَاتِ؟! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ؛ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»! وَكَانَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَ احتِضَارِهِ يَبكِي شَوقًا إِلَى مَوَاقِفِ العُبُودِيَّةِ فِي حَرِّ الصَّيفِ وَبَردِ الشِّتَاءِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أَنِّي لَم أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنيَا وَطُولَ البَقَاءِ فِيهَا لِكرِيِ الأَنهَارِ وَلَا لِغَرسِ الأَشجَارِ، وَلَكِنْ لِظَمَإِ الهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ فِي لَيَالِي الشِّتَاءِ، وَمُزَاحَمَةِ العُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِندَ حِلَقِ الذِّكرِ»! أَيُّهَا السَّاكِنُونَ فِي الخِيَامِ البَالِيَةِ، وَالقِطَعِ البِلَاستِيكِيَّةِ الوَاهِيَةِ: لَا تَحزَنُوا إِذَا تَمَزَّقَتْ أَروِقَةُ خِيَامِكُم فِي الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَارفَعُوا أَبصَارَ قُلُوبِكُم إِلَى مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلصَّابِرِينَ مِنكُم مِنَ القُصُورِ العَالِيَةِ، وَ«خِيَامِ اللُّؤلُؤِ المُجَوَّفِ» فِي الجِنَانِ البَاقِيَة! فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَد عَلِمَ ضَعفَ خِيَامِكُم فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَأَبدَلَ الصَّابِرِينَ مِنكُم خِيَامًا فِي دَارِ القَرَارِ، لَا يَتَسَرَّبُ إِلَيهَا مَطَرٌ مُؤذٍ، وَلَا تَعصِفُ بِهَا رِيحٌ صَرصَرٌ، وَلَا يَمسُّ سَاكِنِيهَا حَرٌّ وَلَا بَردٌ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الإِنسَانِ وَاصِفًا نَعِيمَ أَهلِ الجَنَّة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾؛ أَي لَا يَرَونَ فِيهَا حَرًّا مُزعِجًا وَلَا بَردًا قَارِسًا! وَاسْمَعُوا إِلَى وَصفِ خَيمَةِ المُؤمِنِ فِي الجَنَّةِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلمُؤمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيمَةً مِن لُؤلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا، لِلمُؤمِنِ فِيهَا أَهلُونَ، يَطُوفُ عَلَيهِمُ المُؤمِنُ فَلَا يَرَى بَعضُهُم بَعضًا»! اللهُ أَكبَرُ! خَيمَةٌ بِأَقبِيَتِهَا وَأَعمِدَتِهَا وَسُقُوفِهَا مَنحُوتَةٌ مِن لُؤلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ صَافِيَةٍ مُجَوَّفَةٍ، ارتفاعُهَا أَو امتِدَادُهَا سِتُّونَ مِيلًا، هِيَ الجَزَاءُ الأَوفَى لِمَن صَبَرَ فِي خَيمَةِ النُّزُوحِ وَالرِّبَاطِ عَلَى أَرضِ غَزَّةَ المُقَدَّسَةِ فَلَم يَجزَعْ وَلَم يَتَبَدَّل! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ وَلِيِّ الصَّابِرِينَ، وَنَاصِرِ المُستَضعَفِينَ، وَجَابِرِ كَسرِ المُنكَسِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعد: فَيَا أَهلَ غَزَّةَ الكِرَامَ: إِنَّ نُزُولَ المَطَرِ وَالبَردِ فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ القَاسِيَةِ لَيسَ ابتِلَاءً لِأَصحَابِ الخِيَامِ الغَارِقَةِ وَحدَهُم، بَل هُوَ اختِبَارٌ إِيمَانِيٌّ عَسِيرٌ لِكُلِّ مَن بَقِيَ لَهُ جِدَارٌ يَأوِيهِ، أَو سَقفٌ يَحمِيهِ، أَو فَضلُ غِطَاءٍ وَطَعَامٍ يُدَارِيهِ! إِنَّ أَعظَمَ عُبُودِيَّةٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا العَبدُ إِلَى رَبِّهِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ هِيَ «عُبُودِيَّةُ الإِيوَاءِ وَالمُوَاسَاةِ وَالإِيثَارِ»؛ أَن نُحيِيَ فِي شَوَارِعِ غَزَّةَ وَأَحيَائِهَا سِيرَةَ الأَنصَارِ مَعَ إِخوَانِهِمُ المُهَاجِرِينَ الأَبرَارِ، الَّذِينَ خَلَّدَ اللهُ ذِكرَهُم فِي سُورَةِ الحَشرِ فَقَال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَفَرٍ أَصَابَتِ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ وَحَاجَةٌ: «مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلُ زَادٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لَا زَادَ لَهُ»؛ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَذَكَرَ مِن أَصنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَينَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضلٍ! فَيَا مَن سَلِمَ بَيتُهُ أَو بَعضُ بَيتِهِ، وَيَا مَن عِندَهُ غُرفَةٌ دَافِئَةٌ أَو أَغطِيَةٌ زَائِدَةٌ أَو ثِيَابٌ شِتوِيَّةٌ: كَيفَ يَطِيبُ لَكَ النَّومُ تَحتَ سَقفِكَ وَجَارُكَ النَّازِحُ يَحمِلُ أَطفَالَهُ فِي جَوفِ اللَّيلِ بَعدَ أَن طَفَتْ خَيمَتُهُ عَلَى وَجهِ المَاءِ؟! افتَحُوا بُيُوتَكُم وَقُلُوبَكُم لِإِخوَانِكُم، وَ اقتَسِمُوا الرَّغِيفَ وَالغِطَاءَ وَالمَأوَى كَمَا كَانَ الأَشعَرِيُّونَ يَقتَسِمُونَ زَادَهُم فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ عِندَ الشَّدَائِد! وَإِلَى شَبَابِ غَزَّةَ الأَبطَالِ، وَرِجَالِ المُرُوءَةِ وَالشَّهَامَةِ فِي كُلِّ حَيٍّ وَمُخَيَّمٍ: إِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ هِيَ سَاعَةُ «النَّجدَةِ المَيدَانِيَّةِ وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الشَّوَارِعِ وَالخِيَامِ»! هُبُّوا -بَارَكَ اللهُ فِي سَوَاعِدِكُم- بِالمَعَاوِلِ وَالمَجَارِفِ وَالسَّوَاعِدِ الفَتِيَّةِ؛ احفِرُوا القَنَوَاتِ حَولَ الخِيَامِ لِتَصرِيفِ مِيَاهِ الأَمطَارِ، وَارفَعُوا السَّوَاتِرَ التُّرَابِيَّةَ لِصَدِّ السُّيُولِ عَن مَضَاجِعِ الأَيتَامِ وَالأَرَامِلِ وَالشُّيُوخِ الكِبَارِ، وَشُدُّوا أَطنَابَ الخِيَامِ المُمَزَّقَةِ، وَأَمِيطُوا الأَذَى وَالأَوحَالَ وَالحِجَارَةَ عَن طُرُقَاتِ النَّاسِ! فَوَاللهِ إِنَّ إِنقَاذَ خَيمَةٍ غَارِقَةٍ، أَو حَملَ عَجُوزٍ مِن وَسَطِ الوَحلِ، أَو تَجفِيفَ فِرَاشِ طِفلٍ يَرتَجِفُ، لَهُوَ مِن أَعظَمِ القُرُبَاتِ الَّتِي تُوجِبُ مَعِيَّةَ رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «مَن نَفَّسَ عَن مُؤمِنٍ كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِي عَونِ أَخِيهِ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِغُصنِ شَوكٍ عَلَى ظَهرِ طَرِيقٍ فَقَالَ: وَاللهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ المُسلِمِينَ لَا يُؤذِيهِم، فَأُدخِلَ الجَنَّةَ! فَكَيفَ بِمَن يُنَحِّي السُّيُولَ وَالأَنقَاضَ وَالبَردَ عَن خِيَامِ المُرَابِطِينَ وَالمَكلُومِين؟! وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّنَا نُوَجِّهُ صَيحَةَ نَذِيرٍ، وَتَحذِيرًا شَدِيدًا يَهُزُّ الضَّمَائِرَ هَزًّا، إِلَى كُلِّ مَن تَسَوَّلَ لَهُ نَفسُهُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ «احتِكَارَ السِّلَعِ وَاستِغلَالَ حَاجَةِ النَّاسِ فِي البَردِ وَالمَطَرِ»! يَا مَن تَحتَكِرُ الشَّوَادِرَ وَالأَغطِيَةَ وَالأَخشَابَ وَالحَطَبَ وَالمَلَابِسَ الشِّتوِيَّةَ وَالطَّعَامَ وَالدَّوَاءَ، فَتَحبِسُهَا عَنِ النَّاسِ أَو تَرفَعُ أَسعَارَهَا أَضعَافًا مُضَاعَفَةً حِينَ تَرَى المَطَرَ يَنهَمِرُ عَلَى رُؤُوسِ الأَطفَالِ وَالنِّسَاءِ: أَمَا تَستَحِي مِنَ اللهِ؟! أَمَا تَخشَى وَقفةَ الحِسَابِ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ؟! أَتَبنِي ثَروَتَكَ عَلَى جَمَاجِمِ إِخوَانِكَ وَأَنِينِ الصِّبيَةِ الجِيَاعِ المَقرُورِينَ؟! اِسمَعْ إِلَى وَعِيدِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن مَعمَرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»؛ أَي عَاصٍ آثِمٌ مُتَعَرِّضٌ لِسَخَطِ اللهِ! وَاسْمَعْ إِلَى الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ عَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن دَخَلَ فِي شَيءٍ مِن أَسعَارِ المُسلِمِينَ لِيُغلِيَهُ عَلَيهِم، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُقعِدَهُ بِعُظمٍ مِنَ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ»! فَاتَّقُوا اللهَ يَا تُجَّارَ غَزَّةَ، وَكُونُوا أَرحَمَ بِإِخوَانِكُم مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِهَا؛ فَمَن سَمَحَ وَيَسَّرَ وَخَفَّضَ السِّعرَ وَأَعَانَ المَلهُوفَ بَارَكَ اللهُ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَنِ استَغَلَّ كَربَةَ النَّاسِ فِي البَردِ وَالحِصَارِ فَقَدِ اشتَرَى سَخَطَ الجَبَّارِ وَمَحقَ البَرَكَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَة! وَأَخِيرًا -يَا أَهلَ غَزَّةَ المُرَابِطِينَ-: لَا تَنسَوا أَنَّ «نُزُولَ الغَيثِ هُوَ مَوطِنٌ عَظِيمٌ مِن مَوَاطِنِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَكَشفِ البَلَاءِ»! فَإِذَا سَمِعتُم هَزِيمَ الرَّعدِ، وَرَأَيتُم وَمِيضَ البَرقِ، وَانْهَمَرَتْ قَطَرَاتُ الغَيثِ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَاعلَمُوا أَنَّ أَبوَابَ السَّمَاءِ مَفتُوحَةٌ لِدَعَوَاتِكُم؛ فَقَد ثَبَتَ فِي مُستَدرَكِ الحَاكِمِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثِنتَانِ مَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِندَ النِّدَاءِ، وَتَحتَ المَطَرِ»! وَإِذَا اجتَمَعَ لَكُم دُعَاءُ المَظلُومِ المَقهُورِ، وَدُعَاءُ المُرَابِطِ الصَّابِرِ، وَالدُّعَاءُ تَحتَ المَطَرِ المَنهَمِرِ؛ فَأَيُّ حِجَابٍ يَحجُبُ هَذَا الدُّعَاءَ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟! قُولُوا كَمَا عَلَّمَكُم نَبِيُّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عِندَ نُزُولِ المَطَرِ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»، فَإِنْ زَادَ المَطَرُ وَخِفتُم ضَرَرَهُ عَلَى الخِيَامِ وَالطُّرُقَاتِ، فَقُولُوا كَمَا دَعَا نَبِيُّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ: «اللَّهُمَّ حَوَالَينَا وَلَا عَلَينَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَودِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»! أَلَا فَارفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَى مَولَاكُم، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم وَمُصطَفَاكُم؛ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ فِي قَولِهِ الكَرِيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين. اللَّهُمَّ يَا مُنزِلَ الغَيثِ مِنَ الغَمَامِ، وَيَا كَاشِفَ الكَربِ العِظَامِ، وَيَا سَامِعَ أَنِينِ الأَطفَالِ وَالأَيتَامِ فِي ظُلُمَاتِ الخِيَامِ؛ أَنزِلْ عَلَى أَهلِنَا فِي غَزَّةَ دِفئًا مِن رَحمَتِكَ، وَأَمَانًا مِن سَكِينَتِكَ، وَفَرَجًا عَاجِلًا مِن لَدُنكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. اللَّهُمَّ اجعَلْ هَذَا المَطَرَ صَيِّبًا نَافِعًا رَحِيمًا هَنِيئًا، وَلَا تَجعَلهُ عَذَابًا وَلَا غَرَقًا وَلَا هَدمًا عَلَى خِيَامِ النَّازِحِينَ وَالمُستَضعَفِين؛ اللَّهُمَّ حَوَالَينَا وَلَا عَلَينَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَودِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَر. اللَّهُمَّ كُنْ لِأَهلِ الخِيَامِ وَلِيًّا وَنَصِيرًا، وَمُعِينًا وَظَهِيرًا؛ اللَّهُمَّ آوِ شَرِيدَهُم، وَأَطعِم جَائِعَهُم، وَاكسُ عَارِيَهُم، وَأَدفِئ مَقرُورَهُم، وَاشفِ جَرِيحَهُم، وَتَقَبَّل شَهِيدَهُم، وَأَبدِلهُم بِخِيَامِهِمُ الفَانِيَةِ دُورًا عَامِرَةً فِي الدُّنيَا، وَخِيَامًا مِنَ اللُّؤلُؤِ المُجَوَّفِ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ وَفِّق أَهلَ المُرُوءَةِ وَالإِحسَانِ لِمُوَاسَاةِ إِخوَانِهِم، وَاكتُب أَجرَ كُلِّ مَن آوَى نَازِحًا أَو كَسَا عَارِيًا أَو أَعَانَ مَلهُوفًا، وَاشدُد وَطأَتَكَ عَلَى أَعدَائِكَ أَعدَاءِ الدِّينِ، وَعَلَى كُلِّ مُحتَكِرٍ ظَالِمٍ يَستَغِلُّ كَربَةَ المُؤمِنِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.