غَزوَةُ أُحُدٍ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ فِي الثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ وَتَمحِيصِ الصَّفِّ المُؤمِنِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُطَوَّلَةٌ عَن مَشَاهِدِ الفِدَاءِ وَسُنَنِ النَّصرِ وَالِابتِلَاءِ
الحَمدُ للهِ الحَكِيمِ العَلِيم، العَزِيزِ الرَّحِيم، الَّذِي يُدَاوِلُ الأَيَّامَ بَينَ النَّاسِ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَتَّخِذَ مِن عِبَادِهِ شُهَدَاء، وَجَعَلَ فِي الِابتِلَاءِ تَمحِيصًا لِلقُلُوبِ المُؤمِنَةِ وَكَشفًا لِأَهلِ النِّفَاقِ وَالأَهوَاء، وَأَنزَلَ فِي يَومِ أُحُدٍ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ تُتلَى فِي المَحَارِيبِ مَا دَامَتِ الأَرضُ وَالسَّمَاء، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩-١٤٠]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، لَهُ الحُكمُ وَالأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعد، وَهُوَ الصَّادِقُ فِي الوَعِيدِ وَالوَعد، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي ثَبَتَ يَومَ أُحُدٍ كَالطَّودِ الأَشَمِّ حِينَ زُلزِلَتِ الأَقدَام، وَسَالَت دِمَاؤُهُ الزَّكِيَّةُ فِي سَبِيلِ تَبلِيغِ دِينِ المَلِكِ العَلَّام، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ فَدَوهُ بِالمُهَجِ وَالأَعمَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المَنشَطِ وَالمَكرَهِ وَالعُسرِ وَاليُسر؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِذَا كَانَ يَومُ بَدرٍ قَد عَلَّمَ الأُمَّةَ كَيفَ يَنتَصِرُ القَلِيلُ المُستَضعَفُ إِذَا اعتَصَمَ بِاللهِ وَأَطَاعَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ «يَومَ أُحُدٍ» قَد عَلَّمَ الأُمَّةَ دَرسًا لَا يَقِلُّ عَنهُ عَظَمَةً وَخُلُودًا: كَيفَ تُمتَحَنُ القُلُوبُ عِندَ الجِرَاح، وَمَاذَا تَفعَلُ المَعصِيَةُ الوَاحِدَةُ لِأَمرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَفِّ الأُمَّة، وَكَيفَ يَثبُتُ الرِّجَالُ الصَّادِقُونَ إِذَا ادلَهَمَّتِ الخُطُوبُ وَتَكَالَبَ الأَعدَاء! وَلِعِظَمِ شَأنِ هَذِهِ الغَزوَةِ أَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا سِتِّينَ آيَةً مُتَتَابِعَةً مِن سُورَةِ آلِ عِمرَان، تُشرِّحُ الأَحدَاثَ، وَتُطَبِّبُ الجِرَاحَ، وَتُرَسِّخُ السُّنَنَ الرَّبَّانِيَّةَ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّل.
عِبَادَ اللهِ: لَقَد وَقَعَت غَزوَةُ أُحُدٍ فِي شَهرِ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلهِجرَة؛ حِينَ جَمَعَت قُرَيشٌ أَحَابِيشَهَا وَحُلَفَاءَهَا فِي جَيشٍ قِوَامُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، مَعَهُم مِائَتَا فَرَسٍ وَسَبعُمِائَةِ دِرعٍ، جَاؤُوا يَطلُبُونَ الثَّأرَ لِقَتلَاهُم فِي يَومِ بَدرٍ، حَتَّى نَزَلُوا عِندَ سَفحِ جَبَلِ أُحُدٍ شَمَالَ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّة.
وَفِي المَدِينَةِ عَقَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَجلِسَ الشُّورَى مَعَ أَصحَابِهِ الكِرَام؛ وَكَانَ رَأيُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ البَقَاءَ فِي المَدِينَةِ وَالتَّحَصُّنَ بِهَا، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الشَّبَابِ وَمَن لَم يَشهَدْ بَدرًا أَلَحُّوا فِي الخُرُوجِ إِلَى مَلاقَاةِ العَدُوِّ تَشَوُّقًا إِلَى الشَّهَادَةِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِندَ رَأيِ الأَغلَبِيَّةِ وَدَخَلَ بَيتَهُ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ -أَي دِرعَهُ وَسِلَاحَهُ- فَلَمَّا نَدِمَ القَومُ وَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، استَكرَهنَاكَ فَاِفعَلْ مَا شِئتَ»، قَالَ لَهُم كَلِمَةَ القَائِدِ الحَازِمِ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَد: «مَا يَنبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَن يَضَعَهَا حَتَّى يَحكُمَ اللهُ بَينَهُ وَبَينَ عَدُوِّهِ!».
وَفِي الطَّرِيقِ إِلَى أُحُدٍ بَدَأَت أُولَى حَلَقَاتِ التَّمحِيصِ الإِلَهِيِّ؛ فَإِنَّ الجَيشَ خَرَجَ فِي أَلفِ رَجُلٍ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا مَوضِعَ الشَّوطِ، انخَزَلَ رَأسُ المُنَافِقِينَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ بِثُلُثِ الجَيشِ -ثَلَاثِمِائَةِ مُنَافِقٍ- فِي أَخطَرِ لَحظَةٍ عَسكَرِيَّةٍ؛ لِيُحدِثَ البَلبَلَةَ وَالِانهِيَارَ فِي صَفِّ المُسلِمِين! وَلَكِنَّ حِكمَةَ اللهِ كَانَت تَقتَضِي تَطهيرَ الجَيشِ النَّبَوِيِّ مِن هَؤُلَاءِ المُخذِّلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
بَينَمَا كَانَ الكِبَارُ مِنَ المُنَافِقِينَ يَفرُّونَ مِنَ المَعرَكَةِ، انظُرُوا مَاذَا كَانَ يَصنَعُ صِبيَانُ الصَّحَابَةِ وَفِتيَانُهُم! اسْتَعرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الجَيشَ فَرَدَّ غِلمَانًا صِغَارًا لَم يَبلُغُوا الخَامِسَةَ عَشرَةَ شَفَقَةً عَلَيهِم، فَقِيلَ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ رَامٍ يُجِيدُ الرَّميَ!»، فَأَجَازَهُ، فَوَثَبَ الغُلَامُ البَطَلُ سَمُرَةُ بنُ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَالَ: «أَنَا أَصرَعُ رَافِعًا يَا رَسُولَ اللهِ!»، فَتَصَارَعَا بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَصَرَعَهُ سَمُرَةُ، فَأَجَازَهُمَا مَعًا! أَيُّ جِيلٍ هَذَا الَّذِي يَبكِي فِيهِ الصَّبِيُّ ابنُ أَربَعَ عَشرَةَ سَنَةً شَوقًا إِلَى الجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟!
وَلَمَّا وَصَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سَبعِمِائَةٍ مِن أَصحَابِهِ إِلَى أُحُدٍ، صَفَّ الجَيشَ وَجَعَلَ ظَهرَهُم إِلَى جَبَلِ أُحُدٍ، ثُمَّ نَظَرَ بِبَصِيرَةِ القَائِدِ المُلْهَمِ إِلَى الثَّغرَةِ الوَحِيدَةِ الَّتِي يُمكِنُ أَن يُؤتَى المُسلِمُونَ مِنهَا، وَهِيَ «جَبَلُ الرُّمَاةِ» -جَبَلُ عَينَينِ- فَأَقَامَ عَلَيهِ خَمسِينَ رَامِيًا بَقيَادَةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبدِ اللهِ بنِ جُبَيرٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَأَصدَرَ إِلَيهِم أَمرًا عَسكَرِيًّا صَارِمًا قَاطِعًا لَا يَقبَلُ التَّأوِيلَ وَلَا الِاجتِهَاد! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِن رَأَيتُمُونَا تَخطَفُنَا الطَّيرُ فَلَا تَبرَحُوا مَكَانَكُم هَذَا حَتَّى أُرسِلَ إِلَيكُم، وَإِن رَأَيتُمُونَا هَزَمنَا القَومَ وَأَوطَأنَاهُم فَلَا تَبرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إِلَيكُم!».
وَدَارَت رَحَى المَعرَكَةِ فِي فُصُولِهَا الأُولَى، فَكَانَ نَصرًا كَاسِحًا لِلمُسلِمِين! تَقَدَّمَ أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وَأَبُو دُجَانَةَ الأَنصَارِيُّ الَّذِي أَخَذَ سَيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحَقِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِين؛ فَصَرَعُوا حَمَلَةَ لِوَاءِ المُشرِكِينَ وَاحِدًا تِلوَ الآخَرِ حَتَّى سَقَطَ اللِّوَاءُ عَلَى الأَرضِ فَلَم يَجرُؤْ أَحَدٌ مِن قُرَيشٍ عَلَى رَفعِه، وَولَّى جَيشُ المُشرِكِينَ الأَدبَارَ مَهزُومِينَ، وَنِسَاؤُهُم يَشتَدِدنَ فِي الجَبَلِ، وَأَقبَلَ المُسلِمُونَ يَجمَعُونَ الغَنَائِمَ فِي المَيدَان!
وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ، وَقَعَ الامتِحَانُ الرَّهِيبُ فَوقَ جَبَلِ الرُّمَاة! نَظَرَ أَغلَبُ الرُّمَاةِ إِلَى المَيدَانِ فَرَأَوُا المُشرِكِينَ قَدِ انهَزَمُوا، وَرَأَوا إِخوَانَهُم يَجمَعُونَ الغَنَائِمَ، فَقَالُوا: «الغَنِيمَةَ! يَا قَومُ الغَنِيمَةَ! ظَهَرَ أَصحَابُكُم فَمَا تَنتَظِرُونَ؟!». فَوَقَفَ أَمِيرُهُم عَبدُ اللهِ بنُ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُذَكِّرُهُم بِاللهِ وَيَصِيحُ فِيهِم: «أَنَسِيتُم مَا قَالَ لَكُم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟!»، قَالُوا: «وَاللهِ لَنَأتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ!»؛ ظَنًّا مِنهُم أَنَّ المَعرَكَةَ قَدِ انتَهَت وَأَنَّ الأَمرَ كَانَ مُقَيَّدًا بِحَالِ الحَرب! فَنَزَلَ أَربَعُونَ رَجُلًا، وَبَقِيَ عَبدُ اللهِ بنُ جُبَيرٍ فِي عَشَرَةٍ مِن أَصحَابِهِ ثَابِتِينَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى استُشهِدُوا عَن آخِرِهِم!
وَابصَرَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ -وَكَانَ يَومَئِذٍ عَلَى خَيلِ المُشرِكِينَ قَبلَ إِسلَامِهِ- خُلُوَّ الجَبَلِ مِنَ الرُّمَاةِ، فَكَرَّ بِفُرسَانِ قُرَيشٍ مِن خَلفِ الجَبَلِ، وَأَطبَقُوا عَلَى المُسلِمِينَ مِنَ الخَلفِ وَالأَمَام! فَتَحَوَّلَ النَّصرُ فِي لَحَظَاتٍ إِلَى ابتِلَاءٍ عَصِيبٍ وَقَرحٍ شَدِيد؛ كَمَا صَوَّرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذَا المَشهَدَ بِقَولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
عِبَادَ اللهِ: فِي قَلبِ تِلكَ العَاصِفَةِ الهَوجَاءِ، حِينَ اضطَرَبَتِ الصُّفُوفُ، وَأُشِيعَ فِي المَيدَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد قُتِل، تَجَلَّت أَعظَمُ مَلاحِمِ الثَّبَاتِ وَالفِدَاءِ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّة!
ثَبَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أَصحَابِهِ لَا يَتَزَحزَحُ قَيدَ أُنمُلَة، وَهُوَ يُنَادِي بِصَوتِهِ الجَهوَرِيِّ الشَّجَاع: «إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ! أَنَا رَسُولُ اللهِ!». وَخلَصَ إِلَيهِ العَدُوُّ فَشُجَّ وَجهُهُ الشَّرِيفُ، وَكُسِرَت رُبَاعِيَتُهُ اليُمنَى السُّفلَى، وَهُشِمَتِ البَيضَةُ عَلَى رَأسِهِ، وَدَخَلَت حَلقَتَانِ مِن حِلَقِ المِغفَرِ فِي وَجنَتِهِ المُبَارَكَةِ، فَجَعَلَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن وَجهِهِ الكَرِيمِ وَيَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «كَيفَ يُفلِحُ قَومٌ شَجُّوا نَبِيَّهُم، وَكَسَرُوا رُبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى اللهِ؟!»، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وَانظُرُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ تَحَوَّلَت أَجسَادُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ يَومَئِذٍ إِلَى دُرُوعٍ بَشَرِيَّةٍ تَحمِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
هَذَا أَبُو طَلحَةَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ، يَتَتَرَّسُ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحَجَفَتِهِ وَصَدرِهِ، فَكُلَّمَا رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَأسَهُ لِيَنظُرَ إِلَى القَومِ قَالَ لَهُ أَبُو طَلحَةَ: «بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تُشرِفْ يُصِبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نَحرِي دُونَ نَحرِكَ!».
وَهَذَا طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن قَيسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: «رَأَيتُ يَدَ طَلحَةَ الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد شُلَّت!»؛ تَلَقَّى السِّهَامَ وَضَرَبَاتِ السُّيُوفِ بِكَفِّهِ دُونَ وَجهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى شُلَّت يَدُهُ وَأُصِيبَ بِبِضعٍ وَثَلَاثِينَ جُرحًا، فَقَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيح: «مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمشِي عَلَى وَجهِ الأَرضِ فَلْيَنظُرْ إِلَى طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ!».
وَهَذَا أَبُو دُجَانَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَحنِي ظَهرَهُ فَوقَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَتَقَعُ النَّبلُ فِي ظَهرِهِ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّك! وَهَؤُلَاءِ سَبعَةٌ مِنَ الأَنصَارِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَاتَلُوا دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُتِلُوا وَاحِدًا بَعدَ وَاحِدٍ، وَآخِرُهُم زِيَادُ بنُ السَّكَنِ أَو عُمَارَةُ بنُ يَزِيدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَاتَلَ حَتَّى أَثبَتَتهُ الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَدنُوهُ مِنِّي»، فَأَدنَوهُ مِنهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ الشَّرِيفَةَ، فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
وَاسْمَعُوا إِلَى مَوقِفِ البَطَلِ الخَالِدِ أَنَسِ بنِ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ؛ حِينَ مَرَّ بِقَومٍ مِنَ المُسلِمِينَ قَد أَلقَوا مَا بِأَيدِيهِم بَعدَ إِشَاعَةِ مَقتَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا يَجلِسُكُم؟»، قَالُوا: «قُتِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!»، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي هَزَّتِ الزَّمَان: «فَمَا تَصنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعدَهُ؟! قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!»، ثُمَّ استَقبَلَ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا سَعدُ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضرِ! إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِن دُونِ أُحُدٍ!»، ثُمَّ اقتَحَمَ صُفُوفَ العَدُوِّ حَتَّى استُشهِدَ وَفِي جَسَدِهِ بِضعٌ وَثَمَانُونَ ضَربَةً بِالسَّيفِ وَطَعنَةً بِالرُّمحِ وَرَميَةً بِالسَّهم، فَلَم يَعرِفْهُ أَحَدٌ إِلَّا أُختُهُ بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَ فِيهِ وَفِي أَمثَالِهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاستَلهِمُوا مِن مَدرَسَةِ أُحُدٍ العَظِيمَةِ أَربَعَ قَوَاعِدَ وَدُرُوسٍ قُرآنِيَّةٍ خَالِدَةٍ تَحتَاجُ إِلَيهَا الأُمَّةُ فِي كُلِّ عَصرٍ وَمِصر:
الدَّرسُ الأَوَّلُ: خطُورَةُ مُخَالَفَةِ أَمرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالتَّنَازُعِ وَالفِتنَةِ بِحُطَامِ الدُّنيَا!
فَلَمَّا سَأَلَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ فِي دَهشَةٍ: «أَنَّى هَذَا وَفِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟!»، جَاءَهُمُ الجَوَابُ القُرآنِيُّ الحَاسِم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. فَيَا عَجَبًا! إِذَا كَانَت مُخَالَفَةٌ وَاحِدَةٌ مِن خِيرَةِ البَشَرِ فِي مَوقِعٍ وَاحِدٍ قَد جَلَبَت هَذَا القَرحَ وَالِابتِلَاء، فَكَيفَ تَنتَظِرُ الأُمَّةُ النَّصرَ إِذَا فَرَّطَت فِي فَرَائِضِ اللهِ، وَخَالَفَت سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَتَنَازَعَت عَلَى مَتَاعِ الدُّنيَا الزَّائِل؟!
وَالدَّرسُ الثَّانِي: أَنَّ الدِّينَ دِينُ اللهِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يَنقَلِبَ المُؤمِنُ عَلَى عَقِبَيهِ عِندَ غِيَابِ القَادَةِ أَوِ اشتِدَادِ المِحَن!
فَقَد عَاتَبَ اللهُ مَن خَارَت عَزِيمَتُهُ عِندَ إِشَاعَةِ مَقتَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ الجَلِيل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فَالرِّجَالُ وَالقَادَةُ يَمضُونَ إِلَى رَبِّهِم، وَأمَّا دِينُ اللهِ وَرَايَةُ التَّوحِيدِ فَبَاقِيَةٌ لَا تَمُوت!
وَالدَّرسُ الثَّالِثُ: كَرَامَةُ الشُّهَدَاءِ وَحَيَاتُهُمُ الأَبَدِيَّةُ عِندَ رَبِّ العَالَمِين!
فَفِي يَومِ أُحُدٍ ارتَقَى سَبعُونَ شَهِيدًا مِن سَادَةِ الصَّحَابَةِ الكِرَام؛ عَلَى رَأسِهِم سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَمُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ، وَعَبدُ اللهِ بنُ جَحشٍ، وَحَنظَلَةُ الغَسِيلُ، وَعَمرُو بنُ الجَمُوحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِين. وَفِيهِم نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَخبَرَ أَنَّ أَروَاحَهُم فِي جَوفِ طَيرٍ خُضرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ، تَسرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ شَاءَت ثُمَّ تَأوِي إِلَى تِلكَ القَنَادِيل!
وَالدَّرسُ الرَّابِعُ: النُّهُوضُ مِن بَينِ الجِرَاحِ فِي يَومِ «حَمرَاءِ الأَسَدِ»!
فَفِي صَبِيحَةِ اليَومِ التَّالِي لِغَزوَةِ أُحُدٍ مُبَاشَرَةً، أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنَهُ أَن يُنَادِيَ بِالخُرُوجِ فِي طَلَبِ جَيشِ أَبِي سُفيَانَ، وَاشْتَرَطَ أَلَّا يَخرُجَ مَعَهُ إِلَّا مَن شَهِدَ القِتَالَ بِالأَمس! فَقَامَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَهُم يَتحَامَلُونَ عَلَى جِرَاحِهِمُ النَّازِفَةِ، فَسَارُوا حَتَّى عَسكَرُوا فِي «حَمرَاءِ الأَسَدِ» ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَلقَى اللهُ الرُّعبَ فِي قُلُوبِ المُشرِكِينَ فَوَلَّوا هَارِبِينَ إِلَى مَكَّةَ، وَسَجَّلَ اللهُ لِأُولَئِكَ الأَبطَالِ وِسَامَ الشَّرَفِ الخَالِدَ بِقَولِه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَقَفَ مُتَأَمِّلًا عَظَمَةَ أُحُدٍ وَشُهَدَائِه:
سَلُوا أُحُدًا عَنِ الشُّهَدَاءِ فِيهِ ... وَعَن صَبرِ النَّبِيِّ مَعَ الكِرَامِ
فَفِي أُحُدٍ دُرُوسٌ بَاقِيَاتٌ ... تَقُودُ الجِيلَ لِلفَتحِ التَّمَامِ
إِذَا عُصِيَ الرَّسُولُ بَدَا ابتِلَاءٌ ... وَفِي طَوعِ الهُدَى عِزُّ الأَنَامِ
أُولَئِكَ فِتيَةٌ صَدَقُوا فَنَالُوا ... جِنَانَ الخُلدِ فِي دَارِ السَّلَامِ
فَاستَمسِكُوا عِبَادَ اللهِ بِطَاعَةِ رَبِّكُم وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنِين.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمزَةَ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ وَسَائِرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَبَدرٍ وَالصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا اغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا، وَثَبِّت أَقدَامَنَا، وَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِين. اللَّهُمَّ ارزُقنَا كَمَالَ الطَّاعَةِ لَكَ وَلِرَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَاجعَلنَا مِنَ الصَّادِقِينَ الثَّابِتِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى نَلقَاك. اللَّهُمَّ اجمَع كَلِمَةَ المُسلِمِينَ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّة، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِهِم، وَاجبُر كَسرَ المَنكُوبِينَ وَالمُستَضعَفِينَ مِنهُم فِي كُلِّ مَكَان. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
غَزوَةُ أُحُدٍ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ فِي الثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ وَتَمحِيصِ الصَّفِّ المُؤمِنِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُطَوَّلَةٌ عَن مَشَاهِدِ الفِدَاءِ وَسُنَنِ النَّصرِ وَالِابتِلَاءِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.