من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

كيف نشكر الله في أوقات المحن والابتلاء؟

مشاركة
🕌 الشُّكرُ في قَلبِ العاصِفَة.. كَيفَ نَحمَدُ اللهَ على البَلاء؟ #خطبة_جمعة #الشكر #الابتلاء #الصبر_والرضا #اليقين #الرضا_بالقضاء #إيمانيات #رقائق الحمدُ للهِ الذي يَبتَلي عِبادَهُ ليَرفَعَ دَرَجاتِهم ويُطَهِّرَ قُلوبَهم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعطي ليَختَبِر، ويَمنَعُ ليَحمي، ويَبتَلي ليُدني ويُقَرِّب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرينَ، وسَيِّدُ الشَّاكرينَ، وأكثَرُ النَّاسِ بَلاءً وأعظَمُهم رِضاً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: نَحنُ نَعرِفُ جَيِّداً كيفَ نَشكُرُ اللهَ إذا أعطانا، وكيفَ نَحمَدُهُ إذا رَزَقَنا، وكيف تَتَهَلَّلُ أساريرُنا بالثَّناءِ حينَ تَأتِينا المَسَرَّات... لكنْ ماذا لَو أخَذ؟ ماذا لو مَرِضَ الجَسَد، وطارَ المال، وفُقِدَ الولد، وضاقَتِ السُّبُل؟ هُناكَ مَرتبةٌ مِنَ الإيمانِ لا يَبلُغُها إلَّا القَليل، سِرٌّ يَجعَلُ العَبدَ يَبتَسِمُ والدَّمعُ في عَينَيه، ويَحمَدُ اللهَ والقَلبُ يَعصِرُهُ الألَم. هذا السِّر، وتِلكَ المَنزلةُ العاليَة، هيَ ما سَنَرحَلُ إليهِ في خُطبَتِنا اليَوم. فكيفَ نَشكُرُ اللهَ في أوقاتِ المِحَن؟ الجَوابُ سَيُغَيِّرُ نَظرَتَكُم للألَمِ إلى الأبَد. أيُّها المُسلِمون، هل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: لِماذا يَختَبِرُنا الله؟ ولِماذا تَأتي البَلايا في أحَبِّ الأشياءِ إلى قُلوبِنا؟ هل يُعقَلُ أنَّ الرَّحمنَ الرَّحيمَ، الذي هو أرحَمُ بِنا مِن أُمَّهاتِنا، يُرسِلُ إلَينا المِحَنَ لِيُعَذِّبَنا؟ كَلَّا وحاشا! إنَّ المُشكِلَةَ الحَقيقيَّةَ في تَعامُلِنا مَعَ البَلاءِ أنَّنا نَنظُرُ إلَيهِ بِعَينِ الدُّنيا القاصِرَة، لا بِعَينِ الآخِرَةِ الواسِعَة. نَحنُ نَرى في المَرَضِ ألَماً، وفي الفَقرِ حِرماناً، وفي الفَقدِ نِهايَة... ولَكِنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ يُريدُ مِنَّا أن نَرى ما وَراءَ الحِجاب. استَمِعوا إلى هذا التَّأسيسِ الرَّبَّانيِّ العَظيم. يَقولُ مَولانا سُبحانَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [سورة البقرة: 155-156]. تَأمَّلوا كَلِمَةَ "بِشَيْءٍ".. إنَّهُ بَلاءٌ مَحدود، مَقيسٌ بِدِقَّة، لا يُهْلِكُ وإنَّما يُؤلِمُ لِيُوقِظ. والناسُ أمَامَ هذا البَلاءِ عَلى ثَلاثِ مَراتِب: المَرتَبَةُ الأُولى: السَّاخِطون الجازِعون. وهَؤُلاءِ عَصَوا رَبَّهُم، وضَيَّعوا أجرَهُم، ولَم يَدفَعوا عَن أنفُسِهِمُ المُصيبَة. المَرتَبَةُ الثَّانيَة: الصَّابِرون. وهُمُ الَّذينَ يَتَجَرَّعونَ المَرارَةَ دُونَ شَكوى لِلخَلق، وهَذِهِ مَرتَبَةٌ عَظيمَةٌ واجِبَة. ولَكِن.. هُناكَ مَرتَبَةٌ ثالِثَةٌ أعلى وأجَلّ، مَرتَبَةٌ لا يَصِلُ إلَيها إلَّا المُقَرَّبون الخُلَّص... إنَّها مَرتَبَةُ "الشَّاكِرينَ في البَلاء"، الرَّاضِينَ عَنِ اللهِ في كُلِّ حال. كَيفَ يَشكُرُ الإِنسانُ رَبَّهُ عَلى مُصيبَة؟ أَيُعقَلُ أن يُحمَدَ اللهُ عَلى مَرَضٍ يُنهِكُ الجَسَد، أو عَلى وَلَدٍ يُدفَنُ تَحتَ التُّراب؟ نَعَم يا عِبادَ الله، يُحمَدُ ويُشكَرُ لِأسبابٍ عِظام، لَو أدرَكَها المُبتَلى لَطارَ قَلبُهُ فَرَحاً في عِزِّ وُقوعِ الكارِثَة. أوَّلُ هَذِهِ الأسباب: أنَّ الشَّاكِرَ لِلبَلاءِ يَعلَمُ يَقينًا أنَّ هَذِهِ المُصيبَةَ هيَ دَواءٌ مُرٌّ مِن طَبيبٍ حَكيم. ألَستَ تَشكُرُ الطَّبيبَ الَّذي يَقطَعُ عُضواً مِن جَسَدِكَ لِيُنقِذَ حَياتَك، وتَدفَعُ لَهُ المالَ وتَمتَنُّ لَه؟ اللهُ جَلَّ في عُلاهُ يَبتَليكَ في دُنياكَ لِيُنقِذَ آخِرَتَك. يَقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "المَصائِبُ نِعمَةٌ مِنَ الله، لِأنَّها تُكَفِّرُ السَّيِّئات، وتَستَوجِبُ الصَّبرَ فَيُثابُ عَلَيهِ، وتُوجِبُ الإِنابَةَ إلى اللهِ والذُّلَّ لَهُ، والإِعراضَ عَنِ الخَلق.. فَهِيَ مِن أعظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلى عَبدِه". واسمَعوا هَذا الحَديثَ الَّذي يَحسِمُ الأمر، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواهُ مُسلم). ثانياً: نَشكُرُهُ سُبحانَهُ في البَلاء، لِأنَّنا نَعلَمُ أَنَّهُ كَفَّارَة. كم مِن ذَنبٍ نَسِينَاه، وكَم مِن خَطيئَةٍ اقْتَرَفناها في خَلواتِنا، تَراكمَت حَتَّى كادَت تُهلِكُنا.. فَيَأتي البَلاءُ كالمِمحاة. قال الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). ألا يَستَحِقُّ هذا الإِلَهُ الرَّحيمُ أن يُشكَرَ؟ يَبتَليكَ بِشَوكَةٍ لِيَمحُوَ بِها صَحيفَةً مِنَ الذُّنوب! أيُّها الأحِبَّة، دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ آلافَ السِّنينَ لِلخَلف، إلى قِصَّةِ نَبيٍّ كانَ رَمزاً لِهَذِهِ المَنزِلَةِ العُليا. قِصَّةُ نَبيِّ اللهِ أيُّوبَ عَلَيهِ السَّلام. تَخَيَّلوا رَجُلاً يَمْلِكُ الصِّحَّةَ التَّامَّة، والأموالَ الطَّائِلَة، والذُّرِّيَّةَ الكَثيرَة. ثُمَّ، وفي غَمضَةِ عَين.. فَقَدَ مالَهُ كُلَّه، وماتَ أبناؤُهُ جَميعاً، وضَرَبَ المَرَضُ جَسَدَهُ حَتَّى لَم يَبقَ مِنهُ عُضوٌ سَليمٌ إلَّا قَلبُهُ ولِسانُه، وتَرَكَهُ النَّاسُ إلَّا زَوجَتَهُ المُخلِصَة. مَكَثَ في هَذا البَلاءِ الطَّاحِنِ سِنينَ طَويلَة. هَل شَكا؟ هَل جَزِع؟ هَل قالَ: يا رَبِّ لِماذا أنا وأنا نَبِيُّك؟ لا وَالله. بَل كانَ قَلبُهُ يَفيضُ حَمداً وشُكراً. حَتَّى إنَّهُ استَحيا أن يَطلُبَ مِنَ اللهِ الشِّفاء! ولَمَّا اشتَدَّ بِهِ الحالُ جِدّاً، التَجَأ إلى رَبِّهِ بِأَدَبٍ لا مَثيلَ لَه، وقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَةَ في القُرآن: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 83]. لَم يَقُل: اشفِني. بَل قال: أنتَ أرحَمُ الرَّاحِمين. أي: أنتَ تَعلَمُ حالي، وإن كانَ هَذا المَرَضُ خَيراً لي في عِلمِكَ فَأنا راضٍ بِهِ شاكِرٌ لَك، لِأنَّكَ أرحَمُ بي مِن نَفسي. فَماذا كانَ الجَزاء؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 84]. ثُمَّ وَقَّعَ اللهُ عَلى مَلفِّ ابتِلائِهِ بِشَهادَةِ شَرَفٍ عُليا فَقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص: 44]. ولَيسَ الأنبياءُ وَحدَهُم مَن بَلَغوا هَذِهِ المَنزِلَة، بَل تَرَبَّى عَلَيها سَلَفُنا الصَّالِح. انظُروا إلى التَّابِعيِّ الجَليلِ، عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ الله. أُصيبَت رِجلُهُ بِالأَكَلَةِ (مَرَضٌ خَبيث)، فَقَرَّرَ الأطِبَّاءُ بَترَها لِئَلَّا يَسري المَرَضُ إلى جَسَدِه. وفي نَفسِ اليَومِ الَّذي قُطِعَت فيهِ رِجلُه، جاءَهُ خَبَرٌ أنَّ أحَبَّ أبنائِهِ إلَيهِ رَفَسَتهُ دابَّةٌ فَمات. مُصيبَتانِ تَهُدَّانِ الجِبال في يَومٍ واحِد: فَقْدُ عُضوٍ، وفَقْدُ وَلَد! ماذا فَعَل؟ وماذا قال؟ نَظَرَ إلى السَّماءِ، بِقَلبٍ مُوقِنٍ مُطْمَئِن، وقالَ أُعجوبَةَ الشُّكرِ في التَّاريخ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ، كانَ لي أطرافٌ أربَعَة، فَأخَذتَ واحِداً وأبقَيتَ ثَلاثَة. وكانَ لي أبناءٌ سَبعَة، فَأخَذتَ واحِداً وأبقَيتَ سِتَّة. فَلَئِن كُنتَ قَد أخَذتَ، فَلَطالَما أعطَيت، ولَئِن كُنتَ قَد ابتَلَيتَ، فَلَطالَما عافَيت! اللَّهُمَّ لَكَ الحَمد". أيُّ إيمانٍ هَذا؟ وأيُّ قُلوبٍ تِلك؟ إنَّهُ القَلبُ الَّذي يَرى النِّعمَةَ الباقيَة، قَبلَ أن يَبكي عَلى النِّعمَةِ المَفقودَة. إنَّهُ القَلبُ الَّذي يُمَيِّزُ بَينَ الدُّنيا الزَّائِلَةِ والآخِرَةِ الباقِيَة. ولَعَلَّ قائِلاً في نَفسِهِ يَقول الآن: "هَذا كَلامٌ جَميل، ولَكِنَّ الواقِعَ مُؤلِم.. نَحنُ بَشَرٌ، نَضْعُف، وتَضيقُ صُدورُنا.. كَيفَ نُطَبِّقُ هَذا ونَحنُ نُعاني؟" يا أخي المُبتَلى.. يا مَن فَقَدتَ وَظيفَتَك، يا مَن خَسِرتَ تِجارَتَك، يا مَن عَصَرَ المَرَضُ جَسَدَك أو جَسَدَ مَن تُحِبّ، يا مَن طالَ انتِظارُها لِلذُّرِّيَّةِ أو لِلزَّوجِ الصَّالِح.. تَأمَّلوا مَعي سِرّاً رابِعاً مِن أسرارِ الشُّكرِ في البَلاء: نَحنُ نَشكُرُ اللهَ في البَلاء، لِأنَّنا نَعلَمُ أنَّ هُناكَ بَلاءً أعظَمَ مِنهُ لَم يُصِبنا! كانَ شُرَيحٌ القاضي يَقُول: "إِنِّي لَأُصَابُ بِالْمُصِيبَةِ، فَأَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَحْمَدُهُ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَعْظَمَ مِمَّا هِيَ، وَأَحْمَدُهُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيْهَا، وَأَحْمَدُهُ إِذْ وَفَّقَنِي لِلِاسْتِرْجَاعِ لِمَا أَرْجُو فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَأَحْمَدُهُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا فِي دِينِي". نَعَم! المُصيبَةُ الكُبرى، الطَّامَّةُ العُظمى، الخَسارَةُ الَّتي لا تُعَوَّض، لَيسَت في فَقدِ مالٍ أو وَلَد.. المَوتُ حَقٌّ، والمالُ غادٍ ورائِح. المُصيبَةُ الحَقيقيَّةُ هيَ "المُصيبَةُ في الدِّين". أن تُبتَلى في صَلاتِك، في أمانَتِك، في عَقيدَتِك. طالَما أنَّ مُصيبَتَكَ في دُنياك، فَأنتَ بِخَير، واللَّهِ أنتَ بِخَير. فَاحمَدِ اللهَ أنَّكَ ما زِلتَ تَسجُدُ لَه، بَينَما غَيرُكَ يَسجُدُ لِشَهَواتِهِ وهَواه. وانظُروا حَولَكُم في هَذا الواقِعِ المُعاصِر. انظُروا إلى إخوانِنا في فِلَسطينَ وغَيرِها مِن بِلادِ المُسلِمينَ المَكلومَة. تَرى الأبَ يَنتَشِلُ أشلاءَ أطفالِهِ مِن تَحتِ الرُّكام، والدِّماءُ تُغَطِّي وَجهَه، وبَيتُهُ قَد دُمِّرَ بِالكَامِل، لا يَملِكُ شَيئاً في الدُّنيا عَلى الإطلاق. ثُمَّ يَرفَعُ إصبَعَهُ المُتَرِّبَ إلى السَّماءِ، ويَقولُ بِصَوتٍ يَهزُّ الجِبال: "الحَمدُ لِلَّه.. حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل.. اللَّهُمَّ خُذ مِن دِمائِنا حَتَّى تَرضى". مِن أينَ جاؤوا بِهَذِهِ القُوَّة؟ هَل هُم جَبابِرَة؟ لا.. لَكِنَّهُم عَرَفوا أنَّ اللهَ لا يَظلِم، وأنَّ العَوَضَ في الجَنَّة، وأنَّ الشَّكوى لِغَيرِ اللهِ مَذَلَّة. ألا تَستَحي نُفوسُنا، بَعدَ أن نَرى صَبرَهُم وشُكرَهُم، أن نَشكيَ الخالِقَ لِلمَخلوقِ عَلى مَرَضٍ عابِرٍ أو ضيقَةٍ ماليَّةٍ مُؤقَّتَة؟ ... تَوَقَّفوا لَحظَةً يا عِبادَ الله. دَعونا نَطيرُ بِأرواحِنا إلى مَشهَدٍ عَظيم، مَشهَدٍ يَومَ القِيامَة. تَخَيَّلوا النَّاسَ وقَد حُشِروا، ونُصِبَتِ المَوازين، ووَقَفَ أهلُ البَلاءِ — الَّذينَ عانَوا مِنَ الأمراضِ والمَصائِبِ في الدُّنيا — لِيُعطَوا أُجورَهُم. هُناكَ لا يُوزَنُ لَهُم عَمَل، ولا يُنشَرُ لَهُم ديوان، بَل يُصَبُّ عَلَيهِمُ الأجرُ صَبّاً كَما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر: 10]. حينَها يَنظُرُ أهلُ العافيَة — الَّذينَ عاشوا في الدُّنيا في رَغَدٍ وصِحَّةٍ ونَعيم — إلى هَذا العَطاءِ المُذهِلِ لِأهلِ المَصائِب. أتَدرونَ ماذا يَتَمَنَّونَ في تِلكَ اللَّحظَة؟ يُجيبُكُمُ النَّبيُّ ﷺ: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ!» (رواهُ التِّرمِذيُّ وحَسَّنَه). يَتَمَنَّونَ لَو أنَّ جُلودَهُم قُطِّعَت بالمَقصَّاتِ في الدُّنيا، لِيَنالوا هَذا الأجرَ الآن! فَيا أيُّها المُبتَلى.. سَيَأتي يَومٌ تَفرَحُ فيهِ بِمُصيبَتِكَ أكثَرَ مِن فَرَحِكَ بِنِعمَتِك. سَيَأتي يَومٌ تَرى فيهِ قَطَراتِ الدَّمعِ الَّتي نَزَلَت في لَيالي الألمِ قَد تَحَوَّلَت إلى لَآلِئَ في قُصورِ الجَنَّة. فَلا تَقُل: يا رَبِّ لِماذا أنا؟ بَل قُل: الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمين، عَلى كُلِّ قَضاءٍ وقَدَر، حَولاً وقُوَّةً ويَقيناً. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ لِلَّهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن سِرِّ الشُّكرِ في البَلاء، وكَيفَ أنَّ المُصيبَةَ دَواءٌ مُرٌّ ومُكَفِّرَةٌ لِلذُّنوب، ووُقوفِنا مَع شُكرِ الأنبياءِ كأيُّوبَ عَلَيهِ السَّلام، وصَبرِ الصَّالِحينَ وتَأسِّيهِم. والآن، والسُّؤالُ الأَهَمُّ الَّذي يَحسِمُ الأمر: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الشُّعورَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم، في بُيوتِنا ومَعاناتِنا؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، فاكتُبوها في صَحائِفِ قُلوبِكُم: الأولى (قَلبيَّة): استَقبِل قَضاءَ اللهِ في اللَّحظَةِ الأُولى بِالرِّضا، لا بَعدَ أيَّامٍ مِنَ الجَزَع. قالَ ﷺ: «إنَّما الصَّبرُ عِندَ الصَّدمَةِ الأُولى». دَرِّب قَلبَكَ أَنَّ أوَّلَ رَدِّ فِعلٍ عِندَ سَماعِ خَبَرٍ سَيِّءٍ هُوَ التَّسليم، لِتَنالَ الأجرَ كامِلاً. الثانيَة (لِسانيَّة): اجعَل أوَّلَ كَلِمَةٍ تَنطِقُ بِها عِندَ الألَم: "الحَمدُ لِلَّهِ، إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيهِ راجِعون". لا تَسمَح لِلِسانِكَ بِالشَّكوى لِلخَلق، فَكَم قَبيحٌ أن تَشكيَ الخالِقَ الرَّحيمَ إلى المَخلوقِ الضَّعيف. مَن أرادَ أن يَشكي، فَليَفعَل كَما فَعَلَ يَعقوبُ عَلَيهِ السَّلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. الثالثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): إذا داهمَكَ خَطبٌ، فافزَعْ إلى الصَّلاة. كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ "إذا حَزَبَهُ أمرٌ (أيِ اشتَدَّ عَلَيه)، صَلَّى". اركَع للهِ رَكعَتَينِ في خُلوَة، وابكِ بَينَ يَدَيه، وقُل: يا رَبِّ ضاقَت، ولا يَفتَحُها إلَّا أنت. هَذِهِ الحَرَكَةُ الفِعليَّةُ تَغسِلُ الهَمَّ مِنَ الصَّدرِ غَسلاً. الرابِعَة (اجتِماعيَّة): في عِزِّ مُصيبَتِك، انظُر إلى مَن هُوَ أسفَلَ مِنكَ في البَلاء، ولا تَنظُر إلى مَن هُوَ فَوقَك. إذا فَقَدتَ مالَك، فانظُر لِمَن فَقَدَ صِحَّتَه. وإذا مَرِضت، فانظُر لِمَن يَتَمَنَّى المَرَضَ بَدَلَ الفِقدان. قالَ ﷺ: «انظُروا إلى مَن أسفَلَ مِنكُم ولا تَنظُروا إلى مَن هُوَ فَوقَكُم، فَهوَ أجدَرُ أن لا تَزدَروا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم». الخامِسَة (مَوضوعيَّة): ابحَث في كُلِّ مِحنَةٍ تَمُرُّ بِها الآنَ عَن "المِنحَةِ" المُخَبَّأةِ فيها. هَل قَرَّبَتكَ مِنَ الله؟ هَل أعادَتكَ لِسِجَّادَةِ الصَّلاة؟ هَل كَشَفَت لَكَ حَقيقَةَ الدُّنيا؟ إذا وَجَدتَ المِنحَة، سَتَجِدُ لِسانَكَ يَلهَجُ بِالشُّكرِ تِلقائِيّاً. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هيَ الدِّرعُ الَّذي يَقي القَلبَ مِنَ الانهِيارِ أيَّامَ الزَّلازِلِ والمِحَن، فَمَنِ اتَّقى اللهَ جَعَلَ لَهُ مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، أكثَرِ الخَلقِ بَلاءً وأعظَمِهِم صَبراً وشُكراً، القائِل: «أشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأنبِياءُ ثُمَّ الأمثَلُ فَالأمثَل». اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ في هَذِهِ السَّاعَةِ المُبارَكَة، أن تَجعَلَنا عِندَ النَّعماءِ مِنَ الشَّاكرين، وعِندَ البَلاءِ مِنَ الصَّابِرينَ الرَّاضين. اللَّهُمَّ لا تُعامِلنا بِما نَحنُ أهلُه، وعامِلنا بِما أنتَ أهلُه، أنتَ أهلُ التَّقوى وأهلُ المَغفِرَة. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مَهْمومًا فَفَرِّج هَمَّه، ومَن كانَ مَديوناً فاقضِ دَينَه، ومَن كانَ مَريضاً أو لَهُ مَريضٌ فَاشْفِهِ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن جَهدِ البَلاء، ودَرَكِ الشَّقاء، وسُوءِ القَضاء، وشَماتَةِ الأعداء. اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِ إخوانِنا المُستَضعَفينَ والمُبتَلَينَ في كُلِّ مَكان، أفرِغ عَلَيهِم صَبراً، وثَبِّت أقدامَهُم، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ ارزُقنا قُلوباً مُطمَئِنَّةً بِقَضائِك، راضِيَةً بِقَدَرِك، تَرى في المَنعِ عَطاءً، وفي الألَمِ شِفاءً. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.