من مكتبة مِداد الخطيب

فَضْلُ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... شَرَفُ الدُّنْيَا وَعِزُّ الآخِرَةِ

مشاركة
🕌 فَضْلُ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... شَرَفُ الدُّنْيَا وَعِزُّ الآخِرَةِ #خطبة_جمعة #الرباط #الجهاد #فلسطين #الصبر #إيمانيات #نوازل الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الرِّبَاطَ فِي سَبِيلِهِ أَعْظَمَ القُرُبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبَطَ عَلَى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ فَثَبَّتَهُمْ فِي المُلِمَّاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُجَاهِدِينَ وَقُدْوَةُ المُرَابِطِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: هَلْ تَأَمَّلْتُمْ يَوْمًا فِي عَمَلٍ صَالِحٍ لَا يَنْقَطِعُ أَجْرُهُ أَبَدًا، حَتَّى بَعْدَ دَفْنِ صَاحِبِهِ تَحْتَ التُّرَابِ؟ عَمَلٌ وَاحِدٌ يُبْقِي صَحِيفَةَ الْحَسَنَاتِ مَفْتُوحَةً تَتَزَايَدُ بِشَكْلٍ مُذْهِلٍ فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ! وَالْأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّكَ قَدْ تَنَالُ أَجْرَ هَذَا الْعَمَلِ وَأَنْتَ فِي بَيْتِكَ، إِنْ عَرَفْتَ كَيْفَ تُحَقِّقُ أَسْبَابَهُ. فَمَا هُوَ هَذَا الْعَمَلُ الَفَرِيدُ؟ وَكَيْفَ نُدْرِكُ مَرَاتِبَهُ؟ الْجَوَابُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ الآنَ. عِبَادَ اللَّهِ، تَخَيَّلُوا مَعِي مَشْهَدًا يَتَكَرَّرُ فِي لَيَالِي الْبَرْدِ الْقَارِسِ، أَو فِي نَهَارَاتِ الصَّيْفِ الْحَارِقِ. رَجُلٌ قَدْ تَرَكَ فِرَاشَهُ الْوَثِيرَ، وَوَدَّعَ زَوْجَتَهُ وَأَطْفَالَهُ، وَخَرَجَ إِلَى حُدُودِ الْخَطَرِ لِيَقِفَ حَارِسًا لِلْأُمَّةِ. عَيْنَاهُ تَرْقُبَانِ عَدُوَّ اللَّهِ فِي الظَّلَامِ، وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالسَّمَاءِ، وَسِلَاحُهُ فِي يَدِهِ بَيْنَمَا النَّاسُ غَارِقُونَ فِي نَوْمِهِمْ. هَذَا الرَّجُلُ، الَّذِي يَبِيتُ خَائِفًا لِنَأْمَنَ، وَيَجُوعُ لِنَشْبَعَ، هُوَ "المُرَابِطُ" فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ آمِرًا وَمُبَشِّرًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. تَأَمَّلُوا التَّدَرُّجَ الرَّبَّانِيَّ الْعَجِيبَ! أَمَرَ بِالصَّبْرِ أَوَّلًا لِلنَّفْسِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْمُصَابَرَةِ وَهِيَ مُغَالَبَةُ الْعَدُوِّ فِي الصَّبْرِ، ثُمَّ تَوَّجَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِـ "الرِّبَاطِ" وَهُوَ اللُّزُومُ وَالثَّبَاتُ عَلَى الثُّغُورِ! لِمَاذَا ذَكَرَ الرِّبَاطَ مُسْتَقِلًّا؟ لِأَنَّهُ مَقَامٌ لَا يُطِيقُهُ إِلَّا خَاصَّةُ الخَاصَّةِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَاسْمَعُوا إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يُزَلْزِلُ الْقُلُوبَ وَيُوقِظُ الْهِمَمَ! يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! أَيَعْقِلُ أَنْ يَكُونَ وُقُوفُ الرَّجُلِ مُرَابِطًا لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ شَهْرٍ كَامِلٍ تَصُومُ نَهَارَهُ كُلَّهُ وَتَقُومُ لَيْلَهُ كُلَّهُ؟! نَعَمْ! لِأَنَّ الصَّائِمَ فِي مِحْرَابِهِ إِنَّمَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، أَمَّا المُرَابِطُ فَبِفَضْلِ ثَبَاتِهِ يَأْمَنُ النَّاسُ لِيُصَلُّوا، وَيَأْمَنُ النَّاسُ لِيَصُومُوا. فَهُوَ شَرِيكٌ لِأُمَّةٍ كَامِلَةٍ فِي أَجْرِ عِبَادَاتِهَا! وَلِذَلِكَ، لَمَّا سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ، مَاذَا أَجَابَ؟ هَلْ قَالَ الصَّدَقَةُ؟ هَلْ قَالَ نَوَافِلُ الصَّلَاةِ؟ قَالَ بِحَسْمٍ: "لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدِي بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ".
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، لِنَعُدْ بِذَاكِرَتِنَا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةِ عَامٍ إِلَى الْوَرَاءِ، إِلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ لِيَبِيتُوا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ رَجُلَانِ يَكْلَآنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟" فَقَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. اتَّفَقَا أَنْ يَنَامَ عَمَّارٌ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَحْرُسَ عَبَّادٌ. وَقَفَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ مُرَابِطًا يَحْرُسُ جَيْشَ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ كَبَّرَ لِيُصَلِّيَ وَهُوَ قَائِمٌ يَقْظَانُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا رَأَى عَبَّادًا قَائِمًا فِي الظَّلَامِ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَاسْتَقَرَّ فِي جَسَدِهِ! فَمَاذَا فَعَلَ عَبَّادٌ؟ هَلْ صَرَخَ؟ هَلْ قَطَعَ صَلَاتَهُ؟ لَا وَاللَّهِ! بَلْ نَزَعَ السَّهْمَ وَأَكْمَلَ قِرَاءَتَهُ وَوُقُوفَهُ. فَرَمَاهُ الْعَدُوُّ بِسَهْمٍ ثَانٍ، فَنَزَعَهُ وَأَكْمَلَ! فَرَمَاهُ بِثَالِثٍ! حِينَهَا رَكَعَ وَسَجَدَ سَرِيعًا، ثُمَّ أَيْقَظَ عَمَّارًا وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ مِنْهُ. فَلَمَّا رَآهُ عَمَّارٌ فَزِعَ وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَلَا أَيْقَظْتَنِي عِنْدَ أَوَّلِ سَهْمٍ؟! فَأَجَابَهُ عَبَّادٌ بِكَلِمَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: "كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا!". يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ! جَمَعَ هَذَا الصَّحَابِيُّ الشَّابُّ بَيْنَ رِبَاطِ الْجَسَدِ وَرِبَاطِ الْقَلْبِ، بَيْنَ لَذَّةِ الصَّلَاةِ وَشَرَفِ الْحِرَاسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَحِبَّةُ، وَإِذَا ذَكَرْنَا الرِّبَاطَ وَالْمُرَابِطِينَ الْيَوْمَ، فَأَيْنَ تَذْهَبُ عُقُولُنَا مُبَاشَرَةً؟ أَلَا تَتَّجِهُ قُلُوبُنَا قَبْلَ أَعْيُنِنَا إِلَى إِخْوَتِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلَسْطِينَ، وَإِلَى كُلِّ مُسْتَضْعَفٍ مُرَابِطٍ عَلَى ثُغُورِ الإِسْلَامِ المُحَاصَرَةِ؟ بَلَى وَاللَّهِ! أُولَئِكَ هُمُ التَّرْجَمَةُ الْحَيَّةُ لِآيَاتِ الرِّبَاطِ فِي زَمَانِنَا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَمْثَالِهِمْ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَأَطْفَالٌ، رَبَطُوا عَلَى أَرْضِهِمْ، يُقَدِّمُونَ أَرْوَاحَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ الدِّفَاعِ عَنْ مُقَدَّسَاتِ الْأُمَّةِ. يَقِفُونَ أَمَامَ أَعْتَى آلَاتِ الْقَتْلِ، كَأَنَّهُمْ جِبَالٌ رَوَاسٍ. يُحِبُّهُمُ اللَّهُ كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]. وَلَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلًا عَجِيبًا مُنْذُ قُرُونٍ: "الْمُقَامُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ كَعَسْقَلَانَ وَنَحْوِهَا لِلرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ!". تَأَمَّلُوا! الرِّبَاطُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ الْمُلْتَهِبَةِ، خَيْرٌ مِنَ الْجُلُوسِ الْآمِنِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ مَشَقَّةَ الرِّبَاطِ، وَالْخَوْفَ، وَالدِّمَاءَ الَّتِي تُبْذَلُ لِحِمَايَةِ الدِّينِ، لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ. وَلَعَلَّنَا نَسْتَحْضِرُ هُنَا تِلْكَ الْقِصَّةَ الْمُدَوِّيَةَ؛ حِينَمَا كَتَبَ الْعَالِمُ الْمُجَاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ سَاحَاتِ الرِّبَاطِ وَالْجِهَادِ فِي الثُّغُورِ، إِلَى صَدِيقِهِ الْعَابِدِ الزَّاهِدِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَكَانَ الْفُضَيْلُ حِينَها يُجَاوِرُ الْحَرَمَ وَيَبْكِي فِي عِبَادَتِهِ. أَرْسَلَ لَهُ قَصِيدَةً تَهْزُّ الْوُجْدَانَ، قَالَ فِيهَا: يَا عَابِدَ الْحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا ... لَعَلِمْتَ أَنَّكَ بِالْعِبَادَةِ تَلْعَبُ مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدَّهُ بِدُمُوعِهِ ... فَنُحُورُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْفُضَيْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ: "صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَصَحَ". فَشَتَّانَ بَيْنَ دَمْعَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْخَطَرِ، وَبَيْنَ قَطْرَةِ دَمٍ تُرَاقُ لِحِمَايَةِ الْمُسْلِمِينَ مُصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].
وَلَكِنْ، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يَسْأَلُ نَفْسَهُ الآنَ فِي صَمْتٍ: "إِذًا، مَا نَصِيبِي أَنَا مِنَ الرِّبَاطِ؟ أَنَا هُنَا بَعِيدٌ عَنِ الثُّغُورِ، وَلَا أَحْمِلُ سِلَاحًا، فَهَلْ حُرِمْتُ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ؟". وَالْجَوَابُ: حَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَحْرِمَ صَادِقًا أَبَدًا! إِنَّ الرِّبَاطَ لَهُ صُوَرٌ عَظِيمَةٌ، أَجَلُّهَا رِبَاطُ الْجِهَادِ بِالسِّلَاحِ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ رِبَاطًا مَفْتُوحًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ. أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). كُلَّمَا صَلَّيْتَ الْفَرِيضَةَ، ثُمَّ جَلَسْتَ تَنْتَظِرُ الْفَرِيضَةَ الْأُخْرَى قَلْبُكَ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، فَأَنْتَ "مُرَابِطٌ" حَقًّا فِي مِيزَانِ اللَّهِ. وَهُنَاكَ أَيْضًا، كَمَا ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، رِبَاطٌ خَفِيٌّ عَنِ الْأَعْيُنِ: "إِنَّ أَعْظَمَ رِبَاطٍ هُوَ رِبَاطُ الْقَلْبِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَمُصَابَرَةُ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي". أَنْتَ فِي عَمَلِكَ حِينَمَا تَحْفَظُ بَصَرَكَ عَنِ الْحَرَامِ.. أَنْتَ مُرَابِطٌ. وَأَنْتِ حِينَمَا تَحْفَظِينَ بَيْتَكِ وَتُرَبِّينَ أَبْنَاءَكِ عَلَى عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ فِي وَجْهِ أَمْوَاجِ الْفِتَنِ وَالتَّغْرِيبِ.. أَنْتِ مُرَابِطَةٌ عَلَى ثَغْرِ الْأُسْرَةِ. كُلُّ ثَبَاتٍ عَلَى مَبْدَأٍ فِي زَمَنِ الِانْتِكَاسَاتِ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الرِّبَاطِ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104]. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، لِنَقِفْ لَحْظَةً عِنْدَ تِلْكَ الْبِشَارَةِ الْمُذْهِلَةِ الَّتِي أَجَّلْنَاهَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ. مَاذَا يَحْدُثُ لِلْمُرَابِطِ حِينَ تَصْعَدُ رُوحُهُ إِلَى اللَّهِ؟ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). ... تَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ جَيِّدًا. تُدْفَنُ فِي الْقَبْرِ، وَيُهَالُ عَلَيْكَ التُّرَابُ، وَتَتَوَقَّفُ أَنْفَاسُكَ. جَمِيعُ الْأَمْوَاتِ قَدْ أُغْلِقَتْ سِجِلَّاتُهُمْ. إِلَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُرَابِطُ! عَدَّادُ حَسَنَاتِكَ لَا يَتَوَقَّفُ.. صِيَامُكَ يُكْتَبُ.. قِيَامُكَ يُكْتَبُ.. حِرَاسَتُكَ تُكْتَبُ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ! أَيُّ كَرَمٍ هَذَا؟ وَأَيُّ صَفْقَةٍ تِلْكَ الَّتِي عَقَدَهَا اللَّهُ مَعَ عِبَادِهِ حِينَ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. فَيَا مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا! وَيَا مَنْ أَلْهَتْهُ الْمَلَاذُّ عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وَقَضَايَا أُمَّتِهِ! إِلَى مَتَى نَبْقَى عَلَى الْهَامِشِ بَيْنَمَا الرِّجَالُ يَحْرُسُونَ خَيْمَةَ الْإِسْلَامِ بِأَرْوَاحِهِمْ؟ «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». فَهَلْ نِلْنَا وَاحِدَةً مِنْهَا؟ [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى كَيْفَ أَنَّ الرِّبَاطَ هُوَ ذِرْوَةُ سَنَامِ التَّضْحِيَةِ، وَأَنَّ الْمُرَابِطِينَ — سَوَاءٌ عَلَى ثُغُورِ فِلَسْطِينَ أَوْ فِي كُلِّ جَبْهَةِ حَقٍّ — هُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الضَّرِيبَةَ عَنِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَأَنَّ أَجْرَهُمْ لَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْآنَ، بَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا قَدْرَهُمْ وَحَالَهُمْ، بَقِيَ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ وَالْعَمَلِيُّ: كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَى حَيَاةٍ نَعِيشُهَا نَحْنُ الْيَوْمَ؟ أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي: الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): جَدِّدُوا فِي قُلُوبِكُمْ نِيَّةَ الدِّفَاعِ عَنْ هَذَا الدِّينِ! فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا حَمْلَ السِّلَاحِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَحْمِلُوا هَمَّ الْأُمَّةِ فِي نُفُوسِكُمْ، فَإِنَّ صِدْقَ النِّيَّةِ يُبَلِّغُ الْعَبْدَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ. الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): لَا تَنْسَوْا إِخْوَتَكُمُ الْمُرَابِطِينَ مِنْ دُعَائِكُمْ فِي سُجُودِكُمْ وَفِي خَلَوَاتِكُمْ. كُلَّمَا سَجَدْتَ، خَصِّصْ دَعْوَةً وَاحِدَةً صَادِقَةً לلْمُسْتَضْعَفِينَ.. فَهَذَا سِلَاحٌ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ الْكَثِيرُونَ لَكِنَّهُ يَخْرِقُ السَّمَاوَاتِ! الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): حَقِّقُوا "رِبَاطَ الْمَسَاجِدِ" الَّذِي أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. امْكُثُوا فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَوْ لِدَقَائِقَ، اقْرَءُوا وِرْدَكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَارْبِطُوا قُلُوبَكُمْ بِبُيُوتِ اللَّهِ بَدَلًا مِنْ تَعْلِيقِهَا الدَّائِمِ بِشَاشَاتِ الْهَوَاتِفِ. الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): كُونُوا مُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بُيُوتِكُمْ! احْمُوا أَبْنَاءَكُمْ مِنْ غَزْوِ الْأَفْكَارِ الْمُدَمِّرَةِ، وَاحْفَظُوا أُسَرَكُمْ مِنَ الِانْحِلَالِ، فَهَذَا هُوَ الثَّغْرُ الَّذِي أَوْكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ شَخْصِيًّا لِتَحْرُسُوهُ. الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): ادْعَمُوا مَنْ يُرَابِطُ حَقِيقَةً بِمَا تَسْتَطِيعُونَ مِنَ الْمَالِ وَالْكَلِمَةِ وَالصَّوْتِ، وَذَبُّوا عَنْ أَعْرَاضِهِمْ. إِنْ كُنْتُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَقِفُوا مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقِفُوا خَلْفَهُمْ سَنَدًا مُدَافِعًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ الْجَنَّةَ سِلْعَةٌ غَالِيَةٌ، لَا تُنَالُ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ وَالرِّبَاطِ. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ يَا مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَيَا مُجْرِيَ السَّحَابِ، وَيَا هَازِمَ الْأَحْزَابِ، اجْعَلْنَا مِنَ الْمُرَابِطِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ حُدُودَ دِينِكَ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إِخْوَتَنَا الْمُرَابِطِينَ فِي فِلَسْطِينَ، وَفِي كُلِّ بُقْعَةٍ يُضْطَهَدُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ. اللَّهُمَّ ارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَأَنْزِلْ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَ أَعْدَائِهِمْ تَدْمِيرًا عَلَيْهِمْ. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ حَظَّنَا مِنَ الدِّينِ الْكَلَامَ، بَلِ اجْعَلْنَا عَوْنًا لِلْمُسْتَضْعَفِينَ بِأَمْوَالِنَا وَدُعَائِنَا وَثَبَاتِنَا. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا رِبَاطَ الْقُلُوبِ عَلَى طَاعَتِكَ، وَاحْفَظْ جَوَارِحَنَا عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَأَحْسِنْ خَوَاتِيمَ أَعْمَالِنَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا غَيْرَ غَضْبَانَ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.