من مكتبة مِداد الخطيب

جَرِيمَةُ قَطعِ الطَّرِيقِ وَالحِرَابَةِ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ تَروِيعِ الآمِنِينَ وَنَهبِ الأَموَالِ وَأَحكَامِ أَمنِ السُّبُلِ وَحُقُوقِ الطَّرِيقِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ

مشاركة
جَرِيمَةُ قَطعِ الطَّرِيقِ وَالحِرَابَةِ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ تَروِيعِ الآمِنِينَ وَنَهبِ الأَموَالِ وَأَحكَامِ أَمنِ السُّبُلِ وَحُقُوقِ الطَّرِيقِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الأَرضَ لِعِبَادِهِ مِهَادًا وَقَرَارًا، وَشَقَّ لَهُم فِيهَا فِجَاجًا وَسُبُلًا يَسِيرُونَ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا، وَامتَنَّ عَلَيهِم بِنِعمَةِ الأَمنِ فِي الأَوطَانِ وَالطُّرُقَاتِ فَحرَّمَ تَروِيعَ الآمِنِينَ وَظُلمَ المُسَافِرِينَ وَعَابِرِي السَّبِيلِ إِجلَالًا وَإِعظَامًا. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدَ مَن عَرَفَ قَدرَ نِعمَةِ الأَمنِ وَالأَمَانِ، وَعَصَمَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ عَن أَذَى المُسلِمِينَ وَالإِفسَادِ فِي البُلدَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَوِيُّ القَهَّارُ، العَزِيزُ الجَبَّارُ، الَّذِي سَمَّى قَطعَ الطَّرِيقِ وَتَروِيعَ السَّالِكِينَ مُحَارَبَةً لَهُ وَلِرَسُولِهِ وَسَعيًا فِي الأَرضِ فَسَادًا، وَشَرَعَ فِيهِ أَغلَظَ الحُدُودِ وَأَشَدَّ النَّكَالِ فِي الدُّنيَا مَعَ مَا أَعَدَّهُ لِأَهلِهِ فِي الآخِرَةِ مِنَ العَذَابِ العَظِيمِ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، جَاءَ بِشَرِيعَةِ الأَمنِ وَالرَّحمَةِ وَالعَدلِ، فَبَشَّرَ بِأَنَّ تَمَامَ هَذَا الدِّينِ أَن يَسِيرَ الرَّاكِبُ وَالظَّعِينَةُ فِي أَنحَاءِ الأَرضِ لَا يَخَافُونَ إِلَّا اللهَ، وَجَعَلَ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ شُعبَةً مِن شُعَبِ الإِيمَانِ وَسَبَبًا لِدُخُولِ الجِنَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠–٧١]. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ: إِنَّ مِن أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَمتَنُّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا عَلَى العِبَادِ بَعدَ نِعمَةِ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ: نِعمَةَ «الأَمنِ فِي الأَوطَانِ وَالسُّبُلِ وَالطُّرُقَاتِ»! فَبِأَمنِ الطَّرِيقِ تَقُومُ مَعَايِشُ النَّاسِ، وَتَتَّصِلُ الأَرحَامُ، وَتَنقَلُ الأَقوَاتُ وَالأَرزَاقُ وَالأَدوِيَةُ، وَيَسعَى العِبَادُ إِلَى مَسَاجِدِهِم وَمَزَارِعِهِم وَأَسوَاقِهِم وَأَسفَارِهِم آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ عَلَى أَنفُسِهِم وَأَعرَاضِهِم وَأَموَالِهِم! وَلِذَلِكَ ذَكَّرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ البَشَرِيَّةَ بِهَذِهِ المِنَّةِ الكُبرَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتَابِهِ العَزِيزِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الزُّخرُفِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠]، وَذَكَّرَ سَبَأً بِمَا أَنعَمَ عَلَيهِم مِن أَمنِ الطَّرِيقِ وَاتِّصَالِ العُمرَانِ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، وَذَكَّرَ قُرَيشًا بِأَمنِ رِحلَتِهِم وَطَرِيقِ تِجَارَتِهِم فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣–٤]. بَل تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- كَيفَ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «أَمنَ الطُّرُقَاتِ وَانقِطَاعَ الخَوفِ عَنِ المُسَافِرِينَ» هُوَ العَلَامَةَ الكُبرَى عَلَى تَمَامِ ظُهُورِ الإِسلَامِ وَانتِصَارِ الحَقِّ وَالعَدلِ فِي الأَرضِ! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَينَا أَنَا عِندَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيهِ قَطعَ السَّبِيلِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَدِيُّ، هَل رَأَيتَ الحِيرَةَ؟» قُلتُ: لَم أَرَهَا وَقَد أُنبِئتُ عَنهَا! قَالَ: «فَإِن طَالَت بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ -أَيِ المَرأَةَ المُسَافِرَةَ فِي هَودَجِهَا- تَرتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ»! قَالَ عَدِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَرَأَيتُ الظَّعِينَةَ تَرتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللهَ»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَقسَمَ وَهُوَ فِي مَكَّةَ فَقَالَ: «وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعَاءَ إِلَى حَضرَمَوتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ»! وَإِذَا كَانَ أَمنُ الطَّرِيقِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ العَظِيمَةِ فِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ، فَإِنَّ الاعتِدَاءَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، وَتَروِيعَ السَّالِكِينَ، وَنَهبَ أَموَالِ المُسَافِرِينَ، وَإِغلَاقَ المَعَابِرِ وَالشَّوَارِعِ فِي وُجُوهِ العِبَادِ، وَهُوَ مَا يُعرَفُ فِي الفِقهِ الإِسلَامِيِّ بِجَرِيمَةِ «قَطعِ الطَّرِيقِ» أَو «الحِرَابَةِ»، يُعَدُّ مِن أَفظَعِ الجَرَائِمِ وَأَكبَرِ الكَبَائِرِ وَأَشدِّ الفَسَادِ فِي الأَرضِ! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لِمَاذَا غَلَّظَ الإِسلَامُ جَرِيمَةَ «قَطعِ الطَّرِيقِ» تَغلِيظًا لَم يُغَلِّظْهُ فِي غَيرِهَا مِنَ الجَرَائِمِ؟ وَلِمَاذَا سَمَّى اللهُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ «مُحَارِبًا للهِ وَرَسُولِهِ»؟ لِأَنَّ السَّارِقَ العَادِيَّ يَتَسَلَّلُ فِي الخَفَاءِ وَهُوَ خَائِفٌ وَجِلٌ، وَصَاحِبُ البَيتِ فِي حِصنِهِ وَبَينَ أَهلِهِ وَجِيرَانِهِ يَستَطِيعُ أَن يَستَغِيثَ وَيَدفَعَ عَن نَفسِهِ؛ أَمَّا «قَاطِعُ الطَّرِيقِ» فَهُوَ يَخرُجُ عَلَى النَّاسِ مُجَاهِرًا بِالمُغَالَبَةِ وَالقُوَّةِ وَالسِّلَاحِ، وَيَعترِضُ المُسَافِرَ الضَّعِيفَ المُنْقَطِعَ عَنِ الغَوثِ وَالنَّجدَةِ، فَيَجمَعُ فِي جَرِيمَتِهِ بَينَ عِدَّةِ كَبَائِرَ مُوبِقَاتٍ: تَحدِّي سُلطَانِ الشَّرعِ، وَإِشَاعَةُ الرُّعبِ وَالفَزَعِ فِي القُلُوبِ، وَسَلبُ الأَموَالِ المَعصُومَةِ قَهرًا، وَسَفكُ الدِّمَاءِ البَرِيئَةِ، وَتَعطِيلُ مَصَالِحِ الأُمَّةِ وَأَقوَاتِهَا! وَلِذَلِكَ أَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ آيَةَ «الحِرَابَةِ» العَظِيمَةَ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ، الَّتِي تَهتَزُّ لِسَمَاعِهَا القُلُوبُ؛ حَيثُ يَقُولُ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣–٣٤]. قِفُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- عِندَ كُلِّ حَرفٍ فِي هَذِهِ الآيَةِ المُحكَمَةِ: أَوَّلًا: سَمَّى اللهُ فِعلَهُم ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾! فَمَن أَخَافَ السَّبِيلَ، وَأَشهَرَ السِّلَاحَ عَلَى الآمِنِينَ فِي الطُّرُقَاتِ أَوِ المُدُنِ أَوِ القُرَى، فَهُوَ فِي حَربٍ مُعلَنَةٍ مَعَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَمَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَمَن حَارَبَ اللهَ قَصَمَهُ اللهُ وَأَذَلَّهُ وَأَخزَاهُ! ثَانِيًا: شَرَعَ اللهُ فِيهِم أَربَعَ عُقُوبَاتٍ صَارِمَةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ جُرمِهِم كَمَا فَسَّرَهَا حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الفِقهِ: — فَإِن قَتَلُوا وَأَخَذُوا المَالَ: قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ لِيَرتَدِعَ بِهِم كُلُّ مُفسِدٍ! — وَإِن قَتَلُوا وَلَم يَأخُذُوا المَالَ: قُتِّلُوا حَدًّا لَازِمًا لَا يَملِكُ أَحَدٌ إِسقَاطَهُ! — وَإِن أَخَذُوا المَالَ وَلَم يَقتُلُوا: قُطِّعَت أَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم مِن خِلَافٍ؛ فَتُقطَعُ اليَدُ اليُمنَى مَعَ الرِّجلِ اليُسرَى! — وَإِن أَخَافُوا السَّبِيلَ وَرَوَّعُوا الآمِنِينَ وَلَم يَقتُلُوا وَلَم يَأخُذُوا مَالًا: نُفُوا مِنَ الأَرضِ وَحُبِسُوا وَشُرِّدُوا حَتَّى يَنكَفَّ شَرُّهُم وَتَظهَرَ تَوبَتُهُم! ثَالِثًا: خَتَمَ اللهُ الآيَةَ بِبَيَانِ مَا يَلحَقُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ مِنَ العَارِ وَالعَذَابِ فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾! فَذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ وَمَحقُ بَرَكَةٍ فِي الدُّنيَا، وَنَارٌ تَلَظَّى فِي الآخِرَةِ! وَتَذَكَّرُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ ذَكَرَ قَبَائِحَ قَومِ لُوطٍ الَّتِي استَحَقُّوا بِهَا أَن يُقلَبَ عَالِي قُرَاهُم سَافِلَهَا وَتُمطَرَ عَلَيهِم حِجَارَةٌ مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ، ذَكَرَ مِن أَعظَمِ جَرَائِمِهِم «قَطعَ السَّبِيلِ»؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ لُوطٍ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالحَسَنُ وَغَيرُهُم فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾: كَانُوا يَعترِضُونَ المَارَّةَ وَالمُسَافِرِينَ فِي الطُّرُقَاتِ فَيَقتُلُونَهُم وَيَنهَبُونَ أَموَالَهُم وَيَفعَلُونَ بِهِمُ الفَوَاحِشَ وَيُخذِلُونَهُم، حَتَّى انقَطَعَ النَّاسُ عَنِ المُرُورِ بِطَرِيقِهِم خَوفًا مِنهُم! وَإِذَا نَظَرنَا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، رَأَينَا كَيَ تَبَرَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن كُلِّ مَن رَفَعَ السِّلَاحَ عَلَى المُسلِمِينَ، أَو رَوَّعَ الآمِنِينَ، أَو نَهَبَ الأَموَالَ عَيَانًا فِي الطُّرُقَاتِ: — فَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن حَمَلَ عَلَينَا السِّلَاحَ فَلَيسَ مِنَّا»! — وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّهبَى وَالمُثلَةِ»، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ وَجَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ انتَهَبَ نُهبَةً مَشهُورَةً فَلَيسَ مِنَّا»! وَالنُّهبَةُ المَشهُورَةُ هِيَ الَّتِي يَأخُذُهَا صَاحِبُهَا فِي الطَّرِيقِ أَوِ السُّوقِ جَهرًا عَنوَةً وَالنَّاسُ يَنظُرُونَ إِلَيهِ فَلَا يَقدِرُونَ عَلَى مَنعِهِ! — وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى عَن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُرَوِّعَ مُسلِمًا»! — وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعطِهِ مَالَكَ»! قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ»! قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنتَ شَهِيدٌ»! قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَتَلتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ»! انظُرُوا إِلَى حُكمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ الصَّائِلِ الَّذِي يَعترِضُ النَّاسَ لِيَأخُذَ أَموَالَهُم: المَظلُومُ المُدَافِعُ عَن مَالِهِ وَنَفسِهِ وَعِرضِهِ إِن قُتِلَ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ شَهِيدٌ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ الظَّالِمُ إِن قُتِلَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَبِئسَ القَرَارُ! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ «قَطعَ الطَّرِيقِ» مَحصُورٌ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ بَل لَهُ فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ خَطِيرَةٌ يَجِبُ التَّحذِيرُ مِنهَا وَالبيَانُ الشَّافِي لِحُكمِ اللهِ فِيهَا: الصُّورَةُ الأُولَى: الحِرَابَةُ المُسَلَّحَةُ، وَإِغلَاقُ الطُّرُقِ بَينَ المُدُنِ وَالقُرَى، وَحِصَارُ الآمِنِينَ: وَهِيَ أَخطَرُ صُوَرِ قَطعِ الطَّرِيقِ؛ حِينَ تَقُومُ عِصَابَاتُ الإِجرَامِ أَوِ الفِئَاتُ البَاغِيَةُ المُعتَدِيَةُ بِقَطعِ الطُّرُقِ العَامَّةِ، أَو نَصبِ الكَمَائِنِ لِلمُسَافِرِينَ، أَو خَطفِ الرُّكَّابِ وَنَهبِ الشَّاحِنَاتِ وَالسَّيَّارَاتِ، أَو إِغلَاقِ المَنَافِذِ وَالطُّرُقِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي تَربِطُ بَينَ المُدُنِ وَالمُحَافَظَاتِ، فَتُحَاصِرُ المَلَايِينَ مِنَ المُسلِمِينَ، وَتُجبِرُ المَرضَى وَالنِّسَاءَ وَالشُّيُوخَ وَالأَطفَالَ عَلَى سُلُوكِ طُرُقٍ جَبَلِيَّةٍ وَعِرَةٍ مَهلِكَةٍ يَمُوتُ فِيهَا المَرِيضُ قَبلَ وُصُولِهِ إِلَى الدَّوَاءِ! إِنَّ قَطعَ شَرَايِينِ الحَيَاةِ فِي وُجُوهِ العِبَادِ هُوَ مِن أَعظَمِ الإِفسَادِ فِي الأَرضِ الَّذِي يَمقُتُهُ اللهُ وَيَلعَنُ فاعِلِيهِ! الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: التَّقَطُّعُ لِجِبايَةِ الإِتَاوَاتِ وَالمُكُوسِ الظَّالِمَةِ عَلَى الطُّرُقَاتِ: وَمِن صُوَرِ قَطعِ الطَّرِيقِ: أَن يَقِفَ أُنَاسٌ بِسِلَاحِهِم أَو نُفُوذِهِم عَلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ أَو مَدَاخِلِ الأَسوَاقِ وَالمُدُنِ لِيَفرِضُوا عَلَى السَّائِقِينَ وَالتُّجَّارِ وَالمُسَافِرِينَ أَموَالًا وَإِتَاوَاتٍ وَجِبَايَاتٍ بِغَيرِ حَقٍّ شَرعِيٍّ، فَلَا يَسمَحُونَ لِلمُسَافِرِ أَو حَامِلِ البِضَاعَةِ بِالمُرُورِ حَتَّى يَدفَعَ لَهُم سُحتًا مِن مَالِهِ وَهُوَ كَارِهٌ مَقهُورٌ! استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ وَرُوَيفِعِ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ صَاحِبُ مَكسٍ»! قَالَ العُلَمَاءُ: المَكَّاسُ وَالعَشَّارُ الَّذِي يَقِفُ عَلَى الطُّرُقِ يَغصِبُ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ شَبِيهٌ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَكُلُّ دِرهَمٍ يَأكُلُهُ هُوَ نَارٌ فِي بَطنِهِ يَومَ القِيَامَةِ! الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الاعتِدَاءُ عَلَى حَرَمِ الطَّرِيقِ العَامِّ، وَتَضيِيقُهُ، وَإِلقَاءُ الأَذَى فِيهِ: أَيُّهَا المُسلِمُونَ؛ إِنَّ الطَّرِيقَ العَامَّ مِلكٌ مَشَاعٌ لِجَمِيعِ المُسلِمِينَ، لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَن يَقتَطِعَ مِنهُ شِبرًا بَسُورٍ أَو بِنَاءٍ أَو دَكَّةٍ أَو بِضَاعَةٍ تُضَيِّقُ عَلَى المَارَّةِ وَالسَّيَّارَاتِ! كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن سَعِيدِ بنِ زَيدٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اقتَطَعَ شِبرًا مِنَ الأَرضِ ظُلمًا، طُوِّقَهُ يَومَ القِيَامَةِ مِن سَبعِ أَرَضِينَ»! فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي أَرضِ شَخصٍ وَاحِدٍ، فَكَيفَ بِمَن يَغتَصِبُ طَرِيقَ المُسلِمِينَ العَامَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الأُمَّةِ كُلِّهَا؟! وَكَذَلِكَ مَن يَقطَعُ الطَّرِيقَ بِإِلقَاءِ الأَحجَارِ أَوِ القُمَامَةِ أَوِ الأَشواكِ أَوِ الحَدِيدِ أَو مِيَاهِ الصَّرفِ فِي طُرُقِ النَّاسِ، أَو يَحفِرُ فِي الطَّرِيقِ حُفرَةً ثُمَّ يَترُكُهَا مَكشُوفَةً بِلَا رَدمٍ وَلَا عَلَامَةٍ تَحذِيرِيَّةٍ فَتَنكَسِرُ فِيهَا المَركَبَاتُ وَيَهْلِكُ السَّالِكُونَ، أَو يَقُودُ سَيَّارَتَهُ بِتَهَوُّرٍ وَطَيشٍ وَسُرعَةٍ جُنُونِيَّةٍ فَيُرَوِّعُ المَارَّةَ وَيَزهَقُ الأَنفُسَ! استَمِعُوا إِلَى تَحذِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَينِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَو فِي ظِلِّهِم»! وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن حُذَيفَةَ بنِ أَسِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن آذَى المُسلِمِينَ فِي طُرُقِهِم وَجَبَت عَلَيهِ لَعنَتُهُم»! الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: قَطعُ الطَّرِيقِ المَعنَوِيُّ (قُطَّاعُ الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى): وَإِذَا كَانَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ الحِسِّيُّونَ يَسلُبُونَ أَموَالَ النَّاسِ وَأَبدَانَهُم، فَإِنَّ هُنَاكَ قُطَّاعَ طَرِيقٍ أَخطَرَ مِنهُم؛ وَهُم الَّذِينَ يَقعُدُونَ عَلَى صِرَاطِ اللهِ المُستَقِيمِ لِيَصُدُّوا النَّاسَ عَنِ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّوبَةِ بِإِلقَاءِ الشُّبُهَاتِ وَتَزيِينِ الشَّهَوَاتِ! وَفِيهِم قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦]! أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، شَرَعَ الحُدُودَ حِفظًا لِلدِّينِ وَالنُّفُوسِ وَالعُقُولِ وَالأَعراضِ وَالأَموَالِ، وَجَعَلَ إِصلَاحَ السُّبُلِ وَكَفَّ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ مِن أَحبِّ الصَّدَقَاتِ وَأَزكَى الأَعمَالِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الكَبِيرُ المُتَعَالُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ خَيرِ صَحبٍ وَآلٍ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَقَارِنُوا بَينَ ظُلمِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يُحَوِّلُونَ السُّبُلَ إِلَى مَصَايِدَ لِلخَوفِ وَالعُدوَانِ، وَبَينَ عَظَمَةِ التَّشرِيعِ النَّبَوِيِّ الَّذِي وَضَعَ «مِيثَاقَ حُقُوقِ الطَّرِيقِ» فِي الإِسلَامِ! استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُم وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِن مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَبَيتُم إِلَّا المَجلِسَ، فَأَعطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»! قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ»! وَزادَ فِي رِوَايَاتٍ أُخرَى صَحِيحَةٍ عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيرِهِ: «وَإِرشَادُ السَّبِيلِ، وَإِغَاثَةُ المَلهُوفِ، وَإِعَانَةُ المَظلُومِ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا هَذَا الجَمَالَ النَّبَوِيَّ: حَقُّ الطَّرِيقِ فِي الإِسلَامِ أَن يَأمَنَ فِيهِ السَّالِكُ عَلَى عِرضِهِ بَغَضِّ البَصَرِ، وَأَن يَأمَنَ عَلَى نَفسِهِ وَمَالِهِ بِكَفِّ الأَذَى، وَأَن يُستَقبَلَ بِالأَمَانِ وَالبَشَاشَةِ بِرَدِّ السَّلَامِ، وَأَن يُعَانَ إِذَا ضَلَّ أَوِ انقَطَعَت بِهِ سَيَّارَتُهُ أَوِ احتَاجَ إِلَى نَجدَةٍ وَإِغَاثَةٍ! بَل إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ رَفعَ الغُصنِ أَوِ الحَجَرِ أَوِ الشَّوكَةِ عَن طَرِيقِ المُسلِمِينَ سَبَبًا لِمَغفِرَةِ الذُّنُوبِ وَالتَّقَلُّبِ فِي نَعِيمِ الجَنَّةِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصنَ شَوكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»! وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: «لَقَد رَأَيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِن ظَهرِ الطَّرِيقِ كَانَت تُؤذِي النَّاسَ»! فَإِذَا كَانَ مَن قَطَعَ غُصنًا يُؤذِي المَارَّةَ فِي الطَّرِيقِ يَتَقَلَّبُ فِي نَعِيمِ الجَنَّةِ، فَبِأَيِّ دَرَكٍ مِن دَرَكَاتِ الجَحِيمِ يَهوِي مَن يَقطَعُ الطَّرِيقَ نَفسَهُ عَلَى المُسلِمِينَ، وَيَزرَعُ فِيهِ الأَلغَامَ وَالحَوَاجِزَ، وَيَسلُبُ الأَموَالَ وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ؟! فَيَا مَنِ ابتُلِيَ بِشَيءٍ مِن ظُلمِ العِبَادِ فِي طُرُقَاتِهِم أَو أَموَالِهِم أَو دِمَائِهِم: إِنَّ بَابَ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ قَبلَ فَوَاتِ الأَوَانِ وَقَبلَ أَن تَنزِلَ سَطوَةُ الجَبَّارِ أَو يُؤخَذَ المُفسِدُ بَغتَةً؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَقِبَ آيَةِ الحِرَابَةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]! وَشَرطُ التَّوبَةِ الصَّادِقَةِ: الكَفُّ الفَوْرِيُّ عَنِ العُدوَانِ وَالإِفسَادِ، وَرَدُّ المَظَالِمِ وَالأَموَالِ المَنهُوبَةِ إِلَى أَصحَابِهَا وَالتَّحَلُّلُ مِنهُم قَبلَ يَومٍ لَا دِينَارَ فِيهِ وَلَا دِرهَمَ، إِنَّمَا هِيَ الحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ! وَعَلَى وُلَاةِ الأُمُورِ وَالقُضَاةِ وَرِجَالِ الأَمنِ وَعُقَلَاءِ القَبَائِلِ وَالمُجتَمَعَاتِ أَن يَضرِبُوا بِيَدٍ مِن حَدِيدٍ عَلَى يَدِ كُلِّ قَاطِعِ طَرِيقٍ وَمُفسِدٍ يَعبَثُ بِأَمنِ النَّاسِ وَسُبُلِهِم، وَأَن يَتَعَاوَنُوا جَمِيعًا عَلَى إِصلَاحِ الطُّرُقَاتِ وَتَأمِينِهَا وَإِعَانَةِ عَابِرِي السَّبِيلِ؛ تَحقِيقًا لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَاحفَظْ سُبُلَنَا وَطُرُقَاتِنَا، وَأَصلِحْ أَحوَالَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاصرِفْ عَنَّا وَعَنهُم شَرَّ الأَشرَارِ وَكَيدَ الفُجَّارِ وَعُدوَانَ المُعتَدِينَ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ مَن أَرَادَ المُسلِمِينَ وَأَوطَانَهُم وَطُرُقَاتِهِم وَأَموَالَهُم وَدِمَاءَهُم بِسُوءٍ وَإِفسَادٍ فَأَشغِلْهُ بِنَفسِهِ، وَرُدَّ كَيدَهُ فِي نَحرِهِ، وَاجعَلْ تَدمِيرَهُ فِي تَدبِيرِهِ، وَامْنُنْ عَلَى عِبَادِكَ بِالأَمنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسلَامِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.