🕌 الوفاء بالوعد الصغير: مواعيد تصنع الثقة أو تهدمها
#خطبة_جمعة #الوفاء_بالعهد #الأمانة #أخلاق #الصدق #تربية #معاملات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الوفاءَ بالعهدِ من أعظمِ شُعَبِ الإيمان، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ الكلمةَ ميثاقًا، والوعدَ أمانةً تُسألُ عنها النُّفوسُ يومَ الميزان، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أصدقُ الناسِ وَعدًا، وأوفاهُم عَهدًا، وأبرُّهُم ذِمَّةً، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، لو سَألتُكم الآن: كم مرَّةً نَظَرتَ إلى ساعَتِك وأنتَ تَنتَظرُ شَخصًا قال لك: "أنا عندك بعد خمس دقائق"، فَمَرَّت ساعةٌ ولم يَأتِ؟ كم مرَّةً قُلتَ لطفلِك الصغير: "سأشتري لك كذا غدًا" لتُسكِتَه، وجاء الغَدُ وتَجاهَلتَ الوعد؟ كم مرَّةً قيلت لك كلمة "إن شاء الله" وأيقَنتَ في قلبك أنَّ قائلَها يَقصد بها الهروبَ والاعتذارَ لا الاستعانةَ بالجبَّار؟
هذه المواقفُ اليوميَّةُ التي نَراها بَسيطةً، والتي نَبتَسِمُ حين نَتَذَكَّرُها وربَّما نُسَمِّيها "مواعيدَ عُرقوب"، هي في ميزانِ اللهِ جَلَّ جلالُه ليست بَسيطةً أبدًا. هي شُروخٌ غائرةٌ في جِدارِ الدِّين، ومَعاولُ تَهدِمُ الثِّقةَ بين المسلمين.
عبادَ الله، الدِّينُ ليس رَكَعاتٍ نُؤَدِّيها في المسجدِ ثم نَخرُجُ لِنَكذِبَ في مواعيدِنا. الدِّينُ كُلٌّ لا يَتَجَزَّأ. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في أوَّلِ آيةٍ من سورةِ المائدة، نداءً مُباشِرًا لكلِّ مُؤمنٍ يَمشي على الأرض: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. ولم يَقُل: "أوفوا بالعقود الكبيرة" أو "عقود التجارة والملايين" فحسب. بل كلُّ عَقدٍ، وكلُّ وَعدٍ، وكلُّ ميثاقٍ لَفظيٍّ أو مكتوبٍ بينك وبين الناس، هو عَقدٌ أنتَ مُلزَمٌ به أمامَ السَّماء.
ويَزيدُنا ربُّنا توضيحًا لِثِقَلِ الكلمةِ فيقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
تأمَّلوا! لم يَقُل: إنَّ العهدَ كان مطلوبًا، بل قال: ﴿مَسْئُولًا﴾. كأنَّ الكلمةَ التي تَخرُجُ من فَمِك، والوعدَ الذي تَقطَعُه على نفسِك، سيَتَجَسَّدُ يومَ القيامةِ ليُسأَلَ ويَسأل: يا ربِّ، إنَّ فُلانًا أعطاني ثم ضَيَّعني!
ولعلَّكم تسألون: وماذا لو كان الوعدُ صغيرًا؟ ماذا لو كان مجرَّدَ موعدٍ على فنجانِ قهوة، أو التزامٍ باتِّصالٍ هاتفي؟
واسمعوا للإجابةِ من بيتِ النبوَّة. واسمعوا لهذا الحديثِ العجيبِ الذي يَحِلُّ لنا هذه الإشكاليَّة.
عن عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ رضي الله عنه قال: دَعَتني أُمِّي يومًا ورسولُ اللهِ ﷺ قاعِدٌ في بَيتِنا، فقالت: "ها تَعَالَ أُعطِكَ".
فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ: «وَما أَرَدتِ أَن تُعطيهِ؟»
قالت: أُعطيهِ تَمرًا.
فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّكِ لَو لَم تُعطِيهِ شَيْئًا كُتِبَت عَلَيْكِ كَذِبَةٌ». (رواه أبو داود بإسناد حسن).
يا ألله! أمٌّ تُنادي طفلَها، تُغريِه بالمَجيء، وهو مَشهَدٌ يَتَكَرَّرُ في بُيوتنا آلافَ المرَّات. ومع ذلك، لم يَعتَبِرُهُ النَّبيُّ ﷺ "مُزاحًا مع طفل"، ولم يَرَهُ أمرًا تافِهًا. بل سَمَّاهُ باسمِه الحقيقيِّ المُخيف: كَذِبَة!
فإذا كان الوعدُ الكاذبُ لطفلٍ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ سيِّئةً تُكتَبُ في صَحيفَتِه، فكيف بِمَن يَعِدُ العُمَّالَ برواتِبِهم ويُؤَخِّرُهم؟ وكيف بِمَن يَعِدُ شريكَهُ بالوفاءِ ويَغدِر؟ وكيف بِمَن يَعِدُ زوجَتَهُ ويُخلِفُ استهانةً بها؟
أيها المسلمون، إنَّنا في زَمَنٍ استَخَفَّ فيه الناسُ بكلمةِ الشَّرَف، وصارَتِ الأعذارُ أسهَلَ من الوفاء. وقد حَذَّرَنا الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ من أنَّ إخلافَ الوعدِ ليس مُجرَّدَ نَقصٍ في اللَّباقَةِ أو سُوءٍ في الإدارة، بل هو شُعبَةٌ من شُعَبِ النِّفاقِ العَمَلي.
واسمعوا لِهذا الحديثِ الذي يَقرَعُ القلوبَ الحيَّة: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (متفق عليه). وفي روايةٍ أُخرى صاعقة: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».
تَخَيَّل! يَصومُ، ويُصَلِّي في الصَّفِّ الأوَّل، ويَزعُمُ أنَّهُ مُسلِم، لكنَّه في السُّوقِ كَذَّاب، وفي المواعيدِ مُخلِف، وفي الأمانةِ خائن!
يقولُ الإمامُ ابنُ رجب الحنبليُّ رحمه الله في كِتابه "جامع العلوم والحكم" مُفَصِّلًا هذه القضيَّة: "إخلافُ الوعدِ على نَوعَين: أحدُهما: أن يَعِدَ ومِن نِيَّتِهِ ألَّا يَفيَ بوَعدِه، وهذا أشرُّ الخُلف. والثاني: أن يَعِدَ ومِن نِيَّتِهِ أن يَفي، ثم يَبدو له فَيَترُكُ الوفاءَ من غيرِ عُذر". وكِلاهُما بليَّةٌ وثُلمَةٌ في دِينِ المَرء.
وتَدَبَّروا معي هذا المَعنى...
لماذا رَبَطَ النَّبيُّ ﷺ إخلافَ الوعدِ بالنِّفاق؟
لأنَّ النِّفاقَ في جَوهَرِه هو "التَّناقُضُ بين الظَّاهرِ والباطن". والشَّخصُ الذي يَبتَسِمُ في وَجهِكَ ويَقول لك: "سأُنجِزُ لَكَ هذا العَمَلَ غدًا"، وهو يَعلمُ يَقينًا في قَلبِه أنَّهُ لن يَفعَل — قد مارَسَ النِّفاقَ بأبشَعِ صُوَرِه. أظهَرَ لك الالتزام، وأبطَنَ الاستهتار.
أين نحنُ من صِدقِ الأنبياء؟
تَأمَّلوا مَعي سِيرةَ نبيِّ اللهِ إسماعيلَ عليه السلام. هذا النَّبيُّ العظيمُ الذي أَثنى اللهُ عليه في القرآنِ ثناءً عَطِرًا. ما هي الصِّفةُ التي خَصَّها اللهُ بالذِّكر من بَينِ كُلِّ صِفاتِه؟
يقولُ جلَّ وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 54].
صادِقَ الوَعد! صِفَةٌ قَدَّمَها القرآنُ قَبلَ أن يَصِفَهُ بالرِّسالَةِ والنُّبوَّة.
وقد ذَكَرَ المُفَسِّرون أنَّهُ واعَدَ رَجُلًا في مَكانٍ، فتَأخَّرَ الرَّجُل، فبَقِيَ إسماعيلُ عليه السلام يَنتَظِرُهُ في ذلك المكان وقيل بَقِيَ أيَّامًا، لا يُريدُ أن يُخلِفَ وَعدَهُ، امتثالاً وتَعظيمًا للكلمةِ التي خَرَجَت منه. هذا هو التَّسليم، وهذا هو تَعظيمُ المواثيق.
...
فانتبِه.
قبل أن تَلتَزِم، فكِّر.
يا مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ مِن أعظَمِ المُصيباتِ في واقِعِنا المعاصر، التَّلاعُبَ بالكَلِمَةِ العَظيمةِ التي نُعَلِّقُ عليها مَشيئةَ الله: كلمة "إن شاء الله".
لقد كانَت هذه الكلمةُ في أصلِ التَّشريعِ إعلانًا لِتَجرُّدِ العبدِ من حَولِه وقُوَّتِه، واعترافًا بأنَّ الوعدَ الذي يَقطَعُه لن يَتِمَّ إلا بتَوفيقِ السَّماء. قال تعالى مُؤَدِّبًا نبيَّه ﷺ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24].
لكن، كيف حالُنا نحنُ معها اليوم؟
أصبَحَت "إن شاء الله" عند كَثيرٍ من النَّاسِ تَعني: "لَن أفعَل"، أو "لتَهذيبِ الرَّفض"، أو "مُخَدِّرًا لِتَأجيلِ الواجب".
يَطلُبُ منكَ شَخصٌ مَبلغًا استَدَانَهُ منكَ، فتَقول: "أَرُدُّهُ لك غدًا إن شاء الله"، وأنتَ تَعلمُ أنَّكَ ستُغلِقُ هاتِفَك!
يَطلُبُ المُديرُ مِن مُوَظَّفِهِ مُهِمَّةً، فيَقول: "إن شاء الله"، وهو لَم يَعقِدِ النِّيَّةَ على إنجازِها.
إنَّ استِخدامَ اسمِ اللهِ كَغِطاءٍ للتَّهَرُّب، والكَذِبِ المُبَطَّن، كَبيرَةٌ تُقَسِّي القَلبَ وتُزيلُ البَركة. يقولُ الفُضَيلُ بن عِياضٍ رحمه الله، وهو الخبيرُ بأمراضِ القُلوب: "لَأن أحلِفَ باللهِ كاذبًا، أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أحلِفَ بغيرِه صادقًا". فكيف بِمَن يَجعَلُ مَشيئَةَ اللهِ عُذرًا لتَضييعِ أوقاتِ النَّاس وحُقوقِهم؟!
ومن عجائبِ هذا الأمر، أيُّها الأحِبَّة، أنَّكَ تَجِدُ الرَّجُلَ يَتَحَرَّجُ جِدًّا أن يُتَّهَمَ في عِرضِه أو شَرَفِه، وتَحمَرُّ عَيناهُ غَضَبًا لو قُلتَ له "يا كَذَّاب"، ولكنَّهُ لا يَتَأَلَّمُ أبدًا وهو يَسرِقُ أعمارَ النَّاسِ بالانتظار!
ألَيسَ الانتظارُ سَرِقَة؟
حين تَعِدُ أخاك أن تَلقاهُ في السَّاعَةِ الرَّابعة، فيَترُكُ أهلَهُ، ويَقطَعُ شُغلَهُ، ويَجلِسُ في المَكانِ المَوعودِ تَحترقُ أعصابُه إلى السَّاعةِ الخامِسَة... ثمَّ تَأتي أنتَ مُبتَسِمًا بِبُرود وتقول: "مَعذرةً، الزَّحمَة!".
هل سَألتَ نَفسَكَ: مَن سَيُعَوِّضُهُ عن هذه السَّاعةِ من عُمُرِه؟
واللهِ إنَّ العُمُرَ أغلى من الدِّينارِ والدِّرهَم، ومَن سَرَقَ وَقتَكَ بوَعدٍ كاذِب، أضَرَّ بكَ أكثرَ مِمَّن سَرَقَ مالَك. قال الإمامُ ابنُ تيميَّة رحمه الله وهو يُؤَصِّلُ لِهذا الباب: "وجُماعُ العَدلِ هو أداءُ الأماناتِ والوَفاءُ بالعُهودِ والمواثيق". فمَن لم يَفِ، لم يَعدِل، ومَن لم يَعدِل فقد ظَلَم.
ولنَضَع أَنفُسَنا أمامَ مِرآةِ التَّاريخ، أمامَ صَحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ، لِنَرى كَيفَ كانَتِ الكلمةُ عندَهُم أغلى من الدَّم.
في مَعركةِ بَدر — وهي المعركةُ الفاصِلَةُ التي يَحتاجُ فيها المسلمون إلى كُلِّ سَيفٍ وكُلِّ رَجُل، لأنَّ العَدَدَ قليل — يَأتي حُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ وأبوهُ رضي الله عنهما إلى النَّبيِّ ﷺ. ماذا يَقولان؟
يقولُ حُذَيفَة: يا رسولَ الله، إنَّا خَرَجنا نُريدُكَ، فأخَذَنا كُفَّارُ قُرَيش، فقالوا: إنَّكم تُريدونَ مُحمَّدًا! فقُلنا: ما نُريدُهُ، إنَّما نُريدُ المدينة. فأخَذوا علينا عَهدَ اللهِ ومِيثاقَهُ لَنَنصَرِفَنَّ إلى المدينةِ ولا نُقاتِلُ مَعَك.
مَوقِفٌ عَصيب! النَّبيُّ ﷺ يَحتاجُ الرِّجال، والمشركونَ أعداءٌ ظَلَمَة، والوَعدُ أُخِذَ تَحتَ التَّهديد. فماذا يَصنَعُ القائدُ الأعظم ﷺ؟ هل تَنازَلَ عن المِبدأ لأجلِ المَصلحةِ العَسكريَّة؟
اسمعوا لِما حَفَرَهُ في جَبينِ الزَّمان، قال: «انصَرِفَا، نَفِي لَهُم بِعَهدِهِم، وَنَستَعِينُ اللَّهَ عَلَيهِم» (رواه مسلم).
«نَفِي لَهُم بِعَهدِهِم».
كلمةٌ تَنقُضُ جِبالَ البَراماتيَّة والمَصالِح المُلتَوية. إذا كانَ الإسلامُ يَقضي بالوَفاءِ مع العَدُوِّ المُحارِبِ في ساعةِ العُسرَة، فكيفَ بالوَفاءِ مَعَ الأخِ والصَّديقِ والزَّوجَةِ في ساعةِ الرَّخاء؟
عبادَ الله، إنَّ الأُمَّةَ التي تَتَهاوَنُ في وعودِها الصَّغيرة، تَفقِدُ مصداقيَّتَها في الدَّعوةِ إلى قضاياها الكبيرة. والذي لا يُؤتَمَنُ على دَقيقةٍ مِن وَقتِك، لا يُؤتَمَنُ على أماناتِ الحياةِ الثَّقيلة.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسان. أمّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتنا الأولى عن القِيمةِ العُظمى للوَعدِ في ديننا، ووَقَفنا على أثرِه في بناءِ الثِّقة أو هَدمِها، وعَرَفنا كيفَ رَبَطَ النَّبيُّ ﷺ إخلافَ الوَعدِ بنِفاقِ القُلوب، وكيف بَرَّرَ النَّبيُّ ﷺ وحُذيفةُ بالعهدِ حتَّى مع المشركين في بَدر. والآن، ونحنُ نُواجِهُ واقِعَنا المُزدَحِم — كيف نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزلَ من مَنبري، فاحفَظوها واعمَلوا بها:
الأولى (قلبيَّة): نَقِّ نيَّتَك قبل أن تَعِد. لا تَنطِق بوَعدٍ — ولو كان صغيرًا — لتَهرُبَ من إحراجٍ أو مُواجَهَة. إن كُنتَ لا تَستطيعُ إنجازَ الأمر، فَقُل "لا أستطيع" بشَجاعة، فاعتِذارُك الصَّادقُ اليومَ أكرَمُ لكَ من سُقوطِ احتِرامِكَ غدًا.
الثانية (لِسانيَّة): أَعِد لِكلمَةِ "إن شاء الله" قَداسَتَها على لِسانِك. قُلها وأنتَ تَعقِدُ العَزمَ الصَّادِقَ على التَّنفيذ، لا تَجعَلها كَلِمةً للمُماطَلَة والتَّسويف. وتَذَكَّر أنَّ مَن قالَها قاصِدًا إخلافَها فقد خادَعَ اللهَ، ومَن خادَعَ اللهَ خُذِل.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): قَيِّد مَواعيدَكَ ولا تَعتَمِد على ذاكِرَتِك فقط. نحنُ في عَصرِ المُشتِّتات، مَن وَعَدَ شَخصًا فليَكتُب مَوعِدَهُ في هاتِفِهِ أو دَفتَرِه. وإذا طَرَأَ لكَ طارئٌ حَقيقيٌّ يَمنَعُك، فبادِر بالاتِّصالِ والاعتذارِ قَبلَ المَوعِدِ بوَقتٍ كافٍ، لا تَترُك أخاكَ أسيرَ الانتظار.
الرابعة (اجتماعيَّة): مَواعيدُكَ مع أهلِ بَيتِك، هي أوثَقُ المواعيد. لا تَكذِب على أطفالِك لتُسكِتَهم، ولا تَعِد زَوجَتَك بشَيءٍ وتَنساهُ استهانةً. الطفلُ الذي يَكبَرُ وهو يَرى أباهُ يُخلفُ وعودَهُ، يَتَعَلَّمُ أنَّ الكَذِبَ مُباح، وأنَّ الكلماتِ لا قِيمةَ لها.
الخامسة (موضوعيَّة): عامِل النَّاسَ في أوقاتِهم كما تُحِبُّ أن يُعامِلوك. إذا أُعطيتَ موعدًا في عَمَلٍ، أو وظيفَة، أو مَشفى، أو مَجلسِ صُلح — فكُن قَبلَ المَوعدِ حاضِرًا. فالوقتُ هو الحياة، ومَنِ احتَرَمَ حياةَ النَّاس، بارَكَ اللهُ له في حَياتِه.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على صِدقِ الكلمةِ، وحِفظِ العهد، وأداءِ الأمانة.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، استجابة لأمر ربكم القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا حَدَّثَ صَدَق، وإذا وَعَدَ أوفى، وإذا اؤتُمِنَ أدَّى الأمانة.
اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعمالَنا من الرِّياء.
اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ من خِيانةِ العُهود، وتَضييعِ الأمانات، والاستِخفافِ بحُقوقِ العباد.
اللَّهمَّ ارزُقنا قُلوبًا صادقة، وألسنةً ذاكرة، وعزائمَ على الرُّشدِ ثابِتَة.
اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المسلمين عامَّة، واجعَل المُسلمين في كُلِّ أرضٍ آمِنين مُطمَئِنِّين، وارفَعِ الظُّلمَ عن المظلومين، واجبُر كَسرَ المُستَضعَفين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالوفاء بالوعد الصغير: مواعيد تصنع الثقة أو تهدمها
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.