من مكتبة مِداد الخطيب

خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ وَمِيزَانُ الرِّفعَةِ الحَقِيقِيِّ يَومَ القِيَامَةِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ فِي تَدَبُّرِ مَطلَعِ سُورَةِ الوَاقِعَةِ وَالتَّنَافُسِ فِي مَنَازِلِ أَهلِ الغُرَفِ فِي الجَنَّةِ

مشاركة
خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ وَمِيزَانُ الرِّفعَةِ الحَقِيقِيِّ يَومَ القِيَامَةِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ فِي تَدَبُّرِ مَطلَعِ سُورَةِ الوَاقِعَةِ وَالتَّنَافُسِ فِي مَنَازِلِ أَهلِ الغُرَفِ فِي الجَنَّةِ الحَمدُ للهِ الخَافِضِ الرَّافِع، القَابِضِ البَاسِط، المعِزِّ المذِلّ، الحَكَمِ العَدلِ الَّذِي بِيَدِهِ مَوَازِينُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض، يَرفَعُ مَن يَشَاءُ بِطَاعَتِهِ وَتَقوَاه، وَيَخفِضُ مَن يَشَاءُ بِمَعصِيَتِهِ وَاتِّبَاعِ هَوَاه. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن عَلِمَ أَنَّ العُلُوَّ الحَقَّ إِنَّمَا هُوَ عُلُوُّ الدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَة، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةً نَرجُو بِهَا الرِّفعَةَ يَومَ تُوضَعُ المَوَازِينُ وَتُنشَرُ الدَّوَاوِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَرفَعُ الخَلقِ مَقامًا، وَأَعظَمُهُم عِندَ اللهِ جَاهًا وَإِكرَامًا، وَأَكثَرُهُم لِرَبِّهِ تَوَاضُعًا وَانكِسَارًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ الأَبرَار، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى هَديِهِم إِلَى يَومِ القَرَار. أَمَّا بَعدُ، فَيَا إِخوَةَ الإِيمَان: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَصحِيحِ النَّظَرِ إِلَى هَذِهِ الدُّنيَا الفَانِيَة، وَالعَمَلِ الجَادِّ لِمَنَازِلِ الدَّارِ البَاقِيَة؛ فَإِنَّنَا فِي دَارِ مَمَرٍّ تَتَقَلَّبُ فِيهَا الأَحوَال، وَبَينَ أَيدِينَا يَومٌ عَظِيمٌ تَتَبَدَّلُ فِيهِ الرُّتَبُ وَالمَقَامَات. عِبَادَ الله: افتَتَحَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ سُورَةَ الوَاقِعَةِ بِثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ فِي مَبَانِيهَا، هَائِلَةٍ فِي مَعَانِيهَا، تَهُزُّ القُلُوبَ الغَافِلَةَ هَزًّا؛ فَقَالَ سُبحَانَه: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ۝ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ۝ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١-٣]! مَا هِيَ الوَاقِعَة؟ إِنَّهَا القِيَامَةُ الَّتِي لَا رَيبَ فِي وُقُوعِهَا، وَلَا مَرَدَّ لِقَضَاءِ اللهِ فِيهَا! وَلَكِنْ تَوَقَّفُوا بَصَائِرِ قُلُوبِكُم أَمَامَ هَذَينِ الوَصفَينِ العَجِيبَينِ اللَّذَينِ وَصَفَ اللهُ بِهِمَا يَومَ القِيَامَةِ فِي قَولِه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾! كَيفَ تَكُونُ القِيَامَةُ «خَافِضَةً رَافِعَةً» فِي آنٍ وَاحِد؟ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنه: «خَفَضَت أَعدَاءَ اللهِ إِلَى النَّار، وَرَفَعَت أَولِيَاءَ اللهِ إِلَى الجَنَّة»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ وَالحَسَنُ البَصرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بنُ كَعبٍ القُرَظِيُّ رَحِمَهُمُ الله: «خَفَضَت أَقوَامًا كَانُوا فِي الدُّنيَا مُرتَفِعِين، وَرَفَعَت أَقوَامًا كَانُوا فِي الدُّنيَا مُستَضعَفِينَ مَوضُوعِين»! تَأَمَّلُوا هَذَا الانقِلَابَ الكَونِيَّ الرَّهِيبَ فِي المَقَايِيسِ وَالمُستَوَيَاتِ يَا عِبَادَ الله! فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا القَصِيرَة، يَصنَعُ النَّاسُ لِأَنفُسِهِم مَوَازِينَ مُزَيَّفَةً لِلرِّفعَةِ وَالانخِفَاض؛ فَيَقِيسُونَ قِيمَةَ الإِنسَانِ بِحَجمِ رَصِيدِهِ فِي المَصَارِف، أَو بِفَخَامَةِ قَصرِهِ وَمَركَبِه، أَو بِبَرِيقِ مَنصِبِهِ وَكَثرَةِ حُرَّاسِهِ وَأَتبَاعِه، وَيَنظُرُونَ إِلَى الفَقِيرِ البَسِيطِ أَوِ العَامِلِ الكَادِحِ نَظرَةَ استِصغَارٍ وَازدِرَاء! حَتَّى إِذَا نُفِخَ فِي الصُّور، وَوَقَعَتِ الوَاقِعَة، وَانشَقَّتِ السَّمَاء، وَبُدِّلَتِ الأَرضُ غَيرَ الأَرض، سَقَطَت تِلكَ الأَلقَابُ الدُّنيَوِيَّةُ كُلُّهَا، وَتَلاشَتِ المَظَاهِرُ الكَاذِبَة، وَانكَشَفَ المِيزَانُ الحَقِيقِيُّ الوَحِيدُ الَّذِي لَا يُحَابِي غَنِيًّا لِمَالِه، وَلَا وَجِيهًا لِمَنصِبِه؛ إِنَّهُ مِيزَانُ التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي أَعلَنَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَولِه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]! فِي ذَلِكَ اليَومِ العَظِيمِ سَتَتَغَيَّرُ المُستَوَيَاتُ تَغَيُّرًا يُذهِلُ العُقُول: فَكَم مِن مُستَكبِرٍ جَبَّارٍ كَانَ يَمشِي عَلَى الأَرضِ مَرَحًا، وَيَتَعَالَى عَلَى الخَلقِ بِمَنصِبِهِ أَو مَالِهِ وَهُوَ مُعرِضٌ عَن صَلَاتِهِ ظَالِمٌ لِلعِبَاد، تَخفِضُهُ الوَاقِعَةُ حَتَّى يُحشَرَ يَومَ القِيَامَةِ فِي صُورَةِ النَّملِ الصِّغَارِ تَحتَ أَقدَامِ الخَلَائِق؛ كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ عَن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّه: «يُحشَرُ المتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَال، يَغشَاهُمُ الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكَان»! وَبِالمُقَابِل: كَم مِن مُؤمِنٍ تَقِيٍّ نَقِيٍّ خَفِيّ، كَانَ فِي الدُّنيَا فِي أَعيُنِ النَّاسِ فَقِيرًا ضَعِيفًا لَا يَأبَهُ بِهِ أَحَد، وَلَا يُفسَحُ لَهُ فِي صُدُورِ المَجَالِس، تَرفَعُهُ الوَاقِعَةُ يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَقُرآنِهِ وَطَهَارَةِ قَلبِهِ إِلَى أَعلَى عِلِّيِّين؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه: «رُبَّ أَشعَثَ مَدفُوعٍ بِالأَبوَابِ لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ»! وَمِن هُنَا يَا عِبَادَ الله، نُوَجِّهُ نَصِيحَةً خَالِصَةً مُشفِقَةً مِن أَعمَاقِ القَلبِ إِلَى كُلِّ مَن رَزَقَهُ اللهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا رِفعَةً مِن مَنصِب، أَو وِلَايَة، أَو إِدَارَة، أَو جَاه، أَو مَال، أَو عِلم، أَو مَكَانَةٍ اجتِمَاعِيَّة: يَا أَخِي الكَرِيم، إِنَّ مَا أَعطَاكَ اللهُ إِيَّاهُ مِنَ الرِّفعَةِ فِي الدُّنيَا هُوَ ابتِلَاءٌ وَامْتِحَان، وَهُوَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَعَارِيَةٌ مُستَرَدَّة؛ فَلَا تَرضَ لِنَفسِكَ أَن تَكُونَ مُرتَفِعًا فِي الدُّنيَا أَيَّامًا مَعدُودَةً ثُمَّ تَكُونَ مِمَّن تَخفِضُهُمُ الوَاقِعَةُ يَومَ القِيَامَة! بَلِ احرِص كُلَّ الحِرصِ عَلَى أَن تَستَثمِرَ مَنصِبَكَ وَجَاهَكَ وَمَالَكَ فِي طَاعَةِ الله، وَفِي التَّوَاضُعِ لِلحَقّ، وَفِي العَدلِ بَينَ النَّاس، وَفِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الضُّعَفَاءِ وَالمَلهُوفِين، وَفِي نُصرَةِ الدِّين؛ لِتَجمَعَ بَينَ شَرَفِ الدُّنيَا وَرِفعَةِ الآخِرَة، وَلِتَكُونَ يَومَ القِيَامَةِ مِن «أَصحَابِ الغُرَفِ العَالِيَاتِ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى»! تَذَكَّر قَولَ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ يَقرِنُ بَينَ تَفَاضُلِ الدُّنيَا الزَّائِلِ وَتَفَاضُلِ الآخِرَةِ العَظِيم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]، وَتَذَكَّر أَنَّ أَوَّلَ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرشِهِ يَومَ القِيَامَةِ هُوَ «الإِمَامُ العَادِلُ»؛ أَي كُلُّ ذِي مَنصِبٍ وَمَسؤُولِيَّةٍ حَكَمَ فِيهَا بِالعَدلِ وَخَافَ مَقامَ رَبِّه، وَلَم يَطلُب بِمَنصِبِهِ عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلَا فَسَادًا، كَمَا قَالَ سُبحَانَه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ كَم هُوَ الفَرقُ الشَّاسِعُ وَالمَسَافَةُ الهَائِلَةُ بَينَ دَرَجَاتِ أَهلِ الجَنَّةِ وَبَينَ مَنَازِلِ «أَهلِ الغُرَفِ» فِي الآخِرَة؟ استَمِعُوا بِقُلُوبِكُم وَأَروَاحِكُم إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ أَهلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَونَ أَهلَ الغُرَفِ مِن فَوقِهِم، كَمَا تَتَرَاءَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشرِقِ أَوِ المَغرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَينَهُم». اللهُ أَكبَر! تَخَيَّلُوا هَذَا المَشهَدَ البَدِيعَ يَا عِبَادَ الله! أَهلُ الجَنَّةِ جَمِيعًا فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ وَمُلكٍ كَبِير، وَلَكِنَّهُم إِذَا رَفَعُوا أَبصَارَهُم إِلَى الأَعلَى لِيَنظُرُوا إِلَى قُصُورِ وَغُرَفِ السَّابِقِينَ المَقَرَّبِين، رَأَوهَا فِي عُلُوِّهَا وَتَلَألُؤِ نُورِهَا وَبُعدِ مَنزِلَتِهَا كَمَا يَنظُرُ أَحَدُنَا فِي اللَّيلَةِ الصَّافِيَةِ إِلَى النَّجمِ المَضِيءِ البَعِيدِ الذَّاهِبِ فِي أَقصَى أُفُقِ المَشرِقِ أَوِ المَغرِب! فَلَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم هَذَا الوَصفَ المَهِيب، ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الغُرَفَ العَالِيَةَ خَاصَّةٌ بِالأَنبِيَاءِ وَحدَهُم، فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ الله، تِلكَ مَنَازِلُ الأَنبِيَاءِ لَا يَبلُغُهَا غَيرُهُم؟»، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالبِشَارَةِ العُظمَى الَّتِي تَفتَحُ بَابَ الهِمَّةِ وَالمُسَابَقَةِ لِكُلِّ مُؤمِنٍ صَادِقٍ فَقَال: «بَلَى وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا المرسَلِينَ»! نَعَم وَالله، إِنَّهُم رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مِن هَذِهِ الأُمَّة، آثَرُوا مَا عِندَ اللهِ عَلَى مَا فِي الدُّنيَا، وَتَوَاضَعُوا لِعَظَمَةِ اللهِ فِي مَنَاصِبِهِم وَبُيُوتِهِم، وَصَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِم، فَجَزَاهُمُ اللهُ الغُرَفَ العَالِيَاتِ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي خِتَامِ سُورَةِ الفُرقَان: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]! وَبَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الأَعمَالَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَى تِلكَ الغُرَفِ فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِن بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِن ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَن أَلَانَ الكَلَامَ، وَأَطعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»! فَإِلَانَةُ الكَلَامِ وَالتَّوَاضُعُ لِلخَلق، وَإِطعَامُ الجَائِعِ وَمُوَاسَاةُ المُحتَاج، وَالصِّيَامُ وَقِيَامُ اللَّيلِ إِخلَاصًا لله، هِيَ مَفَاتِيحُ الغُرَفِ العُلَى يَومَ تَقَعُ الوَاقِعَةُ الخَافِضَةُ الرَّافِعَة! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل: بِقَدرِ الكَدِّ تُكتَسَبُ المَعَالِي ... وَمَن طَلَبَ العُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي فَشَمِّر لِلجِنَانِ وَكُن حَرِيصًا ... عَلَى الغُرَفِ المُنِيفَةِ فِي المَآلِ فَارفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ صَادِقَة: اللَّهُمَّ يَا خَافِضُ يَا رَافِع، يَا مُعِزُّ يَا مُذِلّ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام: نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَن تَرفَعَ دَرَجَاتِنَا بِالإِيمَانِ وَالتَّقوَى فِي الدُّنيَا وَالآخِرَة، وَأَلَّا تَخفِضَنَا يَومَ تَقَعُ الوَاقِعَةُ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين! اللَّهُمَّ اجعَلنَا وَوَالِدِينَا وَأَهلِينَا مِن أَصحَابِ الغُرَفِ العَالِيَاتِ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مِنَ الجَنَّة، مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا! اللَّهُمَّ مَن رَزَقتَهُ مِنَّا رِفعَةً أَو مَنصِبًا أَو مَالًا أَو جَاهًا فِي الدُّنيَا فَاجعَلهُ عَونًا لَهُ عَلَى طَاعَتِكَ وَالعَدلِ فِي عِبَادِكَ وَالتَّوَاضُعِ لِعَظَمَتِك، وَاجعَلهُ سُلَّمًا لَهُ إِلَى رِفعَةِ الآخِرَة، وَلَا تَجعَلهُ حُجَّةً عَلَيهِ يَا رَبَّ العَالَمِين! اللَّهُمَّ ارزُقنَا لِينَ الكَلَام، وَإِطعَامَ الطَّعَام، وَمُتَابَعَةَ الصِّيَام، وَالصَّلَاةَ بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَام، وَأَحسِن خَاتِمَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.