مَشهَدُ البَعثِ وَالنُّشُورِ فِي مَطلَعِ سُورَةِ القَمَرِ: دَرسٌ تَدَبُّرِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وَالِاستِعدَادِ لِليَومِ العَسِيرِ
الحَمدُ للهِ البَاعِثِ الوَارِث، الجَامِعِ لِلنَّاسِ لِيَومٍ لَا رَيبَ فِيه، الَّذِي أَنزَلَ القُرآنَ الكَرِيمَ بِالحَقِّ وَالمِيزَان، وَصَوَّرَ لَنَا فِيهِ مَشَاهِدَ القِيَامَةِ وَالبَعثِ وَالنُّشُورِ كَأَنَّنَا نَرَاهَا رَأيَ العِيَان؛ لِتَستَيقِظَ القُلُوبُ مِن سُبَاتِ الغَفلَة، وَتَتَزَوَّدَ النُّفُوسُ قَبلَ انقِضَاءِ المَهلَة. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الخَائِفِينَ الوَجِلِينَ مِن وَقفَةِ الحِسَاب، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، رَبُّ الأَربَابِ وَمُسَبِّبُ الأَسبَاب، الَّذِي إِذَا دَعَا الخَلَائِقَ مِن قُبُورِهِم بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ خَرَجُوا سِرَاعًا مِنَ الأَجدَاثِ وَالتُّرَاب، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، النَّذِيرُ العُريَانُ بَينَ يَدَي يَومٍ عَظِيم، وَالشَّفِيعُ المَقبُولُ عِندَ الرَّبِّ الرَّحِيم، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ خَافُوا مَقامَ رَبِّهِم فَأَعدُّوا لِذَلِكَ اليَومِ عُدَّتَه، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى هَديِهِم إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالقُرآن: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، وَحَيَّاكُمُ اللهُ فِي هَذَا المَجلِسِ التَّدَبُّرِيِّ الَّذِي نَقِفُ فِيهِ بَينَ يَدَي لَوحَةٍ قُرآنِيَّةٍ مَهِيبَةٍ تَرتَعِدُ لِجَلَالِهَا الفَرَائِص، وَتَخشَعُ لِهَيبَتِهَا القُلُوب؛ إِنَّهَا الآيَاتُ السَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ مِن مَطلَعِ سُورَةِ القَمَر، قَولُ اللهِ جَلَّ جَلَالُه:
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٦-٨].
ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَار، وَلَكِنَّهَا تَطوِي الزَّمَانَ وَالمَكَانَ طَيًّا، فَتَنقُلُ السَّامِعَ فِي لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ مِن غُرُورِ الدُّنيَا وَضَجِيجِهَا إِلَى لَحظَةِ انشِقَاقِ القُبُورِ وَخُرُوجِ المِلْيَارَاتِ مِنَ البَشَرِ حُفَاةً عُرَاةً شَاخِصَةً أَبصَارُهُم إِلَى دَاعِي الحَقّ! فَتَعَالَوا نَعِشْ مَعَ أَسرَارِ هَذِهِ الآيَاتِ الثَّلَاثِ عَبرَ أَربَعِ مَحَطَّاتٍ تَدَبُّرِيَّةٍ وَإِيمَانِيَّة:
المَحَطَّةُ الأُولَى: مَوضِعُ الآيَاتِ فِي مَطلَعِ سُورَةِ القَمَرِ، وَدَلَالَةُ قَولِهِ تَعَالَى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾!
افتُتِحَت سُورَةُ القَمَرِ بِإِعلَانٍ كَونِيٍّ هَائِل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]؛ فَقَد أَرَى اللهُ كُفَّارَ مَكَّةَ آيَةً بَاهِرَةً بِانشِقَاقِ القَمَرِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فِرقَتَينِ حَتَّى رَأَوا جَبَلَ حِرَاءٍ بَينَهُمَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا! وَلَكِنَّ القُلُوبَ حِينَ تَستَحكِمُ فِيهَا الغَفلَةُ وَالكِبرُ وَاتِّبَاعُ الهَوَى لَا تَنتَفِعُ بِأَعظَمِ الآيَات؛ فَقَالُوا «سِحرٌ مُستَمِرٌّ» وَأَعرَضُوا وَاستَكبَرُوا!
فَجَاءَ الخِطَابُ الإِلَهِيُّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: لَقَد بَلَّغتَهُمُ الحِكمَةَ البَالِغَةَ وَأَقَمتَ عَلَيهِمُ الحُجَّة، فَمَا عَادَت تُجدِي فِيهِمُ النُّذُر: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾!
أَي: أَعرِض عَن عِنَادِهِم وَانتَظِر بِهِم ذَلِكَ اليَومَ الرَّهِيبَ الَّذِي لَن يَستَطِيعُوا فِيهِ إِعرَاضًا وَلَا تَكذِيبًا وَلَا فِرَارًا: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]!
وَهُنَا لَطِيفَةٌ بَيَانِيَّةٌ وَرَسمِيَّةٌ مَدهِشَةٌ فِي كَلِمَتَي «يَدعُ الدَّاعِ»:
إِذَا نَظَرتُم فِي المُصحَفِ الشَّرِيفِ وَجَدتُم أَنَّ الوَاوَ حُذِفَت مِن «يَدعُو»، وَاليَاءَ حُذِفَت مِن «الدَّاعِي» رَسمًا وَلَفظًا فِي الوَصل! لِمَاذَا حُذِفَ حَرفَا المَدِّ هُنَا؟
يَقُولُ أَئِمَّةُ البَلَاغَةِ وَالتَّفسِير: حُذِفَتِ الوَاوُ وَاليَاءُ لِتَدُلَّ خِفَّةُ النُّطقِ وَسُرعَةُ اللَّفظِ عَلَى «سُرعَةِ النِّدَاءِ وَفَورِيَّةِ الإِجَابَةِ»؛ فَمَا هِيَ إِلَّا صَيحَةٌ وَاحِدَةٌ يَنفُخُ بِهَا المَلَكُ إِسرَافِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الصُّورِ وَيُنَادِي المُنَادِي: «أَيَّتُهَا العِظَامُ البَالِيَة، وَالأَوصَالُ المَتَفَرِّقَة، وَاللُّحُومُ المَتَمَزِّقَة، قُومِي لِفَصلِ القَضَاءِ بَينَ يَدَيِ اللهِ»، فَإِذَا بِالخَلَائِقِ جَمِيعًا يَخرُجُونَ فِي لَمحِ البَصَرِ بِلَا تَأَخُّرٍ وَلَا إِبطَاء!
وَمَا هُوَ هَذَا الشَّيءُ الَّذِي يُدعَونَ إِلَيه؟ سَمَّاهُ اللهُ: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾!
وَالشَّيءُ النُّكُرُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ الأَمرُ الفَظِيعُ الهَائِلُ الَّذِي تُنكِرُهُ النُّفُوسُ وَتَفزَعُ مِنهُ العُقُولُ؛ لِأَنَّهَا لَم تَرَ وَلَم تَعهَد فِي حَيَاتِهَا الدُّنيَا هَولًا يُشبِهُه! إِنَّهُ مَوقِفُ الحِسَابِ وَالمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُه!
المَحَطَّةُ الثَّانِيَةُ: صُورَةُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ بَينَ انكِسَارِ الأَبصَارِ وَانتِشَارِ الجَرَادِ فِي الآيَةِ السَّابِعَة!
ثُمَّ يَنتَقِلُ البَيَانُ القُرآنِيُّ لِيَرسُمَ لَنَا صُورَةَ البَشَرِ لحظَةَ خُرُوجِهِم مِن قُبُورِهِم، فَيَقُولُ سُبحَانَه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].
لِنَتَوَقَّفْ أَمَامَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُعجِزَة:
أَوَّلًا: قَولُهُ تَعَالَى ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾!
الخُشُوعُ هُنَا هُوَ الذُّلُّ وَالانكِسَارُ وَالخِزيُ وَسُكُونُ الطَّرف! وَلِمَاذَا خَصَّ اللهُ «الأَبصَارَ» بِالخُشُوعِ وَالذِّلَّة؟
لِأَنَّ البَصَرَ هُوَ تَرجُمَانُ القَلبِ وَمَظهَرُ العِزَّةِ أَوِ المَذَلَّة؛ فَالَّذِي كَانَ فِي الدُّنيَا يَرفَعُ بَصَرَهُ تَكَبُّرًا وَاستِعلَاءً عَلَى خَلقِ الله، وَيُطلِقُ عَينَيهِ فِي مُحَرَّمَاتِ الله، وَلَا يَخشَعُ بَصَرُهُ وَلَا قَلبُهُ فِي صَلَاةٍ للهِ؛ يَخرُجُ يَومَ القِيَامَةِ وَقَد كُسِرَ بَصَرُهُ ذُلًّا وَصَغَارًا وَفَزَعًا مِمَّا يَرَى مِنَ الأَهوَال! وَهَذِهِ سُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ عَادِلَة: مَن أَبَى أَن يَخشَعَ للهِ فِي الدُّنيَا خُشُوعَ الطَّاعَةِ وَالِاختِيَار، خَشَعَ يَومَ القِيَامَةِ خُشُوعَ الذِّلَّةِ وَالاضطِرَار؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ القَلَم: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]!
ثَانِيًا: قَولُهُ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾!
الأَجدَاثُ جَمعُ «جَدَثٍ» وَهُوَ القَبر! وَانظُرُوا كَيفَ يُحيِي اللهُ الأَجسَادَ بَعدَ أَن صَارَت تُرَابًا فِي تِلكَ الأَجدَاث؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «ثُمَّ يُنزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنبُتُونَ كَمَا يَنبُتُ البَقلُ، لَيسَ مِنَ الإِنسَانِ شَيءٌ إِلَّا يَبلَى، إِلَّا عَظمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجبُ الذَّنَبِ، وَمِنهُ يُرَكَّبُ الخَلقُ يَومَ القِيَامَةِ»!
فَتَنشَقُّ القُبُورُ عَن أَهلِهَا، مِن أَوَّلِ قَبرٍ حُفِرَ فِي الأَرضِ لِابنِ آدَمَ المَقتُولِ إِلَى آخِرِ مَيِّتٍ قَامَت عَلَيهِ السَّاعَة!
ثَالِثًا: التَّشبِيهُ القُرآنِيُّ البَاهِرُ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾!
قَد يَسأَلُ المُتَدَبِّرُ لِكِتَابِ الله: لِمَاذَا شَبَّهَ اللهُ النَّاسَ عِندَ البَعثِ فِي هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ القَمَرِ بِـ«الجَرَادِ المَنتَشِر»، بَينَمَا شَبَّهَهُم فِي سُورَةِ القَارِعَةِ بِـ«الفَرَاشِ المَبثُوث» حَيثُ قَال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]؟
أَجَابَ عَن ذَلِكَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ -كَالإِمَامِ القُرطُبِيِّ وَابنِ كَثِيرٍ وَابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمُ اللهُ- بِجَوَابٍ يَكشِفُ عَظَمَةَ الدِّقَّةِ القُرآنِيَّة:
فَإِنَّ لِلنَّاسِ عِندَ قِيَامِهِم مِنَ القُبُورِ حَالَتَينِ مُتَعَاقِبَتَين:
الحَالَةُ الأُولَى: فِي اللَّحظَةِ الأُولَى لِانشِقَاقِ القُبُور، يَقُومُ النَّاسُ مَذهُولِينَ مَرعُوبِينَ يَنفُضُونَ التُّرَابَ عَن رُؤُوسِهِم، لَا يَدرُونَ أَينَ يَتَّجِهُون؛ فَيَمُوجُ بَعضُهُم فِي بَعضٍ فِي تَحَيُّرٍ وَاضطِرَابٍ كَالفَرَاشِ المَبثُوثِ الَّذِي يَطِيرُ فِي اللَّيلِ إِلَى كُلِّ جِهَةٍ بِلَا وِجهَةٍ مُحَدَّدَة!
ثُمَّ تَأتِي الحَالَةُ الثَّانِيَةُ فَوْرَ سَمَاعِهِم صَوتَ الدَّاعِي يُنَادِيهِم إِلَى أَرضِ المَحشَر: فَيَندَفِعُونَ جَمِيعًا بِكَثرَتِهِمُ الهَائِلَةِ الَّتِي تُغَطِّي وَجهَ الأَرضِ فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ نَحوَ صَوتِ المُنَادِي؛ وَلَيسَ فِي المَخلُوقَاتِ شَيءٌ يُشبِهُ الكَثرَةَ الكَاثِرَةَ الَّتِي تَملَأُ الفَضَاءَ وَالأَرضَ وَتَسِيرُ فِي وِجهَةٍ وَاحِدَةٍ مِثلَ «الجَرَادِ المَنتَشِر»!
المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: سِرُّ قَولِهِ تَعَالَى ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾!
تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾!
مَا هُوَ «الإِهطَاعُ» فِي لُغَةِ القُرآن؟ قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ رَحِمَهُمُ الله: «مُهطِعِينَ: أَي مُسرِعِينَ مَادِّي أَعنَاقِهِم، شَاخِصَةً أَبصَارُهُم إِلَى الدَّاعِي، لَا يَرتَدُّ إِلَيهِم طَرفُهُم وَلَا يَلتَفِتُونَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا»!
يَا لَهُ مِن مَشهَدٍ يَخلَعُ القُلُوب! فِي الدُّنيَا كَانَ المُؤَذِّنُ يُنَادِي لِصَلَاةِ الفَجرِ وَسَائِرِ الصَّلَوَات، وَكَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَدعُو إِلَى الإِيمَانِ وَالطَّاعَة، فَكَانَ الكَافِرُ وَالمُعرِضُ يُلَوِّي عُنُقَهُ استِكبَارًا، أَو يَتَثَاقَلُ فِي فِرَاشِهِ كَسَلًا وَإِعرَاضًا؛ أَمَّا فِي ذَلِكَ اليَومِ فَإِنَّهُم يَركُضُونَ رَكضًا قَسرِيًّا، قَد مَدُّوا أَعنَاقَهُم وَشَخَصَت عُيُونُهُم إِلَى المُنَادِي، لَا يَملِكُ أَحَدٌ مِنهُم أَن يَتَأَخَّرَ خُطوَةً أَو يَعصِيَ أَمرًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]!
وَحِينَ يُعَايِنُ الكَافِرُونَ هَولَ المَحشَرِ وَدُنُوَّ الشَّمسِ مِنَ الرُّؤُوسِ وَتَطَايُرَ الصُّحُفِ وَزَفِيرَ الجَحِيم، تَنطِقُ أَلسِنَتُهُم بِهَذِهِ الكَلِمَةِ اليَائِسَة: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]!
وَفِي قَولِهِ سُبحَانَه: «يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَومٌ عَسِرٌ» بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهلِ الإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّقوَى!
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ عُسرَ ذَلِكَ اليَومِ وَشِدَّتَهُ القَاصِمَةَ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الكَافِرِينَ وَالفُجَّارِ المَعرِضِين؛ كَمَا صَرَّحَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُدَّثِّرِ فَقَال: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩-١٠]!
وَأَمَّا المُؤمِنُونَ الصَّادِقُونَ الَّذِينَ خَافُوا ذَلِكَ اليَومَ فِي الدُّنيَا فَأَقَامُوا الصَّلَاة، وَآتَوُا الزَّكَاة، وَاجتَنَبُوا الفَوَاحِشَ وَالمَظَالِم، فَإِنَّ اللهَ بِلُطفِهِ وَكَرَمِهِ يُيَسِّرُ عَلَيهِم ذَلِكَ اليَومَ العَسِير، وَيُخَفِّفُ عَلَيهِم طُولَهُ الَّذِي مِقدَارُهُ خَمسُونَ أَلفَ سَنَة، وَيُظِلُّهُم فِي ظِلِّ عَرشِهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه!
فَقَد روَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَابنُ حِبَّانَ وَالبَيهَقِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ ذَلِكَ اليَومَ يُخَفَّفُ عَلَى المُؤمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيهِ مِن صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ صَلَّاهَا فِي الدُّنيَا!
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى عَن أَولِيَائِهِ الأَبرَارِ فِي ذَلِكَ اليَوم: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]!
المَحَطَّةُ الرَّابِعَةُ: مَاذَا نَعمَلُ اليَومَ حَتَّى يَكُونَ يَومُنَا يَومَ القِيَامَةِ يَسِيرًا لَا عَسِيرًا؟
إِخوَةَ الإِيمَان: إِنَّ مَن تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَاتِ الثَّلَاثَ مِن سُورَةِ القَمَرِ خَرَجَ مِنهَا بِأَربَعِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ لَا تَقبَلُ التَّأجِيل:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: أَجِبْ دَاعِيَ اللهِ فِي الدُّنيَا طَوعًا وَحُبًّا قَبلَ أَن تُجِيبَ دَاعِيَ البَعثِ كَرهًا وَاضطِرَارًا!
إِذَا سَمِعتَ المُؤَذِّنَ يُنَادِي «حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح»، فَكُن مِنَ المسَارِعِينَ الملبِّينَ لِنِدَاءِ الله، وَإِذَا سَمِعتَ أَمرَ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقُل: «سَمِعنَا وَأَطَعنَا»؛ فَإِنَّ مَن أَسرَعَ إِلَى دَاعِي الصَّلَاةِ فِي الدُّنيَا أَسرَعَ بِهِ النُّورُ عَلَى الصِّرَاطِ يَومَ القِيَامَة!
الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: اخشَعْ بِبَصَرِكَ وَقَلبِكَ للهِ اليَومَ لِتَأمَنَ ذِلَّةَ الأَبصَارِ غَدًا!
احفَظ عَينَيكَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالشَّاشَات، وَاخشَع بِقَلبِكَ وَبَصَرِكَ فِي صَلَاتِك، وَابكِ مِن خَشيَةِ اللهِ فِي خَلوَتِك؛ فَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِندَ التِّرمِذِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «عَينَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَت مِن خَشيَةِ اللهِ، وَعَينٌ بَاتَت تَحرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ».
الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: يَسِّرْ عَلَى عِبَادِ اللهِ فِي الدُّنيَا يُيَسِّرِ اللهُ عَلَيكَ عُسرَ يَومِ القِيَامَة!
فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَن نَفَّسَ عَن مُؤمِنٍ كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ»!
الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: عَمِّرْ قَبرَكَ (جَدَثَكَ) بِالصَّالِحَاتِ قَبلَ أَن تَنزِلَ فِيه!
تَذَكَّر كُلَّمَا دَعَتكَ نَفسُكَ إِلَى مَعصِيَةٍ أَو تَفرِيطٍ أَنَّكَ سَتَرقُدُ فِي ذَلِكَ الجَدَثِ وَحِيدًا، ثُمَّ تَخرُجُ مِنهُ يَومَ يَدعُو الدَّاعِ، فَلَا يَنفَعُكَ يَومَئِذٍ إِلَّا قَلبٌ سَلِيمٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ خَالِص! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل:
تَأَهَّب لِيَومٍ فِيهِ يَدعُو المُنَادِيَا ... فَتَخرُجُ مِن قَعرِ القُبُورِ البَوَالِيَا
خَوَاشِعَ أَبصَارُ العُصَاةِ ذَلِيلَةً ... وَتُشرِقُ أَوجُهُ مَن أَطَاعَ المَوَالِيَا
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا رَبَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين، وَيَا مَالِكَ يَومِ الدِّين: آمِن رَوعَاتِنَا، وَاستُر عَورَاتِنَا، وَثَبِّت أَقدَامَنَا يَومَ يَدعُو الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُر! اللَّهُمَّ يَسِّر عَلَينَا حِسَابَنَا، وَيَمِّن كِتَابَنَا، وَبَيِّض وُجُوهَنَا يَومَ تَبيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسوَدُّ وُجُوه، وَاجعَل ذَلِكَ اليَومَ العَسِيرَ عَلَينَا يَسِيرًا بِرَحمَتِكَ وَفَضلِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين! اللَّهُمَّ أَعِذنَا مِن خِزيِ الدُّنيَا وَذِلَّةِ الآخِرَة، وَاجعَلنَا مِمَّن يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَه، وَتَوَفَّنَا مُسلِمِينَ وَأَلحِقنَا بِالصَّالِحِين، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَشهَدُ البَعثِ وَالنُّشُورِ فِي مَطلَعِ سُورَةِ القَمَرِ: دَرسٌ تَدَبُّرِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وَالِاستِعدَادِ لِليَومِ العَسِيرِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.