من مكتبة مِداد الخطيب

خَطَرُ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ عَلَى العَقِيدَةِ وَالمُجتَمَعِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن جَرِيمَةِ السِّحرِ وَالكَهَانَةِ وَعَلَامَاتِ الدَّجَّالِينَ وَطُرُقِ التَّحَصُّنِ الشَّرعِيِّ

مشاركة
خَطَرُ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ عَلَى العَقِيدَةِ وَالمُجتَمَعِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن جَرِيمَةِ السِّحرِ وَالكَهَانَةِ وَعَلَامَاتِ الدَّجَّالِينَ وَطُرُقِ التَّحَصُّنِ الشَّرعِيِّ الحَمدُ للهِ العَلِيمِ القَدِير، القَوِيِّ العَزِيزِ الخَبِير، المُتَفَرِّدِ بِعِلمِ الغَيبِ وَمَقَالِيدِ الخَلقِ وَالأَمرِ وَالتَّدبِير، الَّذِي أَبطَلَ كَيدَ السَّحَرَةِ المَارِقِين، وَكَشَفَ عَوَارَ الكَهَنَةِ وَالدَّجَّالِينَ وَالمُشَعوِذِين، وَجَعَلَ كِتَابَهُ المَجِيدَ حِرزًا وَشِفَاءً لِلمُوَحِّدِين، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ مَن أَخلَصَ لِرَبِّهِ التَّوحِيدَ وَاليَقِين، وَعَلِمَ أَنَّ الضُّرَّ وَالنَّفعَ بِيَدِ رَبِّ العَالَمِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي مَحَا اللهُ بِهِ ظُلُمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ وَالكَهَانَةِ وَالأَوهَام، وَأَقَامَ المِلَّةَ الحَنِيفِيَّةَ السَّمحَاءَ عَلَى نُورِ الوَحيِ وَالإِيمَان، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَبرَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ الدِّرعُ الوَاقِيَةُ مِن كَيدِ الفُجَّار، وَالعِصمَةُ الحَافِظَةُ مِن مَصَايِدِ الأَشرَار، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ أَغلَى مَا يَملِكُهُ المُسلِمُ فِي دُنيَاهُ هُوَ «عقِيدَتُهُ وَتَوحِيدُهُ»؛ فَإِذَا سَلِمَ لَهُ تَوحِيدُهُ سَلِمَت لَهُ دُنيَاهُ وَآخِرَتُه، وَإِذَا ثُلِمَ تَوحِيدُهُ خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِين! وَإِنَّ مِن أَخطَرِ الأَوبِئَةِ الفَتَّاكَةِ الَّتِي تَستَهدِفُ عَقِيدَةَ المُسلِمِينَ، وَتَنخَرُ فِي أَمنِ المُجتَمَعِ، وَتُدَمِّرُ البُيُوتَ الآمِنَةَ، وَتَزرَعُ الشَّقَاءَ وَالبَغضَاءَ بَينَ الأَقَارِبِ وَالجِيرَان؛ ظَاهِرَةَ «السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ وَالعَرَّافِينَ وَالدَّجَّالِينَ» الَّذِينَ يَتَاجِرُونَ بِآلَامِ النَّاسِ وَأَوهَامِهِم، وَيُفسِدُونَ فِي الأَرضِ بَعدَ إِصلَاحِهَا! عِبَادَ اللهِ: مَن هُوَ السَّاحِرُ وَالمُشَعوِذُ فِي حَقِيقَةِ أَمرِهِ؟ إِنَّ السَّاحِرَ لَيسَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَا وَلِيًّا صَاحِبَ كَرَامَةٍ كَمَا يُروِّجُ الجَهَلَةُ، بَل هُوَ أَكفَرُ أَهلِ الأَرضِ بِاللهِ، وَأَخبَثُهُم سَرِيرَةً، وَأَشَدُّهُم عَدَاوَةً لِلدِّينِ وَالفِطرَة! فَإِنَّ شَيَاطِينَ الجِنِّ لَا تَخدُمُ السَّاحِرَ وَلَا تُطِيعُهُ فِي أَعمَالِهِ الخَبِيثَةِ إِلَّا بَعدَ أَن يَخلَعَ رِبقَةَ الإِسلَامِ مِن عُنُقِهِ؛ فَيَسجُدَ لِإِبلِيسَ مِن دُونِ اللهِ، وَيَدُوسَ المَصحَفَ الشَّرِيفَ فِي الأَنجَاسِ -عِيَاذًا بِاللهِ-، وَيَذبَحَ لِلشَّيَاطِينِ، وَيَرتَكِبَ الفَوَاحِشَ وَالمُوبِقَات! وَلِذَلِكَ حَكَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكُفرِ السَّحَرَةِ وَخُسرَانِهِمُ الأَبَدِيِّ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، إِلَى أَن قَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أَي: مَا لِلسَّاحِرِ وَلَا لِمَنِ اشتَرَى السِّحرَ وَتَعَاطَاهُ مِن نَصِيبٍ فِي الجَنَّةِ أَبَدًا! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟»، قَالَ: «الشِّركُ بِاللهِ، وَالسِّحرُ...»؛ فَجَعَلَ السِّحرَ قَرِينَ الشِّركِ بِاللهِ مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّ السِّحرَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالشِّركِ بِاللهِ! وَلَم يَقتَصِرْ تَحذِيرُ الشَّرعِ الحَكِيمِ عَلَى السَّاحِرِ وَالمُشَعوِذِ وَحدَهُ، بَل شَمِلَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ كُلَّ مَن تَسَوِّلُ لَهُ نَفسُهُ الذَّهَابَ إِلَى أَبوَابِهِم أَوِ اتِّصَالَ بِهِم، سَوَاءٌ لِعَمَلِ السِّحرِ وَإِيذَاءِ الخَلقِ، أَو لِسُؤَالِهِم عَنِ المَفقُودَاتِ وَالغَيبِيَّاتِ، أَو حَتَّى لِطلبِ العِلَاجِ وَفَكِّ السِّحرِ عِندَهُم! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن بَعضِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ لَم تُقبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ لَيلَةً!». هَذَا فِيمَن ذَهَبَ فَسَأَلَهُ مُجَرَّدَ سُؤَالٍ! فَكَيفَ بِمَن صَدَّقَهُ وَاعتَقَدَ أَنَّهُ يَعلَمُ الغَيبَ؟! اسْمَعُوا إِلَى الحَدِيثِ الآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالحَاكِمُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن أَتَى كَاهِنًا أَو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!». وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنِ «النُّشرَةِ» -وَهِيَ حَلُّ السِّحرِ عَنِ المَسحُورِ بِالذَّهَابِ إِلَى سَاحِرٍ مِثلِهِ- قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «هُوَ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ!». أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو تأَمَّلنَا فِي الخَطَرِ الوَبِيلِ الَّذِي يُحِيقُ بِالمُجتَمَعِ مِن جَرَّاءِ وُجُودِ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ وَالإِقبَالِ عَلَيهِم، لَرَأَينَا خَمسَ كَوَارِثَ مَاحِقَةٍ تُهَدِّدُ كِيَانَ الأُمَّة: الكَارِثَةُ الأُولَى: هَدمُ التَّوحِيدِ وَإِشَاعَةُ الشِّركِ وَالخُرَافَةِ فِي القُلُوب! فَالمُشَعوِذُ يَأمُرُ ضَحَايَاهُ بِتَعلِيقِ التَّمَائِمِ وَالحُجُبِ وَالطَّلَاسِمِ، وَالتَّبَخُّرِ بِأَورَاقِ الشَّعوَذَةِ، وَالذَّبحِ لِلجِنِّ بِلَا ذِكرِ اسْمِ اللهِ؛ فَيَسلُبُ مِنَ الإِنسَانِ تَوَكُّلَهُ عَلَى اللهِ، وَيَجعَلُ قَلبَهُ مُعَلَّقًا بِالأَوهَامِ وَالخُيُوطِ وَالأَحجَارِ وَالشَّيَاطِين! وَالكَارِثَةُ الثَّانِيَةُ: تَفكِيكُ الأُسَرِ، وَخَرَابُ البُيُوتِ العامِرَةِ، وَالتَّفرِيقُ بَينَ الأَزوَاج! كَم مِن بَيتٍ كَانَ مُطمَئِنًّا مُتَرَابِطًا، دَخَلَتهُ يَدُ سَاحِرٍ أَثِيمٍ بِتَحريضِ حَاسِدٍ أَو حَاقِدَةٍ لَا تَخَافُ اللهَ، فَانقَلَبَ أُنسُهُ إِلَى وَحشَةٍ، وَمَوَدَّتُهُ إِلَى نِفَارٍ وَشِقَاقٍ وَطَلَاقٍ وَتَشرِيدٍ لِلأَطفَال! قَالَ اللهُ تَعَالَى وَاصِفًا أَعظَمَ غَايَاتِ السَّحَرَةِ وَأَولِيَائِهِم مِنَ الشَّيَاطِين: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وَالكَارِثَةُ الثَّالِثَةُ: تَمزِيقُ الأَرحَامِ وَإِشعَالُ نِيرَانِ العَدَاوَاتِ وَالاتِّهَامَاتِ البَاطِلَةِ فِي المُجتَمَع! فَإِنَّ الدَّجَّالَ المُشَعوِذَ إِذَا جَاءَهُ مَرِيضٌ أَو مَهمُومٌ، أَلقَى فِي رُوعِهِ كَذِبًا وَبُهتَانًا أَنَّ سَبَبَ بَلَائِهِ «سِحرٌ مَعمُولٌ لَهُ مِن شَخصٍ قَرِيبٍ جِدًّا مِنهُ، يَدخُلُ بَيتَهُ وَيَأكُلُ مَعَهُ!»؛ فَيَخرُجُ الجَاهِلُ مِن عِندِ الدَّجَّالِ وَقَدِ امتلَأَ قَلبُهُ شَكًّا وَبُغضًا، فَيَتَّهِمُ عَمَّتَهُ أَو خَالَتَهُ أَو زَوجَةَ أَخِيهِ أَو جَارَهُ البَرِيء، فَتُقطَعُ الأَرحَامُ، وَتُهدَرُ الكَرَامَاتُ، وَقَد تَسِيلُ الدِّمَاءُ بِسَبَبِ كَذِبَةِ دَجَّالٍ خَبِيثٍ وَصَدَّقَهُ جَاهِلٌ غَافِل! وَالكَارِثَةُ الرَّابِعَةُ: نَهبُ الأَموَالِ بِالبَاطِلِ، وَانتِهَاكُ الأَعرَاضِ، وَإِهلَاكُ الأَبدَان! كَم مِن أُسرَةٍ فَقِيرَةٍ بَاعَت كُلَّ مَا تَملِكُ لِتَدفَعَهُ لِمُشَعوِذٍ نَصَّابٍ يَعِدُهَا بِإِخرَاجِ الكُنُوزِ أَو جَلبِ الحَبِيبِ أَو شِفَاءِ العَقِيم! وَكَم مِنِ امرَأَةٍ ضَعِيفَةِ الدِّينِ وَالعَقلِ استَدرَجَهَا الدَّجَّالُ إِلَى الخَلوَةِ المُحَرَّمَةِ فَدَنَّسَ عِرضَهَا وَابتَزَّهَا! وَكَم مِن مَرِيضٍ بِمَرَضٍ عُضوِيٍّ أَو نَفسِيٍّ مَنَعَهُ المُشَعوِذُونَ مِن زِيَارَةِ الأَطِبَّاءِ وَسَقَوهُ أَعشَابًا وَمَوَادَّ سَامَّةً حَتَّى هَلَكَ! وَالكَارِثَةُ الخَامِسَةُ فِي عَصرِنَا الحَاضِر: تَسَلُّلُ الشَّعوَذَةِ وَالكَهَانَةِ إِلَى البُيُوتِ عَبرَ الشَّاشَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ بِأَسمَاءٍ مُزَخرَفَة! فَلَم يَعُدِ الكَاهِنُ وَالمُشَعوِذُ يَجلِسُ فِي كَهفٍ مُظلِمٍ فَحَسب، بَل خَرَجَ عَلَى القَنَوَاتِ وَالمَوَاقِعِ وَالتَّطبِيقَاتِ بِأَلقَابٍ خَادِعَةٍ؛ مِثلِ «المُعَالِجِ الرُّوحَانِيِّ»، وَ«خَبِيرِ الفَلَكِ وَالأَبرَاجِ وَالطَّالِعِ»، وَ«العِلَاجِ بِالطَّاقَةِ الكَونِيَّةِ وَالجَذبِ»، وَ«قِرَاءَةِ الفِنجَانِ وَالكَفِّ وَتَفسِيرِ الأَحلَامِ الرُّوحَانِيِّ»! وَكُلُّهَا يَا عِبَادَ اللهِ وُجُوهٌ لِعُملَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الكَهَانَةُ وَالشَّعوَذَةُ وَادِّعَاءُ عِلمِ الغَيبِ الَّذِي لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ القَائِلُ سُبحَانَهُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ يَتَسَتَّرُونَ بِلبَاسِ الدِّينِ أَوِ الرُّقيَةِ لِيَخدَعُوا البُسَطَاء؛ فَبِأَيِّ شَيءٍ نَعرِفُ السَّاحِرَ وَالمُشَعوِذَ وَنَكشِفُ زَيفَه؟ لَقَد وَضَعَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ عَلَامَاتٍ وَاضِحَةً إِذَا رَأَيتُم وَاحِدَةً مِنهَا فِي رَجُلٍ أَوِ امرَأَةٍ فَاعلَمُوا يَقِينًا أَنَّهُ سَاحِرٌ مُشَعوِذٌ دَجَّالٌ فَفِرُّوا مِنهُ فِرَارَكُم مِنَ الأَسَد: العَلَامَةُ الأُولَى: أَن يَسأَلَ المَرِيضَ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أُمِّهِ! وَالعَلَامَةُ الثَّانِيَةُ: أَن يَطلُبَ أَثَرًا مِن آثارِ المَرِيضِ؛ كَثَوبِهِ، أَو مِندِيلِهِ، أَو شَعرِهِ، أَو ظُفرِهِ، أَو صُورَتِه. وَالعَلَامَةُ الثَّالِثَةُ: أَن يُعطِيَ المَرِيضَ حِجَابًا مَطوِيًّا مِنَ الجِلدِ أَوِ الوَرَقِ يَمنَعُهُ مِن فَتحِهِ، أَو يَكتُبَ لَهُ حُرُوفًا مُقَطَّعَةً وَأَرقَامًا وَمُرَبَّعَاتٍ وَنُجُومًا وَطَلَاسِمَ، أَو يَتمَتِمَ بِكَلَامٍ غَيرِ مَفهُوم. وَالعَلَامَةُ الرَّابِعَةُ: أَن يَطلُبَ ذَبحَ حَيَوَانٍ أَو طَائِرٍ بِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، أَو يَزعُمَ أَنَّهُ يَخبِرُ السَّائِلَ بِاسْمِ مَن سَحَرَهُ وَمَكَانِ السِّحرِ مِن غَيرِ بَيِّنَة! فَكَيفَ نَحمِي أَنفُسَنَا وَبُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَنَا مِن خَطَرِ هَؤُلَاءِ المُفسِدِين؟ أَوَّلًا: بِتَرسِيخِ التَّوحِيدِ وَاليَقِينِ فِي القُلُوبِ بِأَنَّ السَّحَرَةَ وَالجِنَّ وَالإِنسَ جَمِيعًا لَا يَملِكُونَ ضَرًّا وَلَا نَفعًا إِلَّا بِإِذنِ الله، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. ثَانِيًا: بِتَحصِينِ البُيُوتِ وَالأَنفُسِ وَالأَولَادِ بِالصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَقِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي البَيتِ، فَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِم: «اقرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسرَةٌ، وَلَا تَستَطِيعُهَا البَطَلَةُ»؛ أَيِ السَّحَرَة، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى آيَةِ الكُرسِيِّ وَالمُعَوِّذَتَينِ وَأَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاء، وَالتَّصَبُّحِ بِسَبعِ تَمَرَاتٍ مِن عَجوَةٍ أَو تَمرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَين: «مَن تَصَبَّحَ كُلَّ يَومٍ سَبعَ تَمَرَاتٍ عَجوَةً، لَم يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ سُمٌّ وَلَا سِحرٌ». ثَالِثًا: بِالِاكتِفَاءِ بِالرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّافِيَةِ عِندَ المَرَضِ إِلَى جَانِبِ الطِّبِّ الحَدِيثِ المَوثُوق. رَابِعًا: بِالتَّحذِيرِ العَامِّ فِي الأُسَرِ وَالمَجَالِسِ مِن هَؤُلَاءِ الدَّجَّالِينَ، وَعَدَمِ التَّستُّرِ عَلَيهِم، وَإِبلَاغِ الجِهَاتِ المَسؤُولَةِ عَن أوكَارِهِم؛ حِمَايَةً لِدِينِ النَّاسِ وَأَعرَاضِهِم وَأَموَالِهِم، كَمَا كَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يَطَهِّرُونَ بِلَادَ الإِسلَامِ مِن رِجسِ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِين. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ كَشَفَ خَيبَةَ السَّاحِرِ وَعِزَّةَ المُوَحِّد: لَا يُفلِحُ السَّاحِرُ المَخذُولُ حَيثُ أَتَى ... وَكَيدُهُ فِي ضِيَاءِ الوَحيِ مُنحَطِمُ مَن بَاعَ دِينَ الهُدَى بِالزَّيفِ أَردَاهُ ... خِزيُ الحَيَاةِ وَنَارٌ حَرُّهَا ضَرِمُ وَالمُؤمِنُ الحَقُّ بِالرَّحمَنِ مُعتَصِمٌ ... بِنُورِ قُرآنِهِ الأَسحَارُ تَنهَزِمُ فَاحفَظُوا عِبَادَ اللهِ تَوحِيدَكُم، وَحَصِّنُوا بُيُوتَكُم وَأَهلِيكُم، وَاثبُتُوا عَلَى صِرَاطِ رَبِّكُمُ المُستَقِيم. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ احفَظْ عَلَينَا تَوحِيدَنَا وَإِيمَانَنَا، وَثَبِّتنَا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَة. اللَّهُمَّ أَبطِلْ كَيدَ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ وَالكَهَنَةِ وَالدَّجَّالِين، وَاجعَل كَيدَهُم فِي نُحُورِهِم، وَطَهِّر بِلَادَ المُسلِمِينَ مِن شُرُورِهِم وَفِتَنِهِم يَا قَوِيُّ يَا مَتِين. اللَّهُمَّ اشفِ كُلَّ مَسحُورٍ وَمَعيُونٍ وَمَرِيضٍ وَمُبتَلًى مِنَ المُسلِمِين، وَأَنزِلِ السَّكِينَةَ وَالمَوَدَّةَ وَالأُلفَةَ عَلَى بُيُوتِ المُؤمِنِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.