🕌 الإحسان... مِفتاحُ السَّكينةِ وعِلاجُ كُلِّ ضيق
#خطبة_جمعة #الإحسان #مراقبة_الله #إتقان_العمل #الأسرة #إيمانيات #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيء، وجَعَلَ مَقامَ المحسنينَ أعلى المقاماتِ في الدُّنيا والآخرة. الحمدُ لله الذي لا يَخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماء، يَعلمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدُور. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شَهادةَ مَن أخلَصَ دِينَهُ للهِ، وراقَبَ ربَّهُ في سِرِّهِ ونَجواه. وأشهدُ أنَّ نبيَّنا ومُعلِّمَنا مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُحسنين، وسيِّدُ المُتَّقين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هل سألتُم أنفسَكم يومًا: لماذا تَكثُرُ شَكوانا من الحياة؟ لماذا نَشكو من قَسوةِ القُلوب، ومن كَثرةِ الخلافاتِ في البُيوت، ومن الغِشِّ في الأسواق، ومن ضِيقِ الأرزاق، ومن القَلَقِ الذي يَأكُلُ أرواحَنا في زِحامِ هذه الدُّنيا؟
نَبحَثُ عن حُلولٍ في كلِّ مَكان، ونَقرأُ الكُتُب، ونَستشيرُ الخُبراء، ولا نَدري أنَّ عِلاجَ هذا كلِّهِ، ومِفتاحَ السَّكينةِ التي نَلهَثُ خَلفَها، قَد جَمَعَهُ نبيُّنا ﷺ في كَلِمةٍ واحدة... كَلِمةٍ لو نَزَلَت على قَلبِ قلقٍ لأرْسَت فيه الطُّمأنينة، ولو نَزَلَت على بَيتٍ مُتَصَدِّعٍ لَجَمَعَت شَتاتَه، ولو نَزَلَت على سُوقٍ لمُحِيَ منهُ الغِشُّ إلى الأبد.
إنَّهُ "الإحسان". المَرتبةُ العُليا في هذا الدِّين. القِمَّةُ التي يَنظُرُ إليها كلُّ مُؤمنٍ صادق.
فما هو الإحسان؟ وكيفَ نَصِلُ إليه؟ وكيفَ يَكونُ عِلاجًا لمَشاكِلنا التي نَعيشُها اليوم؟
أيُّها المؤمنون، لِنَفهَمَ حقيقةَ الإحسان، دَعونا نَرجِعْ إلى ذلكَ المَجلِسِ المَهيبِ في مَسجِدِ النَّبيِّ ﷺ. يَجلِسُ النَّبيُّ بيَن أصحابِه، فيَدخُلُ عليهم رَجلٌ شديدُ بَياضِ الثِّياب، شديدُ سَوادِ الشَّعر، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَر، ولا يَعرِفُهُ مِنهُم أحَد. يَجلِسُ إلى النَّبيِّ ﷺ، ويَسألُهُ عن الإسلامِ ثُمَّ الإيمان، ثُمَّ يَصِلُ إلى السُّؤالِ الأعظم: "أخبِرني عن الإحسان؟".
فَبِمَاذا أجابَ الصَّادِقُ المَصدوق ﷺ؟
تَأمَّلوا هذهِ الجُملةَ التي تَختَصرُ الدِّينَ كُلَّه: «أن تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراه، فإن لَم تَكُن تَراهُ فإنَّهُ يَراك». رواه مُسلم.
اللهُ أكبر! كأنَّكَ تَراه!
هذا هو الإحسانُ يا عِبادَ الله. أن تَنتَقِلَ من عِبادَةِ العادَةِ إلى عِبادَةِ الشُّهود. أن تَستَحضِرَ عَظَمَةَ الخالِقِ في كُلِّ نَبضَةٍ من نَبضاتِ قَلبِك، وفي كُلِّ خُطوَةٍ من خُطَواتِ رِجلِك، وفي كُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ من لِسانِك.
يقولُ الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ رَحِمَهُ الله، مُفَكِّكًا هذا المَعنى العَظيم: "يُشيرُ إلى أنَّ العَبدَ يَعبُدُ اللهَ تعالى على هَذهِ الصِّفَة، وهِيَ استِحْضارُ قُربِهِ، وأنَّهُ بَينَ يَدَيهِ كأنَّهُ يَراه، وذَلِكَ يُوجِبُ الخَشْيَةَ والخَوفَ والَهيْبَةَ والتَّعظيم".
ويقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "الإحسانُ هوَ لُبُّ الإيمانِ ورُوحُهُ وكَمالُه".
يا إخوَةَ الإيمان، كيفَ نَصِلُ إلى دَرَجَةِ الإحسان؟
الطَّريقُ إلى الإحسانِ يَبدأُ بِمُقامٍ عَظيمٍ يُسمِّيهِ العُلَماءُ "مُقامَ المُراقَبَة". أن تُدرِكَ يَقينًا قَولَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61].
شهودًا! اللهُ جلَّ جلالُه يشهدُ كلَّ سكنةٍ وحركة.
اسمعوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَجيبَةِ التي صَنَعَت رِجالًا عَظيمين، ليسوا من عُظَماءِ المَناصِب، بل مِن عُظَماءِ الإحسان.
خَرَجَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنهُما في سَفَرٍ مَعَ بَعضِ أصحابِه، فَنَزَلوا لِيَرتاحوا. فانحَدَرَ إلَيهِم راعٍ صَغيرٌ يَرعى غَنَمًا في الجَبَل. فَدَعاهُ ابنُ عُمَرَ لِيَأكُلَ مَعَهُم. فَقَالَ الرَّاعي: إنِّي صائِم.
تَعَجَّبَ ابنُ عُمَرَ! صبيٌّ راعٍ، في حَرِّ الصَّحراءِ وفي شِدَّةِ التَّعَب، ويَصوم؟ فأرادَ ابنُ عُمَرَ أن يَمتَحِنَ الإحسانَ في قَلبِ هَذا الغُلام.
قَالَ لَه: "بِعنا شاةً من هَذِهِ الغَنَم، ونُعطِيكَ ثَمَنَها، ونُعطِيكَ من لَحمِها لِتُفطِرَ عَليه".
فَقَالَ الرَّاعي الأمين: "إنَّها لَيسَت لي، إنَّها لِسَيِّدي".
فَقَالَ ابنُ عُمَرَ يَختَبِرُه: "قُل لِسَيِّدِكَ إنَّ الذِّئبَ أكَلَها".
فَمَاذا فَعَلَ الغُلام؟ هَل بَرَّرَ لنَفسِهِ كما نُبَرِّرُ لِأنفُسِنا اليوم خِياناتِنا الصَّغيرَة؟ هَل قالَ الدُّنيا فُرَصٌ ويَجِبُ أن أغتَنِمَها؟
لا والله! بل نَظَرَ الغُلامُ إلى السَّماء، وأطلَقَ صَرخَةً هَزَّت قَلبَ ابنِ عُمَرَ، قال: "فَأينَ الله؟!".
فَأينَ الله؟! كَلِمَتانِ فَقَط. لَكِنَّها اختَصَرَت حَقيقَةَ الإحسان.
هذا الرَّاعي الصَّغير، لم يَدرُس في كُلِّيَّاتٍ كُبرى، ولم يَقرَأ مُجَلَّداتٍ في الفِقه، لَكِنَّهُ تَخَرَّجَ في مَدرَسَةِ الإحسان. كانَ يَعبُدُ اللهَ كأنَّهُ يَراه!
وبَكَى ابنُ عُمَر، وَجَعَلَ يُرَدِّد: "الرَّاعي يَقولُ فأينَ الله!". ولَمَّا عادَ إلى المَدينَةِ، بَحَثَ عَن سَيِّدِ الرَّاعي، فَاشتَرى مِنهُ الغُلامَ وأعتَقَه، واشتَرى الغَنَمَ ووَهَبَها للغُلام، وقال لَه: "أعتَقَتكَ هَذِهِ الكَلِمَةُ في الدُّنيا، وأرجو أن تُعتِقَكَ يومَ القِيامَة".
عبادَ الله، هل يَقِفُ الإحسانُ عِندَ حُدودِ الصَّلاةِ والصِّيامِ في المَساجِد؟
الخَلَلُ الأكبَرُ في فَهمِنا اليَوم، أنَّنا حَصَرنا الإحسانَ في المِحرابِ والمِسبَحَة، ونَسينا أنَّهُ هو العِلاجُ الشَّامِلُ لِكُلِّ مَشاكِلِ حَياتِنا!
لَقَد وسَّعَ النَّبيُّ ﷺ دائِرَةَ الإحسانِ لِتَشمَلَ كُلَّ جُزئيَّةٍ في حَياةِ المُسلِم. اسمعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيم، يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسانَ عَلَى كُلِّ شَيء» رواه مُسلم.
على كلِّ شيء!
تَأمَّلوا مَعي واقِعَنا اليَوم. كَيفَ يُعالِجُ الإحسانُ أزَماتِنا؟
دَعونا نَدخُل إلى المِلفِّ الأوَّل: البُيوتُ والعَلاقاتُ الزَّوجيَّة.
كَثيرٌ منِ البُيوتِ اليومَ تَئِنُّ تَحتَ وطأةِ الخِلافات، والصُّراخ، والتَّقصيرِ في الحُقوق. الزَّوجُ يُطالِبُ بِحَقِّهِ، والزَّوجَةُ تُطالِبُ بِحَقِّها، وتَتَحَوَّلُ الأسرةُ إلى مَحكَمَةٍ وتَصَيُّدٍ للأخطاء.
لو دَخَلَ "الإحسانُ" إلى هذا البَيت، ماذا سَيَحدُث؟
الإحسانُ يَعني ألَّا تُعطِيَ الحَقَّ فَقَط، بَل تَزيدَ عَلَيهِ طِيبَةً من نَفسِك. قالَ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. وقالَ سُبحانَه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
المُحسِنُ في بَيتِهِ هوَ الرَّجُلُ الذي يَتَغاضى عَنِ الزَّلَّة، ويَبتَسِمُ عِندَ الغَضَب، ويُقَدِّمُ العُذرَ قَبلَ اللَّوم. لِماذا؟ لأنَّهُ لا يُعامِلُ زَوجَتَهُ فَقَط، بل يُعامِلُ اللهَ فيها! يَعبُدُ اللهَ في صَبرِهِ عَلَيها كأنَّهُ يَراه.
والمُحسِنَةُ في بَيتِها، هِيَ الزَّوجَةُ التي تَحفَظُ زَوجَها في غَيبَتِه، وتُدَبِّرُ بَيتَها بِحُب، وتَتَحَمَّلُ نَقصَهُ وِتَكمِلُهُ بِمَوَدَّتِها. هِيَ لا تَنتَظِرُ الأجرَ مِنهُ دائِمًا، بَل تَنتَظِرُهُ من اللهِ السَّميعِ البَصير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والمؤمنُ لا يَطلُبُ عِوَضَ إحسانِهِ إلَّا مِنَ اللهِ تَعالى". فإذا قامَتِ البُيوتُ على هذا الإحسان، هَل سَنَسمَعُ بِنِسَبِ الطَّلاقِ المُفزِعَةِ التي نَشهَدُها اليوم؟ قطعًا لا. الإحسانُ هو سِرُّ السَّكينَةِ الأُسَرِيَّة.
ومِنَ البُيوتِ، نَنتَقِلُ إلى الأسواقِ وأماكِنِ العَمَل.
كيفَ يَكونُ الإحسانُ عِلاجًا لِمَشاكِلنا هُناك؟
نَحنُ في زَمَنٍ كَثُرَ فيهِ التَّلاعُب، وضَيَاعُ الأمانَة، والتَّهاوُنُ في أوقاتِ الدَّوام. المُوَظَّفُ يَسرِقُ من وَقتِ عَمَلِهِ وهو يُمَندِلُ هاتِفَه، والتَّاجِرُ يُخفي عَيبَ سِلعَتِه، والمُقاوِلُ يَغِشُّ في مَوادِّ البِناء. ثُمَّ نَشكو من قِلَّةِ البَرَكَةِ وضِيقِ العَيش!
أيُّها الإخوَة، الإحسانُ هُنا هو "الإتقان". هو مُراقَبَةُ اللهِ في عَطائِك.
قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحَدُكُم عَمَلًا أن يُتقِنَه» رواه البَيهَقي. الإتقانُ هو ثَمَرَةُ الإحسانِ العَمَلِيَّة.
المُوَظَّفُ المُحسِن، يُؤدِّي عَمَلَهُ في قِمَّةِ إتقانِهِ سَواءً كانَ المُديرُ يُراقِبُهُ أم لا! لِماذا؟ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ المُديرَ الحَقيقيَّ الأكبَرَ يَعظُمُ في السَّماء، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. هذا المُحسِن، رِزقُهُ مُبارَك، وحَياتُهُ مَحفُوظَة، لأنَّهُ وَضَعَ نُصبَ عَينَيهِ قَولَ الحَقِّ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
وتأمَّلوا مَعي — يا عِبادَ الله — هَذا البُعدَ العَظيمَ للإحسان في مُعالَجَةِ أمراضِنا النَّفسِيَّةِ والاجتِماعيَّة.
كَم مِنَّا مَن يَحمِلُ في قَلبِهِ حِقدًا على قَريبٍ أو غَيظًا من صَديق؟ كَم قَطيعَةِ رَحِمٍ استَمَرَّت سَنواتٍ بِسَبَبِ كَلِمَةٍ أو سُوءِ فَهم؟
الإحسانُ هُنا يَتَدَخَّلُ بِقُوَّتِهِ العَظيمَةِ لِيَمحُوَ كُلَّ ذَلِك. استَمِعوا إلى اللهِ جَلَّ جَلالُهُ وَهوَ يَصِفُ المُحسنين، بِمَاذا وَصَفَهُم؟ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
اللهُ يُحِبُّ المُحسنين! يا لها من ثَمَرَة.
لو عَلِمتَ أنَّكَ بِعَفوِكَ عَمَّن ظَلَمَك، وسُكوتِكَ عَمَّن شَتَمَك، تَنالُ حُبَّ جَبَّارِ السَّماواتِ والأرض، هَل سَتَهتَمُّ لانتِصارِ نَفسِكَ الضَّعيفَة؟
واسمعوا إلى هذا المَوقِفِ العَظيمِ مِن حَياةِ سَلَفِنا الصَّالِح، لِتَرَوا كيفَ غَيَّرَ الإحسانُ المُجتَمَعات.
كانَ للإمامِ أبي حَنيفَةَ رَحِمَهُ الله جَارٌ إسكافِيٌّ شَابٌّ، يَمضي نَهارَهُ في العَمَل، فإذا جاءَ اللَّيلُ شَرِبَ الخَمرَ وبَدأَ يُغَنِّي ويَرفَعُ صَوتَهُ بِأشعارٍ يُزعِجُ بِها أبا حَنيفَة، وَكانَ مِمَّا يُغَنِّيه: "أضاعُوني وأيَّ فَتىً أضاعُوا... لِيَومِ كَريهَةٍ وسِدادِ ثَغرِ".
وَكانَ أبو حَنيفَةَ يَصلي اللَّيلَ ويَسمَعُ إزعاجَه، لَكِنَّهُ صابِرٌ مُحسِنٌ إلى جارِه، لا يَشتَكيهِ ولا يَنتَهِرُه.
وفي لَيلَةٍ مِنَ اللَّيالي، افتَقَدَ أبو حَنيفَةَ صَوتَ غِناءِ جارِه! لَم يَقُل: "الحَمدُ للهِ أراحَني اللهُ مِن إزعاجِه"، بَل قَلِقَ عَلَيه، وسَألَ عَنْه، فَعَلِمَ أنَّ العَسَسَ (الشُّرطَة) قد ألقَوا القَبضَ عَلَيهِ وسَجَنوه.
فَمَاذا فَعَلَ الإمامُ الأعظَم؟ رَكِبَ دابَّتَهُ من عِندِ صَلاةِ الفَجر، وتَوَجَّهَ إلى دارِ الأمير، وشَفَعَ لِجارِهِ السِّكِّيرِ حتَّى أخرَجَه!
ولَمَّا رَكِبَ أبو حَنيفَة، ومَشى الشَّابُّ خَلفَه، نَظَرَ إليهِ أبو حَنيفَةَ نَظرَةَ المُرَبِّي المُحسِن، وقالَ لَهُ بِلُطف: "يا فَتى، هَل أضَعناكَ؟".
فَبَكَى الشَّابُّ العاصي وقال: "لا والله، بَل حَفِظتَ ورَعَيت... ولن أعودَ إلى ما كُنتُ عَليهِ أبَدًا".
هَذا هوَ الإحسان! لم يُعالِج أبا حنيفةَ مُشكِلَةَ الإزعاجِ بالشُّرطَة، بَل عالَجَ قَلبَ الشَّابِّ بِنُبلِ الإحسان. كَم مِن مُشكِلَةٍ في مُجتَمَعِنا اليَومَ نَستَطيعُ أن نُعالِجَها لو نَظَرنا إلَيها بِعَينِ المُحسِن المُرَبِّي، لا بِعَينِ المُنتَقِمِ لِنَفسِه؟
أيُّها المؤمنون، لَقَد كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ إذا عَمِلوا عَمَلًا، لا يُفَكِّرونَ في كَمِّيَّتِهِ، بَل في إحسانِهِ ونَوعِيَّتِه.
قالَ الفُضَيلُ بنُ عِياض رَحِمَهُ الله في تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، قال: "أخلَصُهُ وأصوَبُه. فإنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا ولَم يَكُن صَوابًا لَم يُقبَل، وإذا كانَ صَوابًا ولَم يَكُن خالِصًا لَم يُقبَل، حتَّى يَكونَ خالِصًا صَوابًا. الخالِصُ أن يَكونَ لله، والصَّوابُ أن يَكونَ على السُّنَّة".
هَذا هُوَ مِيزانُ الإحسانِ في العِباداتِ والمُعامَلات.
وهُنا نَصِلُ إلى أعظَمِ مَشهدٍ، وإلى المُكافَأةِ الكُبرى التي جَهَّزَها اللهُ لِعبادِهِ المُحسِنين.
ما هو جَزاءُ هذا التَّعَب؟ ما هو جَزاءُ ضَبطِ النَّفسِ عَن الحَرامِ في خَلَواتِ الهَواتِف؟ ما هو جَزاءُ العَفوِ عَن الزَّلات؟ ما هُوَ جَزاءُ إتقانِ العَمَلِ بِلَا رَقيبٍ بَشَري؟
استَمِعوا إلى هذا الوَعدِ الرَّبَّانيِّ الذي تَطيرُ لَهُ القُلوبُ شَوقًا. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 26].
تَأمَّلوا مَعي! ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ﴾، والحُسنى هِيَ الجَنَّة. وَلَكِن ما هِيَ ﴿الزِّيَادَةُ﴾؟
يُفَسِّرُها لَنا النَّبيُّ ﷺ كما في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ مُسلِم. قال صلوات ربي وسلامه عليه: «إذا دَخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّة، يُنادي مُنادٍ: يا أهلَ الجَنَّة، إنَّ لَكُم عِندَ اللهِ مَوعِدًا يُريدُ أن يُنجِزَكُمُوه. فَيَقولون: ما هُو؟ ألَم يُثَقِّل مَوازينَنا؟ ويُبَيِّض وُجوهَنا؟ ويُدخِلنا الجَنَّةَ ويُجِرنا مِنَ النَّار؟».
اسمعوا الآن إلى الزِّيادَة... قال ﷺ: «فَيُكشَفُ الحِجابُ، فَيَنظُرونَ إليه... فَوَاللهِ ما أعطاهُم اللهُ شَيئًا أحَبَّ إلَيهِم مِنَ النَّظَرِ إلَيه! ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَة: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾».
يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم!
الذينَ راقَبوا اللهَ في الدُّنيا "كأنَّهُم يَرَونَه"، وكانوا يَعبُدونَهُ بِلا رُؤيَةٍ مُباشِرَة... جازاهُمُ اللهُ في الآخِرَةِ بِأن جَعَلَهُم "يَرَونَهُ حَقيقَةً" وُيُمَتِّعونَ أبصارَهُم بِنُورِ وَجهِهِ الكَريم!
ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا؟ نَتَخَبَّطُ في الظُّلُمات، ونَبحَثُ عَن السَّعادَةِ في جَمعِ الأموالِ، وتَتَبُّعِ الشَّهَواتِ، والمُناكَفاتِ التَّافِهَة... ونَحنُ نَملِكُ مِفتاحَ كُلِّ الخَزائِنِ: "الإحسان"!
أينَ أنتَ مِنَ الإحسانِ في صَلاتِك؟ هَل تُصَلِّي بِجَسَدِكَ وقَلبُكَ يَطوفُ في الأسواق؟
أينَ أنتَ مِنَ الإحسانِ مَعَ والِدَيك؟ هَل تُطِيعُهُما بِتَذَمُّر، أم بِحُبٍّ ورَحْمَة؟
أينَ أنتَ مِنَ الإحسانِ في خَلْوَتِك، حينَ تُغلَقُ الأبواب، ولا يَبقى مَعَكَ في غُرفَتِكَ إلَّا هاتِفُكَ... واللهُ يَرى ما تَصنَع؟
إنَّها لَيست مَسألَةً هَيِّنَةً يا عِبادَ الله، بَل هيَ حَقيقَةُ الإيمانِ ومِعيارُ الصِّدق. والإحسانُ جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ في الدُّنيا، قَبلَ جَنَّةِ الآخِرَة.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وفي القلب شَعَثٌ لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على الله، وفيه وَحشَةٌ لا يُزيلُها إلا الأُنسُ به في خلوته".
أسألُ اللهَ العَظيمَ أن يَجعَلَنا مِنَ المُحسِنينَ الذينَ يَعبُدونَهُ كأنَّهُم يَرَونَه، وأن يُثَبِّتَ قُلوبَنا على طاعَتِه. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حَقيقَةِ الإحسان، وكَيفَ أنَّهُ مِفتاحُ السَّكينَةِ وعِلاجٌ شَامِلٌ لِمَشاكِلنا الأُسَرِيَّةِ والاجتِماعيَّةِ والاقتِصادِيَّة، وتَعَرَّفنا على دَرَجَةِ المُراقَبَةِ، وجَزاءِ المُحسِنينَ بِالنَّظَرِ إلى وَجهِ اللهِ الكَريم. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ الذي يَجِبُ أن نَسألَهُ لأنفُسِنا قَبلَ أن نُغادِرَ هَذا المَسجِد: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الإحسانَ إلى خُطُواتٍ عَمَليَّةٍ في حَياتِنا اليَومِيَّة؟
أوصِيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، اجعَلوها مِيثاقَ الإحسانِ لِهَذا الأُسبوع:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ كُلَّ صَباحٍ قَبلَ خُروجِكَ مِن بَيتِك. قُل في نَفسِك: "اللَّهُمَّ إنِّي أجعَلُ يَومي هَذا خالِصًا لَك". هَذِهِ النِّيَّةُ ستُحَوِّلُ خُروجَكَ للعَمَل، وتَعَبَكَ مِن أجلِ أولادِك، حتَّى ابتِسامَتَكَ في وَجهِ النَّاس، إلى عِبادَةٍ مَأجورَة، فَتَعبُدَ اللهَ في حَياتِكَ كأنَّكَ تَراه. لا تَقُل غَدًا — ابدأ هَذِهِ النِّيَّةَ مِن صَباحِ الغَد.
الثانية (لِسانيَّة): طَهِّر لِسانَكَ بِالإحسان. قال اللهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. إذا واجَهتَ استِفزازًا من زَميل، أو جِدالًا من زَوجَة، أو تَطاوُلًا من غَريب، فَالْجِم لِسانَكَ عَن الرَّدِّ الجارِح، وقُل كَلِمَةً طَيِّبَة، أو اصمُت. اللَّيلَةَ، اعتَدِ على ذِكرِ اللهِ عِوَضًا عَن الشَّكوى المُستَمِرَّة، فَاللِّسانُ المُحسِنُ بَرَدٌ على القَلب.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): أتقِن عَمَلَكَ الذي أنتَ مُوَكَّلٌ بِه — اليَوم! أغلِق هاتِفَكَ أثناءَ ساعاتِ العَمَلِ إلَّا للضَّرورَة، وأعطِ حَقَّ الوَقتِ كامِلًا. تَذَكَّر حَديثَ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحَدُكُم عَمَلًا أن يُتقِنَه». المُديرُ قَد لا يَراك، لَكِنَّ اللهَ يَراك، ورِزقُكَ الحَلالُ يَتَوَقَّفُ على إحسانِكَ في الدَّقائِقِ التي تَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يُحاسِبُكَ عَلَيها.
الرابعة (اجتِماعيَّة): اعتَذِر أو اعفُ عَن شَخصٍ في مُحيطِكَ اليَوم. زَوجَة، أخ، أُخت، أو جَار. إن كُنتَ مُخطِئًا فَبادِر بالاعتِذار، وإن كُنتَ مَظلومًا فَبادِر بِالعَفو. ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. لا تُؤَجِّل هذا الفِعل، اتَّصِل بهِ اللَّيلَة، فَمَن أحسَنَ إلى عِبادِ اللهِ أحسَنَ اللهُ إلَيه.
الخامسة (مَوضوعيَّة): خَصِّص لِنَفسِكَ "خَمسَ دَقائِقَ" فَقَط كُلَّ لَيلَة، في غُرفَةٍ مُظلِمَة، صَلِّ فيها رَكعَتَينِ للهِ وَحدَه. لا يَراكَ إلَّا هو، ولا تَسمَعُ إلَّا صَوتَ أنفاسِك. هَذِهِ الرَّكعَتانِ في السِّرِّ هُمَا أفضَلُ تَمرينٍ عَمَليٍّ للوُصولِ إلى دَرَجَةِ «أن تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراه».
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوى اللهِ هِيَ السِّياجُ الذي يَحمي قُلوبَكُم ويَجعَلُ الإحسانَ مَنهَجَ حَياةٍ لا مَحَطَّةً عابِرَة.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ المُحسِنينَ الذينَ يَعبُدونَكَ كأنَّهُم يَرَونك، فَإن لَم نَكُن نَراكَ فَإنَّ مَلءَ قُلوبِنا يَقينٌ بأنَّكَ تَرانا.
اللَّهُمَّ حَسِّن أخلاقَنا كَما حَسَّنتَ خَلقَنا، واملَأ قُلوبَنا بِحُبِّكَ وخَشيَتِكَ والمُراقَبَةِ لَك.
اللَّهُمَّ أصلِح ذاتَ بَينِنا، وألِّف بَينَ قُلوبِنا، واجعَلِ الإحسانَ شِعارَنا في بُيوتِنا، وفي أعمالِنا، وفي تَعامُلِنا مَعَ الخَلقِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأحياءِ مِنهُم والأموات.
اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عَن المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين.
اللَّهُمَّ ارزُقنا قَبلَ المَوتِ تَوبَة، وعِندَ المَوتِ شَهادَة، وبَعدَ المَوتِ جَنَّةً ونَعيمًا، ولَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجهِكَ الكَريمِ، في غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّة، ولا فِتنَةٍ مُضِلَّة.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.