كَلِمَةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَجلِسِ عَزَاءٍ: تَثبِيتُ القُلُوبِ المَكلُومَةِ بِأَدِلَّةِ الصَّبرِ وَبَشَائِرِ الرَّحمَةِ وَالوَفَاءِ لِلرَّاحِلِينَ
الحَمدُ للهِ الَّذِي كَتَبَ الفَنَاءَ عَلَى كُلِّ مَن فِي الأَرضِ، وَتَفَرَّدَ سُبحَانَهُ بِالبَقَاءِ وَالعَظَمَةِ وَالمُلكِ وَالجَلَالِ، الحَمدُ للهِ الَّذِي لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، أَحكَمَ كُلَّ شَيءٍ بِقَدَرٍ، وَجَعَلَ الرُّجُوعَ إِلَيهِ مَآلَ كُلِّ نَفسٍ وَمُنتَهَى كُلِّ أَجَلٍ، وَجَعَلَ الإِيمَانَ بِقَضَائِهِ بَلسَمًا يَربِطُ عَلَى قُلُوبِ المَحزُونِينَ، وَسَكِينَةً تَتنَزَّلُ عَلَى أَفئِدَةِ الصَّابِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ: فَيَا إِخوَتِي الكِرَامَ، وَيَا أَهلَ هَذَا المُصَابِ الجَلَلِ:
إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ؛ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَّمَنَا إِيَّاهَا رَبُّنَا الرَّحِيمُ لِنَقُولَهَا عِندَ كُلِّ فَقْدٍ وَمُصِيبَةٍ، فَمَا أَصدَقَهَا مِن كَلِمَةٍ، وَمَا أَثقَلَهَا فِي المِيزَانِ، وَمَا أَبرَدَهَا عَلَى القَلبِ المَوجُوعِ!
لَقَدِ اجتَمَعنَا اليَومَ فِي مَجلِسٍ لَا يَخلُو مِنهُ بَيتٌ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ، وَلَا يَسلَمُ مِن مَرَارَتِهِ قَلبُ حَيٍّ؛ اجتَمَعنَا نُؤَدِّي حَقَّ الإِخَاءِ وَالمُوَاسَاةِ لِأَهلِ فَقِيدٍ عَزِيزٍ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ أَيَّامِهِ فِي الدُّنيَا، وَانتَقَلَ مِن دَارِ العَمَلِ وَالِابتِلَاءِ إِلَى دَارِ الجَزَاءِ وَاللِّقَاءِ، وَمِن جِوَارِ الخَلقِ الضُّعَفَاءِ إِلَى جِوَارِ أَرحَمِ الرَّاحِمِينَ.
وَفِي مِثلِ هَذِهِ السَّاعَاتِ الَّتِي تَثقُلُ فِيهَا القُلُوبُ بِالوَحشَةِ، وَتَغرَورِقُ فِيهَا العُيُونُ بِالدَّمعَةِ، لَا يَجِدُ المُؤمِنُ مَلَاذًا أَحنَى عَلَى رُوحِهِ، وَلَا أَثبَتَ لِقَلبِهِ مِن أَن يَستَمِعَ إِلَى كَلَامِ رَبِّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُدَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَفِي أَنوَارِ الوَحيَينِ دَوَاءُ كُلِّ جُرحٍ، وَجَبرُ كُلِّ كَسرٍ، وَسَلوَةُ كُلِّ مَحزُونٍ.
إِخوَتِي الكِرَامَ:
إِنَّ أَوَّلَ حَقِيقَةٍ تَسكُنُ بِهَا النَّفسُ عِندَ صَدمَةِ الفِرَاقِ: أَن نَعلَمَ أَنَّ المَوتَ لَيسَ حَدَثًا طَارِئًا أَخطَأَ طَرِيقَهُ إِلَينَا، وَلَا مُصِيبَةً خُصَّ بِهَا بَيتٌ دُونَ بَيتٍ؛ بَل هُوَ سُنَّةُ اللهِ المَاضِيَةُ فِي خَلقِهِ أَجمَعِينَ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّحمَنِ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
وَحِينَ اقتَضَتْ حِكمَةُ اللهِ سُبحَانَهُ أَلَّا يُخلَّدَ بَشَرٌ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، خَاطَبَ أَحبَّ خَلقِهِ إِلَيهِ وَأَكرَمَهُم عَلَيهِ — سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ — فِي سُورَةِ الأَنبِيَاءِ فَقَالَ لَهُ تَسلِيَةً وَتَثبِيتًا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، وَقَالَ لَهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
فَمَا رَحَلَ فَقِيدُنَا وَحدَهُ يَا أَحِبَّتِي، بَل نَحنُ جَمِيعًا رَكبٌ سَائِرُونَ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ؛ الرَّاحِلُونَ سَبَقُونَا بِخُطُوَاتٍ، وَنَحنُ عَلَى الأَثَرِ لَاحِقُونَ، وَالدُّنيَا كُلُّهَا مَعْبَرٌ قَصِيرٌ وَمَحَطَّةُ سَفَرٍ، وَاللِّقَاءُ الحَقِيقِيُّ البَاقِي هُنَاكَ عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ المُصَابُونَ:
إِنَّ مَا تَجِدُونَهُ السَّاعَةَ فِي صُدُورِكُم مِن حُرْقَةِ الشَّوقِ وَأَلَمِ الفَقْدِ، وَمَا يَسِيلُ مِن مَآقِيكُم مِن دُمُوعِ الحُزنِ، لَا يُنَافِي الإِيمَانَ وَلَا يُنقِصُ مِن أَجرِ الصَّبرِ شَيئًا؛ فَإِنَّ الإِسلَامَ دِينُ الفِطرَةِ وَالرَّحمَةِ، لَا يَطلُبُ مِنَ القُلُوبِ أَن تَصِيرَ حِجَارَةً لَا تَحزَنُ، وَلَا مِنَ العُيُونِ أَن تَجمُدَ فَلَا تَدمَعُ؛ بَل يَطلُبُ مِنَّا أَن نَحفَظَ أَلسِنَتَنَا وَقُلُوبَنَا عَنِ السَّخَطِ وَالِاعتِرَاضِ، فَلَا نَقُولَ إِلَّا مَا يُرضِي رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا.
انظُرُوا إِلَى سَيِّدِ الصَّابِرِينَ وَإِمَامِ الرَّاضِينَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَومَ دَخَلَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ إِبرَاهِيمَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَضَمَّهُ إِلَى صَدرِهِ الشَّرِيفِ، فَجَعَلَتْ عَينَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَذرِفَانِ الدَّمعَ، فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُتَعَجِّبًا: «وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!»، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ أَتبَعَهَا بِالأُخرَى فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي صَارَتْ بَلسَمًا لِكُلِّ مَفجُوعٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»!
فَالدَّمعَةُ الَّتِي تَسقُطُ مِن عَينِكَ يَا أَخِي المُصَابَ هِيَ رَحمَةٌ أَودَعَهَا اللهُ فِي فُؤَادِكَ؛ فَإِذَا قَرَنتَهَا بِالرِّضَا وَالحَمدِ وَالِاستِرجَاعِ، انقَلَبَتْ كُلُّ لَحظَةِ حُزنٍ فِي قَلبِكَ إِلَى رِفعَةٍ فِي دَرَجَاتِكَ، وَمَحوٍ لِسَيِّئَاتِكَ، وَبِنَاءٍ لِقُصُورِكَ فِي الجَنَّةِ!
اسْمَعُوا إِلَى مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ الصَّابِرِينَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾!
تَأَمَّلُوا يَا كِرَامُ هَذِهِ العَطَايَا الثَّلَاثَ الَّتِي لَم تَجتَمِعْ لِأَحَدٍ فِي القُرآنِ كَمَا اجتَمَعَتْ لِلصَّابِرِينَ المُستَرجِعِينَ عِندَ المُصِيبَةِ: «صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِم» وَهِيَ الثَّنَاءُ عَلَيهِم فِي المَلَأِ الأَعلَى وَالمَغفِرَةُ لَهُم، «وَرَحمَةٌ» تَغشَى قُلُوبَهُم فَتُبرِدُ لَوعَتَهَا، «وَاهتِدَاءٌ» إِلَى طَرِيقِ الجَنَّةِ وَالرِّضوَانِ؛ حَتَّى قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي تَفسِيرِ البُخَارِيِّ وَالطَّبَرِيِّ: «نِعْمَ العِدْلَانِ وَنِعْمَتِ العِلَاوَةُ!»، يَعنِي بِالعِدلَينِ الصَّلَاةَ وَالرَّحمَةَ، وَبِالعِلَاوَةِ الِاهتِدَاءَ!
بَل إِنَّ كُلَّ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ يُوزَنُ أَجرُهَا بِمَوَازِينِ الحَسَنَاتِ، إِلَّا الصَّبرَ عَلَى أَقدَارِ اللهِ المؤلِمَةِ؛ فَإِنَّ أَجرَهُ يُغرَفُ غَرفًا بِلَا عَدٍّ وَلَا حَدٍّ؛ كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾!
وَاسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الجَنَّةُ»!
وَ«الصَّفِيُّ» هُوَ الحَبِيبُ المُصَافِي مِن وَالِدٍ أَو وَالِدَةٍ أَو وَلَدٍ أَو زَوجٍ أَو أَخٍ أَو قَرِيبٍ يَشُقُّ عَلَى القَلبِ فِرَاقُهُ؛ فَمَن قَبَضَ اللهُ صَفِيَّهُ وَحَبِيبَهُ مِن أَهلِ الدُّنيَا، فَصَبَرَ وَاحتَسَبَ وَرَضِيَ عَنِ اللهِ؛ لَم يَرضَ اللهُ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الجَنَّةِ!
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلتُ: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ مِن أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! ثُمَّ إِنِّي قُلتُهَا، فَأَخلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
إِخوَتِي الكِرَامَ:
تَذَكَّرُوا فِي مَجلِسِكُم هَذَا أَنَّ مَا نَحَنُ فِيهِ مِن أَنفُسِنَا وَأَهلِينَا وَأَحِبَّتِنَا إِنَّمَا هُوَ أَمَانَةٌ وَعَارِيَّةٌ استَودَعَنَا اللهُ إِيَّاهَا إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ؛ فَمَتَى مَا استَرَدَّ المَالِكُ الحَقُّ أَمَانَتَهُ، فَلَيسَ لِلعَبدِ إِلَّا الرِّضَا وَالتَّسلِيمُ.
وَاستَحضِرُوا ذَلِكَ المَوقِفَ الإِيمَانِيَّ الجَلِيلَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلحَةَ الأَنصَارِيِّ وَزَوجَتِهِ الصَّابِرَةِ أُمِّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ حِينَ مَاتَ وَلَدُهُمَا وَأَبُو طَلحَةَ غَائِبٌ، فَسَجَّتْ أُمُّ سُلَيمٍ الوَلَدَ وَهَيَّأَتْ لِزَوجِهَا عَشَاءَهُ حَتَّى استَرَاحَ، ثُمَّ مَهَّدَتْ لِقَلبِهِ الخَبَرَ بِأَعظَمِ قَاعِدَةٍ فِي فِقهِ الِابتِلَاءِ فَقَالَتْ لَهُ: «يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟»، قَالَ: لَا! قَالَتْ: «فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ»!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ إِحدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَرسَلَتْ إِلَيهِ تَدعُوهُ وَتُخبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا فِي المَوتِ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُقرِئُهَا السَّلَامَ وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»!
وَانظُرُوا إِلَى التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ اللهُ، حِينَ اجتَمَعَتْ عَلَيهِ مُصِيبَتَانِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ: بُتِرَتْ قَدَمُهُ بَعدَ أَن سَرَتْ فِيهَا الآكِلَةُ، وَمَاتَ أَحَبُّ أَبنَائِهِ إِلَيهِ فِي السَّفَرِ نَفسِهِ؛ فَلَم يَزِدْ عَلَى أَن رَفَعَ طَرفَهُ إِلَى السَّمَاءِ بِسَكِينَةِ الرَّاضِينَ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ؛ إِنْ كُنْتَ قَدِ ابْتَلَيْتَ فَقَدْ عَافَيْتَ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ؛ أَخَذْتَ عُضْوًا وَأَبْقَيْتَ أَعْضَاءً، وَأَخَذْتَ ابْنًا وَأَبْقَيْتَ أَبْنَاءً»!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ، وَيَا أَهلَ الفَقِيدِ وَمُحِبِّيهِ:
إِنَّ الصِّدقَ فِي مَحَبَّةِ الرَّاحِلِينَ لَا يَقِفُ عِندَ حُدُودِ الحُزنِ عَلَى فِرَاقِهِم، بَل يَبدَأُ مِن هَذِهِ اللَّحظَةِ بِتَحوِيلِ هَذَا الحُزنِ إِلَى عَمَلٍ صَالِحٍ يَنفَعُ الفَقِيدَ فِي قَبرِهِ، وَيُضِيءُ لَهُ لَحدَهُ، وَيَرفَعُ دَرَجَتَهُ فِي عِلِّيِّينَ!
إِنَّ المَيتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبرِهِ، انقَطَعَتْ يَدُهُ عَنِ العَمَلِ، وَأُغلِقَ دِيوَانُ كَسبِهِ المُبَاشِرِ، فَلَم يَبقَ لَهُ مَورِدٌ يَتَدَفَّقُ عَلَيهِ بِالحَسَنَاتِ إِلَّا مَا خَلَّفَهُ مِن أَثَرٍ صَالِحٍ أَو مَا يُهدِيهِ إِلَيهِ أَهلُهُ وَإِخوَانُهُ الأَحيَاءُ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
فَأَكثِرُوا لِفَقِيدِكُم مِنَ الدُّعَاءِ الخَالِصِ وَالِاستِغفَارِ فِي جَوفِ اللَّيلِ وَفِي أَدبَارِ الصَّلَوَاتِ وَفِي سَجَدَاتِكُم؛ وَتَصَدَّقُوا عَنهُ وَلَو بِالقَلِيلِ الدَّائِمِ، وَأَوفُوا بِعَهدِهِ، وَصِلُوا رَحِمَهُ وَأَهلَ وُدِّهِ، وَاجمَعُوا كَلِمَتَكُم عَلَى التَّقوَى وَالصَّلَاحِ؛ فَإِنَّ كُلَّ رَكعَةٍ تُصَلُّونَهَا، وَكُلَّ دَعوَةٍ تَرفَعُونَهَا، وَكُلَّ مَعرُوفٍ تَصنَعُونَهُ هُوَ نُورٌ وَبِشَارَةٌ تَصِلُ إِلَيهِ فِي دَارِ الكَرَامَةِ.
وَأَحسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُم جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَإِنَّ فَقِيدَكُم قَد نَزَلَ بِسَاحَةِ أَكرَمِ الأَكرَمِينَ وَأَرحَمِ الرَّاحِمِينَ، الَّذِي قَالَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فِي سُورَةِ الأَعرَافِ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ وَالضَّيفُ إِذَا نَزَلَ بِالكَرِيمِ أَكرَمَهُ، فَكَيَفَ بِمَن وَفَدَ عَلَى مَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي سَبَقَتْ رَحمَتُهُ غَضَبَهُ؟!
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِفَقِيدِنَا وَارحَمهُ، وَعَافِهِ وَاعفُ عَنهُ، وَأَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدخَلَهُ، وَاغسِلهُ بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ.
اللَّهُمَّ أَبدِلهُ دَارًا خَيرًا مِن دَارِهِ، وَأَهلًا خَيرًا مِن أَهلِهِ، وَأَدخِلهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذهُ مِن عَذَابِ القَبرِ وَمِن عَذَابِ النَّارِ.
اللَّهُمَّ آنِسْ وَحشَتَهُ، وَارحَمْ غُربَتَهُ، وَأَنِرْ لَحدَهُ، وَافسَحْ لَهُ فِي قَبرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَاجعَلْ قَبرَهُ رَوضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَثَبِّتهُ بِالقَولِ الثَّابِتِ، وَيَمِّنْ كِتَابَهُ، وَيَسِّرْ حِسَابَهُ، وَثَقِّلْ بِالحَسَنَاتِ مِيزَانَهُ، وَأَسكِنْهُ الفِردَوسَ الأَعلَى مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
اللَّهُمَّ اجبُرْ مُصِيبَةَ أَهلِهِ وَذَوِيهِ، وَأَعظِمْ أَجرَهُم، وَأَحسِنْ عَزَاءَهُم، وَاخلُفهُم فِيهِ خَيرًا، وَأَفرِغْ عَلَى قُلُوبِهِمُ الصَّبرَ الجَمِيلَ وَالسَّكِينَةَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ، وَلَا تَفتِنَّا بَعدَهُ، وَلَا تَحرِمنَا أَجرَهُ، وَاغفِرْ لَنَا وَلَهُ وَلِجَمِيعِ مَوتَى المُسلِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَحسِنْ خَاتِمَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَاجعَلْ خَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
كَلِمَةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَجلِسِ عَزَاءٍ: تَثبِيتُ القُلُوبِ المَكلُومَةِ بِأَدِلَّةِ الصَّبرِ وَبَشَائِرِ الرَّحمَةِ وَالوَفَاءِ لِلرَّاحِلِينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.