🕌 مَعرِفَةُ اللهِ... الغَايَةُ الَّتِي نَسِينَاهَا
#خطبة_جمعة #معرفة_الله #التوحيد #العقيدة #الأسماء_والصفات #إيمانيات
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
كُلُّنَا نَحْفَظُ أَسْمَاءَ البَشَرِ، وَنَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الدُّنْيَا الدَّقِيقَةَ... وَلَكِنْ، لَوْ سُئِلَ أَحَدُنَا الآنَ: مَنْ هُوَ رَبُّكَ؟ لَرُبَّمَا تَلَعْثَمَ بَعْدَ الْجَوَابِ الْعَامِّ. هُنَاكَ حَقِيقَةٌ غَائِبَةٌ عَنْ قُلُوبِنَا، بِسَبَبِهَا نَقْلَقُ، وَنَحْزَنُ، وَنَخَافُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ بِلَا مُبَرِّرٍ. حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ أَدْرَكْنَاهَا الْيَوْمَ، سَتُغَيِّرُ مَوَازِينَ حَيَاتِنَا بِالْكُلِّيَّةِ... فَأَعِيرُونِي الْقُلُوبَ قَبْلَ الأَسْمَاعِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ سَأَلْتَ فِيهَا نَفْسَكَ: لِمَاذَا خَلَقَنِي اللَّهُ؟
نَقْرَأُ كَثِيرًا قَوْلَهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: 56]. نَظُنُّ أَنَّ الغَايَةَ هِيَ فَقَطْ أَنْ نَرْكَعَ وَنَسْجُدَ، وَهَذَا حَقٌّ بِلَا رَيْبٍ، وَلَكِنْ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَبْرَ الأُمَّةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَسَّرَ كَلِمَةَ «لِيَعْبُدُونِ» هُنَا بِقَوْلِهِ: "أَيْ لِيَعْرِفُونِ"؟
نَعَمْ... خَلَقَكَ اللَّهُ لِتَعْرِفَهُ! لِأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ المَعْرِفَةِ، عَبَدَهُ حَقَّ العِبَادَةِ. وَمَنْ جَهِلَهُ، تَبَلَّدَتْ عِبَادَتُهُ، وَصَارَتْ حَرَكَاتٍ جَوْفَاءَ لَا رُوحَ فِيهَا.
يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آمِرًا نَبِيَّهُ ﷺ وَأُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [سورة محمد: 19]. بَدَأَ بِالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ قَبْلَ العَمَلِ. لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحِبَّ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ. كَيْفَ تُحِبُّ رَبَّكَ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ؟ كَيْفَ تَخْشَاهُ وَأَنْتَ لَا تُدْرِكُ عَظَمَتَهُ؟ كَيْفَ تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَأَنْتَ لَا تُوقِنُ بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ؟
وَاسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، حَيْثُ يُبَيِّنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَرَةَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ، فَيَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
طَعْمُ الْإِيمَانِ... كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ. لِلْإِيمَانِ حَلَاوَةٌ لَا يَتَذَوَّقُهَا إِلَّا مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَالرِّضَا لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ المَعْرِفَةِ. الرِّضَا بِمَنْعِهِ قَبْلَ عَطَائِهِ، وَبِقَضَائِهِ قَبْلَ عَافِيَتِهِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ فِي قُلُوبِنَا فَجْوَةً لَا يَمْلَؤُهَا مَالٌ، وَلَا سُلْطَانٌ، وَلَا زَوْجَةٌ، وَلَا وَلَدٌ. وَقَدْ لَخَّصَ هَذَا المَعْنَى الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَقُولَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، قَالَ: "إِنَّ فِي الْقَلْبِ شَعَثًا لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ، وَوَحْشَةً لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الْأُنْسُ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ، وَفِيهِ حُزْنٌ لَا يُذْهِبُهُ إِلَّا السُّرُورُ بِمَعْرِفَتِهِ".
تَأَمَّلُوا! السُّرُورُ بِمَعْرِفَتِهِ! هَلْ شَعَرْتَ يَوْمًا بِهَذَا السُّرُورِ؟ هَلْ جَلَسْتَ لَيْلَةً تَتَأَمَّلُ فِي اسْمِ اللَّهِ "الرَّحِيمِ"، فَفَاضَتْ عَيْنَاكَ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَيْهِ؟
دَعُونَا نَعُودُ إِلَى زَمَانِ النُّبُوَّةِ، لِنَرَى كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْرِسُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فِي قُلُوبِ الصَّحَابَةِ.
جِيءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِسَبْيٍ، وَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْحَثُ بِهَلَعٍ بَيْنَ النَّاسِ، كُلَّمَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، حَتَّى وَجَدَتْ وَلَدَهَا... فَضَمَّتْهُ إِلَيْهَا فِي مَشْهَدٍ يُفَتِّتُ الصَّخْرَ!
الصَّحَابَةُ يَنْظُرُونَ وَتَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ. هُنَا لَمْ يُفَوِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَشْهَدَ لِيَرْبِطَهُمْ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ. الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ المَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَلِمَةَ الحَاسِمَةَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ! وَيَا لَرَحْمَةِ هَذَا الرَّبِّ الكَرِيمِ! إِذَا كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَبَّكَ أَرْحَمُ بِكَ مِنْ أُمِّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَكَيْفَ تَخَافُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ؟ كَيْفَ تَقْلَقُ مِنْ رِزْقِ غَدٍ؟ كَيْفَ تَيْأَسُ عِنْدَ وُقُوعِ مُصِيبَةٍ؟ إِنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَقُولُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: 56].
وَلَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَ: لِمَاذَا نَضْعُفُ؟ لِمَاذَا نَنْهَارُ أَمَامَ أَقَلِّ مُشْكِلَةٍ رَغْمَ إِسْلَامِنَا؟
الْجَوَابُ مُؤْلِمٌ: لِأَنَّنَا نَعْرِفُ الدُّنْيَا وَلَا نَعْرِفُ رَبَّ الدُّنْيَا. يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُوَبِّخُ الْغَافِلِينَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: 67].
لَمْ نَقْدُرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ!
عِنْدَمَا نُوَاجِهُ ضَائِقَةً مَالِيَّةً، نَلْجَأُ إِلَى زَيْدٍ وَعُمَرَ، نَتَصَفَّحُ هَوَاتِفَنَا نَبْحَثُ عَنْ مَخْلُوقٍ ضَعِيفٍ لِيُسَاعِدَنَا، وَنَنْسَى أَنَّ مَلِكَ المُلُوكِ، الَّذِي بِيَدِهِ قُلُوبُ الخَلَائِقِ، يَنْتَظِرُ مِنَّا سَجْدَةً خَالِصَةً!
هَلْ نَسِينَا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات: 58]؟
الرَّزَّاقُ... لَيْسَ الرَّازِقُ فَقَطْ، بَلِ الرَّزَّاقُ، الْكَثِيرُ الرِّزْقِ، الَّذِي يَرْزُقُ النَّمْلَةَ فِي ثَقْبِهَا، وَالطَّيْرَ فِي وُكْرِهَا. ثُمَّ جَاءَتْ كَلِمَةُ «ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»، لِيُطَمْئِنَ قَلْبَكَ؛ رِزْقُكَ لَيْسَ بِيَدِ مُدِيرِكَ فِي العَمَلِ، وَلَا بِيَدِ شَرِكَةٍ، بَلْ بِيَدِ مَنْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ!
...
فَانْتَبِهْ.
هَذِهِ هِيَ المَعْرِفَةُ الَّتِي تُحَرِّرُكَ.
وَلِنَتَأَمَّلْ مَعًا صُورَةً مِنْ صُوَرِ السَّلَفِ حِينَ اكْتَمَلَتْ مَعْرِفَتُهُمْ بِاللَّهِ.
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ، أُصِيبَتْ قَدَمُهُ بِدَاءٍ أَوْجَبَ بَتْرَهَا. بَتَرُوهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ صَابِرًا لَمْ يَصْرُخْ! وَفِي نَفْسِ الْيَوْمِ، جَاءَهُ خَبَرٌ أَنَّ ابْنَهُ وَأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ قَدْ رَفَسَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ. رَجُلٌ تُقْطَعُ قَدَمُهُ وَيُتَوَفَّى ابْنُهُ فِي حَادِثٍ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ!
كَيْفَ كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ؟ هَلِ اعْتَرَضَ؟ هَلْ يَئِسَ؟
لَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ اللَّهُ. رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ ابْنًا، فَقَدْ أَبْقَيْتَ أَبْنَاءً. وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ طَرَفًا، فَقَدْ أَبْقَيْتَ أَطْرَافًا... فَلَكَ الْحَمْدُ يَا رَبِّ عَلَى مَا أَخَذْتَ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَبْقَيْتَ".
يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! أَيُّ قَلْبٍ هَذَا؟ وَأَيُّ سَكِينَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِ؟
إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَنْهَارُ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وَبَيْنَ مَنْ يَصْبِرُ صَبْرَ عُرْوَةَ، كَالْفَرْقِ بَيْنَ الثَّرَى وَالثُّرَيَّا! وَالسِّرُّ يَقْبَعُ فِي قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ أَحَبَّهُ، وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا زَهِدَ فِيهَا".
فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّكَ؟
إِذَا نَزَلَ بِكَ البَلَاءُ، أَلَا تَعْلَمُ أَنَّهُ الحَكِيمُ؟ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد: 4].
وَإِذَا ضَاقَتْ بِكَ السُّبُلُ، أَلَا تَعْرِفُ أَنَّهُ القَرِيبُ المُجِيبُ؟ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: 16].
وَإِذَا سَقَطْتَ فِي الذُّنُوبِ، حَتَّى سَوَّدَتْ صَحِيفَتَكَ، أَلَا تَسْمَعُ نِدَاءَهُ الرَّحِيمَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر: 53].
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا البَابِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي...» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَهَذَا يَقُودُنَا لِمَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ... إِنَّ كَثِيرًا مِنْ شَبَابِنَا الْيَوْمَ، مِمَّنْ تَسَلَّلَ الشَّكُّ إِلَى قُلُوبِهِمْ، لَمْ يَكْفُرُوا لِأَنَّ عُقُولَهُمْ كَبِيرَةٌ، بَلْ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ بِاللَّهِ مُشَوَّهَةٌ ضَعِيفَةٌ! ظَنُّوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَنَسُوا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: 11]، وَنَسُوا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ]. كَيْفَ نُعَرِّفُهُمْ بِرَبِّهِمْ إِذَا كُنَّا نَحْنُ نَجْهَلُهُ؟
إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ حَبَسُوهُ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ: "مَا يَصْنَعُ أَعْدَائِي بِي؟ أَنَا جَنَّتِي وَبُسْتَانِي فِي صَدْرِي، حَيْثُمَا رُحْتُ فَهِيَ مَعِي". لَمْ يَكُنْ هَذَا كَلَامًا خَيَالِيًّا، بَلْ كَانَ نَتِيجَةً لِمَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِخَالِقِهِ.
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ الآنَ، وَأَنْتَ فِي بَيْتِهِ سُبْحَانَهُ: هَلْ قَلْبُكَ فِيهِ مِثْلُ هَذِهِ الجَنَّةِ؟ هَلْ إِذَا سَلَبَتْكَ الدُّنْيَا كُلَّ مَا تَمْلِكُ، يَكْفِيكَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ؟
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ أَعْظَمِ المَطَالِبِ وَأَجَلِّ الْغَايَاتِ؛ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَوَقَفْنَا مَعَ سَعَةِ رَحْمَتِهِ الَّتِي تَفُوقُ رَحْمَةَ الأُمِّ بِوَلَدِهَا، وَتَأَمَّلْنَا كَيْفَ أَنَّ الجَهْلَ بِهِ هُوَ أَصْلُ شَقَائِنَا، وَخَتَمْنَا بِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ كُلَّ الطُّمَأْنِينَةِ فِي اليَقِينِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَالآنَ، وَنَحْنُ نَتَهَيَّأُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى حَيَاتِنَا، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا إِلَى وَاقِعٍ؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): جَدِّدْ نِيَّتَكَ هَذِهِ اللَّحْظَةَ أَنْ تَعِيشَ لِتَعْرِفَ اللَّهَ. قُلْ فِي قَلْبِكَ: "يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَيْكَ"، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا رَأَى مِنْ عَبْدِهِ صِدْقًا فَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ المَعْرِفَةِ كُلَّهَا. لَا تَقُلْ فَاتَ الْأَوَانُ!
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): اجْعَلْ كَلِمَةَ "سُبْحَانَ اللَّهِ" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَحْرِيكٍ لِلِّسَانِ، بَلْ تَسْبِيحًا يَنْطَلِقُ مِنَ الْقَلْبِ. حِينَ تَقُولُهَا، اسْتَحْضِرْ كَمَالَهُ سُبْحَانَهُ وَنَقْصَكَ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا خَرَجَتْ مَعَ تَدَبُّرٍ غَسَلَتْ هُمُومَ النَّفْسِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): اقْرَأْ اللَّيْلَةَ وَلَوْ صَفْحَةً وَاحِدَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِنِيَّةِ الْبَحْثِ عَنْ صِفَاتِهِ. عِنْدَمَا تَمُرُّ بِكَلِمَةِ "الغَفُورُ" أَو "الرَّحِيمُ"، تَوَقَّفْ! هَذَا رَبُّكَ يُكَلِّمُكَ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا تَمُرَّ عَلَيْهَا كَالأَعْمَى.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): اجْلِسْ مَعَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَأَوْلَادِكَ، وَلَوْ لِخَمْسِ دَقَائِقَ هَذَا الْيَوْمَ، حَدِّثْهُمْ عَنْ عُظَمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ قَبْلَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ عَنِ النَّارِ وَالْعَذَابِ. اغْرِسْ حُبَّهُ فِي قُلُوبِ الصِّغَارِ يَنْبُتُوا عَلَى طَاعَتِهِ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): حَافِظْ عَلَى تَعَلُّمِ اسْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ. افْهَمْ مَعْنَاهُ، وَتَعَبَّدِ اللَّهَ بِهِ، فَقَدْ قَالَ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ هِيَ الْحِصْنُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهِ فِتَنُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [سورة الانفطار: 6].
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَعْرِفَتَكَ مَعْرِفَةً تَمْلَأُ قُلُوبَنَا سَكِينَةً، وَتَطْرُدُ عَنْ أَرْوَاحِنَا الْخَوْفَ وَالْقَلَقَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْرِفُكَ فِي الرَّخَاءِ فَتَعْرِفُهُ فِي الشِّدَّةِ.
اللَّهُمَّ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، يَا رَزَّاقُ يَا كَرِيمُ، اغْفِرْ لَنَا جَهْلَنَا وَتَقْصِيرَنَا فِي حَقِّكَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ المُسْلِمِينَ وَالمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ المَظْلُومِينَ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
اللَّهُمَّ حَسِّنْ خَوَاتِيمَنَا، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.