🕌 اسم الله الودود: كيف توقظ معرفته المحبة في قلوبنا؟
#خطبة_جمعة #اسم_الله_الودود #المحبة #أسماء_الله_الحسنى #عقيدة #رجاء
الحمدُ للهِ المتودِّدِ إلى عبادِهِ بجميلِ آلائِه، المتعرِّفِ إليهم بِواسِعِ رحمته وعظيمِ نعمائِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، الغفورُ الودود، ذو العرشِ المجيد، الفعَّالُ لما يُريد. يستر الخطيئات، ويُحبُّ التوابين ويُحب المتطهرين، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا ومحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، أعظمُ الناسِ لربِّه حبّاً، وأصدقُهم لهُ طاعةً ورجاءً، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
أما بعد:
تأملوا في خالق الأكوان، مالك الملك، الذي يرزق ويعفو ويرحم... ثم فوق ذلك كله: يتودد إلى عباده المؤمنين ويحبهم. في كتاب الله اسم عظيم، لو وعيناه حق الوعي لتغيرت صلاتنا، وتبدلت خشيتنا، وانقلبت حياتنا إلى طمأنينة لا توصف. هذا الاسم يغيب عن أذهان الكثيرين في زحام الحياة، واليوم سنقف مع معانيه التي تحيي القلوب من موات الغفلة، وتعيد صياغة علاقتنا بربنا جل جلاله.
أيها المؤمنون، هل سألتم أنفسكم يوماً: ما الدافع الحقيقي الذي يجعلنا نقف بين يدي الله في الصلاة؟ هل هو الخوف من عقابه فحسب؟ أم هو الطمع في جنته فقط؟ أين المحبة؟ أين الشوق؟ أين محبة الخالق الذي أنعم وتفضل وستر ورحم؟
في القرآن الكريم، ورد اسم الله "الودود" في موضعين عظيمين. يقول الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [سورة هود: 90]. ويقول جل جلاله في سورة البروج: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [سورة البروج: 14].
تأملوا هذا الاقتران العجيب! يقترن "الودود" بـ"الرحيم"، ويقترن بـ"الغفور". لماذا؟ لأن الملوك من البشر قد يعفون عن المذنب، وقد يتجاوزون عن المسيء، لكنهم قلما يودونه أو يحبونه بعد ذنبه؛ يقبلون العذر، لكن القلوب لا تعود كما كانت. أما مالك الملك، ورب السماوات والأرض، فإنه إذا تاب عبده ورجع إليه، لا يغفر له الذنب ويرحمه فحسب، بل يحبه ويتودد إليه! يا لعظمة هذا الإله! يغفر الذنب، ثم يحب التائب!
يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في بيانه لمعنى هذا الاسم: "الودود: المحب لمن أناب إليه وتاب، يوده ويحبه". ويقول العلامة السعدي رحمه الله في تقرير هذا المعنى: "الودود، الذي يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، وقد ملأت محبته قلوبهم".
إخوتي الكرام، إن "الوُدّ" أصفى المحبة وأخلصها. فكيف يتودد الغني الحميد إلى عباده الفقراء؟ ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، ينادي عباده، وهو غني عنهم وهم الفقراء إليه! واسمعوا لهذا الحديث العظيم الذي يفيض تودداً ورأفة، قال رسول الله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له؟» (متفق عليه).
من الذي ينادي؟ الخالق العظيم! ومن المنادى؟ المخلوق الضعيف المقصر! أي تودد أعظم من هذا؟ وأي محبة أرجى من هذه المحبة؟
تصوروا معي واقعنا اليوم: لو أن إنساناً صاحب منصب أو ثراء، تكرم عليك في لحظة ضيقك بمال أو مساعدة، وأحسن إليك مرات ومرات ولم يطلب منك مقابلاً، كيف سيكون حال قلبك معه؟ ستجد نفسك تحبه، تذكره بالخير في كل مجلس، وتستحي أن ترد له طلباً، وربما تشعر بالتقصير في حقه مهما شكرت. هذا مخلوق ضعيف أعطاك من فضل الله! فكيف برب السماوات والأرض، الذي أطعمك من جوع، وآمنك من خوف، ورزقك الصحة، وكساك العافية، وحفظ أبناءك، وستر عيوبك؟ أليس هو أحق بالمحبة الخالصة؟ أليس هو أولى بأن يفيض القلب بشكره ووده؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبيناً هذه الحقيقة العظمى: "فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يلتذ، ولا يسر، ولا يطمئن، ولا يسكن، إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه".
لنتأمل معاً كيف غيّرت معرفة أسماء الله وصفاته قلوب الصالحين، وكيف جعلت المحبة محركهم الأول. في عهد النبي ﷺ، كان هناك رجل من الأنصار يؤم قومه في مسجد قباء، وكان في كل ركعة يقرأ بالفاتحة، ثم يقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم يقرأ سورة أخرى معها! فعل ذلك في كل ركعة. فلما استنكروه، سألوه، فقال: لا أدعها. فشكوه إلى النبي ﷺ.
فدعاه النبي ﷺ وقال له: «ما يَمْنَعُكَ أنْ تَفْعَلَ ما يَأْمُرُكَ به أصْحابُكَ، وما حَمَلَكَ علَى لُزُومِ هذِه السُّورَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ؟».
بماذا أجاب هذا الصحابي المحب؟ هل قال: إنها سورة قصيرة؟ أو قال: لا أحفظ غيرها؟ لا! استمعوا إلى جواب القلب الذي عرف ربه، قال: «إنِّي أُحِبُّها»، فبشره الصادق المصدوق ﷺ قائلاً: «حُبُّكَ إيَّاهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ».
وفي سياق آخر، بعث النبي ﷺ رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سَلُوهُ لأيِّ شيءٍ يَصْنَعُ ذلكَ؟». فسألوه، فقال: «لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأَنَا أُحِبُّ أنْ أقْرَأَ بهَا». لقد وقع حُبُّ صفات الله في قلبه، فأحب السورة التي تتحدث عن الخالق الأحد الصمد. فماذا كانت الجائزة؟ أعلن النبي ﷺ البشارة الكبرى: «أَخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» (رواه البخاري).
تأملوا في العبرة من هاتين البشارتين! من أحب صفة الرحمن، أحبه الرحمن، وأدخله الجنة. المحبة لا تُنال بالأماني الكاذبة، بل بمعرفة الله حق المعرفة. من عرف الودود أحبه، ومن أحب الودود خضع له وأطاعه واستلذ بالوقوف بين يديه.
ولكن، أيها الإخوة، هنا وقفة حاسمة لا بد منها. هناك من يخلط بين رجاء رحمة الله ومحبته، وبين الأمن من مكره والتمادي في المعصية، فيظن أن كل عمل يعمله أو كل حال هو عليه محبوب عند الله بدعوى سعة المغفرة!
كيف تدعي محبة الودود وأنت تبارزه بالمعاصي في خلواتك؟ كيف تدعي محبته وأنت تضيع صلاة الفجر وتؤثر عليها دفء الفراش؟ كيف تدعي المحبة وأنت تأكل الحرام، أو تقطع الأرحام، أو تؤذي الناس بلسانك؟ المحبة الصادقة لله ليست دعوى عريضة تُردد باللسان بينما الجوارح غارقة في مستنقع المخالفات.
المحبة لها برهان، وبرهانها الساطع هو الاتباع والطاعة. قال الله تعالى قاطعاً لكل دعوى كاذبة لا يصدقها العمل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: 31]. سماها العلماء "آية المحنة"، أي آية الاختبار والامتحان. فمن ادعى المحبة، امتُحن بهذه الآية: هل أنت متبع لرسول الله ﷺ؟ هل أنت وقاف عند حدود الله؟
واسمعوا لهذا الحديث القدسي الجليل الذي يزلزل القلوب الحية ويرسم لها خريطة الطريق إلى النجاة، يقول الله عز وجل فيه: «وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوَافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بهَا، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بهَا، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (رواه البخاري).
هذا هو الطريق الواضح لنيل محبة الودود: أداء الفرائض أولاً، من صلاة وزكاة وصيام وحفظ للحقوق، ثم الترقي في مدارج النوافل. وحينها، وحينها فقط، تنال هذه المنزلة العظمى: "حتى أحبه".
أيها الأحبة، من امتلأ قلبه بمحبة الله الودود، فاض هذا الود رحمةً ورفقاً على خلق الله. لا يمكن لقلب يعرف الله الودود أن يكون قلباً قاسياً، غليظاً، فظاً مع أهله وزوجته وأولاده والناس أجمعين. ألم يقل الله عز وجل عن ثمرة الإيمان والعمل الصالح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [سورة مريم: 96]؟
قد يحدث أن ترى رجلاً صالحاً، هيناً، ليناً، تجتمع القلوب على حبه والارتياح إليه دون أن يملك لهم من الدنيا شيئاً! هذا هو "الوُدّ" الذي جعله الرحمن له مكافأة لإيمانه وعمله. وفي المقابل، كم ترى من امرئ يعيش في بيته جباراً عنيداً، يهابه أبناؤه خوفاً لا احتراماً، وتتحاشاه زوجته اتقاء لشره. أين هذا من ميراث الود ومقام الرحمة؟
لنتأمل مشهداً من سيرة المصطفى ﷺ يجسد لنا معنى الرحمة المستقاة من رحمة الخالق. قُدِمَ علَى رَسولِ اللهِ ﷺ بسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقالَ لَنَا النبيُّ ﷺ: «أَتَرَوْنَ هذِه طَارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ؟» قُلْنَا: لَا، وَهي تَقْدِرُ علَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ. فَقالَ ﷺ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِهَا» (متفق عليه).
الله أكبر! خالقك الذي تقصر في حقه، أرحم بك من أمك التي ولدتك! فكيف لا تهفو إليه القلوب؟ كيف نولي وجوهنا شطر المعاصي، والودود سبحانه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل؟!
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله واصفاً هذه المحبة الصادقة التي تثمر العمل: "المحبة شجرة في القلب، عروقها الذل للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وورقها الحياء منه، وثمرتها طاعته".
فيا من أثقلته الذنوب، ويا من باعدت بينه وبين ربه شواغل الدنيا! ارجع إلى الودود الغفور. لا يمنعنك ذنبك من الرجوع، ولا يوقعنك الشيطان في شباك القنوط، فإنه جل وعلا القائل: ﴿۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: 53].
أيها الأخ الكريم، لا تترك هذا الموقف يمر مرور الكرام. استيقظ من غفلة العادة، وانتقل في عبادتك من مجرد أداء الحركات الآلية، إلى ذوق حلاوة المناجاة ويقين المحبة. فقد قال المصطفى ﷺ: «ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا...» (متفق عليه).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعفو ويغفر ويتودد إلى من أطاعه واتقى، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن اسم الله "الودود"، ورأينا كيف تقترن محبته بالمغفرة والرحمة، وكيف أن معرفة هذا الاسم تحول الصلاة من ثقل إلى راحة، وتجعل الطاعة نابعة من المحبة لا من الإكراه فحسب، وتعرفنا على أن برهان هذا الود هو اتباع هدي نبيه ﷺ في كل شؤون حياتنا. والآن، إخوتي، بقي السؤال العملي الأهم: كيف نترجم هذه المحبة في واقعنا الذي نعيشه؟ كيف نجعلها حقيقة تسري في أيامنا؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أغادر مقامي هذا:
الأولى (قلبية): استودعوا قلوبكم محبة الله قبل كل شيء. كلما رأيتم نعمة في يومكم؛ صحة في جسد، أو طعاماً على مائدة، أو ضحكة من طفل؛ قولوا بقلوبكم: "الحمد لله الودود الذي رزقني هذا". ليرتبط قلبك بالمنعم قبل النعمة، ففي الحديث: «مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلَامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ» (رواه مسلم).
الثانية (لسانية): رطبوا ألسنتكم بالاستغفار الممزوج بالرجاء والمحبة. لا تستغفروا كمن يردد كلمات بلا روح، بل استغفروا كما قال شعيب لقومه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. استغفر وأنت موقن أنه يفرح بتوبتك، وأنه الغفور الذي يبدل السيئات حسنات بفضله وتودده.
الثالثة (عملية فعلية): تقربوا إلى الله بنافلة خفية الليلة. اختلِ بنفسك ركعتين في جوف الليل، لا يراك فيهما أحد، تقرأ فيهما ما تيسر، تناجي الودود وتسأله حبه والقبول عنده. لا تقل أنا متعب؛ فدقيقتان تكفيان. كم من ركعة صادقة في خلوة ورثت محبة باقية في القلب لا تزول!
الرابعة (اجتماعية): انشروا هذا الود في بيوتكم وعلاقاتكم. تلطفوا بزوجاتكم وأبنائكم، واعفوا عمن أخطأ في حقكم؛ فمن كان الله يحبه، بسط الرحمة في قلبه لمن يعول. لا تجعلوا بيوتكم ثكنات عسكرية لا تُسمع فيها إلا لغة الأوامر الصارمة، بل اغرسوا فيها الرحمة والمودة كما غرسها نبيكم ﷺ في بيته.
الخامسة (موضوعية): راقبوا اتباعكم لسنة النبي ﷺ في أدق تفاصيل حياتكم. فالميزان الأكبر للمحبة هو: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. اختبر محبتك بمدى تمسكك بالفرائض في وقتها، في مظهرك، في كسبك للمال من حلال وتجنبك للحرام، وفي حسن ظنك بربك مهما اشتدت الخطوب.
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الوعاء الذي تحفظ فيه المحبة، وهي الزاد الذي تبلغون به مرضاة الودود الغفور، وبها تنجون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، فقد أمركم الله بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك.
اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ومن الماء البارد على الظمأ.
اللهم يا ودود يا غفور، تب على المسيئين منا، واغفر للمذنبين، وردنا إليك رداً جميلاً.
اللهم املأ قلوبنا برجائك، وارزقنا حلاوة الإيمان، ولذة المناجاة، واجعلنا ممن يقبلون عليك طوعاً وحباً وشوقاً لا رياءً ولا تكلفاً.
اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين، وارحم مستضعفيهم في كل مكان، وانصر المظلومين، واجبر كسر المكلومين، واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً.
اللهم اجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة، واهد أبناءنا وبناتنا، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، واصرف عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، غير غضبان.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيباسم الله الودود: كيف توقظ معرفته المحبة في قلوبنا؟
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.