من مكتبة مِداد الخطيب

العلم قبل الكلام.. لا تجعل الإنترنت شيخك الوحيد

مشاركة
🕌 العلم قبل الكلام.. لا تجعل الإنترنت شيخك الوحيد #خطبة_جمعة #طلب_العلم #الإنترنت #حفظ_اللسان #التثبت #عقيدة الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ بالعِلمِ أقوامًا فجَعَلهم في الخَيرِ قادةً يُقتَدى بهم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ سؤالَ أهلِ الذِّكرِ فَريضةً، وحَرَّمَ القَولَ عليهِ بغيرِ عِلمٍ وجَعَلَهُ من كبائرِ الذُّنوب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أعلَمُ الخَلقِ بربِّه، وأحكَمُهم في قَوله، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، هل سألتم أنفسَكم يومًا: كيف تَحَوَّلت شاشاتُ هواتفنا إلى منابرَ يَتَكَلَّمُ عليها كلُّ أَحَد؟ اليومَ سنَكشِفُ خَطَرًا يَتَسَلَّلُ إلى عُقولنا وعَقائدنا كلَّ يومٍ ونحنُ نَظُنُّ أنَّنا نَتَعَلَّم. كَلِمةٌ واحدةٌ تُكتَبُ أو تُقالُ في مقطعٍ مرئيٍّ قد تَهوي بصاحبها في النارِ سَبعين خَريفًا، أو تُضِلَّ آلافًا من البشر. فما هو الفَرقُ بين العِلمِ الحقيقيِّ وبين وَهمِ المعرفة؟ وكيف نَحمي عُقولَنا وأديانَنا في زَمَنِ الفَوضى الرَّقميَّة؟ الجوابُ يَحملُ طَوقَ النَّجاة. أيها الإخوةُ الأحبَّة، تَخَيَّلوا معي مَشهدًا يَتَكَرَّرُ في بُيوتنا جميعًا: رَجلٌ يَجلِسُ على أريكتِه، يَحملُ هاتفَهُ المضيء، يُقَلِّبُ المقاطعَ السريعةَ لبضعِ دقائق، يَقرأُ مَنشورًا هُنا، ويَسمَعُ تحليلًا هُناك.. ثمَّ فَجأة، يَشعُرُ هذا الرَّجلُ أنَّهُ قادِرٌ على الإفتاءِ في النَّوازِل، والتَّنظيرِ في السِّياسة، وتَشخيصِ الأمراضِ المُستَعصيَة، وتَخطئةِ كبارِ العُلماء! يَكتُبُ رَدًّا يُسَفِّهُ فيه فتوى فَقيهٍ أفنى ستِّينَ عامًا بين الكُتُب، ويُجادِلُ طبيبًا جَرَّاحًا في تَخَصُّصه، ويُحَلِّلُ مَقاصِدَ الشَّريعةِ بِجُملتَين! كيف وَصَلنا إلى هذا الحَدِّ من الجُرأة؟ متى صارَ العِلمُ رَخيصًا إلى دَرَجةِ أنَّ مَن لا يُحسِنُ قِراءةَ الفاتحةِ بالتَّشكيلِ الصَّحيح، يُنَصِّبُ نفسَهُ حَكَمًا على عُلماءِ الأُمَّة؟ عبادَ الله، إنَّ العِلمَ في شريعتِنا ليسَ مُجرَّدَ مَعلوماتٍ مَرصوصة، بل هو نُورٌ يَقذِفُه اللهُ في قَلبِ العَبدِ بَعدَ مُكابَدَةٍ وتَعَبٍ وإخلاص. اسمعوا إلى قَولِ ربِّكم تبارك وتعالى وهو يَضَعُ الميزانَ القاطِع: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. اللهُ عزَّ وجلَّ يَنفي المُساواةَ تمامًا بين العالِم والجاهل. لكنَّ الإنترنت اليومَ صَنَعَ "وَهمَ المُساواة"، فأصبَحَ الجاهلُ يَظُنُّ أنَّ حيازَتَهُ لمحركِ بَحثٍ (جوجل) تَجعَلُه مُساويًا لِمَن سَهِرَ اللَّيالي وحَفِظَ المُتونَ وثَنى رُكبَتَيهِ عندَ العُلماء. يا أمَّةَ اقرَأ، إنَّ أخطَرَ ما أفرَزَتهُ وسائلُ التَّواصُلِ الحديثةِ هو "وَهمُ المَعرِفة". التَّصَفُّحُ ليسَ بَحثًا، والمَقاطِعُ القَصيرةُ ليست كُتُبًا، والوِكيبيديا ليست شَيخًا مُعتمَدًا. العِلمُ الشَّرعيُّ دِين، وقد صَرَخَ الإمامُ الجليلُ محمد بن سيرين رحمه الله بكلمتِهِ الخالدةِ قَبلَ قُرونٍ لِتَكونَ دُستورًا لنا اليوم، قال: «إنَّ هذا العِلمَ دِين، فانظُروا عَمَّن تَأخُذونَ دِينَكُم». أنتَ لا تَأخُذُ مَعلومةً عابرة، أنتَ تَأخُذُ دِينَكَ الذي سَتَلقى اللهَ به. فكيفَ تَأخُذُ دِينَكَ من حِسابٍ مَجهول، أو من مُتَحَدِّثٍ بارِعٍ في صِناعةِ الإثارةِ البصريَّةِ، لا يُعرَفُ له شَيخٌ ولا مِحرابٌ ولا كِتاب؟ وتأمَّلوا معي جَيِّدًا هذا النِّداءَ الرَّبانيَّ المُهِيب، الذي لَو طَبَّقناهُ لأُغلِقَت أبوابٌ من الفِتَن، يقولُ جلَّ جَلالُه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. لا تَقفُ.. أي لا تَتبَع، لا تَتَكَلَّم، لا تَحكُم، لا تَنشُر ما ليس لك به عِلمٌ راسخ. وتأمَّلوا التَّفصيلَ الحِسِّيَّ في الآية: السَّمعُ (الذي سَمِعتَ به المَقطَع)، والبَصَرُ (الذي شَاهَدتَ به الشَّاشة)، والفُؤادُ (الذي مالَ وعَقَدَ العَزمَ على ما نُشِر).. كُلُّ هذا سَيَقِفُ لِيَشهَدَ عليكَ بين يَدَيِ الله! أَيُعقَلُ أن نُخاطِرَ بِحَسَناتِنا من أجلِ تَعليقٍ إلكترونيٍّ نَكتُبُه بغيرِ عِلم؟! دعوني أنقُلكم في رحلةٍ إلى المدينةِ النَّبويَّة، إلى مَجلسِ إمامِ دارِ الهجرة، الإمام مالك بن أنس رحمه الله. العالِمُ المَهيبُ الذي كانت تَضطَرِبُ لهُ قُلوبُ السَّلاطين. يَقطَعُ رَجلٌ الصَّحراءَ لأشهُر، قادِمًا من الأندلُس أو المَغرب، يَحمِلُ في جُعبَتِهِ أربعينَ مسألةً من أهلِ بَلَدِه، آمِلًا أن يَجِدَ الجوابَ عندَ إمامِ الدُّنيا. يَجلِسُ الرَّجلُ بين يَدَي مالك، ويَطرَحُ أسئلتَه. فماذا يَصنَعُ الإمام؟ يُجيبُ عن ثَمانِ مَسائل، ويَقولُ في اثنتَين وثَلاثينَ مسألة: «لا أدري»! يُصعَقُ السَّائلُ ويَقول: يا أبا عبدِ الله، رَجلٌ يَقطَعُ إليكَ الفيافي والقفار، وتقولُ لا أدري؟ ماذا أقولُ لقَومي إذا رَجَعتُ؟ فَيَرفَعُ الإمامُ مالكٌ رأسَهُ بعِزَّةِ العالِمِ الرَّبانيِّ ويقول: «قُل لَهُم: سألتُ مالكًا، فقال: لا أدري»! هذا هو العِلم! وهذا هو الوَرَع! «لا أدري» نِصفُ العِلم. قارِنوا هذا الإمامَ الجبلَ العظيم، بِشَبابنا اليومَ على مَنصَّاتِ التَّواصُل، أينَ تَجِدُ مَن يَقولُ «لا أدري»؟ تُطرَحُ القضيَّةُ السِّياسيَّةُ المُعقَّدة، فيُفَتِّي الجميع. يَنزِلُ الوَباء، فيَتَحَوَّلُ الجميعُ إلى عُلماءَ أوبِئة. تُثارُ المَسألةُ الشَّرعيَّةُ الشَّائكة، فيَتَسابقُ الآلافُ للتَّحليلِ والتَّحريم! نَسوا قَولَهُ تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. والمُصيبةُ الأكبَرُ — يا عبادَ الله — أنَّ التَّجَرُّؤَ على الكَلامِ بغيرِ عِلمٍ، والتَّعالي على المتخَصِّصين، لم يَعد يَقِفُ عند التَّنظير، بل صارَ يُزهِقُ الأرواحَ ويُهلِكُ الأبدان! واسمعوا لهذه القصَّةِ النَّبويَّةِ العجيبةِ التي تُشَخِّصُ واقِعَنا. خَرَجَ نَفَرٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ في سَفَر، فأصابَ رَجلًا منهم حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رأسِه جُرحًا بليغًا. ثمَّ نامَ الرَّجلُ فاحتَلَم، فاحتاجَ إلى الغُسل. فَسألَ أصحابَه: هل تَجِدونَ لي رُخصَةً في التَّيَمُّم؟ (يَسألُهم وهم لَيسوا أهلَ فتوى وعِلمٍ في هذه النَّازلة). فماذا مَنَعَهُم أن يَقولوا «لا نَدري»؟ استَحيَوا أو ظَنُّوا أنَّهم يَعرِفون، فقالوا: ما نَجِدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تَقدِرُ على الماء! فاغتَسَلَ الرَّجلُ.. فَدَخَلَ الماءُ في جُرحِهِ.. فمات! فلمَّا رَجَعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ وأخبَروهُ بما حَدَث، غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا وقال كَلِماتٍ تَهُزُّ القُلوب: «قَتَلوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ! ألَا سَألوا إذ لَم يَعلَموا؟! فإنَّما شِفاءُ العِيِّ (أي الجَهل) السُّؤال» [رواه أبو داود وصححه الألباني]. تأمَّلوا.. سَمَّى النَّبيُّ ﷺ فَتواهُم بِغيرِ عِلمٍ "قَتلًا"، ودَعا عليهم! فَكم من قَتيلٍ اليومَ بِفَتوى طُبِّيَّةٍ أُخِذَت من مُؤثِّرٍ على الإنترنت بَدَلًا من طَبيبٍ مُختَص؟ وكم من قَتيلِ شُبهَةٍ فِكريَّةٍ بِسَبَبِ مَقطَعٍ استَمَعَ إليهِ شابٌّ من جاهلٍ مُتَعالِم؟ وكم من بَيتٍ هُدِّم، وأُسرةٍ تَمَزَّقَت زَوجيَّتُها، بسببِ مُستشارةٍ أُسريَّةٍ مَزعومةٍ بَثَّت سُمومَها في عُقولِ الزَّوجاتِ من خِلالِ شاشةِ هاتف؟ إنَّ شَريعتَنا حاسِمةٌ في هذا الباب. التَّخَصُّصُ في الإسلامِ أصلٌ أصيل. يقولُ ربُّنا جلَّ في عُلاه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وأهلُ الذِّكرِ في كُلِّ فنٍّ هم عُلماؤُه؛ في الدِّينِ هُمُ الفُقهاءُ العُلماء، وفي الطِّبِّ هُمُ الأطبَّاء، وفي البناءِ هُمُ المُهَندِسون. لو تَعَطَّلَت سَيَّارَتُكَ، هل تُعطيها لِخَبَّازٍ لِيُصلِحَها؟ بالطَّبعِ لا. فَكيفَ تَستَأمِنُ دِينَكَ وعَقيدَتَكَ وأُسرَتَكَ لِمُتَحَدِّثٍ على الإنترنت لا تَعرِفُ مَبلَغَ عِلمِهِ ولا صِحَّةَ عَقيدَتِه؟! يا أمَّةَ مُحمد ﷺ، لقد أنذَرَنا نَبيُّنا من هذا الزَّمان، الزَّمان الذي تَنقَلِبُ فيهِ الموازين، ويتَصَدَّرُ فيهِ التَّافِهُونَ المَشهد. قال النَّبيُّ ﷺ: «سَيَأتي على النَّاسِ سَنَواتٌ خَدَّاعاتُ، يُصَدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويُخَوَّنُ فيها الأمينُ، ويَنطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ». قيلَ: وما الرُّوَيْبِضَةُ يا رسولَ الله؟ قال: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ في أمرِ العامَّة» [رواه ابن ماجه وأحمد بإسناد صحيح]. أليسَ هذا هو واقعَ مَنصَّاتِ التَّواصُلِ اليوم؟ الرَّجلُ التَّافه، والمُؤثِّرُ الفارغ، يُصنِّعُ رأيَ الملايين، ويَتَكَلَّمُ في أمورِ الدِّينِ والسِّياسةِ والمُجتَمَع، بينما يُهمَّشُ العالِمُ الرَّاسخُ والخَبيرُ المُتَخَصِّص! ويا لَيتَ الأمرَ يَقِفُ عند الكلامِ بغيرِ عِلم، بل يَتَعدَّاهُ إلى نَشرِ الشَّائعاتِ وتَصديقِ كلِّ ادِّعاءٍ دونَ تَفكيرٍ ناقِدٍ ولا تَثَبُّت. كم من خَبرٍ كاذب، وكم من صُورةٍ مُلَفَّقة، وكم من تَصريحٍ مَبتور، نَقومُ بِمُشاركتِهِ بضَغطةِ زِرٍّ، فنَكونُ شُرَكاءَ في الكَذِب! واللهُ تعالى يُحَذِّرُنا نِداءً عاليًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. التَّبَيُّن.. التَّثَبُّت.. هذه فريضةٌ غائبةٌ في عصرِ السُّرعة. ومَن لم يَتَثَبَّت، وَقَعَ في الكَذِبِ رَضيَ أم أبى. واسمعوا الحُكمَ النَّبويَّ القاطع: «كَفَى بالمرءِ كَذِبًا أن يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِع» [رواه مسلم]. فكيفَ بِمَن يُحَدِّثُ ويَنشُرُ ويُعيدُ إرسالَ كُلِّ ما قَرأ وشاهَد لِآلافِ المُتابعين؟! إنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه — وهو مَن هو في عِلمِهِ وقُربِهِ من الوحي — سُئلَ يَومًا عن آيةٍ في كِتابِ اللهِ لم يَتَبَيَّن لهُ مَعناها قَطعًا، فارتَعَدَ وقال: «أيُّ سَماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني، إذا قُلتُ في كِتابِ اللهِ ما لا أَعلَم!». هذا هو الصِّدِّيقُ يَخافُ الكَلام، فما بالُنا نَجتَرئُ نَحنُ الذين بضاعتُنا من العِلمِ مُزجاة؟! فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعرِفوا لِلعِلمِ حَقَّهُ وقَدْرَه، ولا تَجعَلوا من أذهانِكُم مَكَبًّا لِكُلِّ شُبهَةٍ ولا من ألسِنَتِكُم بوقًا لِكُلِّ شائعة. قِفوا عندَ حُدودِ عِلمِكُم، وارحَموا أنفُسَكُم من حَملِ أوزارِ الآخَرين. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع خَطَرِ التَّصدُّرِ قَبلَ التَّأَهُّل، وكيفَ جَعَلَت الشَّاشاتُ من الرُّوَيبضَةِ حَكيمًا، وحَذَّرنا من حُرَمَةِ القَولِ على اللهِ بغيرِ عِلم، وأهميَّةِ رَدِّ الأُمورِ إلى أهلِ الاختِصاص والتَّثَبُّتِ قَبلَ النَّشر. والآن، نَحنُ أمامَ المَحَكِّ العَمَلي: كيفَ نَستَخدِمُ هذه التِّقنيَّاتِ دُونَ أن نُؤذي أديانَنا وعُقولَنا؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ وتَواضَع. اعترِف في قَرارةِ نَفسِكَ أنَّكَ لا تَعرِفُ كُلَّ شيء. دَرِّب نَفسَكَ وقلبَكَ على قَولِ «لا أدري» بِفَخر. الجَهلُ بالشيءِ ليس عَيبًا، لكنَّ العَيبَ والهُلكَ أن تَدَّعيَ العِلمَ فيما تَجهَل. الثانية (لِسانيَّة): زِرُّ "المُشاركة" و"إعادة الإرسال" هو لِسانُكَ الرَّقمي. فكابِد نفسَك ألَّا تَضغَطَ عليهِ اللَّيلةَ ولا غدًا إلا بعدَ أن تَتَثَبَّتَ من صِحَّةِ ما تَنشُر. تذكَّر أنَّك سَتَقِفُ أمامَ اللهِ تُحاسَبُ عن كُلِّ مَعلومَةٍ ضَلَّلتَ بها غيرَك. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اهجُر التَّصَفُّحَ العشوائيَّ وعُد إلى قراءةِ الكُتُب الموثوقة. اقرَأ كِتابًا حقيقيًّا واحدًا — ولو عَشرَ صفحاتٍ في اليوم — خَيرٌ لكَ وأبرَكُ في عَقلكَ من مُشاهَدةِ ألفِ مَقطَعٍ قَصيرٍ يُشَتِّتُ ذِهنَكَ ولا يَبني لَكَ فِكرًا. الرابعة (اجتماعيَّة): احتَرِم أهلَ التَّخَصُّصِ في مُجتَمَعِك. لا تُجادِل الطَّبيبَ بِمَقطَعٍ رَأيتَهُ في وسائلِ التَّواصُل، ولا تُجادِل الفَقيهَ المُؤَصِّلَ بِتَغريدةٍ قَرأتَها. رُدَّ القَوسَ إلى بارِيها، وعَلِّم أبناءَكَ احتِرامَ العُلماءِ والخُبراء. الخامسة (موضوعيَّة): نَظِّف مُتابَعاتِكَ اليوم. ادخُل إلى هاتِفِك، وأَلغِ مُتابَعَةَ كُلِّ مَن يَنطِقُ بغيرِ عِلم، وكلِّ حِسابٍ يَنشُرُ الفَوضى والإشاعات، ولا تُتابِع في دِينكَ إلا مَن عُرِفَ بالعِلمِ الرَّاسخ، والتَّقوى، والوَرَع. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ العِلمَ نُورٌ، فلا تُطفِئوهُ بِفَوضى الكَلام. ثم صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهمَّ إنَّا نَسأَلُكَ عِلمًا نافِعًا، ورِزقًا طَيِّبًا، وعَمَلًا مُتَقَبَّلًا. اللَّهمَّ اكفِنا شَرَّ فِتنةِ القَولِ بغيرِ عِلم، وألهِمنا الرُّشدَ والسَّدادَ في أقوالِنا وأفعالِنا. اللَّهمَّ ارزُقنا التَّواضُعَ لِلحَقِّ، وعَلِّمنا ما يَنفَعُنا، وانفَعنا بِما عَلَّمتَنا، وزِدنا عِلمًا يَقودُنا إليك. اللَّهمَّ طَهِّر ألسِنَتَنا من الكَذِب، وقُلوبَنا من النِّفاق، واحفَظ علينا دِينَنا وعُقولَنا من فِتَنِ هذا الزَّمان. اللَّهمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمة، واجعَل خَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.