من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

بصمة في العالم الافتراضي: دعوة تنقذ أمة

مشاركة
🕌 بَصْمَةٌ فِي العَالَمِ الافْتِرَاضِيّ.. دَعْوَةٌ تُنْقِذُ أُمَّة #خطبة_جمعة #الدعوة_إلى_الله #الدعوة_الإلكترونية #فضل_الدعوة #الإنترنت #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدَّعوةَ إليه أشرَفَ المقامات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ أُمَّةَ الإسلامِ شُهداءَ على النَّاس، وأمَرَهم بِتَبليغِ النُّورِ إلى العالَمين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، بَعَثَهُ اللهُ رَحمةً مُهداةً، ونِعمةً مُسداةً، وسِراجاً مُنيراً، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا معي رَجُلاً يَقِفُ يومَ القيامةِ في عَرَصاتِ الحِساب، صَحيفَتُه مَليئةٌ بالذُّنوب، وقَلبُه يَرتَجِفُ خَوفاً من الميزان.. وفَجأة، تَتَقَدَّمُ صُفوفٌ من البَشَرِ، مِن قارَّاتٍ بَعيدةٍ، ولُغاتٍ مُختَلِفةٍ، لم يَرَهم قَطُّ في حَياتِه، يَشفَعون له عند الله، ويَشهَدون أنَّه كان سَبَباً في هِدايَتهم وإنقاذِهم من النَّار! كيف حَدَثَ هذا وهو لم يُسافِر يوماً لِبِلادهم؟ وما هو السِّرُّ الذي رَبَطَ مَصيرَه بمَصيرهم؟ إجابةٌ تَستَحِقُّ الإنصاتَ، لأنَّها قد تُغَيِّرُ مَوازينَ أعمالِكم إلى الأبد. أيُّها المسلمون، إنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ عَجيب، زَمَنٍ طُوِيَت فيه المَسافات، وتَلاشَت فيه الحُدود. لقد كان أصحابُ النَّبيِّ ﷺ في الماضي يَقطَعونَ الصَّحاري والمُحيطاتِ، ويَركَبونَ الأخطارَ، ويَبذُلونَ دِماءَهم وأرواحَهم، لِيُوصِلوا آيةً واحدةً أو حَديثاً واحداً لِقَومٍ وراءَ البِحار. أمَّا نحنُ اليوم، فقد وَضَعَ اللهُ في أيدينا شاشاتٍ صَغيرة، نَستَطيعُ بِنَقرَةِ زِرٍّ واحدةٍ، أن نُبلِّغَ كَلامَ اللهِ وكَلامَ رسولِهِ ﷺ إلى الملايينِ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبها. والسُّؤالُ الذي يَطرحُ نَفسَهُ بقُوَّة: هل سَألتَ نَفسَك يوماً: ماذا أَصنَعُ بهذا الجِهازِ الذي في يَدي؟ هل هو أداةٌ لِضَياعِ العُمُرِ في التَّفاهات، أم أنَّه سَفينَةُ نَجاةٍ أُرسِلُها لِغَريقٍ يَتَخَبَّطُ في ظُلُماتِ الإلحادِ والشِّرك؟ يقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه، بِكَلماتٍ تَبعَثُ الفَخرَ والعِزَّةَ في قَلبِ كُلِّ مُؤمِن: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. تأمَّلوا.. اللهُ جَلَّ جَلالُه، يَسألُ سُؤالاً تَقريريّاً: مَن أحسَنُ قَولاً؟ مَن أصدَقُ حَديثاً؟ مَن أرفَعُ مَقاماً؟ إنَّه المُبَلِّغُ عَنِ الله! قال الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ لمَّا تَلا هذه الآية: "هذا حَبيبُ الله، هذا وَلِيُّ الله، هذا صَفوَةُ الله، هذا خِيَرَةُ اللهِ من خَلقِه، أجابَ اللهَ في دَعوَتِه، ودَعا النَّاسَ إلى ما أجابَ اللهَ فيه". معاشر المصلين، إنَّ العالَمَ اليومَ — خاصَّةً في الغَرب — يَئِنُّ تحتَ وَطأةِ الماديَّةِ القاتِلة. بَشَرٌ يَملِكونَ كُلَّ مُتَعِ الدُّنيا، لكنَّهم يَنتَحِرون من جَفافِ الأرواح. قُلوبٌ عَطشى تَتَخَبَّطُ في ظَلامِ الكُفرِ، تَبحَثُ عن إلهٍ تَسكُنُ إليه، وعن نَبيٍّ تَقتَدي بِه، وعَن كِتابٍ يُجيبُ على أسئلَةِ الوُجودِ الكُبرى: مِن أينَ جِئنا؟ ولِماذا نَحنُ هُنا؟ وإلى أينَ نَحنُ ذاهِبون؟ واللهِ يا عِبادَ الله، إنَّهم يَبحَثون عن "التَّوحيد الصَّافي" الذي تَعرِفونَهُ أنتُم حقَّ المَعرِفة! يَبحَثونَ عَن سِيرَةِ النَّبيِّ ﷺ التي تُعَلِّمُهم الرَّحمة. يقولُ اللهُ تَعالى أمراً لِنَبيِّه، ولِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَه: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. الدَّعوةُ إلى اللهِ لَيست حِكراً على العُلَماءِ والمَشايخِ فَحَسب، بل هي وَظيفَةُ "مَنِ اتَّبَعَني". واسمَعوا لهذا المَوقِفِ العَظيمِ الذي يَهُزُّ القُلوب. نَنتَقِلُ وإيَّاكُم ألفاً وأربَعَمِائةِ عامٍ إلى الوَراء.. إلى يَومِ خَيبَر. الغُبارُ يَتَطايَر، والمَعرَكةُ حاسِمة. يَقِفُ النَّبيُّ ﷺ ويُعطي الرَّايَةَ لِعَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه. عَليٌّ يَستَعِدُّ لِلقِتالِ والضَّربِ بِالسَّيف، لكنَّ النَّبيَّ ﷺ يُوقِفُهُ، ويُوَجِّهُ بَوصَلَتَهُ نَحوَ الهَدَفِ الأعظَم، ويَقولُ له بِكَلِماتٍ نُقِشَت في كُتُبِ السُّنَّة: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (متفق عليه). يا سُبحانَ الله! رَجُلٌ واحِدٌ فَقَط تَهْديه، خيرٌ لَكَ مِن حُمرِ النَّعَم (وهي أغلَى وأنَفَسُ ما كانَت تَعرِفُهُ العَرَبُ من الإبِل، أي خَيرٌ لَكَ مِن ثَرَواتِ الدُّنيا كُلِّها). فكيفَ بِمَن يَنشُرُ مَقطَعاً مَرئِيّاً يُتَرجِمُ فيه مَعاني سُورةِ الإخلاصِ إلى اللُّغةِ الإنجليزيَّة، أو الفَرَنسيَّة، أو الإسبانيَّة، فَيَراهُ مِئَةُ ألفِ إنسان، فَيَدخُلُ مِنهم في الإسلامِ عَشَرَةٌ أو عِشرون؟ أيُّ أجرٍ عَظيمٍ يُصَبُّ في صَحيفَتِهِ وهو نائِمٌ على فِراشِه؟! أيُّها الأحِبَّة، إنَّ أعداءَ الإسلامِ لم يَترُكوا مِنَصَّةً إلكترونيَّةً، ولا مَوقِعاً من مَواقِعِ التَّواصُل، إلَّا وسَخَّروهُ لِنَشرِ الشُّبُهاتِ، وتَشويهِ صورَةِ الإسلامِ والنَّبيِّ ﷺ. أَيُعقَلُ أن يَنشَطَ أهلُ الباطِلِ في باطِلِهم، ويَكسَلَ أهلُ الحَقِّ عَن حَقِّهِم؟! يقولُ رَسولُ الله ﷺ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» (رواه مسلم). تَخَيَّل مَعي.. أنتَ تُشارِكُ مَقطَعاً يَشرَحُ الصَّلاةَ لِلمُسلِمينَ الجُدُد. فَيَتَعَلَّمُ مِنهُ رَجُلٌ في أقصَى الأرضِ كيفَ يَركَعُ ويَسجُد. واللهِ إنَّ كُلَّ سَجدَةٍ يَسجُدُها هذا الرَّجُلُ إلى يَومِ يَموت، لَكَ مِثلُ أجرِها، دونَ أن يَنقُصَ مِن أجرِهِ شَيء! لقد أدرَكَ سَلَفُنا الصَّالِحُ قِيمَةَ الكَلِمَة. تَأمَّلوا في قِصَّةِ الصَّحابيِّ الجَليلِ الطُّفَيلِ بنِ عَمرٍو الدَّوسِيِّ رَضيَ اللهُ عنه. قَدِمَ مَكَّة، فَحاصَرَتهُ قُرَيشٌ بِشائِعاتِها الإعلَاميَّة (وهي بِمَثابَةِ الخوارزميَّاتِ المُضَلِّلَةِ في زَمانِنا). حَذَّروهُ من السَّماعِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِدَرَجةِ أنَّهُ حَشا أُذُنَيهِ بِالقُطن! لكنَّهُ عِندَما اقتَرَب، أسمَعَهُ اللهُ بَعضاً من قِراءَةِ النَّبيِّ ﷺ للقرآن. فلَمَّا سَمِعَ الآياتِ الواضِحاتِ، والمَعاني النَّاصِعاتِ، انتَزَعَ القُطنَ من أُذُنَيهِ وقال: "واثُكْلَ أُمِّي! واللهِ إنِّي لَرَجُلٌ لَبيبٌ شاعِرٌ، ما يَخفَى عَلَيَّ الحَسَنُ من القَبيح، فما يَمنَعُني أن أسمَعَ من هذا الرَّجُل؟". فسَمِع، فأسلَم، فعادَ إلى قَومِهِ دَوسٍ داعِيَةً، فَهَدى اللهُ بِهِ قَبيلَةً بأكمَلِها، مِنهُم أبو هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عنه! اليوم.. مَلايينُ البَشَرِ يَحشونَ آذانَهُم وأعيُنَهُم بِقُطنِ الإعلَامِ المُعادي للإسلام. واجِبُنا نَحنُ أن نُوصِلَ إلَيهِم صَوتَ الحَقِّ النَّقِيِّ عَبرَ هذهِ الشَّاشات. واجِبُنا أن نَجعَلَهُم يَسمَعونَ القرآنَ، ويَتَعَرَّفونَ على السِّيرَةِ العَطِرَة. وقَد يَقولُ قائِلٌ مِنكُم الآن: "أنا لَستُ شَيخاً ولا عالِماً لِأَدعو إلى الله". فأقولُ لَك: وهل كانَ الصَّحابَةُ كُلُّهُم عُلَماءَ حِينَ بَدَؤوا الدَّعوَة؟ لقد قال المَعصومُ ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري). "وَلَو آية"! كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، مَوقِفٌ واحِدٌ، مَقطَعٌ مُؤَثِّرٌ واحِد. إن لم تَستَطِع أن تَصنَعَ المُحتَوى، فَكُن أنتَ الجِسرَ الذي يَنقُلُه. ادعَمُ القَنَواتِ التي تُخاطِبُ الغَربَ، انشُرِ الفِيديوهاتِ المُتَرجَمةَ التي تُبَيِّنُ عَظَمَةَ التَّوحيد، وتُظهِرُ رَحمةَ النَّبيِّ ﷺ. قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حَقيقَةً تَهُزُّ الوِجدانَ حين قال في "مَدارِج السَّالِكين": "مَقامُ الدَّعوَةِ إلى اللهِ هو أشرَفُ مَقاماتِ العَبد، وأجَلُّها، وأفضَلُها، وهو مِيراثُ الرُّسُل". فلماذا نَزهَدُ في مِيراثِ الأنبياءِ وهو بَينَ أيدينا؟ انظُروا إلى حالِنا اليوم: يَجلِسُ الشَّابُّ مِنَّا في غُرفَتِه، يَضغَطُ زِرَّ "مُشارَكة" (Share) لِمَقطَعٍ قَصيرٍ يُتَرجِمُ آياتٍ من القُرآنِ أو مَشهَداً يُبَيِّنُ سَماحَةَ الإسلام. يَنامُ الشَّابُّ في شَرقِ الأرض، وفي مُنتَصَفِ اللَّيلِ، يَستَيقِظُ رَجُلٌ في غَربِ الأرض، مُكتَئِباً تائِهاً، يَتَصَفَّحُ هاتِفَه، فَتَقَعُ عَينُهُ على ذلِكَ المَقطَع. تَختَرِقُ الآيَةُ قَلبَه، فَتَفيضُ عَيناهُ بالدَّمع، ويَشعُرُ أنَّ اللهَ يُخاطِبُهُ هو بِذاتِه، فيَبحَث، ويَسأل، حَتَّى يَنطِقَ بِالشَّهادَتَين. باللهِ عَليكم.. مَن الذي ساقَ هذا المَقطَعَ لِهذا الرَّجُلِ في تِلك اللَّحظَةِ الدَّقيقَة؟ إنَّه اللهُ تَعالى الذي استَعمَلَ هذا الشَّابَّ المِسْكِين لِيَكونَ سَبَباً في نَجاةِ رُوحٍ من خُلودِ النَّار! يقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. فكَيفَ بِمَن أحيا رُوحاً بالإيمانِ وأنقَذَها مِن عَذابِ السَّعير؟ عباد الله، إنَّ العُمُرَ قَصير، والأيَّامَ تَنطَوي بِسُرعَة، وما يَبقى للإنسانِ بَعدَ مَوتِهِ إلَّا أثَرُهُ الصَّالِح. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم). والدَّعوَةُ الإلِكترونِيَّةُ تَجمَعُ بَينَ الصَّدَقَةِ الجارِيَةِ (بِاستِمرارِ بَقاءِ المَقطَع)، والعِلمِ الذي يُنتَفَعُ به! تَخيَّل أن تَكونَ في قَبرِكَ مُرتَهِناً بِعَمَلِك، وتأتيكَ الحَسَناتُ كالجِبالِ الرَّواسِي، تَسألُ المَلائِكةَ: مِن أينَ لي هذا؟ فَيُقالُ لَك: هَذا رَجُلٌ أسلَمَ بِسَبَبِ رِسالَةٍ نَشَرتَها يَوماً، فكُلُّ صَلاةٍ يُصَلِّيها، وكُلُّ صَدَقةٍ يُخرِجُها، وكُلُّ وَلَدٍ يُرَبِّيهِ على الإسلام، في ميزانِك! فَيا مَن تَملِكُ هاتفاً وحِساباً، لا تَجعَلهُ شاهِداً عَلَيك، بَلِ اجعَلهُ حُجَّةً لَكَ بَينَ يَدَيِ الله. بَدَلاً مِن نَشرِ التَّفاهاتِ والمَقاطِعِ التي لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي مِن جُوع، انشُر نُورَ الله. فإنَّ الكَلِمَةَ الحَسَنةَ تَصدُقُ نِيَّتُها فَتَبلُغُ الآفاق. وقد قَرَّرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ مَعنَىً نَفِيساً حِينَ قال: "القُلوبُ صَوادِئ، وجِلاؤُها بِمَعرِفَةِ اللهِ وذِكرِه". فَكُن أنتَ الجَلَّاءَ لِهذِه القُلوبِ الصَّدِئَة. بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه ﷺ. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن عِظَمِ أمانَةِ الدَّعوَةِ إلى الله، ووَقَفنا مَع الفُرصَةِ الذَّهَبِيَّةِ التي يُوَفِّرُها عالَمُ الإنترنِت لِإيصالِ رِسالَةِ التَّوحيد، وكَيفَ أنَّ كَلِمَةً أو مَقطَعاً قَد يَكونُ سَبَباً في نَجاةِ أُمَمٍ بَأكمَلِها من النَّار، وتَأمَّلنا في الحَديثِ القاطِع: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا...». والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّأثُّرَ إلى عَمَلٍ مَلموسٍ بِمُجَرَّدِ أن نَخرُجَ من بابِ هذا المَسجِد؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): أخلِص النِّيَّةَ لِلهِ في كُلِّ مُشارَكةٍ أو إعجابٍ (Like) أو نَشر. لا تَبحَث عَن حَصادِ المُتابِعينَ ولا عَن لَفتِ الأَنظار، بَلِ اجعَل قَصدَكَ أن يَرى اللهُ مِن قَلبِكَ الحِرصَ على نُصرَةِ دِينِهِ، فالمُخلِصُ مَنصُورٌ ولو كانَ وَحدَه. الثانية (لِسانيَّة): التَزِم بِمَنهَجِ القُرآنِ ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] في تَعليقاتِكَ ونِقاشاتِك. فالمُسلِمُ السَّبَّابُ الشَّتَّامُ على وسائِلِ التَّواصُلِ يُنَفِّرُ النَّاسَ من الإسلامِ قَبلَ أن يُدنيَهُم مِنه. كُن مِرآةً لأخلاقِ النَّبيِّ ﷺ في حِوارِكَ مَع غَيرِ المُسلِمين. الثالثة (عَمَليَّة): اختَر اللَّيلَةَ مَقطَعاً صَحيحاً مَوثوقاً لِعالِمٍ أو داعيَةٍ مَعروف، يُتَرجِمُ القُرآنَ أو يَشرحُ السِّيرَةَ النَّبَويَّةَ بلُغةٍ أجنَبيَّة، وانشُرهُ في حِساباتِك. لا تَقُل "مَن سَيَقْرَأ؟" أنتَ تَبذُرُ البَذرَة، واللهُ هو الذي يُنبِتُها. الرابعة (اجتماعيَّة): ادعَمِ المُنَظَّماتِ والمَواقِعَ الإسلاميَّةَ المُتَخَصِّصَةَ في الدَّعوَةِ الإلِكترونيَّةِ وتَرجَمَةِ الكُتُبِ لِغَيرِ المُسلِمين. إن لم تَقدِر عَلى الدَّعمِ الماليِّ، فادعَمهُم بِنَشرِ رَوابِطِهِم ومُسانَدَةِ حَمَلاتِهِم، لِتَكونَ شَريكاً لَهُم في كُلِّ نَفسٍ تُسلِم. الخامسة (موضوعيَّة): تَعَلَّم أنتَ أُصولَ دِينِكَ وعَقيدَتِك! ففاقِدُ الشَّيءِ لا يُعطيه. تَسَلَّح باليَقينِ وتَعَلَّم شَمائِلَ المُصطَفى ﷺ، لِتَكونَ قادِراً على إجابَةِ مَن يَسألُكَ، ولِتَكونَ أنتَ نَفسُكَ نَموذجاً حَيّاً للإسلامِ الذي تَدعو إليه. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ هذا الدِّينَ مَنصورٌ بِكُم أو بِغَيرِكُم، فالسَّعيدُ مَنِ استَعمَلَهُ اللهُ في نُصرَتِه، والشَّقِيُّ مَنِ استَبدَلَهُ بِغَيرِه! ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]. ثم صلّوا وسلّموا على من أمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللَّهمَّ استَعمِلنا ولا تَستَبدِلنا، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضَالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهمَّ اجعَل أعمَلَنا وما نَكتُبُه وما نَنشُرُه في سَبيلِكَ شاهِداً لَنا لا شاهِداً عَلَينا. اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَفتَحَ بَصائِرَ الخَلقِ لِنُورِ الإسلام، وأن تَجعَلَنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ، مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهمَّ اهْدِ بِنَا، ويَسِّرِ الهُدى لَنا، واجعَلنا سَبَباً لِمَنِ اهتَدى. اللَّهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، واحمِ حَوزَةَ الدِّين، واحقِن دِماءَ إخوانِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، واربُط على قُلوبِهِم، وأنزِل عَليهِم سَكينَتَك ووَفِّقهُم لِكُلِّ خَير. اللَّهمَّ اختِم بِالصَّالِحاتِ أعمالَنا، واجعَل خَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.