مُرَاقَبَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَطَرُ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن مَعَانِي أَسمَاءِ اللهِ العَلِيمِ وَالخَبِيرِ وَالرَّقِيبِ وَأَسرَارِ الثَّبَاتِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ
الحَمدُ للهِ العَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُورِ، الخَبِيرِ بِخَفَايَا السَّرَائِرِ وَبَوَاطِنِ الأُمُورِ، الرَّقِيبِ عَلَى الخَلَائِقِ فِي الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ، الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الضَّمَائِرُ عَلَى مَرِّ العُصُورِ، وَيَسمَعُ دَبِيبَ النَّملَةِ السَّودَاءِ عَلَى الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيلِ البَهِيمِ الدَّيجُورِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ حَمدَ مَن أَيقَنَ بِاطِّلَاعِ مَولَاهُ عَلَيهِ فَأَصلَحَ سَرِيرَتَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُحيِي فِي القُلُوبِ خَشيَتَهُ وَمُرَاقَبَتَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَتقَى الخَلقِ للهِ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَعظَمُهُم تَحقِيقًا لِمَقَامِ الإِحسَانِ وَالعِبَادَةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ استَوت فِي طَاعَةِ اللهِ عَلَانِيَتُهُم وَأَسرَارُهُم، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَفِي المَنشَطِ وَالمَكرَهِ، وَفِي الخَلوَةِ وَالجَلوَةِ؛ فَتَقوَى اللهِ هِيَ المِيزَانُ الحَقُّ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ العَبدُ عِندَ رَبِّهِ، كَمَا أَمَرَنَا مَولَانَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ بَقولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وَذَكَّرَنَا سُبحَانَهُ فِي مَطلَعِ سُورَةِ النِّسَاءِ بِأَنَّهُ رَقِيبٌ عَلَى حَرَكَاتِنَا وَسَكَنَاتِنَا فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مَا أَسهَلَ أَن يَتَزَيَّنَ المَرءُ أَمَامَ أَعيُنِ النَّاسِ بِثَوبِ الصَّلَاحِ وَالوَقَارِ! مَا أَسهَلَ أَن يَخشَعَ فِي صَلَاتِهِ وَالنَّاسُ يَنظُرُونَ إِلَيهِ، وَأَن يَغُضَّ بَصَرَهُ وَالرُّقبَاءُ مِنَ البَشَرِ يُحيطُونَ بِهِ، وَأَن يَكُفَّ يَدَهُ وَلِسَانَهُ عَنِ الحَرَامِ خَشيَةَ المَلَامَةِ وَالفَضِيحَةِ بَينَ الخَلقِ! وَلَكِنَّ الامتِحَانَ الحَقِيقِيَّ الفَاصِلَ الَّذِي يَظهَرُ فِيهِ مَعدِنُ الإِيمَانِ، وَيَتمَيَّزُ فِيهِ الصَّادِقُ مِنَ المُخَادِعِ، إِنَّمَا يَبدَأُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الرَّهِيبَةِ: حِينَ تُغلَقُ الأَبوَابُ، وَتُرخَى السُّتُورُ، وَتَهدَأُ الأَصوَاتُ، وَتَغِيبُ أَعيُنُ الرُّقَبَاءِ مِنَ الوَالِدَينِ وَالزَّوجَةِ وَالأَولَادِ وَالنَّاسِ، وَيَبقَى العَبدُ وَحدَهُ فِي خَلوَتِهِ أَمَامَ شَاشَةِ هَاتِفِهِ، أَو بَينَ جُدرَانِ غُرفَتِهِ، أَو فِي ظُلمَةِ لَيلِهِ، وَقَد تَيَسَّرَت لَهُ أَسبَابُ المَعصِيَةِ، وَدَعَتهُ نَفسُهُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَشَيطَانُهُ إِلَى اقتِحَامِ حِمَى اللهِ!
هُنَالِكَ يَا عِبَادَ اللهِ، فِي تِلكَ الخَلوَةِ الصَّامِتَةِ، يُكتَبُ مَصِيرُ العَبدِ: إِمَّا أَن يَنتَفِضَ قَلبُهُ مَهَابَةً وَحَيَاءً مِنَ اللهِ فَيَقُولَ لِنَفسِهِ: إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي، فَيَرقَى إِلَى مَنَازِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالأَولِيَاءِ! وَإِمَّا أَن يَجعَلَ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ، فَيَنتَهِكَ مَحَارِمَ اللهِ فِي خَلوَتِهِ، فَيَهوِيَ فِي مَدرَجَةِ الانتِكَاسِ وَالخُذلَانِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ!
وَلِهَذَا كَانَ حَدِيثُنَا اليَومَ عَن أَعظَمِ رَكِيزَةٍ يَقُومُ عَلَيهَا بِنَاءُ الإِيمَانِ فِي القُلُوبِ، أَلَا وَهِيَ: مُرَاقَبَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَطَرُ الخَلَوَاتِ وَمَا تَفعَلُهُ بِالعَبدِ المُؤمِنِ رِفعَةً أَو خَفضًا، فِي ضَوءِ مَعَانِي أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى: العَلِيمِ، وَالخَبِيرِ، وَالرَّقِيبِ!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مُرَاقَبَةَ اللهِ تَعَالَى هِيَ دَوَامُ عِلمِ العَبدِ وَتيَقُّنِهِ بِاطِّلَاعِ الحَقِّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ؛ وَهِيَ الثَّمَرَةُ الحَيَّةُ لِأَعلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ، وَهِيَ مَرتَبَةُ الإِحسَانِ الَّتِي فَسَّرَهَا سَيِّدُ الأَنَامِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِجِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الحَدِيثِ المَشهُورِ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بَقولِهِ: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»!
وَلَا يُمكِنُ أَن تَستَقِرَّ شَجَرَةُ المُرَاقَبَةِ فِي قَلبِ العَبدِ حَتَّى يَعرِفَ رَبَّهُ سُبحَانَهُ بِأَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، وَفِي طَلِيعَتِهَا ثَلَاثَةُ أَسمَاءٍ عَظِيمَةٍ إِذَا تَدَبَّرَهَا المُؤمِنُ ارتَعَدَت فَرَائِصُهُ وَأَشرَقَ بِالخَشيَةِ فُؤَادُهُ، وَهِيَ: العَلِيمُ، وَالخَبِيرُ، وَالرَّقِيبُ!
فَأَمَّا اسمُ اللهِ «العَلِيمُ»: فَمَعنَاهُ الَّذِي أَحَاطَ عِلمُهُ التَّامُّ الشَّامِلُ بِكُلِّ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ؛ فَعَلِمَ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَم يَكُن لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يَكُونُ! لَا يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا تَسقُطُ وَرَقَةٌ مِن شَجَرَةٍ فِي غَابَةٍ نَائِيَةٍ فِي لَيلَةٍ مُظلِمَةٍ إِلَّا بِعِلمِهِ وَقَدرِهِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾!
وَأَمَّا اسمُ اللهِ «الخَبِيرُ»: فَهُوَ أَخَصُّ وَأَدَقُّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عِلمِ البَوَاطِنِ وَالدَّقَائِقِ وَالأَسرَارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لَا تَدرِكُهَا الحَوَاسُّ؛ فَالخَبِيرُ سُبحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَعلَمُ مَا يَدُورُ فِي خَلَدِكَ قَبلَ أَن يَتَحَرَّكَ بِهِ لِسَانُكَ، وَيَعلَمُ النَّظرَةَ المُختَلَسَةَ الَّتِي يَسرِقُهَا البَصَرُ فِي خِفيَةٍ عَنِ الجُلَسَاءِ كَمَا قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وَيَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ طه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾! قَالَ المُفَسِّرُونَ: السِّرُّ هُوَ مَا حَدَّثتَ بِهِ نَفسَكَ، وَأَخفَى مِنَ السِّرِّ هُوَ مَا سَيَخطُرُ بِبَالِكَ فِي المُستَقبَلِ قَبلَ أَن تَشعُرَ أَنتَ بِهِ!
وَأَمَّا اسمُ اللهِ «الرَّقِيبُ»: فَمَعنَاهُ الحَافِظُ المُطَّلِعُ الشَّهِيدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَن خَلقِهِ طَرفَةَ عَينٍ، وَلَا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ، قَد أَحَاطَ سَمعُهُ بِجَمِيعِ الأَصوَاتِ، وَأَحَاطَ بَصَرُهُ بِجَمِيعِ المَرئِيَّاتِ، وَأَحَاطَ عِلمُهُ بِجَمِيعِ الخَفِيَّاتِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ المُجَادَلَةِ مُوقِظًا القُلُوبَ الغَافِلَةَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾!
فَبِاللهِ عَلَيكُم يَا عِبَادَ اللهِ: مَن آمَنَ حَقَّ الإِيمَانِ بِأَنَّ رَبَّهُ هُوَ العَلِيمُ الخَبِيرُ الرَّقِيبُ، كَيفَ يَجرُؤُ بَعدَ ذَلِكَ أَن يُغلِقَ عَلَى نَفسِهِ بَابًا لِيَعصِيَ اللهَ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّ السَّقفَ وَالجُدرَانَ وَالظَّلَامَ لَا تَحجُبُ نَظَرَ المَلِكِ الدَّيَّانِ؟! لَقَد صَدَقَ الشَّاعِرُ المُؤمِنُ حِينَ هَتَفَ بِهَذِهِ الأَبيَاتِ الَّتِي تَهُزُّ الوِجدَانَ فَقَالَ:
وَإِذَا خَلَوتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلمَةٍ ... وَالنَّفسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغيَانِ
فَاستَحيِ مِن نَظَرِ الإِلَهِ وَقُل لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: تَعَالَوا لِنَنظُرَ مَاذَا تَفعَلُ الخَلَوَاتُ بِالعَبدِ! إِنَّ الخَلوَةَ سِلَاحٌ ذُو حَدَّينِ: فَإِمَّا أَن تَكُونَ خَلوَةَ مَعصِيَةٍ وَانتِهَاكٍ لِلمَحَارِمِ، وَإِمَّا أَن تَكُونَ خَلوَةَ طَاعَةٍ وَدَمعَةٍ وَخشِيَةٍ للهِ فِي الغَيبِ!
أَمَّا ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ يَا عِبَادَ اللهِ، فَهِيَ السُّمُّ الزُّعَافُ الَّذِي يَأكُلُ الحَسَنَاتِ، وَيُمِيتُ القُلُوبَ، وَيُورِثُ الانتِكَاسَاتِ! استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المُخلِعِ لِلقُلُوبِ، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ ابنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَالرُّويَانِيُّ فِي مُسنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»! فَفَزِعَ ثَوبَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»!
رُحمَاكَ يَا رَبِّ! حَسَنَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي الظَّاهِرِ كَجِبَالِ تِهَامَةَ البَيضَاءِ، مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَقِيَامٍ، تَستَحِيلُ يَومَ القِيَامَةِ هَبَاءً مَنثُورًا لَا وَزنَ لَهَا! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ صَاحِبَهَا كَانَ يُعَظِّمُ نَظَرَ المَخلُوقِينَ فِي العَلَنِ، وَيَستَهِينُ بِنَظَرِ الخَالِقِ فِي السِّرِّ؛ فَمَتَى غَابَت عَنهُ أَعيُنُ النَّاسِ وَثَبَ عَلَى مَحَارِمِ اللهِ وَانتَهَكَهَا بِلَا حَيَاءٍ وَلَا وَجَلٍ!
وَاسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى كَلِمَاتِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَطِبَّاءِ القُلُوبِ وَهُم يُحَذِّرُونَ مِن دَاءِ الخَلَوَاتِ الخَفِيِّ:
قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ بِلَالُ بنُ سَعدٍ رَحِمَهُ اللهُ: «لَا تَكُن وَلِيًّا للهِ فِي العَلَانِيَةِ، وَعَدُوًّا لَهُ فِي السِّرِّ»!
وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ: «أَعَزُّ الأَشيَاءِ ثَلَاثَةٌ: الجُودُ مِن قِلَّةٍ، وَالوَرَعُ فِي خَلوَةٍ، وَكَلِمَةُ الحَقِّ عِندَ مَن يُرجَى وَيُخَافُ»!
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ كَلِمَةً تَخلَعُ الفُؤَادَ: «وَإِنَّ خَاتِمَةَ السُّوءِ تَكُونُ بِسَبَبِ دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلعَبدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيهَا النَّاسُ؛ إِمَّا مِن جِهَةِ عَمَلٍ سَيِّئٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَتِلكَ الخَصلَةُ الخَفِيَّةُ تُوجِبُ سُوءَ الخَاتِمَةِ عِندَ المَوتِ»!
وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي صَيدِ الخَاطِرِ مُبَيِّنًا مِيزَانَ القَبُولِ وَالرَّدِّ: «فَاللهَ اللهَ فِي خَلَوَاتِكُم؛ فَإِنَّمَا يَكونُ التَّفاوتُ بَينَ العِبَادِ بِصِدقِ السَّرَائِرِ وَحِفظِ الخَوَاطِرِ فِي الخَلَوَاتِ»!
فِي المُقَابِلِ يَا عِبَادَ اللهِ: انظُرُوا مَاذَا تَفعَلُ الخَلوَةُ الصَّالِحَةُ وَمُرَاقَبَةُ اللهِ فِي الغَيبِ بِالعَبدِ المُؤمِنِ! إِنَّ مَن تَرَكَ المَعصِيَةَ فِي خَلوَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيهَا خَوفًا مِنَ اللهِ وَحَيَاءً مِن نَظَرِهِ، أَو قَامَ فِي جَوفِ اللَّيلِ يُصَلِّي رَكعَتَينِ أَو يَذرِفُ دَمعَةً لَا يَرَاهُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا اللهُ، أَلبَسَهُ اللهُ ثَوبَ المَهَابَةِ وَالمَحَبَّةِ فِي قُلُوبِ الخَلقِ، وَثَبَّتَ قَلبَهُ عِندَ الفِتَنِ وَعِندَ المَمَاتِ، وَأَظَلَّهُ فِي ظِلِّ عَرشِهِ يَومَ القِيَامَةِ! أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، فَذَكَرَ مِنهُم ثَلَاثَةَ أَصنَافٍ جَمَعَت بَينَهُم عِبَادَةُ الخَلوَةِ وَالإِخلَاصِ: «وَرَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ»؟!
وَاستَمِعُوا إِلَى هَذِهِ البِشَارَةِ القُرآنِيَّةِ العُظمَى لِأَهلِ خَشيَةِ الغَيبِ وَمُرَاقَبَةِ الخَلَوَاتِ فِي سُورَةِ المُلكِ، حَيثُ يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ ق واصِفًا أَهلَ الجَنَّةِ: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾!
وَتَعَالَوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ لِنَقِفَ مَعَ ثَلَاثِ قِصَصٍ خَالِدَةٍ تَملَأُ القُلُوبَ عِبرَةً وَإِيمَانًا:
القِصَّةُ الأُولَى: قِصَّةُ سَيِّدِ المُتَعَفِّفِينَ وَإِمَامِ المُرَاقِبِينَ للهِ فِي الخَلَوَاتِ، نَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيهِ السَّلَامُ! كَانَ شَابًّا غَرِيبًا فِي بِلَادِ مِصرَ، مملُوكًا فِي قَصرِ العَزِيزِ، فَرَاوَدَتهُ امرَأَةُ العَزِيزِ عَن نَفسِهِ وَهِيَ سَيِّدَتُهُ ذَاتُ المَنصِبِ وَالسُّلطَانِ وَالجَمَالِ، وَغَلَّقَتِ الأَبوَابَ السَّبعَةَ، وَتَهَيَّأَت لَهُ وَقَالَت: هَيتَ لَكَ! فَلَا عَينَ مِنَ البَشَرِ تَرَاهُ، وَلَا رَقِيبَ مِنَ النَّاسِ يُحَاسِبُهُ! فَمَا الَّذِي عَصَمَ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي تِلكَ الخَلوَةِ العَاصِفَةِ؟ إِنَّهُ استِحضَارُ نَظَرِ اللهِ العَلِيمِ الخَبِيرِ الرَّقِيبِ؛ فَهَتَفَ مِن أَعمَاقِ قَلبِهِ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾! فَمَاذَا كَانَ جَزَاءُ تِلكَ المُرَاقَبَةِ الصَّادِقَةِ فِي الخَلوَةِ؟ رفَعَهُ اللهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الأَرضِ، وَجَعَلَ ذِكرَهُ العَطِرَ قُرآنًا يُتلَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ!
وَالقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أَصحَابِ الغَارِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي رَوَاهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ حِينَ انطبَقَت عَلَيهِمُ الصَّخرَةُ العَظِيمَةُ فِي الغَارِ فَسَدَّت عَلَيهِم مَخرَجَهُم، فَتَوَسَّلُوا إِلَى اللهِ بِأَصدَقِ أَعمَالِهِم؛ فَقَالَ الثَّانِي مِنهُم: «اللهمَّ إِنَّهُ كَانَت لِيَ ابنَةُ عَمٍّ كَانَت أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدتُهَا عَن نَفسِهَا فَامتَنَعَت مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّت بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتنِي فَأَعطَيتُهَا عِشرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَن تُخَلِّيَ بَينِي وَبَينَ نَفسِهَا، فَفَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرتُ عَلَيهَا قَالَت: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ! فَانصَرَفتُ عَنهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعطَيتُهَا؛ اللهمَّ إِن كُنتُ فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُج عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ! فَانفَرَجَتِ الصَّخرَةُ»! انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ: عِفَّةُ سَاعَةٍ فِي خَلوَةٍ فَرَّجَ اللهُ بِهَا كَربَةَ الهَلَاكِ تَحتَ الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ!
وَالقِصَّةُ الثَّالِثَةُ: مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ وَابنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشقَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا مَرَّ بِرَاعِي غَنَمٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الأَرضِ بَعِيدًا عَنِ العُمرَانِ، فَأَرَادَ ابنُ عُمَرَ أَن يَختَبِرَ أَمَانَتَهُ وَمُرَاقَبَتَهُ للهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَاعِيَ الغَنَمِ، بِعنِي شَاةً مِن هَذِهِ الغَنَمِ! قَالَ الرَّاعِي: إِنِّي مَملُوكٌ وَلَيسَتِ الغَنَمُ لِي! فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ مُمْتَحِنًا: قُل لِسَيِّدِكَ أَكَلَهَا الذِّئبُ! فَانْتَفَضَ الرَّاعِي الفَقِيرُ وَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي أَبكَتِ ابنَ عُمَرَ: «فَأَينَ اللهُ؟!» قَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: فَبَكَيتُ، ثُمَّ اشتَرَيتُ الرَّاعِيَ مِن مَولَاهُ فَأَعتَقتُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاشترَيتُ لَهُ الغَنَمَ فَوَهَبتُهَا لَهُ، وَقُلتُ لَهُ: أَعتَقَتكَ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي الدُّنيَا، وَأَرجُو أَن تُعتِقَكَ فِي الآخِرَةِ!
وَصَدَقَ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ حِينَ قَالَ مُذَكِّرًا بِنَظَرِ الرَّقِيبِ الأَعلَى:
إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُل ... خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخفَى عَلَيهِ يَغِيبُ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، العَالِمُ بِالسِّرِّ وَالنَّجوَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ الإِخلَاصِ وَالتُّقَى، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَا.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ امتِحَانَ الخَلَوَاتِ فِي عَصرِنَا هَذَا قَد صَارَ أَشَدَّ وَأَخطَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيهِ فِي أَيِّ عَصرٍ مَضَى! فَفِي الزَّمَنِ القَدِيمِ كَانَ مَن يُرِيدُ المَعصِيَةَ يَحتَاجُ إِلَى سَفَرٍ أَو بَحثٍ أَو كُلفَةٍ، وَأَمَّا اليَومَ فَقَد صَارَتِ الخَلوَةُ فِي جَيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا وَبَينَ أَصَابِعِهِ فِي هَذِهِ الهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ! يَكُونُ الرَّجُلُ أَوِ الشَّابُّ أَوِ الفَتَاةُ جَالِسًا بَينَ أَهلِهِ أَو فِي غُرفَتِهِ، فَبِلمسَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الشَّاشَةِ يَستَطِيعُ أَن يَفتَحَ نَوَافِذَ النَّظَرِ الحَرَامِ وَالفَوَاحِشِ وَالشُّبُهَاتِ، أَو يَطوِيَهَا وَيَفتَحَ مَصحَفَهُ وَأَذكارهُ وَمَا يَنفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنيَاهُ!
فَكَيفَ نُربِّي أَنفُسَنَا وَأَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا عَلَى مَقَامِ مُرَاقَبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِمَارَةِ الخَلَوَاتِ بِالطَّاعَاتِ؟ إِنَّ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِأَربَعِ وَسَائِلَ عَمَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ:
الوَسِيلَةُ الأُولَى: التَّدرُّبُ اليَومِيُّ عَلَى استِحضَارِ مَعِيَّةِ اللهِ وَنَظَرِهِ كَمَا رَبَّى السَّلَفُ أَبنَاءَهُم؛ فَقَد ذَكَرَ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ وَابنُ القَيِّمِ فِي مَدَارِجِ السَّالِكِينَ قِصَّةَ الإِمَامِ سَهلِ بنِ عَبدِ اللهِ التُّستَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ قَالَ: «كُنتُ وَأَنَا ابنُ ثَلَاثِ سِنِينَ أَقُومُ بِاللَّيلِ فَأَنظُرُ إِلَى صَلَاةِ خَالِي مُحَمَّدِ بنِ سَوَّارٍ، فَقَالَ لِي يَومًا: أَلَا تَذكُرُ اللهَ الَّذِي خَلَقَكَ؟ فَقُلتُ: كَيفَ أَذكُرُهُ؟ قَالَ: قُل بِقَلبِكَ عِندَ تَقَلُّبِكَ فِي ثِيَابِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن غَيرِ أَن تُحَرِّكَ بِهِ لِسَانَكَ: اللهُ مَعِي، اللهُ نَاظِرٌ إِلَيَّ، اللهُ شَاهِدِي! فَقُلتُ ذَلِكَ فَأَعلَمتُهُ، فَقَالَ: قُلهَا فِي كُلِّ لَيلَةٍ إِحدَى عَشرَةَ مَرَّةً، فَقُلتُهَا فَوَقَعَ فِي قَلبِي حَلَاوَتُهَا، فَلَمَّا كَانَ بَعدَ سَنَةٍ قَالَ لِي خَالِي: احفَظ مَا عَلَّمتُكَ وَدُم عَلَيهِ إِلَى أَن تَدخُلَ القَبرَ؛ فَإِنَّهُ يَنفَعُكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ! ثُمَّ قَالَ لَهُ خَالُهُ: يَا سَهلُ، مَن كَانَ اللهُ مَعَهُ، وَنَاظِرًا إِلَيهِ، وَشَاهِدَهُ، أَيَعصِيهِ؟! إِيَّاكَ وَالمَعصِيَةَ»!
وَالوَسِيلَةُ الثَّانِيَةُ: أَن تَجعَلَ لَكَ خَبِيئَةً صَالِحَةً مِن عَمَلِ السِّرِّ لَا يَعلَمُ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ، لَا زَوجَةٌ وَلَا وَلَدٌ وَلَا صَدِيقٌ! فَإِنَّ عِبَادَاتِ الخَفَاءِ هِيَ أَعظَمُ أَسبَابِ الثَّبَاتِ، وَهِيَ الَّتِي تَكسِرُ شَوكَةَ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ؛ كَرَكعَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، أَو صَدَقَةٍ خَفِيَّةٍ، أَو وِردٍ مِنَ القُرآنِ وَالاستِغفَارِ فِي الخَلوَةِ، أَو كَفالةِ يَتِيمٍ وَتَفرِيجِ كُربَةٍ فِي السِّرِّ؛ كَمَا قَالَ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَنِ استَطَاعَ مِنكُم أَن يَكُونَ لَهُ خَبِيءٌ مِن عَمَلٍ صَالِحٍ فَليَفعَل»!
وَالوَسِيلَةُ الثَّالِثَةُ: مُبَادَرَةُ التَّوبَةِ وَالحَسَنَةِ المَاحِيَةِ فَورَ وُقُوعِ الزَّلَّةِ؛ فَالمُؤمِنُ بَشَرٌ قَد يَضعُفُ فِي خَلوَتِهِ وَتَغلِبُهُ نَفسُهُ، فَلَا يَيأَسَنَّ مِن رَحمَةِ اللهِ وَلَا يَستَمرِئِ الذَّنبَ، بَل يَتَوَضَّأُ مِن فَورِهِ وَيُصَلِّي رَكعَتَينِ وَيَستَغفِرُ اللهَ وَيُتبِعُ سَيِّئَةَ السِّرِّ بِحَسَنَةٍ فِي السِّرِّ تَمحُوهَا، عَمَلًا بِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»، وَاستِحضَارًا لِقَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وَالوَسِيلَةُ الرَّابِعَةُ: الإِكثَارُ مِن دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الجَامِعِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «اللهمَّ وَأَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ»! فَمَن رُزِقَ خَشيَةَ اللهِ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَقَدِ اجتَمَعَ لَهُ خَيرُ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ!
ثُمَّ اعلَمُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ المُسَبِّحَةِ بِقُدسِهِ، وَثَلَّثَ بِكُم أَيُّهَا المُؤمِنُونَ مِن جِنِّهِ وَإِنسِهِ، فَقَالَ جَلَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ المُتَّقِينَ وَسَيِّدِ العَارِفِينَ، وَارضَ اللهمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللهمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّر أَعدَاءَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. اللهمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنَسأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَنَسأَلُكَ القَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنَسأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَنَسأَلُكَ قُرَّةَ عَينٍ لَا تَنقَطِعُ، وَنَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَنَسأَلُكَ بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، وَنَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللهمَّ اجعَل سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَل عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، وَاقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَطَهِّر قُلُوبَنَا وَأَبصَارَنَا وَخَلَوَاتِنَا مِمَّا لَا يُرضِيكَ يَا عَلِيمُ يَا خَبِيرُ يَا رَقِيبُ. اللهمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ مِنَ المُسلِمِينَ، وَنَفِّس كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ، وَانصُر إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي فِلَسطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
مُرَاقَبَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَطَرُ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن مَعَانِي أَسمَاءِ اللهِ العَلِيمِ وَالخَبِيرِ وَالرَّقِيبِ وَأَسرَارِ الثَّبَاتِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.