من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

الجبال من الحصى: خطورة استصغار الذنوب

مشاركة
🕌 الجبالُ من الحَصَى.. خُطورَةُ استِصغارِ الذُّنوب #خطبة_جمعة #محتقرات_الذنوب #التوبة #الرقائق #تزكية_النفس #الخوف_من_الله #إيمانيات إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسُولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]. أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَديِ هَديُ مُحمَّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة. قَطرةُ ماءٍ صغيرة، تَنزلُ على صَخرةٍ صُلبة، مَرَّةً بَعد مَرَّة.. فتَفلِقُها نِصفَين. لا لِثِقَلِ القَطرة، بل لِمُداوَمَتِها. ومِثلُها ذنبٌ صغيرٌ تَفعَلُه اليوم، وتُكَرِّرُه غداً، وتَقولُ في نَفسِك: "الأمرُ هَيِّن". لكنَّ هذا الذنبَ الذي تَراهُ هَيِّناً في عَينِك، قد يَكونُ هو الجَبَلَ الذي يَقسِمُ ظَهرَك يومَ القيامة. فكيفَ يَتَحَوَّلُ الصَّغيرُ إلى مُهلِكة؟ وكيفَ تَخدَعُنا أنفُسُنا بصِغَرِ الخَطيئةِ حتى نَغرَقَ فيها؟ سِرٌّ من أسرارِ النَّفسِ البَشريَّةِ نَكشِفُه بعدَ قليل. أيها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكم يوماً: ما هو الميزانُ الذي نَزِنُ به أخطاءَنا؟ نَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ نَخافُ فيه من الفيروساتِ الدَّقيقةِ التي لا تُرى بالعَينِ المُجَرَّدة، فنَغسِلُ أيديَنا، ونُعَقِّمُ بُيوتَنا، ونَبتَعِدُ عن مَواطِنِ الوَباء، حِفاظاً على أجسادٍ مَصيرُها إلى التُّراب. لكنَّنا في المُقابِل، نَتَساهَلُ مع ذُنوبٍ صَغيرةٍ، لا تُرى في ميزانِ أهوائِنا، تَنهَشُ في قُلوبِنا، وتُلوِّثُ أرواحَنا المَبعوثَةَ لِلقاءِ الله. مُفارَقةٌ عَجيبة! نَخافُ الصَّغيرَ الذي يُؤذي البَدَن، ونَستَخِفُّ بالصَّغيرِ الذي يُهلِكُ الرُّوح! يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى، في آيةٍ لَو تَدَبَّرناها لَطَيَّرَتِ النَّومَ من أعيُنِنا: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. تَأمَّلوا هذه الآية! الخُطورَةُ ليست في الذَّنبِ نَفسِه فَحَسب، بَل في الكَلِمةِ التي تَسبِقُه: "تَحسَبونَه". الوَهم! الخِداعُ النَّفسيُّ الذي يُمارِسُه الشَّيطانُ على العَبد، فيُصَغِّرُ له المَعصيَةَ حتى يَستَمرِئَها، ويُسَهِّلُ له الزَّلَّةَ حتى يَعتادَها. ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.. فاللهُ جَلَّ جَلالُه لا يُقاسُ مِقدارُ مَعصيَتِه بحَجمِ الفِعل، بَل بمَقامِ مَن عُصِيَ أمْرُه. واسمَعوا لهذا التَّشخيصِ النَّبويِّ الدَّقيقِ لِحالةِ القُلوب. أخرَجَ الإمامُ البُخاريُّ من حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنه أنَّهُ قال: «إنَّ المُؤمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأنَّهُ قاعِدٌ تَحتَ جَبَلٍ يَخافُ أن يَقَعَ عَلَيهِ، وإنَّ الفاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ علَى أنفِهِ فقالَ به هَكَذا». سبحان الله! ذُبابٌ يَمُرُّ على الأنف، فَتَدفَعُه بيَدِك وتَمضي، ولا تَلتَفِت! كم كِذبَةً صَغيرةً كَذَبناها فدَفَعناها كذُبابٍ عابر؟ كم نَظرةً حَراماً خَطَفناها في شاشاتِ هَواتِفِنا، فمَسَحناها من ذاكِرَتِنا كذُبابٍ عابر؟ كم كَلِمةِ غِيبَةٍ لِزميلٍ أو قريبٍ لَكَكناها بألسِنَتِنا في مَجالِسِنا، ثم قُمنا إلى وُضوئِنا نَحسَبُ أنَّ الماءَ يَغسِلُها، كذُبابٍ عابر؟ لكنَّ أنسَ بنَ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه، خادِمَ رَسولِ اللهِ ﷺ، يَلتَفِتُ إلى جيلِ التَّابِعين — وهُم مَن هُم في الصَّلاحِ والعِبادَة — فَيَقولُ لهم كَلِمةً تَهُزُّ الوِجدان: "إنَّكُم لَتَعمَلونَ أعمالاً هِيَ أدَقُّ في أعيُنِكُم مِن الشَّعَرِ، كُنَّا نَعُدُّها علَى عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِن المُوبِقاتِ!". مِن المُوبِقات! أي مِن المُهلِكاتِ التي تُردي صاحِبَها في جَهَنَّم. فإذا كانَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنه يَقولُ هذا لِجيلِ التَّابِعين، فماذا عَساهُ يَقولُ لَو رَأى مَجالِسَنا ومُنتَدَياتِنا وحَياتَنا اليوم؟ أعمالٌ أدَقُّ في أعيُنِنا مِن الشَّعَر، نَغتابُ، ونُسَلِّطُ ألسِنَتَنا، ونأكُلُ مَواريثَ صَغيرةً لأخواتِنا بحُجَّةِ العُرف، ونُؤَخِّرُ الصَّلاةَ عَن وَقتِها بحُجَّةِ العَمَل، ونَقولُ: الأمرُ هَيِّن! يا أمة محمد ﷺ، لنتأمَّل مَعاً هذا المَشهَدَ التَّصويريَّ الذي رَسَمَهُ المُعَلِّمُ الأوَّل ﷺ، لِيُقَرِّبَ لنا خُطورَةَ تَراكُمِ الصَّغائِر. في مَشهدٍ مَهيبٍ رَواهُ الإمامُ أحمد، يَكونُ النَّبيُّ ﷺ مع أصحابِه في سَفَر، فَيَنزِلونَ بوادٍ قَفرٍ خالٍ مِن أيِّ شَيء. صَحراءُ قاحِلَةٌ ليسَ فيها شَجَرٌ ولا مَطَبخٌ ولا مَأوى. فيَقولُ ﷺ لأصحابِه: «اجمَعوا حَطَباً». فيَقولونَ: يا رَسولَ الله، نَحنُ بأرضٍ قَرْعاءَ (خاليَة). فيَقولُ: «لِيَأتِ كُلُّ امرِئٍ بِما قَدَرَ عَلَيه». فَيَتَفَرَّقُ الصَّحابَة. يَذهَبُ الأوَّلُ فَيَبحَثُ بينَ الرِّمال، فَيَجِدُ عُوداً صَغيراً لا يَكادُ يُرى، فَيَأتِي بِه. ويَذهَبُ الآخَرُ فَيَأتِي بِعُودٍ آخَر. وثالثٌ يَأتِي بكسرَةِ غُصنٍ جاف. عُودٌ فَوقَ عُود، ورِثَّةٌ فَوقَ رِثَّة، حتَّى اجتَمَعَت كومَةٌ كَبيرَةٌ مِن الحَطَبِ الصَّغير. فأشعَلوا فيها النَّار، فَأجَّجَت ناراً عَظيمَةً أنضَجَت لَهم طَعامَهم! فالتَفَتَ إليهِم النَّبيُّ ﷺ — في هذه اللَّحظَةِ التَّربَويَّةِ الفارِقَة — وقال: «إيَّاكُم ومُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ، فَإنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَومٍ نَزَلُوا بَطنَ وادٍ، فَجاءَ ذَا بِعُودٍ، وجاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا مَا أنضَجُوا بِهِ خُبزَهُم. وإنَّ مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهلِكْهُ!». تَأمَّلوا هَذا الرَّبطَ العَجيب! العُودُ الصَّغيرُ وَحدَهُ لا يُشعِلُ ناراً تَصطَلي بِها، لكنْ حِينَ يَتَراكَمُ مَع آلافِ الأعواد، يَصنَعُ حَريقاً مُهلِكاً. وهَكَذا الذَّنبُ الصَّغير. كِذبَةٌ، نَظرَةٌ، غِيبَةٌ، تَسويفٌ لِصَلاة، تَقصيرٌ في بَرٍّ.. ذَنبٌ فَوقَ ذَنب، حتَّى يَشتَعِلَ القَلبُ بِنارِ الغَفلَة، وتُحيطَ بِهِ الخَطيئَةُ مِن كُلِّ جانِب. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81]. عباد الله، إنَّ المُشكلَةَ الكُبرى في صَغائِرِ الذُّنوب، ليست في حَجمِها، بل في الإصرارِ عَلَيها واستِهانتِنا بِها. يَقولُ العالِمُ الرَّبانيُّ بِلالُ بنُ سَعدٍ رَحِمَهُ الله، في قاعِدَةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "لا تَنظُرْ إلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، ولَكِن انظُرْ إلَى مَن عَصَيتَ". أنتَ لا تَعصي إنساناً مِثلَك قَد يَنسى أو يَغفُل، أنتَ تَعصي مَن يَسمَعُكَ ويَراك، مَن يَعلَمُ السِّرَّ وأخفى، مَن بِيَدِهِ ناصِيَتُك، ومِن نِعَمِهِ صِحَّتُك ومَعاشُك! ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. النَّظرةُ الخاطِفَةُ التي تَظُنُّ أنَّ أحَداً لم يَرَها.. قَد رآها الله. والكَلِمةُ الَّتي تَهامَستَ بِها في مَجلِسٍ مَع أصدِقائك.. قَد سَمِعَها الله، وكَتَبَها المَلَكان. كيف يُعقل أن يَحرِصَ أحَدُنا على ثَوبِهِ ألا تُصيبَهُ قَطرةُ حِبرٍ صَغيرَة، لِأنَّها تُشَوِّهُ مَنظَرَهُ أمامَ النَّاس، ولا يَحرِصَ على قَلبِهِ من نُقَطِ السَّوادِ الَّتي تُفسِدُ قَلبَهُ أمامَ رَبِّ النَّاس؟! أخْرَجَ التِّرمِذيُّ عَن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «إنَّ المُؤمِنَ إذا أذنَبَ كانَت نُكتَةٌ سَوداءُ في قَلبِهِ، فَإن تابَ ونَزَعَ واستَغفَرَ، صُقِلَ قَلبُهُ، وإن زادَ زادَت، حتَّى يَعلوَ قَلبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرآنِ: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». ذَنبٌ بَعدَ ذَنب.. نُكتَةٌ سَوداءُ بَعدَ أخرى. حَتَّى يُغَلَّفَ القَلبُ بِهَذا الصَّدأ. فَيَأتِي الخَطيبُ يَخطُب، فَلَا يَتحَرَّكُ فيهِ شُعور. وتُتلى عليهِ آياتُ القرآنِ وكَأنَّهُ يَسمَعُ كَلاماً لا يَعنيه. وتَمُرُّ عَلَيهِ الجَنائِزُ فَلا يَعتَبِر، لِأنَّ القَلبَ قَد غُلِّفَ بِمُحَقَّراتِ الذُّنوبِ الَّتي استَهانَ بِها! أيها الإخوة الكرام، دَعونا نُسقِط هذا الكَلامَ على واقِعِنا اليَوم. نَحنُ نَعيشُ في عَصرٍ تَيَسَّرَت فيهِ المَعصيَةُ حتَّى صارَت بَينَ أطرافِ أصابِعِنا. في الماضي، كانَ الإنسانُ يَحتاجُ أن يُسافِرَ لِيَرتَكِبَ بَعضَ المَعاصي. أمَّا اليَوم، فشاشَةُ الهاتِفِ الَّذي تَحمِلُه في جَيبِك، قد تَكونُ باباً واسِعاً لِمُحَقَّراتِ الذُّنوبِ إن لَم تَضبِطْها بِتَقوى الله. كَلِمَةٌ واحِدةٌ تَكتُبُها في وسائِلِ التَّواصُل، قَد تَكونُ سُخريَةً بِعالِم، أو شَتيمَةً لِمُسلِم، أو إشاعَةً كاذِبَة، تَضغَطُ زِرَّ الإرسال، ثُمَّ تَنام! وأنتَ تَحسَبُ أنَّ الأمرَ هَيِّن. لكنَّ هذهِ الكَلِمةَ تَطوفُ الآفاق، ويَقرَؤها الآلاف، وتُسَجَّلُ في صَحيفَتِك، ولا تَزالُ سَيِّئاتُها تَجري وأنتَ نائِم! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَكسِرُ القُلوبَ الحَيَّة. قالَ الصَّادقُ المَصدوق ﷺ: «إنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» [رواه البخاري]. كلمة.. لا يلقي لها بالاً! لا يهتم لها! قالها مازحاً.. قالها مجارياً للمجلس.. يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً! فكيف بما هو أعظم؟ ومن أخطر ما يُحَوِّلُ الصَّغيرَةَ إلى كَبيرَة مُهلِكَة: المُجاهَرَةُ بِها، أو التَّفاخُرُ بِفِعلِها. يَأتيكَ الشَّابُّ فَيَفتَخِرُ بِعِلاقاتِهِ المُحَرَّمةِ أمامَ أصحابِه! وتَأتيكَ الفَتاةُ فَتُصَوِّرُ مُخالَفَتَها لِلحِجابِ أو للآدابِ وتَنشُرُها لِلمَلايين كأنَّهُ إنجاز! وقَد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِعِبارَةٍ حاسِمَةٍ قاطِعَة: «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ...» [متفق عليه]. أي أنَّ بابَ العَفوِ مَفتوحٌ لِمَن عَصى وسَتَرَ نَفسَهُ وتَاب، أمَّا الَّذي يَعصي اللَّهَ ثُمَّ يَهتِكُ سِترَ اللَّهِ عَلَيه، فَقَد أغلَقَ بابَ العافيَةِ عَلى نَفسِه! معاشر المسلمين، إن كنتَ حقاً تحب الله، فلماذا تبارزه بالمعصية مهما صغرت؟ وإن كنت تخاف الموت الذي قد يباغتك في أي لحظة، فلماذا تستمرئ هذه الذنوب وتؤجل التوبة؟ يقول ابن القيم رحمه الله: "الذنوبُ جراحات، ورُبَّ جرحٍ وقَع في مَقتَل". فلا تدري أي ذنب صغير تعتاده، قد يكون هو الجرح الذي يختم لك بخاتمة السوء والعياذ بالله. تَخَيَّلوا مَعي مَشهَداً آتِياً لا رَيبَ فيه. يومَ تُطوى السَّماوات، وتُنصَبُ المَوازين، وتَتَطايَرُ الصُّحُف. يومَ تَقِفُ أنتَ.. وَحدَك، حافياً عارياً بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الحَقِّ المُبين. ويُفتَحُ كِتابُك. وتَقَعُ عَيناك عَلى ذُنوبٍ كُنتَ قَد نَسيتَها تَماماً! نَظرةٌ في يَومِ كَذا، كَلِمةٌ في سَنَةِ كَذا، غِيبَةٌ في مَجلِسِ كَذا! في تلك اللحظة الرهيبة، يَصِفُ القُرآنُ حالَ المُجرِمين وهُم يَنظُرونَ في صَحائِفِهِم مَذهولين مِن دِقَّةِ الإحصاء: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. لا يُغادر صَغيرة! بَدأَ بالصَّغيرَةِ قَبلَ الكَبيرَةِ، لأنَّ الكَبائِرَ مَعروفَةٌ ومَحفوظَة، لَكِنَّهُم صُعِقوا عِندَما وَجَدوا أنَّ كُلَّ خَطرةٍ، وكُلَّ زَلَّةٍ، وكُلَّ كَلِمةٍ عابِرَة، مُسَطَّرَةٌ في هذا الكِتاب! ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. ومِثقالُ الذَّرَّةِ، هُوَ ذَلكَ الهَباءُ المُتَطايِرُ في أشِعَّةِ الشَّمسِ الَّذي لا يُوزَنُ في مَوازينِ الدُّنيا، لَكِنَّهُ يُوزَنُ بِميزانِ السَّماء: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]. فيا من أصر على ذنب يراه هيناً.. أفق قبل فوات الأوان. فكل لحظة تمر وأنت غافل متمسك بهذا الذنب، هي رصيدٌ يُسجل عليك في كتاب لا يمحى إلا بتوبة نصوح. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَغفِرُ الذَّنبَ، ويَقبَلُ التَّوبَ، شَديدُ العِقاب، ذو الطَّول، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، بَشيرُ التَّائبين ونَذيرُ الغافلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن خُطورَةِ مُحَقَّراتِ الذُّنوب، ووُقوفِنا عِندَ تَشبيِهِ النَّبيِّ ﷺ لَها بِعيدانِ الحَطَبِ الَّتي إذا اجتَمَعَت أحرَقَت، وكَيفَ أنَّ الاستِهانَةَ بالخَطيئةِ أعظَمُ مِن الخَطيئَةِ نَفسِها، وأنَّ ميزانَ اللهِ دَقيقٌ لا يُغادِرُ صَغيرةً ولا كَبيرَة. والآن، إخوَتي، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهم: ماذا نَصنَعُ بما سَمِعنا؟ وكَيفَ نَتَطَهَّرُ مِن هَذهِ الغَفلَةِ التي تَراكَمَت عَلى قُلوبِنا؟ وأوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ مِفتاحاً لِلتَّغيير، لا مُجَرَّدَ تَأثُّرٍ عابِر: الأولى (قَلبيَّة): عِظَمُ الخالِقِ في قَلبِك. إذا دَعتكَ نَفسُك لِذَنبٍ صَغير، واستَهَنتَ بِه، فاستَحضِر فَوراً جَلالَ مَن تَعصيه. قُل لِنَفسِك: اللهُ يَراني الآن! اللهُ يَسمَعُني الآن! واستَحضِر قَولَ الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ الله: "المُؤمِنُ جَمَعَ إحساناً وشَفَقَةً، والمُنافِقُ جَمَعَ إساءَةً وأمناً". فَلا تَأمَن مَكرَ الله ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. الثانية (لِسانيَّة): داوِم على الاستِغفارِ اليَومي. خَصِّص مِن وَقتِكَ اليَوم — وهَذِهِ خُطوَةٌ عَمَليَّة — مِئَةَ مَرَّةٍ تَقولُ فيها "أستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إلَيه". فإنَّ النَّبيَّ ﷺ، المَغفورَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأخَّر، كانَ يَستَغفِرُ في اليَومِ مِئَةَ مَرَّة. الاستِغفارُ يَمحو تِلكَ النُّكَتَ السَّوداءَ مِن القَلبِ أوَّلاً بأوَّل، قَبلَ أن تَتَراكَمَ وتَكونَ راناً. الثالثة (عَمَليَّة): إذا أذنَبتَ — وكُلُّنا نُذنِب — فَأَتبِعِ الزَّلَّةَ بِطاعَةٍ مُباشَرة. قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «وأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُها». كَذَبتَ؟ تَصَدَّق فَوراً. اغتَبتَ؟ قُم فَصَلِّ رَكعَتَين واستَغفِر لِمَن اغتَبتَه. لا تَترُكِ السَّيِّئَةَ في صَحيفَتِك دونَ أن تُرسِلَ وَراءَها حَسَنَةً تُطَهِّرُها. الرابعة (اجتماعيَّة): احذَروا السُّخريَةَ واحتِقارَ النَّاس. فَكم مِن كَلِمَةٍ نُلصِقُها بالآخَرين، نَظُنُّها مُزاحاً، وهِيَ عِندَ اللهِ عَظيمَة. ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32]. وتَوَقَّفوا عَن نَشرِ المُخالَفاتِ والصَّغائِر عبرَ الهَواتِف ووسائِلِ التَّواصُل؛ فَإنَّكَ تَحمِلُ وِزرَها ووِزرَ مَن تَبِعَكَ فيها. الخامسة (موضوعيَّة): حَدِّد ذَنباً صَغيراً واحِداً قَدِ اعتَدتَ عَلَيه — في عَمَلِك، أو في مَنزِلِك، أو مَع شاشَتِك — واتخِذ قَراراً الآن، في هَذا المَجلِس، بِتَركِه لِوَجهِ الله. قُل: يا رَبِّ، تَرَكتُهُ مِن أجلِك. ومَن تَرَكَ شَيئاً للهِ، عَوَّضَهُ اللهُ خَيراً مِنه، ورَزَقَهُ سَكينَةً في قَلبِه لا تُقَدَّرُ بِثَمَن. فاتقوا الله عباد الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ الزَّادَ قَليل، وأنَّ السَّفَرَ طَويل، والمِيزانَ دَقيق لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّة. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على بَشيرِ الرَّحمَةِ ونَذيرِ الأمَّة، فقَد أَمَرَكُمُ اللهُ بذلك في كِتابِه، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ توبَةً نَصوحاً تَغسِلُ بِها حَوبَتَنا، وتَمحو بِها زَلَّتَنا، وتُطَهِّرُ بِها قُلوبَنا مِن كُلِّ ذَنبٍ صَغُرَ أم كَبُر. اللَّهُمَّ اغفِر لَنا ذُنوبَنا كُلَّها، دِقَّها وجِلَّها، وأوَّلَها وآخِرَها، وعَلانِيَتَها وسِرَّها، وما أنتَ أعلَمُ بِهِ مِنَّا. اللَّهُمَّ بَصِّرنا بِعُيوبِ أنفُسِنا، ولا تَجعَلنا مِمَّن يَستَخِفُّ بِنَظَرِكَ إلَيه. اللَّهُمَّ ارزُقنا خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَة، وكَلِمَةَ الحَقِّ في الرِّضا والغَضَب. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر. اللَّهُمَّ آمِن رَوعاتِنا، واستُر عَوراتِنا، واجعَلِ الحَياةَ زِيادَةً لَنا في كُلِّ خَير، والمَوتَ راحَةً لَنا مِن كُلِّ شَر. اللَّهُمَّ انصُر المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ ارفَع عَنهُمُ الظُّلمَ والبَلاء، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً. اللَّهُمَّ اجعَل خَواتيمَ أعمالِنا خَيرَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك، وأنتَ راضٍ عَنَّا غَيرُ غَضبان. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.