من مكتبة مِداد الخطيب

كَيفَ أَتَعَامَلُ مَعَ الشَّتمِ وَالسَّبِّ بَأَخلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ دَرسٌ تَفَاعُلِيٌّ وَمَوعِظَةٌ تَربَوِيَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ لِلأَطفَالِ عَن حِفظِ اللِّسَانِ وَقُوَّةِ الحِلمِ

مشاركة
كَيفَ أَتَعَامَلُ مَعَ الشَّتمِ وَالسَّبِّ بَأَخلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ دَرسٌ تَفَاعُلِيٌّ وَمَوعِظَةٌ تَربَوِيَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ لِلأَطفَالِ عَن حِفظِ اللِّسَانِ وَقُوَّةِ الحِلمِ السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أَصدِقَائِي الأَبطَال! مَا هَذَا الصَّوتُ الهَادِئ؟ أُرِيدُ سَلَامًا يَهَزُّ القَاعَةَ نَشَاطًا وَفَرَحًا وَيَسمَعُهُ المَلَائِكَةُ الكِرَامُ الذِينَ يَحضُرُونَ مَجَالِسَ العِلمِ وَالذِّكرِ! مَرَّةً ثَانِيَةً بِصَوتٍ وَاحِدٍ قَوِيٍّ: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ! (يَنتَظِرُ المُرَبِّي رَدَّ الأَطفَالِ العَالِيَ المُبتَهِج) مَا شَاءَ اللهُ! أَحسَنتُم وَبَارَكَ اللهُ فِيكُم وَفِي أَصوَاتِكُمُ الجَمِيلَةِ الطَّيِّبَة! بِسمِ اللهِ نَبدَأُ لِقَاءَنَا الرَّائِعَ اليَوم. الحَمدُ للهِ، الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَنَا فِي أَحسَنِ تَقوِيم، وَالحَمدُ للهِ الَّذِي يُحِبُّنَا وَيَرَانَا وَيَسمَعُ كَلَامَنَا فِي كُلِّ وَقتٍ وَحِين، وَالحَمدُ للهِ الَّذِي جَمَعَنَا فِي هَذَا المَكَانِ الطَّيِّبِ المُبَارَك، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى حَبِيبِنَا وَقُدوَتِنَا وَمُعَلِّمِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي كَانَ أَجمَلَ النَّاسِ كَلَامًا، وَأَطيَبَهُم لِسَانًا، وَأَرحَمَهُم بِالأَطفَالِ الصِّغَار. هَيَّا قُولُوا مَعِي بِصَوتٍ جَمِيل: صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم! يَا أَصدِقَائِي الأَذكيَاء، قَبلَ أَن أُخبِرَكُم بِعُنوَانِ دَرسِنَا اليَوم، أَحضَرتُ لَكُم مَعِي فِي يَدِي اليُمنَى زُجَاجَةَ عِطرٍ طَيِّبَةَ الرَّائِحَةِ، وَفِي يَدِي اليُسرَى وَرقَةً فِيهَا صُورَةُ شَوكٍ وَوحلٍ! مَن مِنكُم يُحِبُّ أَن يَرُشَّ عَلَى ثِيَابِهِ وَيَدَيهِ مِن هَذَا العِطرِ الجَمِيل؟ اِرفَعُوا أَيدِيَكُم عَالِيًا! (يَرفَعُ الأَطفَالُ أَيدِيَهُم جَمِيعًا) طَبْعًا كُلُّكُم تُحِبُّونَ العِطرَ! طَيِّب، وَمَن مِنكُم يُحِبُّ أَن يَضَعَ فِي فَمِهِ أَو عَلَى ثَوبِهِ الشَّوكَ وَالوَحل؟ (يَضحَكُ الأَطفَالُ وَيَقُولُونَ: لَا أَحَد!) أَحسَنتُم! هَل تَعلَمُونَ يَا أَصدِقَائِي أَنَّ الكَلِمَاتِ الَّتِي تَخرُجُ مِن أَفوَاهِنَا كُلَّ يَومٍ تُشبِهُ تَمَامًا هَذَينِ الشَّيئَين؟ فَهُنَاكَ كَلِمَاتٌ طَيِّبَةٌ جَمِيلَةٌ مِثلُ العِطرِ الفَوَّاحِ؛ إِذَا نَطَقَ بِهَا الطِّفلُ المُؤمِنُ فَرِحَ اللهُ بِهِ، وَأَحَبَّتهُ المَلَائِكَةُ، وَابتَسَمَ النَّاسُ فِي وَجهِهِ! وَهُنَاكَ كَلِمَاتٌ قَبِيحَةٌ مُؤذِيَةٌ تُسَمَّى «الشَّتمَ وَالسَّبَّ وَالأَلقَابَ السَّيِّئَةَ»؛ هِيَ مِثلُ الشَّوكِ الَّذِي يَجرَحُ القُلُوبَ وَيُغضِبُ الرَّحمَن! وَلَكِن.. سُؤَالِي العَجِيبُ وَالمُهِمُّ جِدًّا لَكُمُ اليَومَ هُوَ: مَاذَا لَو كُنتَ أَنتَ طِفلًا مُؤَدَّبًا وَطَيِّبًا وَلَا تَشتُمُ أَحَدًا، ثُمَّ جَاءَ وَلَدٌ فِي المَدرَسَةِ، أَو فِي المَلعَبِ، أَو فِي الشَّارِعِ، أَو حَتَّى فِي البَيتِ، فَغَضِبَ وَقَالَ لَكَ كَلِمَةً قَبِيحَةً أَو شَتَمَكَ أَو سَبَّكَ؟ مَاذَا تَفعَلُ حِينَئِذٍ؟ هَل تَشتُمُهُ كَمَا شَتَمَكَ؟ أَم تَبكِي وَتَحزَنُ؟ أَم أَنَّ هُنَاكَ «خُطَّةً سِرِّيَّةً ذَكِيَّةً» يَستَعمِلُهَا الأَبطَالُ الأَقوِيَاءُ الذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ هَذَا هُوَ دَرسُنَا وَمَوعِظَتُنَا الرَّائِعَةُ اليَوم: «كَيفَ نَتَعَامَلُ مَعَ الشَّتمِ وَالسَّبِّ كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟». أَوَّلًا: الدَّرسُ التَّفَاعُلِيُّ المَاتِعُ (قِصَصُ الأَبطَالِ وَخُطَّةُ الدِّرعِ الذَّهَبِيِّ) يَا أَصدِقَائِي، هَل تَعرِفُونَ مَن هُوَ القَوِيُّ الحَقِيقِيُّ فِي الإِسلَام؟ بَعضُ الأَطفَالِ يَظُنُّ أَنَّ القَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَصرُخُ بِصَوتٍ عَالٍ، أَو يَشتُمُ بِعَشرِ كَلِمَاتٍ إِذَا شَتَمَهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَة، أَو يَضرِبُ بِيدِهِ! وَلَكِنَّ نَبِيَّنَا الحَبِيبَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَحَّحَ لَنَا هَذَا الفَهمَ وَكَشَفَ لَنَا سِرَّ القُوَّةِ الحَقِيقِيَّة؛ فَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ». مَا مَعنَى هَذَا الكَلَامِ العَظِيمِ يَا أَبطَال؟ كَلِمَةُ «الصُّرَعَةِ» يَعنِي الَّذِي يَغلِبُ النَّاسَ بِعَضَلَاتِهِ وَيُوقِعُهُم عَلَى الأَرض! يَقُولُ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: لَيسَ هَذَا هُوَ البَطَلَ القَوِيَّ الحَقِيقِيَّ! إِنَّمَا البَطَلُ الشَّدِيدُ القَوِيُّ حَقًّا هُوَ الَّذِي عِندَمَا يَغضَبُ أَو يَسمَعُ كَلِمَةً تُزعِجُهُ أَو شَتِيمَةً مِن أَحَدٍ، يَملِكُ نَفسَهُ وَيَمسِكُ لِسَانَهُ، فَلَا يَخرُجُ مِن فَمِهِ إِلَّا الكَلَامُ الطَّيِّبُ النَّظِيف! هَيَّا نَسأَلْ: مَن هُوَ القَوِيُّ الحَقِيقِيُّ يَا أَصدِقَائِي؟ (يُجِيبُ الأَطفَالُ: الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَب!) أَحسَنتُم! صَفِّقُوا لِأَنفُسِكُم تَصفِيقَةَ الأَبطَال! وَالآنَ.. اِجلِسُوا جِلسَةً مُستَقِيمَةً، وَافتَحُوا آذَانَكُم وَقُلُوبَكُم؛ لِأَنِّي سَأَحكِي لَكُم ثَلَاثَ قِصَصٍ عَجِيبَةٍ جِدًّا، كُلُّ قِصَّةٍ مِنهَا فِيهَا كَنزٌ غَالٍ يَجعَلُكُم أَقوَى وَأَذكَى الأَطفَال! القِصَّةُ الأُولَى: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَ الطِّفلِ أَنَسٍ، وَقِصَّةُ المَلَكِ الَّذِي يُدَافِعُ عَمَّن يُشتَمُ فَيَصبِر! فِي مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المُنَوَّرَةِ، كَانَ هُنَاكَ طِفلٌ صَغِيرٌ نَجِيبٌ فِي مِثلِ أَعمَارِكُم تَمَامًا، عُمرُهُ عَشرُ سَنَوَاتٍ، اِسمُهُ «أَنَسُ بنُ مَالِكٍ» رَضِيَ اللهُ عَنهُ. جَاءَت بِهِ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِيَخدُمَهُ وَيَتَعَلَّمَ مِنهُ. بَقِيَ أَنَسٌ الصَّغِيرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَشرَ سَنَوَاتٍ كَامِلَة! تَخَيَّلُوا يَا أَصدِقَائِي: طِفلٌ صَغِيرٌ يَخدُمُ عَشرَ سَنَوَاتٍ؛ أَلَا يُمكِنُ أَن يَنسَى شَيئًا أَحيَانًا؟ أَو يَكسِرَ إِنَاءً دُونَ قَصدٍ؟ أَو يَتَأَخَّرَ فِي اللعبِ مَعَ الصِّبيَانِ فِي الطَّرِيق؟ بَلَى! وَلَكِن هَل تَدرُونَ كَيفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُعَامِلُهُ؟ لَقَد حَدَّثَنَا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِنَفسِهِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فَقَالَ: «خَدَمتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَشرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ! وَمَا قَالَ لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ صَنَعتَهُ؟ وَلَا لِشَيءٍ تَرَكتُهُ: لِمَ تَرَكتَهُ؟». اللهُ أَكبَر! عَشرُ سَنَوَاتٍ كَامِلَة لم يَشتُمْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَم يَصرُخْ فِي وَجهِهِ، وَلَم يَقُلْ لَهُ حَتَّى كَلِمَةَ «أُفٍّ»! بَل كَانَ إِذَا نَادَاهُ يُدَلِّلُهُ بِلُطفٍ وَحَنَانٍ وَيَقُولُ لَهُ: «يَا ذَا الأُذُنَين» يُمَازِحُهُ وَيُضَاحِكُهُ، أَو يَقُولُ لَهُ: «يَا بُنَيَّ»! طَيِّب، وَمَاذَا كَانَ يَحدُثُ إِذَا جَاءَ رَجُلٌ جَاهِلٌ غَاضِبٌ فَشَتَمَ أَحَدًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ اِسمَعُوا هَذِهِ المُفَاجَأَةَ العَجِيبَة! فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يَومًا فَجَعَلَ يَشتُمُ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ يَسمَعُ! فَسَكَتَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَصَبَرَ وَلَم يَرُدَّ الشَّتِيمَةَ! فَمَاذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَعجَبُ مِن صَبرِ أَبِي بَكرٍ وَيَبتَسِمُ! ثُمَّ زَادَ الرَّجُلُ فِي الشَّتمِ، فَسَكَتَ أَبُو بَكرٍ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَبتَسِمُ مَسرُورًا بِصَبرِ أَبِي بَكر! فَلَمَّا أَكثَرَ الرَّجُلُ جِدًّا، رَدَّ عَلَيهِ أَبُو بَكرٍ بِبَعضِ كَلَامِهِ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ المَجلِسِ! فَلَحِقَهُ أَبُو بَكرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ يَشتُمُنِي وَأَنتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدتُ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ قُمتَ! فَهَل تَدرُونَ مَاذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ لَهُ: «إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنكَ، فَلَمَّا رَدَدتَ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ وَقَعَ الشَّيطَانُ، فَلَم أَكُن لِأَجلِسَ مَعَ الشَّيطَانِ»! يَا الله! هَل سَمِعتُم هَذَا السِّرَّ العَظِيمَ يَا أَصدِقَائِي؟ عِندَمَا يَشتُمُكَ أَحَدٌ وَأَنتَ تَصبِرُ وَتَمسِكُ لِسَانَكَ عَنِ الشَّتِيمَةِ طَاعَةً للهِ، يُرسِلُ اللهُ مَلَكًا مِنَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ يَقِفُ بِجِوَارِكَ وَيُدَافِعُ عَنكَ وَيَرُدُّ عَنكَ! أَمَّا إِذَا نزلتَ إِلَى الشَّتمِ وَالسَّبِّ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَفرَحُ وَيَدخُلُ بَينَكُمَا لِيُشعِلَ الشِّجَارَ وَالعَدَاوَة! فَاسأَلُوا أَنفُسَكُم الآنَ: أَيُّهُمَا أَجمَلُ وَأَعظَمُ؟ أَن يَكُونَ مَعِي مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُدَافِعُ عَنِّي وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَبتَسِمُ لِي؟ أَم أَن أَفرَحَ الشَّيطَانَ بِالشَّتِيمَةِ وَالصُّرَاخ؟ (يُجِيبُ الأَطفَالُ بِحَمَاسَةٍ: أَن يَكُونَ مَعَنَا المَلَكُ وَيَفرَحَ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!) القِصَّةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ حَوَّلَ الحَكِيمُ الذَّكِيُّ الشَّاتِمَ إِلَى صَدِيقٍ خَجِلٍ بِجُملَةٍ وَاحِدَة! يُحكَى أَنَّ عَالِمًا جَلِيلًا مِن عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ الصَّالِحِينَ كَانَ يَمشِي فِي الطَّرِيقِ بِهُدُوءٍ وَوَقَار، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ سَيِّئُ الخُلُقِ وَأَخَذَ يَشتُمُهُ وَيَسُبُّهُ بِأَلقَابٍ قَبِيحَةٍ أَمَامَ النَّاسِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ العَالِمَ سَيَغضَبُ وَيَشتُمُهُ! تَخَيَّلُوا مَاذَا فَعَلَ ذَلِكَ العَالِمُ الذَّكِيُّ؟ لَم يَغضَبْ، وَلَم يَعبِسْ، وَلَم يَقُلْ كَلِمَةً وَاحِدَةً قَبِيحَةً! بَلِ التَفَتَ إِلَى الرَّجُلِ بِابتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ وَقَالَ لَهُ: «يَا هَذَا، إِن كُنتَ صَادِقًا فِيمَا قُلتَ عَنِّي فَغَفَرَ اللهُ لِي، وَإِن كُنتَ كَاذِبًا فِيمَا قُلتَ فَغَفَرَ اللهُ لَكَ!». فَمَاذَا حَدَثَ لِلرَّجُلِ الشَّاتِمِ عِندَمَا سَمِعَ هَذَا الجَوَابَ العَجِيب؟ اِحمَرَّ وَجهُهُ مِنَ الخَجَلِ الشَّدِيدِ، وَطَأطَأَ رَأسَهُ فِي الأَرضِ، وَشَعَرَ أَنَّهُ صَغِيرٌ جِدًّا أَمَامَ هَذَا الأَدَبِ العَالِي، ثُمَّ جَاءَ يَعتَذِرُ وَيَقُولُ: سَامِحنِي، فَوَاللهِ مَا رَأَيتُ أَكرَمَ وَلَا أَحلَمَ مِنكَ! هَكَذَا يَا أَصدِقَائِي تَفعَلُ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ؛ إِنَّهَا مِثلُ المَاءِ البَارِدِ الَّذِي يُطفِئُ نَارَ الغَضَبِ وَالشَّرِّ فِي لَحظَةٍ وَاحِدَة؛ وَهَذَا هُوَ مَا عَلَّمَنَا اللهُ إِيَّاهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فِي سُورَةِ فُصِّلَت حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾؛ يَعنِي إِذَا أَسَاءَ إِلَيكَ أَحَدٌ فَعَامَلتَهُ بِالأَحسَنِ وَالأَجمَلِ، يَتَحَوَّلُ مِن خَصمٍ إِلَى صَدِيقٍ مُحِبٍّ لَكَ! القِصَّةُ الثَّالِثَةُ: البَطَلُ «زِيَادٌ» فِي مَلعَبِ المَدرَسَةِ وَالخُطُوَاتُ الخَمسُ الذَّهَبِيَّة! فِي يَومٍ مِن أَيَّامِ الأُسبُوعِ المَاضِي، فِي فُسحَةِ المَدرَسَةِ، كَانَ الطِّفلُ الذَّكِيُّ «زِيَادٌ» يَلعَبُ كُرَةَ القَدَمِ مَعَ زُمَلَائِهِ. مَرَّرَ زِيَادٌ الكُرَةَ وَسَجَّلَ هَدَفًا جَمِيلًا، فَغَضِبَ وَلَدٌ مِنَ الفَرِيقِ الآخَرِ اِسمُهُ «سَامِي»، وَجَاءَ يَركُضُ نَحوَ زِيَادٍ وَهُوَ يَصرُخُ وَينَادِيهِ بِلَقَبٍ سَيِّئٍ وَيَشتُمُهُ أَمَامَ الأَولَاد! سَكَتَ الأَولَادُ فِي المَلعَبِ وَنَظَرُوا إِلَى زِيَادٍ؛ كُلُّهُم كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ زِيَادًا سَيَشتُمُ سَامِيًا أَو يَتشَاجَرُ مَعَهُ! لَكِنَّ زِيَادًا كَانَ قَد تَعَلَّمَ فِي حَلقَةِ المَسجِدِ «خُطَّةَ الدِّرعِ الذَّهَبِيِّ ذِي الخُطُوَاتِ الخَمسِ»؛ فَمَاذَا فَعَلَ زِيَادٌ؟ أَوَّلًا: أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ يَرَاهُ وَأَنَّ المَلَكَ يُدَافِعُ عَنهُ. ثَانِيًا: لَم يَرُدَّ الشَّتِيمَةَ بِكَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ فَمَهُ الَّذِي يَقرَأُ سُورَةَ الفَاتِحَةِ وَالإِخلَاصِ وَيَذكُرُ اللهَ أَغلَى وَأَنظَفُ مِن أَن يَدخُلَهُ كَلَامٌ قَبِيح. ثَالِثًا: نَظَرَ إِلَى سَامِي بِهُدُوءٍ وَشَجَاعَةٍ وَقَالَ لَهُ بِصَوتٍ وَاضِحٍ مُؤَدَّب: «سَامَحَكَ اللهُ يَا سَامِي، أَنَا مُسلِمٌ أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَشتُمُ أَحَدًا!». رَابِعًا: تَرَكَ سَامِيًا وَأَكمَلَ اللعبَ مَعَ أَصدِقَائِهِ بِابتِسَامَةٍ وَعِزَّة! فَمَاذَا حَدَثَ يَا أَصدِقَائِي؟ أُعجِبَ كُلُّ طُلَّابِ الفَصلِ وَالمُعَلِّمُ الواقِفُ مِن بَعِيدٍ بِشَجَاعَةِ زِيَادٍ وَأَدَبِهِ، وَشَعَرَ سَامِي بِالخَجَلِ مِن نَفسِهِ، وَقَبلَ نِهَايَةِ اليَومِ الدِّرَاسِيِّ جَاءَ سَامِي إِلَى زِيَادٍ وَمَدَّ يَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا آسِفٌ يَا زِيَاد، أَنتَ صَدِيقٌ رَائِعٌ وَأَقوَى مِنِّي!». هَيَّا الآنَ يَا أَبطَال، نَعُدَّ مَعًا عَلَى أَصَابِعِ يَدِنَا الخَمسِ «الخُطُوَاتِ الخَمسَ الذَّهَبِيَّةَ» الَّتِي نَفعَلُهَا إِذَا شَتَمَنَا أَو سَبَّنَا أَحَدٌ؛ اِرفَعُوا كَفَّكُمُ اليُمنَى مَعِي: الإِصبَعُ الأَوَّلُ (الإِبهَام): «اللهُ يَرَانِي وَالمَلَكُ مَعِي»؛ أَتَذَكَّرُ فَوْرًا أَنَّ اللهَ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَأَنَّ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ يَرُدُّ عَنِّي مَا دُمتُ لَم أَشتُم. الإِصبَعُ الثَّانِي (السَّبَّابَة): «لِسَانِي عِطرٌ لَا يَنطِقُ بِالشَّوكِ»؛ أَرفُضُ تَمَامًا أَن أُقلِّدَ الشَّاتِمَ أَو أَرُدَّ الشَّتِيمَةَ بِشَتِيمَةٍ مِثلِهَا. الإِصبَعُ الثَّالِثُ (الوُسطَى): «كَلِمَةُ الأَبطَالِ الكِبَارِ»؛ أَقُولُ بِثَبَاتٍ وَشَجَاعَةٍ دُونَ خَوفٍ وَلَا صُرَاخ: «سَامَحَكَ اللهُ، هَدَاكَ اللهُ، إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَلَا أَشتُمُ أَحَدًا!». الإِصبَعُ الرَّابِعُ (البِنصِر): «أَنصَرِفُ بِعِزَّةٍ وَسَلَامٍ»؛ إِذَا استَمَرَّ الوَلَدُ فِي الكَلَامِ السَّيِّئِ، أَترُكُهُ وَأَبتَعِدُ عَنهُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَان: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. الإِصبَعُ الخَامِسُ (الخِنصِر): «أَطلُبُ المُسَاعَدَةَ مِنَ الكِبَارِ بِأَدَبٍ»؛ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَن يُؤذِينِي دَائِمًا أَو يَتَعَدَّى عَلَيَّ، أُخبِرُ مُعَلِّمِي فِي المَدرَسَةِ أَو أَبِي وَأُمِّي فِي البَيتِ لِيُوقِفُوا الأَذَى بِحِكمَةٍ، دُونَ أَن أُلوِّثَ لِسَانِي بِالسِّبَاب! ثَانِيًا: المَوعِظَةُ التَّربَوِيَّةُ القَلبِيَّةُ الحَانِيَةُ لِلأَطفَالِ (يَا بُنَيَّ: لِسَانُكَ بُستَانُ الجَنَّةِ وَعُنوَانُ إِيمَانِكَ!) وَالآنَ يَا أَحبَابِي الصِّغَار، يَا قُرَّةَ العُيُونِ وَثَمَرَاتِ القُلُوب.. تَعَالَوا نَجلِسْ جِلسَةَ هُدُوءٍ وَمَحَبَّةٍ، وَأَصغُوا إِلَيَّ بِقُلُوبِكُمُ البَيضَاءِ النَّقِيَّة؛ فَأَنَا أُحِبُّكُم فِي اللهِ، وَأُرِيدُ أَن أَرَاكُم جَمِيعًا يَومَ القِيَامَةِ رُفَقَاءَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي أَعلَى الفِردَوسِ مِنَ الجَنَّة. يَا بُنَيَّ الغَالِي، وَيَا بُنَيَّتِي الغَالِيَة: اُنظُرُوا إِلَى هَذَا اللِّسَانِ الصَّغِيرِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ فِي أَفوَاهِنَا؛ إِنَّهُ نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا مِنَ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم! لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ لَنَا هَذَا اللِّسَان؟ خَلَقَهُ لَنَا لِنَقُولَ بِهِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَلِنَقرَأَ بِهِ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَلِنُصَلِّيَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَلِنَدعُوَ بِهِ أَبَانَا وَأُمَّنَا بِأَحسَنِ الكَلَام، وَلِنُدخِلَ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِ إِخوَانِنَا وَأَصدِقَائِنَا! أَفَيَلِيقُ بِفَمٍ طَاهِرٍ يَقرَأُ كَلَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَن يَخرُجَ مِنهُ سَبٌّ أَو شَتمٌ أَو لَعنٌ أَو سُخرِيَةٌ مِن أَحَد؟! كَلَّا وَاللهِ يَا أَحبَابِي! فَقَد أَخبَرَنَا نَبِيُّنَا الصَّادِقُ الأَمِينُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَالإِمَامُ أَحمَدُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيسَ المُؤمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ». هَل تَعرِفُونَ مَعنَى هَذِهِ الكَلِمَاتِ الأَربَعِ يَا أَصدِقَائِي؟ «الطَّعَّانُ» هُوَ الَّذِي يَعِيبُ النَّاسَ وَيَسخَرُ مِنهُم، وَ«اللَّعَّانُ» هُوَ الَّذِي يَلعَنُ النَّاسَ أَوِ الدَّوَابَّ أَوِ الأَشيَاء، وَ«الفَاحِشُ وَالبَذِيءُ» هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالكَلَامِ القَبِيحِ وَالشَّتَائِمِ السَّيِّئَة! فَالطِّفلُ المُؤمِنُ الصَّادِقُ لَا يَكُونُ طَعَّانًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا شَتَّامًا أَبَدًا! يَا أَحبَابِي الصِّغَار: عِندَمَا يَشتُمُكَ طِفلٌ آخَرُ أَو يَكتُبُ لَكَ تَعلِيقًا سَيِّئًا فِي لُعبَةٍ أَو رِسَالَةٍ، فَاعلَمْ أَنَّ شَتمَهُ لَكَ لَا يُنقِصُ مِن قِيمَتِكَ عِندَ اللهِ شَيئًا أَبَدًا! لَو أَنَّ شَخصًا نَظَرَ إِلَى الذَّهَبِ الخَالِصِ النَّظِيفِ وَقَالَ لَهُ: «أَنتَ تُرَابٌ أَسوَد!»، هَل يَتَحَوَّلُ الذَّهَبُ إِلَى تُرَاب؟ (يُجِيبُ الأَطفَالُ: لَا، يَبقَى ذَهَبًا!) نَعَم! وَأَنتَ يَا بُنَيَّ عِندَ اللهِ أَغلَى مِنَ الذَّهَبِ بِأَخلَاقِكَ وَصَلَاتِكَ وَأَدَبِكَ! فَالَّذِي يَشتُمُكَ إِنَّمَا يُخرِجُ مَا فِي إِنَائِهِ هُوَ، وَيَخسَرُ مِن حَسَنَاتِهِ هُوَ، وَيُهدِيكَ حَسَنَاتٍ عَظِيمَةً مِن غَيرِ تَعَبٍ مِنكَ إِذَا صَبَرتَ وَعَفَوتَ! تَخَيَّلْ يَا بُنَيَّ يَومَ القِيَامَةِ، حِينَ يَقِفُ النَّاسُ أَمَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَأتِي الطِّفلُ الَّذِي حَفِظَ لِسَانَهُ وَصَبَرَ عَلَى أَذَى زُمَلَائِهِ وَلَم يَشتُمْ أَحَدًا، فَيَجِدُ جِبَالًا مِنَ الحَسَنَاتِ وَالنُّورِ فِي صَحِيفَتِهِ، فَيَسأَلُ بِفَرَحٍ وَدَهشَة: يَا رَبِّ، مِن أَينَ لِي كُلُّ هَذِهِ الحَسَنَاتِ وَالقُصُورِ فِي الجَنَّة؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بِصَبرِكَ يَومَ شَتَمَكَ فُلَانٌ فَلَم تَشتُمْهُ، وَيَومَ كَظَمتَ غَيظَكَ وَقُلتَ كَلِمَةً طَيِّبَةً ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ! أَلَم تَسمَعُوا قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ وَهُوَ يُبَشِّرُ هَؤُلَاءِ الأَبطَالَ بِأَعظَمِ بُشرَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؟! فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّكَ حِينَ تَكظِمُ غَيظَكَ أَي تَحبِسُ غَضَبَكَ، وَيُحِبُّكَ حِينَ تَعفُو وَتُسَامِح، وَإِذَا أَحَبَّكَ اللهُ نَادَى جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي السَّمَاءِ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ»، فَيُحِبُّكَ أَهلُ السَّمَاءِ جَمِيعًا، ثُمَّ يُوضَعُ لَكَ القَبُولُ وَالمَحَبَّةُ فِي الأَرض! وَإِيَّاكُم يَا أَصدِقَائِي أَن تَبدَؤُوا أَنتُم أَحَدًا بِشَتمٍ أَو سُخرِيَةٍ أَو تَنَابُزٍ بِالأَلقَاب؛ فَلَا يَجُوزُ لِطِفلٍ مُسلِمٍ أَن يَسخَرَ مِن شَكلِ زَمِيلِهِ، أَو لَونِهِ، أَو ثِيَابِهِ، أَو طَرِيقَةِ كَلَامِهِ، أَوِ اسمِهِ؛ فَقَد نَهَانَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَن ذَلِكَ فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، وَقَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ». فَاجعَلُوا أَلسِنَتَكُم دَائِمًا مِفتَاحًا لِلخَيرِ، وَازرَعُوا بِهَا كُلَّ يَومٍ أَشجَارًا فِي الجَنَّةِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ». فَكُلَّمَا قُلتَ لِأَخِيكَ أَو زَمِيلِكَ: «جَزَاكَ اللهُ خَيرًا، بَارَكَ اللهُ فِيكَ، سَامَحَكَ اللهُ، أَنتَ صَدِيقِي الغَالِي»، كَتَبَ اللهُ لَكَ صَدَقَةً وَحَسَنَةً، وَملَأَ قَلبَكَ نُورًا وَسَعَادَة! ثَالِثًا: فِقرَةُ التَّفَاعُلِ وَالتَّمثِيلِ وَالمُسَابَقَةِ وَالنَّشِيدِ وَالحِفظِ وَالآنَ جَاءَ وَقتُ التَّمثِيلِ وَالمُسَابَقَةِ الحَمَاسِيَّة! مَن مِنكُم يَا أَبطَالُ يُرِيدُ أَن يَقُومَ مَعِي هُنَا لِنُمَثِّلَ مَشهَدَ «الدِّرعِ الذَّهَبِيِّ»؟ (يَختَارُ المُرَبِّي طِفلَينِ مُتَطَوِّعَينِ، وَيَقُولُ لَهُمَا): لِنَفرِضْ أَنَّ زَمِيلًا أَخَذَ قَلَمَكَ بِالخَطَإِ ثُمَّ غَضِبَ عَلَيكَ وَقَالَ لَكَ كَلِمَةً مُزعِجَةً، مَاذَا سَتَقُولُ لَهُ يَا بَطَلُ بِالخُطُوَاتِ الخَمسِ الَّتِي تَعَلَّمنَاهَا؟ (يُنَفِّذُ الطِّفلُ التَّنفُّسَ الهَادِئَ وَالِابتِسَامَةَ الواثِقَةَ وَيَقُولُ: «سَامَحَكَ اللهُ وَهَدَاكَ اللهُ يَا صَدِيقِي، أَنَا مُسلِمٌ لَا أَشتُمُ أَحَدًا!»). رَائِعٌ جِدًّا! هَذِهِ هِيَ شَجَاعَةُ المُؤمِنِ الحَقِيقِيِّ! وَالآنَ مَعَ «مُسَابَقَةِ الأَبطَالِ السَّرِيعَةِ» مِن ثَلَاثَةِ أَسئِلَةٍ، وَمَن يُجِيبُ يَفُوزُ بِلَقَبِ «فَارِسِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ»: السُّؤَالُ الأَوَّلُ: كَم سَنَةً خَدَمَ الطِّفلُ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَن يَشتُمَهُ أَو يَقُولَ لَهُ «أُفٍّ» مَرَّةً وَاحِدَة؟ (الجَوَابُ: عَشرُ سَنَوَاتٍ كَامِلَة!). السُّؤَالُ الثَّانِي: مَن الَّذِي كَانَ يَرُدُّ وَيُدَافِعُ عَن أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ طَالَمَا كَانَ سَاكِتًا صَابِرًا لَا يَرُدُّ الشَّتِيمَة؟ (الجَوَابُ: مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ أَرسَلَهُ اللهُ تَعَالَى!). السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا هِيَ العِبَارَةُ الذَّكِيَّةُ الَّتِي نَقُولُهَا إِذَا شَتَمَنَا أَحَدٌ ثُمَّ نَنصَرِفُ بِعِزَّة؟ (الجَوَابُ: «سَامَحَكَ اللهُ وَهَدَاكَ اللهُ، أَنَا لَا أَشتُمُ أَحَدًا» أَو «سَلَامًا»!). هَيَّا الآنَ نَحفَظْ مَعًا آيَةً قَصِيرَةً عَظِيمَةً وَحَدِيثًا نَبَوِيًّا شَرِيفًا لِنُعَلِّمَهُمَا لِإِخوَتِنَا فِي البَيتِ اليَوم؛ رَدِّدُوا خَلفِي بِصَوتٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ مَرَّات: قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَان: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. مَرَّةً ثَانِيَةً: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. وَنَحفَظُ قَولَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ». مَرَّةً ثَانِيَةً بِصَوتٍ أَقوَى: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ». وَهَيَّا نُنشدْ مَعًا هَذَينِ البَيتَينِ الجَمِيلَينِ فِي حِفظِ اللِّسَانِ وَحُسنِ الجَوَاب: أَصُونُ لِسَانِي عَن كُلِّ سَبٍّ ... وَأَرقَى بِخُلْقِي لِأَعلَى الرُّتَبْ إِذَا جَاهِلٌ بِالقَبِيحِ اعتَدَى ... دَفَعتُ بِحِلمِيَ نَارَ الغَضَبْ رَابِعًا: النَّشَاطُ العَمَلِيُّ لِهَذَا الأُسبُوعِ («تَحَدِّي الأَيَّامِ السَّبعَةِ لِلِّسَانِ الطَّيِّب») يَا أَصدِقَائِي، مَهمَّتُنَا العَمَلِيَّةُ الَّتِي سَنَبدَؤُهَا مِنَ اليَومِ فِي البَيتِ وَالمَدرَسَةِ هِيَ: أَوَّلًا: سَنَصنَعُ فِي دَفتَرِنَا الصَّغِيرِ جَدوَلًا اِسمُهُ «بُستَانُ الكَلِمَاتِ الطَّيِّبَة»؛ كُلَّ يَومٍ يَمُرُّ عَلَينَا دُونَ أَن نَنطِقَ بِكَلِمَةٍ سَيِّئَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَقُولُ فِيهِ خَمسَ كَلِمَاتٍ طَيِّبَةٍ لِأُمِّنَا وَأَبِينَا وَإِخوَتِنَا وَزُمَلَائِنَا، نَرسُمُ فِيهِ نَجمَةً ذَهَبِيَّةً أَو شَجَرَةً خَضرَاء! ثَانِيًا: إِذَا غَضِبَ أَحَدٌ مِن إِخوَتِنَا أَو زُمَلَائِنَا هَذَا الأُسبُوعَ وَقَالَ كَلِمَةً مُزعِجَةً، سَنَلبَسُ فَوْرًا «الدِّرعَ الذَّهَبِيَّ» وَنَبتَسِمُ وَنَقُولُ لَهُ: «سَامَحَكَ اللهُ وَهَدَاكَ اللهُ»، ثُمَّ نَحكِي لِأَبِينَا وَأُمِّنَا قَبلَ النَّومِ كَيفَ انتَصَرنَا عَلَى الشَّيطَانِ وَالغَضَب! مَن مِنكُم يَعِدُنِي أَن يُطَبِّقَ هَذَا التَّحَدِّيَ الرَّائِعَ مِنَ اليَوم؟ اِرفَعُوا أَيدِيَكُم عَالِيًا! بَارَكَ اللهُ فِيكُم يَا أَجمَلَ وَأَروعَ الأَبطَال! خَامِسًا: الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ المُبَسَّطُ (يُرَدِّدُ الأَطفَالُ بَعدَ كُلِّ جُملَةٍ: آمِين!) هَيَّا نَرفَعْ أَكُفَّنَا الصَّغِيرَةَ الطَّاهِرَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَنَدعُهُ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ مُوقِنَةٍ بِأَنَّهُ يَسمَعُنَا وَيُحِبُّنَا: اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا يَا كَرِيمُ، أَحِبَّنَا وَاجعَلْنَا نُحِبُّكَ وَنُحِبُّ نَبِيَّكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.. (آمِين). اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا وَأَلسِنَتَنَا، وَاجعَلْ كَلَامَنَا طَيِّبًا جَمِيلًا يُرضِيكَ عَنَّا.. (آمِين). اللَّهُمَّ ارزُقنَا الحِلمَ وَالصَّبرَ وَالعَفوَ، وَأَعِذنَا مِنَ الشَّيطَانِ وَالغَضَبِ وَالكَلَامِ القَبِيح.. (آمِين). اللَّهُمَّ احفَظْ أُمَّهَاتِنَا وَآبَاءَنَا وَمُعَلِّمِينَا، وَأَدخِلِ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ عَلَى قُلُوبِهِم بِصَلَاحِنَا.. (آمِين). اللَّهُمَّ اجعَلْنَا أَطفَالًا صَالِحِينَ نَافِعِينَ، وَاجمَعْنَا مَعَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مِنَ الجَنَّة.. (آمِين). أَحسَنتُم يَا أَصدِقَائِي الأَبطَال، كُنتُم رَائِعِينَ جِدًّا اليَوم، وَأَستَودِعُكُمُ اللهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه!
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.