لِأَنَّهُ اللهُ: كَيفَ يُتَرجَمُ تَعظِيمُ اللهِ فِي بُيُوتِنَا؟ مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ تَعظِيمِ الخَالِقِ وَصِنَاعَةِ البُيُوتِ الرَّبَّانِيَّةِ
الحَمدُ للهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ، الَّذِي عَنَتِ الوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَخَشَعَتِ الأَصوَاتُ لِهَيبَتِهِ، وَذَلَّتِ الرِّقَابُ لِجَبَرُوتِهِ وَعِزَّتِهِ، يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَاللهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَمتَلِئُ بِهَا القُلُوبُ إِجلَالًا وَتَعظِيمًا وَمَحَبَّةً وَتَوحِيدًا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَعظَمُ الخَلقِ مَعرِفَةً بِرَبِّهِ، وَأَشدُّهُم خَشيَةً لَهُ وَتَعظِيمًا لِحُرُمَاتِهِ وَشَعَائِرِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ الطَّاهِرَاتِ القَانِتَاتِ، وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ، وَيَا بَنَاتِي العَفِيفَاتِ الغَالِيَاتِ، يَا حَارِسَاتِ الفَضِيلَةِ وَمَنَارَاتِ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِ الأُسَرِ وَالمُجتَمَعَاتِ: أُوصِيكُنَّ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ ثَمَرَةُ تَعظِيمِهِ فِي الفُؤَادِ، وَهِيَ النُّورُ الَّذِي يَجعَلُ البَيتَ الصَّغِيرَ رَوضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَحِصنًا مَنِيعًا تَتَكَسَّرُ عَلَى أَعتَابِهِ أَمَوَاجُ الفِتَنِ وَالشَّهَوَاتِ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
أَيَّتُهَا الأُختُ المُؤمِنَةُ، وَأَيَّتُهَا الفَتَاةُ النَّبِيلَةُ: هُنَاكَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِن كَلِمَتَينِ، لَو نُقِشَت بِمَاءِ اليَقِينِ عَلَى شِغَافِ قُلُوبِنَا، وَكُتِبَت بِمِدَادِ النُّورِ عَلَى جُدرَانِ بُيُوتِنَا، وَحَضَرَت فِي ضَمَائِرِنَا عِندَ كُلِّ أَمرٍ وَنَهيٍ، وَعِندَ كُلِّ شَهوَةٍ وَشُبهَةٍ، وَعِندَ كُلِّ خِلَافٍ وَابتِلَاءٍ، لَتَغَيَّرَت حَيَاتُنَا تَغَيُّرًا جِذرِيًّا مِنَ الظُّلمَةِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ، وَمِنَ التَّشتُّتِ إِلَى السَّكِينَةِ!
إِنَّهَا كَلِمَةُ: «لِأَنَّهُ اللهُ»!
نَعَم يَا أَمَةَ اللهِ: لِمَاذَا تَقُومِينَ مِن فِرَاشِكِ الوَثِيرِ عِندَ نِدَاءِ الفَجرِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ؟ لِأَنَّهُ اللهُ!
لِمَاذَا تَصُونِينَ جَسَدَكِ وَجَمَالَكِ بِالحِجَابِ الشَّرعِيِّ وَالعَفَافِ فِي زَمَنِ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ؟ لِأَنَّهُ اللهُ!
لِمَاذَا تَغُضِّينَ بَصَرَكِ وَتَحفَظِينَ سَمعَكِ وَقَلبَكِ عَنِ الحَرَامِ حِينَ تَخلِينَ بِهَاتِفِكِ فِي غُرفَتِكِ المُوصَدَةِ حَيثُ لَا يَرَاكِ بَشَرٌ؟ لِأَنَّهُ اللهُ!
لِمَاذَا تَصبِرِينَ عَلَى تَربِيَةِ أَولَادِكِ، وَتُحسِنِينَ إِلَى زَوجِكِ، وَتَبَرِّينَ وَالِدَيكِ، وَتَكظِمِينَ غَيظَكِ، وَتَعفِينَ عَمَّن ظَلَمَكِ؟ لِأَنَّهُ اللهُ!
وَمِن هُنَا يَنبَثِقُ السُّؤَالُ الكَبِيرُ الَّذِي نَعيشُ فِي ظِلَالِهِ فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ الإِيمَانِيَّةِ التَّربَوِيَّةِ: «لِأَنَّهُ اللهُ: كَيفَ يُتَرجَمُ تَعظِيمُ اللهِ فِي بُيُوتِنَا؟»؛ كَيفَ يَنتَقِلُ تَعظِيمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن مُجَرَّدِ كَلِمَاتٍ نُرَدِّدُهَا بِأَلسِنَتِنَا إِلَى حَيَاةٍ نَابِضَةٍ نَتَنَفَّسُهَا فِي غُرَفِ بُيُوتِنَا، وَعَلَى مَوَائِدِ طَعَامِنَا، وَفِي تَربِيَةِ أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، وَفِي أَفرَاحِنَا وَأَحزَانِنَا؟
تَعَالَينَ أَخَوَاتِي الفَاضِلَاتِ نَقِفْ فِي المِحوََرِ الأَوَّلِ مَعَ: الفَلسَفَةِ القُرآنِيَّةِ العَمِيقَةِ فِي تَعظِيمِ اللهِ جلَّ جَلَالُهُ وَأَثَرِهِ فِي عِمَارَةِ البُيُوتِ.
حِينَ نَفتَحُ كِتَابَ اللهِ العَزِيزَ، نَجِدُ أَنَّ أَصلَ كُلِّ انحِرَافٍ وَغَفلَةٍ وَمَعصِيَةٍ يَقَعُ فِيهَا الإِنسَانُ إِنَّمَا يَرجِعُ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ: وَهُوَ ضَعفُ تَعظِيمِ اللهِ فِي القَلبِ! وَلِهَذَا عَاتَبَ نَبِيُّ اللهِ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ قَومَهُ أَبلَغَ العِتَابِ فَقَالَ لَهُم كَمَا حَكَى اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ نُوحٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. قَالَ حَبرُ الأُمَّةِ وَتَرجُمَانُ القُرآنِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: «مَا لَكُم لَا تُعَظِّمُونَ اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ»! وَقَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا لَكُم لَا تَعرِفُونَ للهِ حَقًّا وَلَا تَشكُرُونَ لَهُ نِعمَةً».
وَأَخبَرَنَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الخَلقَ مَهمَا بَلَغُوا لَن يُحِيطُوا بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَأَنَّ المَعَاصِيَ وَالشُّرُورَ إِنَّمَا تَنشَأُ حِينَ يَغِيبُ قَدرُ اللهِ عَنِ القُلُوبِ؛ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وَجَعَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَعظِيمَ حُرُمَاتِهِ — بِاجتِنَابِ مَعَاصِيهِ — وَتَعظِيمَ شَعَائِرِهِ — بِإِقَامَةِ فَرَائِضِهِ وَطَاعَاتِهِ — هُوَ المِيزَانَ الحَقِيقِيَّ لِخَيرِيَّةِ العَبدِ وَتَقوَى قَلبِهِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.
ثُمَّ انظُرْنَ يَا أَخَوَاتِي كَيفَ رَبَطَ القُرآنُ الكَرِيمُ بَينَ تَعظِيمِ اللهِ وَبَينَ بُيُوتِ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ خَاصَّةً! لَقَد خَاطَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ — وَنِسَاءُ الأُمَّةِ تَبَعٌ لَهُنَّ فِي هَذَا التَّشرِيفِ وَالتَّكلِيفِ — فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. تَأَمَّلْنَ فِي هَذَا الوَصفِ الرَّبَّانِيِّ البَدِيعِ: لَم يَجعلِ اللهُ تَعَالَى وَظِيفَةَ البَيتِ المُسلِمِ مَقصُورَةً عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّومِ وَالأَثَاثِ الفَاخِرِ، بَل جَعَلَ هُوِيَّةَ البَيتِ المُسلِمِ أَنَّهُ مَهبِطُ آيَاتِ اللهِ وَحِكمَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَالْمَرأَةُ المُؤمِنَةُ هِيَ قَلبُ البَيتِ النَّابِضُ؛ إِذَا عَظَّمَتِ اللهَ فِي قَلبِهَا، سَرَى هَذَا التَّعظِيمُ فِي أَرجَاءِ البَيتِ كُلِّهِ كَمَا يَسرِي المَاءُ العَذبُ فِي عُرُوقِ الشَّجَرَةِ المُورِقَةِ!
أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ: إِذَا انتَقَلنَا إِلَى المِحوََرِ الثَّانِي مِن مُحَاضَرَتِنَا، وَهُوَ: شَوَاهِدُ الفِطرَةِ السَّوِيَّةِ وَحَقَائِقُ عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ فِي أَثَرِ تَعظِيمِ اللهِ دَاخِلَ البَيتِ؛ فَإِنَّنَا نَقفُ أَمَامَ حَقَائِقَ عِلمِيَّةٍ وَنَفسِيَّةٍ بَاهِرَةٍ تُؤَيِّدُ مَا جَاءَ بِهِ الوَحيُ المُبِينُ:
أَوَّلُ هَذِهِ الحَقَائِقِ الفِطرِيَّةِ وَالنَّفسِيَّةِ: أَنَّ النَّفسَ الإِنسَانِيَّةَ مَفطُورَةٌ عَلَى الحَاجَةِ إِلَى «مَرجِعِيَّةٍ عُليَا مُطلَقَةٍ» تَمنَحُهَا المَعنَى وَالأَمَانَ وَالبُوصَلَةَ الأَخلَاقِيَّةَ الثَّابِتَةَ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. وَحِينَ يَخلُو البَيتُ مِن تَعظِيمِ اللهِ، تَضطَرِبُ المَعَايِيرُ فِي نُفُوسِ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ، فَيُصبِحُ الحَقُّ وَالبَاطِلُ خَاضِعًا لِلأَهوَاءِ المُتَقَلِّبَةِ، وَالمَوضَاتِ العَابِرَةِ، وَضَغطِ الأَقرَانِ!
وَثَانِي هَذِهِ الحَقَائِقِ التَّربَوِيَّةِ الَّتِي يُجمِعُ عَلَيهَا عُلَمَاءُ النَّفسِ التَّربَوِيِّ: الفَرقُ الجَوهَرِيُّ بَينَ «الرَّقَابَةِ الخَارِجِيَّةِ المُؤَقَّتَةِ» وَبَينَ «الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ الدَّائِمَةِ»؛ فَالطِّفلُ أَوِ الفَتَاةُ الَّتِي تُرَبَّى فِي بَيتِهَا عَلَى الخَوفِ مِنَ النَّاسِ فَقَط — «لَا تَفعَلِي هَذَا لِئَلَّا يَرَاكِ أَبُوكِ، أَو مَاذَا يَقُولُ عَنَّا النَّاسُ؟» — تَنشَأُ بِشَخصِيَّةٍ مُزدَوِجَةٍ هَشَّةٍ، تَلتَزِمُ أَمَامَ أَعيُنِ الأَهلِ، فَإِذَا غَابَ الرَّقِيبُ البَشَرِيُّ وَاختَلَت بِشَاشَةِ هَاتِفِهَا انهَارَت كُلُّ الحَوَاجِزِ! أَمَّا البَيتُ الَّذِي يَغرِسُ فِي قَلبِ الطِّفلِ وَالفَتَاةِ مُنذُ الصِّغَرِ مَحبَّةَ اللهِ وَتَعظِيمَهُ وَإِجلَالَهُ — «نَحنُ نَترُكُ هَذَا لِأَنَّهُ اللهُ الَّذِي يَرَانَا وَيَحمِينَا وَأَنعَمَ عَلَينَا» — فَإِنَّهُ يَبنِي دَاخِلَ النَّفسِ «مَنَاعَةً ذَاتِيَّةً وَحَارِسًا إِيمَانِيًّا يَقِظًا» يَصحَبُ الفَتَاةَ وَالشَّابَّ فِي الخَلوَةِ وَالجَلوَةِ، وَفِي الوَطَنِ وَالغُربَةِ!
وَثَالِثُ هَذِهِ الحَقَائِقِ فِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ: قَانُونُ «النَّمذَجَةِ الحَيَّةِ وَالعَدوَى الوِجدَانِيَّةِ»؛ إِذ يُؤَكِّدُ عُلَمَاءُ التَّربِيَةِ أَنَّ أَعمَقَ القِيَمِ لَا تَنتَقِلُ إِلَى الأَبنَاءِ بِالكَلَامِ النَّظَرِيِّ المَقطُوعِ عَنِ العَمَلِ، بَل تَنتَقِلُ بِالمُعَايَشَةِ وَالمُلَاحَظَةِ؛ حِينَ تَرَى البِنتُ الصَّغِيرَةُ أُمَّهَا تَترُكُ حَدِيثَهَا الهَاتِفِيَّ وَمَشاغِلَ مَطبَخِهَا فَورَ سَمَاعِ نِدَاءِ الأَذَانِ، وَتَقُولُ بِخُشُوعٍ: «اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ»، وَحِينَ تَرَاهَا تَمسِكُ مُصحَفَهَا بِتَوقِيرٍ وَتَبكِي مِن خَشيَةِ اللهِ، وَحِينَ تَسمَعُهَا تَرفُضُ لِلبَاسًا عَارِيًا فِي السُّوقِ قَائِلَةً: «نَحنُ أَكرَمُ عِندَ اللهِ مِن أَن نَعصِيَهُ بِمَالِهِ الَّذِي رَزَقَنَا»؛ هُنَا يَنطَبِعُ تَعظِيمُ اللهِ فِي عَقلِ البِنتِ وَقَلبِهَا انطِبَاعَ النَّقشِ فِي الحَجَرِ فَلَا تَمحُوهُ الأَيَّامُ!
وَرَابِعُهَا: أَنَّ تَعظِيمَ اللهِ فِي قَلبِ المَرأَةِ يَمنَحُهَا «الاتِّزَانَ النَّفسِيَّ وَالسَّكِينَةَ العَمِيقَةَ»؛ فَقَد ثَبَتَ نَفسِيًّا أَنَّ الإِنسَانَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ قَلبُهُ بِالمَخلُوقِينَ وَرِضَاهُم يَعِيشُ فِي قَلَقٍ دَائِمٍ وَتَمَزُّقٍ نَفسِيٍّ لَا يَنتَهِي، أَمَّا المَرأَةُ الَّتِي عَظُمَ اللهُ فِي قَلبِهَا فَإِنَّ الدُّنيَا كُلَّهَا تَصغُرُ فِي عَينِهَا؛ فَلَا تَكسِرُهَا مِحنَةٌ، وَلَا تُبطِرُهَا نِعمَةٌ، وَلَا تُرهِقُهَا مُقَارَنَاتُ المَظَاهِرِ الزَّائِفَةِ؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَنِ التَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَى عَنهُ النَّاسَ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيهِ وَأَسخَطَ عَلَيهِ النَّاسَ».
أَيَّتُهَا المَرأَةُ المُسلِمَةُ: تَعَالَي نَستَمِعْ فِي المِحوََرِ الثَّالِثِ إِلَى الأَدِلَّةِ القَطعِيَّةِ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا كَيفَ تَحيَا البُيُوتُ بِذِكرِ اللهِ وَتَعظِيمِهِ، وَكَيفَ تَمُوتُ بِالغَفلَةِ عَنهُ!
فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ البَيتِ الَّذِي يُذكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالبَيتِ الَّذِي لَا يُذكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ». يَا لَهُ مِن تَشبِيهٍ نَبَوِيٍّ يَهُزُّ الأَفئِدَةَ! كَم مِن قَصرٍ مَشِيدٍ مُزَخرَفٍ بِأَفخَرِ الأَثَاثِ وَالثُّرَيَّاتِ، لَكِنَّهُ فِي مِيزَانِ النُّبُوَّةِ «قَبرٌ مَيِّتٌ مُوحِشٌ»؛ لِأَنَّهُ خَالٍ مِن ذِكرِ اللهِ وَتَعظِيمِ أَمرِهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ! وَكَم مِن بَيتٍ مُتَوَاضِعٍ بَسِيطٍ، لَكِنَّهُ فِي مِيزَانِ السَّمَاءِ «رَوضَةٌ حَيَّةٌ مُشرِقَةٌ» تَتَنَزَّلُ فِيهَا المَلَائِكَةُ وَتَفرُّ مِنهَا الشَّيَاطِينُ؛ لِأَنَّ أَهلَهُ يُعَظِّمُونَ اللهَ وَيَذكُرُونَهُ قِيَامًا وَقُعُودًا!
وَانظُرْنَ يَا أَخَوَاتِي كَيفَ كَانَ بَيتُ النُّبُوَّةِ الطَّاهِرُ المَثَلَ الأَعلَى فِي تَعظِيمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ سُئِلَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَصنَعُ فِي بَيتِهِ؟ قَالَت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهنَةِ أَهلِهِ — تَعنِي خِدمَةَ أَهلِهِ — فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ». كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي بَيتِهِ أَلْيَنَ النَّاسِ، وَأَكرَمَ النَّاسِ، بَسَّامًا ضَحَّاكًا يُؤَانِسُ أَهلَهُ وَيُعِينُهُم؛ حَتَّى إِذَا ارتَفَعَ نِدَاءُ «اللهُ أَكبَرُ» انقَطَعَ عَن كُلِّ شَيءٍ إِجلَالًا لِمَولَاهُ وَتَعظِيمًا لِلِقَائِهِ!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ أَمرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيسَرَهُمَا مَا لَم يَكُنْ إِثمًا، فَإِن كَانَ إِثمًا كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ مِنهُ، وَمَا انتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِنَفسِهِ إِلَّا أَن تُنتَهَكَ حُرمَةُ اللهِ فَيَنتَقِمَ للهِ بِهَا». هَكَذَا يَكُونُ المِيزَانُ فِي البَيتِ المُؤمِنِ: التَّيسِيرُ وَالتَّسَامُحُ وَاللِّينُ فِي حُظُوظِ النَّفسِ وَأُمُورِ الدُّنيَا، وَالحَزمُ وَاليَقَظَةُ وَالغَيرَةُ حِينَ تُمسُّ حُرمَةٌ مِن حُرُمَاتِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى!
وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ الجَامِعَةِ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِنْ بِاللهِ». فَأَيُّ بَيتٍ يَحفَظُ حُدُودَ اللهِ وَأَوَامِرَهُ، فَإِنَّ اللهَ الحَفِيظَ سُبحَانَهُ يَتَوَلَّى حِفظَ ذَلِكَ البَيتِ فِي أَهلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَمنِهِ وَرِزقِهِ!
أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي الغَالِيَاتِ: إِذَا أَرَدنَا فِي المِحوََرِ الرَّابِعِ أَن نَرَى «تَعظِيمَ اللهِ» مُتَجَسِّدًا فِي مَوَاقِفَ حَيَّةٍ خَالِدَةٍ مِن حَيَاةِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَالصَّحَابِيَّاتِ وَنِسَاءِ السَّلَفِ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ، فَتَأَمَّلْنَ فِي هَذِهِ اللُّوحَاتِ النُّورَانِيَّةِ الأَربَعِ:
اللَّوحَةُ الأُولَى: مَوقِفُ نِسَاءِ الصَّحَابَةِ مِنَ المُهَاجِرَاتِ وَالأَنصَارِ لَيلَةَ نَزَلَت آيَةُ الحِجَابِ فِي سُورَةِ النُّورِ؛ يَومَ كَانَتِ المَرأَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الإِسلَامِ تَسدِلُ خِمَارَهَا مِن وَرَاءِ ظَهرِهَا فَيَبدُو نَحرُهَا وَعُنُقُهَا وَقُرطَاهَا، فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَولَهُ العَظِيمَ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. مَاذَا صَنَعَتِ الصَّحَابِيَّاتُ حِينَ عَادَ الرِّجَالُ مِن مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَتلُونَ عَلَيهِنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِي بُيُوتِهِنَّ؟ هَل قَالَت إِحدَاهُنَّ: سَأُفَكِّرُ فِي الأَمرِ؟ هَل قَالَت: الجَوُّ حَارٌّ، أَو هَذَا يُقَيِّدُ حُرِّيَّتِي، أَوِ انتَظِرُوا حَتَّى أَشتَرِيَ ثِيَابًا جَدِيدَةً؟ كَلَّا وَاللهِ! استَمِعْنَ إِلَى شَهَادَةِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَهِيَ تَقُولُ: «يَرحَمُ اللهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنزَلَ اللهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقنَ مُرُوطَهُنَّ — أَي أُزُرَهُنَّ وَأَكسِيَتَهُنَّ — فَاختَمَرنَ بِهَا»! وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «قَامَت كُلُّ امرَأَةٍ مِنهُنَّ إِلَى مِرطِهَا المُرَحَّلِ فَشَقَّتهُ، فَأَصبَحنَ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبحِ مُعتَجِرَاتٍ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الغِربَانَ»! لِمَاذَا هَذِهِ الاستِجَابَةُ الفَورِيَّةُ المَهِيبَةُ؟ لِأَنَّ الآمِرَ هُوَ اللهُ!
اللَّوحَةُ الثَّانِيَةُ: مَوقِفُ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا مَعَ حُرُمَاتِ اللهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّهَا اشتَرَت نُمْرُقَةً — أَي وِسَادَةً أَو سِتَارًا — فِيهَا تَصَاوِيرُ ذَوَاتِ الأَروَاحِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَرَآهَا قَامَ عَلَى البَابِ فَلَم يَدخُلْ! فَعَرَفَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي وَجهِهِ الكَرَاهِيَةَ؛ فَمَاذَا قَالَت؟ لَم تُجَادِلْ وَلَم تُكَابِرْ، بَل بَادَرَت بِلَهفَةِ المُعَظِّمَةِ لِأَمرِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَت: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذنَبتُ؟» فَلَمَّا أَخبَرَهَا بِحُرمَةِ تِلكَ التَّصَاوِيرِ أَزَالَتْهَا مِنَ البَابِ فَورًا!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا غَضِبَت يَومًا عَلَى ابنِ أُختِهَا عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَنَذَرَت أَلَّا تُكَلِّمَهُ، فَطَالَ ذَلِكَ عَلَى ابنِ الزُّبَيرِ، فَاستَشفَعَ إِلَيهَا بِالمِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الأَسوَدِ وَذَكَّرُوهَا بِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ»؛ فَلَمَّا سَمِعَت حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَضَعَ قَلبُهَا لِأَمرِ اللهِ، وَطَفِقَت تَبكِي وَتُقَبِّلُ ابنَ أُختِهَا، ثُمَّ أَعتَقَت أَربَعِينَ رَقَبَةً كَفَّارَةً لِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ أَمرَ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي قَلبِهَا أَعظَمُ مِن غَضَبِ النَّفسِ وَحَمِيَّتِهَا!
اللَّوحَةُ الثَّالِثَةُ: مَوقِفُ الصَّحَابِيَّةِ الجَلِيلَةِ الرُّمَيصَاءِ أُمِّ سُلَيمٍ بِنتِ مِلحَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا حِينَ خَطَبَهَا أَبُو طَلحَةَ الأَنصَارِيُّ قَبلَ أَن يُسلِمَ، وَكَانَ مِن أَغنَى رِجَالِ المَدِينَةِ وَأَجمَلِهِم وَأَعزِّهِم نَسَبًا، فَعَرَضَ عَلَيهَا مَهرًا غَالِيًا مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؛ فَمَاذَا قَالَت لَهُ هَذِهِ المَرأَةُ الَّتِي مَلَأَ تَعظِيمُ اللهِ فُؤَادَهَا؟ قَالَت لَهُ كَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «يَا أَبَا طَلحَةَ، أَلَستَ تَعلَمُ أَنَّ إِلَهَكَ الَّذِي تَعبُدُ نَبَتَ مِنَ الأَرضِ يَنجُرُهُ حَبَشِيُّ بَنِي فُلَانٍ؟ وَاللهِ يَا أَبَا طَلحَةَ مَا مِثلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ امرُؤٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امرَأَةٌ مُسلِمَةٌ لَا يَحِلُّ لِي أَن أَتَزَوَّجَكَ؛ فَإِن تُسلِمْ فَذَاكَ مَهرِي، وَمَا أَسأَلُكَ غَيرَهُ»! فَأَسلَمَ أَبُو طَلحَةَ وَكَانَ إِسلَامُهُ مَهرَهَا؛ قَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَمَا سَمِعنَا بِامرَأَةٍ قَطُّ كَانَت أَكرَمَ مَهرًا مِن أُمِّ سُلَيمٍ؛ الإِسلَامَ»!
اللَّوحَةُ الرَّابِعَةُ: تِلكَ الفَتَاةُ المُؤمِنَةُ الصَّالِحَةُ فِي عَهدِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حِينَ كَانَ يَعُسُّ المَدِينَةَ فِي جَوفِ اللَّيلِ، فَسَمِعَ امرَأَةً تَقولُ لِابنَتِهَا: «قُومِي إِلَى ذَلِكَ اللَّبَنِ فَامذُقِيهِ بِالمَاءِ»، فَقَالَتِ الفَتَاةُ المُعَظِّمَةُ لِأَمرِ اللهِ: «يَا أُمَّتَاهُ، أَوَمَا عَلِمتِ مَا كَانَ مِن عَزمَةِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ اليَومَ فِي النَّهيِ عَن خَلطِ اللَّبَنِ بِالمَاءِ؟» فَقَالَتِ الأُمُّ: «قُومِي فَامذُقِيهِ، فَإِنَّكِ بِمَوضِعٍ لَا يَرَاكِ عُمَرُ وَلَا مُنَادِي عُمَرَ»! فَنَطَقَتِ الفَتَاةُ بِكَلِمَتِهَا الخَالِدَةِ الَّتِي صَارَت مَثَلًا يُضرَبُ فِي تَعظِيمِ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ: «وَاللهِ مَا كُنتُ لِأُطِيعَهُ فِي المَلَأِ وَأَعصِيَهُ فِي الخَلَاءِ! إِن كَانَ عُمَرُ لَا يَرَانَا فَإِنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرَانَا»! فَكَافَأَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَن زَوَّجَهَا الفَارُوقُ لِابنِهِ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ، فَخَرَجَ مِن نَسلِهَا الخَلِيفَةُ العَادِلُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ!
أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ وَالبَنَاتُ الكَرِيمَاتُ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذَا التَّعظِيمَ العَظِيمَ إِلَى بَرنَامَجٍ عَمَلِيٍّ يَومِيٍّ فِي بُيُوتِنَا؟
إِلَيكُنَّ سِتَّةَ مَيَادِينَ عَمَلِيَّةٍ تَتَجَلَّى فِيهَا حَقِيقَةُ «لِأَنَّهُ اللهُ» فِي البَيتِ المُسلِمِ:
المَيدَانُ الأَوَّلُ: جَعلُ الصَّلَاةِ وَالقُرآنِ الكَرِيمِ مِحوََرَ حَيَاةِ البَيتِ وَقُطبَ رَحَاهُ؛ فَالْبَيتُ الَّذِي يُعَظِّمُ اللهَ تُضبَطُ سَاعَاتُهُ وَمَوَاعِيدُهُ وَنَومُهُ وَطَعَامُهُ وَنُزهَتُهُ عَلَى مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ؛ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ طه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. فَلَا يَجُوزُ أَن يَسهَرَ أَهلُ البَيتِ عَلَى الشَّاشَاتِ وَالمُبَاحَاتِ ثُمَّ يُضَيِّعُوا صَلَاةَ الفَجرِ، وَلَا أَن تُهجَرَ تِلَاوَةُ القُرآنِ وَسُورَةِ البَقَرَةِ فِي غُرَفِ البَيتِ!
المَيدَانُ الثَّانِي: تَقدِيمُ حُكمِ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى العَادَاتِ وَالأَهوَاءِ وَالمَوضَاتِ؛ فَحِينَ تَتَعَارَضُ شَرِيعَةُ اللهِ مَعَ مَوضَةِ الأَزيَاءِ، أَو تَقَالِيدِ الأَعْرَاسِ وَالحَفَلَاتِ المُشتَمِلَةِ عَلَى التَّبَرُّجِ أَوِ المَعَازِفِ أَوِ الإِسرَافِ وَالتَّصوِيرِ المُحَرَّمِ، تَقِفُ المَرأَةُ المُؤمِنَةُ بِعِزَّةٍ وَثَبَاتٍ تَتلُو قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وَتَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ وَالمَقَالِ: لَن نُغضِبَ اللهَ لِنُرضِيَ النَّاسَ؛ لِأَنَّهُ اللهُ!
المَيدَانُ الثَّالِثُ: تَعظِيمُ نَظَرِ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ وَالشَّاشَاتِ وَالفَضَاءِ الرَّقَمِيِّ؛ فَإِنَّ أَعظَمَ امتِحَانٍ لِصِدقِ تَعظِيمِ اللهِ فِي عَصرِنَا هُوَ مَا تَفعَلُهُ المَرأَةُ وَالفَتَاةُ حِينَ تَخلُو بِهَاتِفِهَا! تَذَكَّرِي دَائِمًا يَا أَمَةَ اللهِ قَولَ بِلَالِ بنِ سَعدٍ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ رَحِمَهُ اللهُ: «لَا تَنظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَن عَصَيتَ»! وَتَذَكَّرِي أَنَّ الَّذِي أَنعَمَ عَلَيكِ بِنِعمَةِ البَصَرِ وَالسَّمعِ وَالعَافِيَةِ يَرَى مَكَانَكِ وَيَعلَمُ سِرَّكِ وَنَجوَاكِ؛ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوتُ وَلَكِن قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخفَى عَلَيهِ يَغِيبُ
المَيدَانُ الرَّابِعُ: تَربِيَةُ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ عَلَى مَعَايَشَةِ أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى فِي المَوَاقِفِ اليَومِيَّةِ؛ فَالأُمُّ الرَّبَّانِيَّةُ تَربِطُ قُلُوبَ أَطفَالِهَا بِاللهِ فِي كُلِّ لَحظَةٍ: إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ ذَكَّرَتهُم بِاسمِ اللهِ «الرَّزَّاقِ الكَرِيمِ»، وَإِذَا مَرِضَ أَحَدُهُم وَأَخَذَ الدَّوَاءَ رَبَطَت قَلبَهُ بِاسمِ اللهِ «الشَّافِي»، وَإِذَا خَافَ ذَكَّرَتهُ بِاسمِ اللهِ «الحَفِيظِ الوَكِيلِ»، وَإِذَا أَخطَأَ ذَكَّرَتهُ بِاسمِ اللهِ «التَّوَّابِ الغَفُورِ الرَّقِيبِ»؛ فَيَنشَأُ الطِّفلُ وَقَلبُهُ مَعمُورٌ بِمَعرِفَةِ رَبِّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجلَالِهِ!
المَيدَانُ الخَامِسُ: تَعظِيمُ حُرُمَاتِ اللهِ فِي اللِّسَانِ وَالمَجَالِسِ؛ فَالْبَيتُ الَّذِي يُعَظِّمُ اللهَ لَا يُسمَحُ فِيهِ بِمَضغِ لُحُومِ النَّاسِ بِالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالسُّخرِيَةِ وَالانتِقَاصِ، بَل إِذَا ذُكِرَ غَائِبٌ بِسُوءٍ قَالَت رَبَّةُ البَيتِ: اتَّقُوا اللهَ، فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَينَا الغِيبَةَ وَنَحنُ نَرجُو مَغفِرَتَهُ!
المَيدَانُ السَّادِسُ: تَعظِيمُ اللهِ بِالرِّضَا وَالتَّسلِيمِ عِندَ الأَقدَارِ وَالابتِلَاءَاتِ؛ فَإِذَا نَزَلَ بِالبَيتِ مَرَضٌ أَو ضِيقُ رِزقٍ أَو فَقدُ حَبِيبٍ، لَم يُسمَعْ فِيهِ تَسَخُّطٌ وَلَا جَزَعٌ وَلَا اعتِرَاضٌ عَلَى قَضَاءِ اللهِ، بَل يُسمَعُ فِيهِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وَتَطِيبُ النُّفُوسُ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَ هُوَ اللهُ الحَكِيمُ الرَّحِيمُ الَّذِي هُوَ أَرحَمُ بِنَا مِن أُمَّهَاتِنَا!
وَلْنَختِمْ يَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ بِقِصَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ تُبَيِّنُ لَنَا ثَمَرَةَ هَذَا الغَرسِ المُبَارَكِ فِي البُيُوتِ:
تَحكِي إِحدَى الأَخَوَاتِ الدَّاعِيَاتِ أَنَّ أُمًّا صَالِحَةً رَبَّت بَنَاتِهَا الأَربَعَ مُنذُ طُفُولَتِهِنَّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ جَعَلَتهَا شِعَارَ البَيتِ، وَهِيَ: «لِأَنَّهُ اللهُ»؛ فَكَانَت كُلَّمَا أَمَرَتهُنَّ بِطَاعَةٍ أَو نَهَتهُنَّ عَن مَعصِيَةٍ لَم تَقُلْ لَهُنَّ: عَيبٌ أَو حَرَامٌ فَحَسبُ، بَل كَانَت تَحكِي لَهُنَّ عَن عَظَمَةِ اللهِ وَجَمَالِهِ وَإِحسَانِهِ ثُمَّ تَقُولُ: «نَفعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اللهُ الَّذِي أَكرَمَنَا وَاصطَفَانَا». وَمَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَكَبِرَتِ البِنتُ الكُبرَى وَدَخَلَت كُلِّيَّةَ الطِّبِّ، وَكَانَت مِن أَذكَى الطَّالِبَاتِ وَأَشدِّهِنَّ التِزَامًا بِحِجَابِهَا وَحَيَائِهَا؛ وَفِي أَحَدِ الاختِبَارَاتِ المَصِيرِيَّةِ الصَّعبَةِ، تَعَسَّرَ عَلَيهَا سُؤَالٌ كَبِيرٌ، فَأَشَارَت إِلَيهَا زَمِيلَتُهَا الَّتِي تَجلِسُ بِجِوَارِهَا بِوَرَقَةِ الإِجَابَةِ خِفيَةً وَالمُرَاقِبُ غَافِلٌ فِي آخِرِ القَاعَةِ، وَقَالَت لَهَا هَمسًا: «انقُلِي الإِجَابَةَ بِسُرعَةٍ، لَا أَحَدَ يَرَاكِ، وَهَذَا مُستَقبَلُكِ!»؛ تَقُولُ الفَتَاةُ: «فِي تِلكَ اللَّحظَةِ ضَعُفَت نَفسِي لِثَوَانٍ مَعدُودَةٍ، ثُمَّ رَنَّ فِي أُذُنِي صَوتُ أُمِّي وَهِيَ تَقُولُ لَنَا فِي بَيتِنَا: (لِأَنَّهُ اللهُ!)؛ فَقُلتُ لِنَفسِي: كَيفَ أَشتَرِي دَرَجَةً دُنيَوِيَّةً بِخِيَانَةِ أَمَانَةِ اللهِ وَنَظَرِهِ إِلَيَّ؟ فَأَشَحتُ بِوَجهِي وَقُلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَترُكُ الغِشَّ تَعظِيمًا لَكَ؛ لِأَنَّكَ أَنتَ اللهُ! فَوَاللهِ مَا إِن قُلتُهَا بِصِدقٍ فِي قَلبِي حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَى ذِهنِي الإِجَابَةَ الصَّحِيحَةَ كَأَنَّنِي أَقرَؤُهَا مِنَ الكِتَابِ، وَحَصَلتُ عَلَى المَركَزِ الأَوَّلِ عَلَى الدُّفعَةِ بِفَضلِ اللهِ وَحدَهُ!»
هَذِهِ يَا أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي هِيَ ثَمَرَةُ تَعظِيمِ اللهِ فِي البُيُوتِ: حِفظٌ فِي الدُّنيَا، وَنُورٌ فِي البَصِيرَةِ، وَبَرَكَةٌ فِي الذُّرِّيَّةِ، وَفَوزٌ عَظِيمٌ يَومَ لِقَاءِ اللهِ! فَعَظِّمْنَ اللهَ فِي قُلُوبِكُنَّ وَبُيُوتِكُنَّ وَخَلَوَاتِكُنَّ، يَرفَعِ اللهُ قَدرَكُنَّ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ!
اللَّهُمَّ يَا عَظِيمُ يَا جَلِيلُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
اللَّهُمَّ املَأ قُلُوبَنَا وَبُيُوتَنَا بِتَعظِيمِكَ وَإِجلَالِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَخَشيَتِكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَاجعَلنَا مِمَّن يُعَظِّمُ شَعَائِرَكَ وَحُرُمَاتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجعَلْ بُيُوتَنَا بُيُوتًا حَيَّةً مَرفُوعَةً بِذِكرِكَ، عَامِرَةً بِتِلَاوَةِ كِتَابِكَ وَإِقَامَةِ صَلَاتِكَ وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ احفَظ نِسَاءَ المُسلِمِينَ وَبَنَاتِهِم بِحِفظِكَ التَّامِّ، وَجمِّلْهُنَّ بِالحَيَاءِ وَالعَفَافِ وَاليَقِينِ، وَاجعَلْهُنَّ مُصلِحَاتٍ مُبَارَكَاتٍ أَينَمَا كُنَّ، وَهَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا.
سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
لِأَنَّهُ اللهُ: كَيفَ يُتَرجَمُ تَعظِيمُ اللهِ فِي بُيُوتِنَا؟ مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ تَعظِيمِ الخَالِقِ وَصِنَاعَةِ البُيُوتِ الرَّبَّانِيَّةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.