🕌 أدبُ الاستِماعِ والإنصاتِ للقُرآنِ عِندَ تِلاوَتِه
#خطبة_جمعة #الاستماع_للقرآن #الإنصات #حرمة_القرآن #آداب_الاستماع #سكينة_القرآن #إيمانيات #أخلاق
الحمدُ للهِ السَّميعِ العَليم، ذي العِزَّةِ والجَلال، الذي أَنزَلَ أشرَفَ الكَلام، وأمَرَ عِبادَهُ بالسَّكينَةِ وحُسنِ الإنصاتِ لآياتِهِ العِظام، لِتَتَنَزَّلَ عليهمُ الرَّحَماتُ والبَرَكات، وتَزكوَ نُفوسُهُم بالهِدايَةِ والبَيِّنات، خَضَعَت لِعَظَمَتِهِ الكائنات، وسَجَدَت لجَلالِهِ الأرضُ والسَّماوات، لا يَخلَقُ كَلامُهُ على كَثرَةِ الرَّدّ، ولا تَنقَضي عَجائبُهُ على مَرِّ الأبَد. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن ألقى السَّمعَ وهُوَ شَهيد، وأيقَنَ أنَّ كَلامَ رَبِّهِ هُوَ الحَقُّ والمَوعِظَةُ والوَعيد. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا وحَبيبَنا وقُدوَتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، وخَليلُهُ وأمينُ وَحيِه، كانَ أخشَعَ الخَلقِ إذا سَمِعَ القُرآن، تَفِيضُ عَيناهُ بالدَّمعِ رَهبَةً ورَجاءً وشَوقاً إلى الرَّحمن، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الذينَ كانوا إذا قُرِئَ القُرآنُ عليهِم كأنَّما على رُؤوسِهمُ الطَّيرُ وَقاراً وإيماناً، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً مَديداً ما تَردَّدَتِ الآياتُ في المَحاريبِ هُدىً وتِبْياناً.
أمَّا بعد:
فيا عِبادَ الله، ألا ما أهْيَبَهُ مِن مَقام، وما أعظَمَهُ مِن خِطاب، حينَ يَتَكَلَّمُ مَلِكُ المُلُوك، وجَبَّارُ السَّماواتِ والأرض، فتُصغي الأكوانُ كلُّها إجلالاً وتَعظيماً لخالِقِها ومَولاها! تَأمَّلوا مَعشرَ المُؤمِنين في لَحظَةٍ يَنطَلِقُ فيها صَوتُ القارئِ بآياتِ الذِّكرِ الحَكيم؛ أتدْرونَ ما الذي يَجري في المَلَكوت؟ إنَّهُ كَلامُ اللهِ الأزليُّ الذي لَو أُنزِلَ على جَبَلٍ أصَمَّ مِن صُمِّ الجِبالِ الشَّامِخات، لَرَأيتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِن خَشيَةِ الله! فما بالُ قُلوبِنا قد قَسَت حتَّى صَارَت أصلَبَ مِنَ الصُّخور، يُتلى عليها القُرآنُ بالغَداةِ والعَشِيّ، فلا تَخشَعُ لها جَوارِح، ولا تَسكُنُ لها نُفوس، ولا تَنحَدِرُ لها دُموع؟! عَجَباً لِمَن يَسمَعُ كَلامَ رَبِّهِ وخالِقِهِ ورَازِقِه، ثُمَّ يَمضي في حَديثِهِ ولَهوِهِ وثَرثَرَتِه، كأنَّ الآياتِ لَيسَت مُوَجَّهَةً إليه، وكأنَّ النِّداءَ لا يَعنيه! أينَ تَعظيمُ كَلامِ الرَّبِّ سُبحانَه؟ وأينَ أدَبُ العُبوديَّةِ حينَ يَتَنَزَّلُ الخِطابُ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات؟ إنَّ الإنصاتَ للقُرآنِ لَيسَ مُجَرَّدَ فَضيلَةٍ ثانويَّة، بل هُوَ بابُ الرَّحمَةِ الأعظَم، ومِفتاحُ الفَهم، وشَرطُ الهِداية، ومِعيارُ الإيمانِ الصَّادِقِ في قُلوبِ المُريدين.
استَمِعوا رَعَاكُمُ اللهُ إلى هذا النِّداءِ الإلهيِّ القاطِع، الذي صَدَعَ بهِ القُرآنُ في سُورَةِ الأعراف، لِيَفرِضَ الهَيبَةَ والأدَبَ على كلِّ ذي أُذُنٍ وقَلب؛ يقولُ رَبُّنا جَلَّ في عُلاه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. تَأمَّلوا في حَرفِيَّةِ هذا النَّصِّ الجَليل؛ جَمَعَ اللهُ فيهِ بينَ أَمرَينِ جَليلَين: «الاستِماع» و«الإنصات»! فما الفَرقُ بينَهُما يا تَرى؟ قالَ الإمامُ مُجاهِدُ بنُ جَبْرٍ رحمه الله: "الاستِماعُ بالأُذُن، والإنصاتُ بتَركِ الحَرَكَةِ وحُضورِ العَقلِ والقَلب". فلا يَكفي أن تَسمَعَ الآياتِ وأنتَ تَخوضُ بلِسانِكَ في شُؤونِ الدُّنيا، ولا يَكفي أن تَمُرَّ الحُروفُ على أُذُنِكَ وقَلبُكَ هائمٌ في أودِيَةِ الغَفلَة! بل لا بُدَّ مِن سُكوتِ الجَوارِحِ وسُكونِها، لِيَتَفَرَّغَ القَلبُ لتَشَرُّبِ مَعاني الوَحيِ وتَدَبُّرِه. ثُمَّ انظُروا إلى الجَزاءِ المَشروطِ بهذا الأدَب: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾! قالَ أئمَّةُ التَّفسير: "إنَّ رَحمَةَ اللهِ تَنزِلُ كالمَطَرِ الهَتَّانِ حِينَ يُتلَى القُرآن، فمَن أنصَتَ وتَأدَّبَ غَمَرَتْهُ تِلكَ الرَّحمَة، ومَن أعْرَضَ وتَشَاغَلَ حَرَمَ نَفسَهُ نَفَحاتِ المَولى سُبحانَه". فيا خَسارَةَ مَن تَنزِلُ عليهِ مَوائدُ الرَّحمَةِ مِنَ السَّماء، فيَرُدُّها بصُدودِهِ ولَغوِه!
وقد نَصَّ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رحمه اللهُ تعالى على عِظَمِ حَقِّ هذهِ الآية، فقالَ في رِوايَةِ أبي داود: "أجمَعَ النَّاسُ على أنَّ هذهِ الآيَةَ في الصَّلاة، وفي الخُطبَة؛ يُرادُ بها الإنصاتُ التَّامُّ لِما يُتلَى مِن كَلامِ اللهِ تَعالى". وقالَ الإمامُ سُفيانُ بنُ عُيَينَةَ رحمه اللهُ في كَلِماتٍ تَفِيضُ حِكمَةً وتَرتيباً مَنهَجيّاً لطَلَبِ النَّجاة: "أوَّلُ العِلمِ الاستِماع، ثُمَّ الإنصات، ثُمَّ الحِفظ، ثُمَّ العَمَل، ثُمَّ النَّشر... فإذا سَمِعَ العَبدُ كَلامَ اللهِ فتَشاغَلَ عنه، فقد قَطَعَ على نَفسِهِ أوَّلَ حِبالِ الهِدايَة". وقالَ الإمامُ النَّوَويُّ رحمه الله في كِتابِهِ البَديع «التبيان في آداب حملة القرآن»: "ومِنَ الآدابِ المُتَأَكِّدَةِ التي يَنبَغي لِكُلِّ مُسلِمٍ رِعايَتُها: الإنصاتُ عِندَ تِلاوَةِ القُرآنِ وتَركُ الحَديثِ واللَّغَط، حتَّى لو كانَ في غَيرِ الصَّلاة؛ فإنَّ ذلكَ مِن تَعظيمِ شَعائرِ الله، ومِن عَلاماتِ حَياةِ القَلب".
عِبادَ الله، هل سَمِعتُم يَوماً بأُمَّةٍ عَرَفَت قَدْرَ القُرآنِ في أوَّلِ لَحظَةٍ سَمِعَتْهُ فيها، فكَانَ سَمَاعُها سَبَباً في إسلامِها وإنقاذِها مِنَ النَّار؟ تَعالوا مَعي نَرجِعْ بالقُلوبِ إلى نَحْوِ أربَعَةَ عَشَرَ قَرناً مَضَت، إلى بَطْنِ نَخْلَة، بينَ مَكَّةَ والطَّائف؛ النَّبيُّ ﷺ قَد رَجَعَ مَكروباً مَجروحاً بَعدَ أن رَفَضَهُ أهلُ الطَّائف، فقامَ في جَوفِ اللَّيلِ يُصَلِّي بأصحابِهِ ويَتلُو القُرآن. ولم يَكُن حَولَهُ بَشَرٌ يَسمَعُه... ولكنَّ اللهَ جَلَّ وعلا صَرَفَ إليهِ جَمعاً لَم يَكُن في الحُسبان! يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى في سُورَةِ الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29]! اللهُ أكبر! سُبحانَ الله! خَلْقٌ مِنَ الجِنّ! كانَت لَهُم قُلوبٌ شَفَّافَة، وآذانٌ وَاعِيَة! حينَ اقتَرَبوا مِن رَسولِ اللهِ ﷺ وهُوَ يَقرَأ، ما الذي حَدَث؟ لم يُثَرثِروا، لم يَتَشاغَلوا، لم يَجعَلوا التِّلاوَةَ خَلفِيَّةً لحَديثِهم وعَبَثِهم! بل صَاحَ بَعضُهُم ببَعضٍ بصَيحَةِ الإجلال: ﴿قَالُوا أَنصِتُوا﴾! تَوقَّفوا! اخرَسوا! اسكُتوا! دَعُوا القُلوبَ تَسمَع، فالمُتَكَلِّمُ هُوَ رَبُّ السَّماواتِ والأرض! ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ — أيْ: فَلَمَّا انتَهَتِ التِّلاوَة — لم يَنتَظِروا، ولم يَترَدَّدوا، بل فَهِموا الرِّسالَةَ مِن لَحظَتِها الأولى: ﴿وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ • قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29-30]! يا عِبادَ الله! يا أُمَّةَ القُرآن! الجِنُّ يَسمَعونَ القُرآنَ مَرَّةً واحِدة، فتَسكُنُ أركانُهُم، ويُنصِتون، ويُسلِمون، ويَتَحَوَّلونَ إلى دُعاةٍ ومُنذِرين! ونَحنُ يُتلى عَلَينا القُرآنُ صَباحَ مَساء، في بيوتِنا، ومَساجِدِنا، وسَيَّاراتِنا، فكم مَرَّةً قُلنا لأنفُسِنا: «أنصِتوا»؟! وكم مَرَّةٍ خَشَعَت قُلوبُنا وتَبَدَّلَت حَياتُنا مِثلَما تَبَدَّلَت حَياةُ أولئك الجِنِّ الصَّادِقين؟! أفلا نَستَحي أن يَكونَ الجِنُّ أرَقَّ قُلوباً وأعظَمَ إنصاتاً لكَلامِ رَبِّنا مِن كثيرٍ مِنَ الإنس؟!
واسمَعوا إلى نَبيِّكُم وحَبيبِكُم ﷺ، أكمَلِ الخَلقِ إيماناً، وهوَ يُعَلِّمُنا بَرادَةَ الدَّمعِ عِندَ استِماعِ القُرآن؛ روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه، قال: قالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ: «اقرَأْ عَلَيَّ القُرآن»! فقُلتُ في دَهشَةِ المُتَعَلِّمِ وخَجَلِ التِّلميذ: يا رسولَ الله، أقرَأُ عليكَ وعَليكَ أُنزِل؟! فقالَ النبيُّ ﷺ كَلِمَةً كَتَبَها اللهُ في صَفحاتِ النُّور: «إنِّي أُحِبُّ أن أسمَعَهُ مِن غَيري»! قالَ ابنُ مَسعود: فافتَتَحتُ سُورَةَ النِّساء، حتَّى إذا بَلَغتُ هذهِ الآيَةَ المَهيبَة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]؛ قالَ لي ﷺ: «حَسبُكَ الآن»! قالَ ابنُ مَسعود: فالتَفَتُّ إليه، فإذا عَيناهُ تَذرِفان! اللهُ أكبر! رَسولُ اللهِ ﷺ الذي نَزَلَ عليهِ القُرآن، يَجلِسُ جِلسَةَ المُنصِتِ الخاشِع، يَسمَعُ الآياتِ مِن غَيرِه، فتَتَحرَّكُ مَشاعِرُه، وتَفِيضُ عَيناهُ بالدُّموع! وكانَ ﷺ يَمشي في لَيلِ المَدينَة، فيَقِفُ عِندَ حُجرَةِ أبي مُوسى الأشعريِّ رضي الله عنه، وهُوَ يَتلُو كِتابَ اللهِ بصَوتِهِ النَّدِيّ، فيَقِفُ النَّبيُّ ﷺ طَويلاً يَستَمِعُ ويَتلَذَّذ، فإذا أصبَحَ قالَ له: «لو رَأيتَني وأنا أستَمِعُ لِقِراءَتِكَ البارِحَة، لَقَد أُوتِيتَ مِزماراً مِن مَزاميرِ آلِ داود»! فقالَ أبو مُوسى برُوحِ المُحِبِّ الوَفِيّ: "لو عَلِمتُ أنَّكَ تَستَمِعُ لي لَحَبَّرتُهُ لَكَ تَحبيراً"! هكذا كانَ رَسولُ اللهِ مَعَ السَّماع؛ سَماعُ وِجدان، سَماعُ تَدَبُّر، سَماعُ رُوحٍ تَحيا بالآيات.
وقد كانَ الصَّحابَةُ الكِرامُ رضي الله عنهم على هذا النَّهجِ البَديع؛ كانوا إذا جَلَسوا في مَجلِسٍ وفيهِم قارئٌ يَقرَأ، سَكَنَت أبدانُهم، وغَضُّوا أبصارَهم، كأنَّما على رُؤوسِهمُ الطَّير، لا يَتَحَرَّكُ مِنهُم أحَد، ولا يَنبِسُ ببِنتِ شَفَة. ورَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ رضي الله عنه، أنَّهُ كانَ يَقرَأُ سُورَةَ الكَهفِ في مِربَدِهِ باللَّيل، وفَرَسُهُ مَربوطَةٌ عِندَه، فجَعَلَتِ الفَرَسُ تَجولُ وتَضطَرِب، فنَظَرَ أُسَيدٌ إلى السَّماء، فإذا مِثلُ الظُّلَّةِ فيها أمثالُ السُّرُجِ تَصعَدُ إلى السَّماءِ حتَّى ما يَراها! فلمَّا أصبَحَ حَدَّثَ النَّبيَّ ﷺ بما رَأى، فقالَ لهُ ﷺ: «تِلكَ المَلائكَةُ دَنَت لِصَوتِك، ولو قَرَأتَ لأصبَحَت يَنظُرُ النَّاسُ إليها لا تَتَوارى مِنهُم»! المَلائكَةُ الكِرام! تَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَدنو مِنَ الأرضِ لِتَستَمِعَ إلى تِلاوَةِ القُرآنِ حينَ يَصدَحُ بهِ القَلبُ الصَّادِق! فهل يَليقُ بمُؤمِنٍ بَعدَ هذا أن تَدنُوَ المَلائكَةُ لتَسمَع، ويَشتَغِلَ هُوَ بالقيلِ والقالِ وثَرثَرَةِ الهَواتِفِ والشاشات؟!
وانظُروا إلى حالِنا اليومَ معاشِرَ الأحبَّة، وتَأمَّلوا في حَقيقَةِ هذا الواقِعِ المَرير الذي يَعتَصِرُ لهُ قَلبُ الغَيور؛ أصبَحَ القُرآنُ الكَريمُ في كَثيرٍ مِنَ البُيوتِ والمَحَلَّاتِ والسَّيَّاراتِ مُجَرَّدَ «خَلفِيَّةٍ صَوتِيَّة» مُهْمَلَة! يَفتَحُ السَّائقُ إذاعَةَ القُرآنِ أو تَسجيلاً في سَيَّارَتِه، ثُمَّ يَنطَلِقُ مَعَ مَن رَكِبَ مَعهُ في غِيبَةٍ ونَميمَة، وضَحِكٍ وفُضولِ كَلام، والقُرآنُ يَتَجَلجَلُ بالآياتِ والنُّذُرِ والعِظات، ولا أحَدَ يَلتَفِتُ إليه! يَدخُلُ المَرءُ دُكَّاناً أو مَطعَماً، فيَجِدُ القُرآنَ مَفتوحاً بصَوتٍ مُرتَفِع، والبائعُ والمُشتَري يَتَساوَمانِ بالأيمانِ الكاذِبَة، ويَتَخاصَمونَ على الدِّرهَمِ والدِّينار، والآياتُ تُتلَى بَينَهُم هَدَراً وضَياعاً! تَفتَحُ المَرأةُ أو الرَّجُلُ شاشَةَ التِّلفازِ على قَناةِ القُرآنِ تَبَرُّكاً، ثُمَّ يَنصَرِفونَ إلى هَواتِفِهم، يَضحَكونَ ويَغمِزونَ ويَتَشاجَرون، والقُرآنُ يَصدَحُ في الزَّاوِيَةِ مَهجوراً لا سَامِعَ له! أهذا هُوَ تَعظيمُ كَلامِ اللهِ يا أُمَّةَ الإيمان؟! أهذا هُوَ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]؟! بَل واقِفوا أنفُسَكُم أمامَ هذا التَّحذيرِ القُرآنيِّ المُرعِب، حينَ وصَفَ اللهُ تبارَكَ وتعالى فِعلَ الكُفَّارِ عِندَ سَماعِ القُرآن، فقالَ في سُورَةِ فُصِّلَت: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]! قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في تَفسيرِها: "اللَّغْوُ فيه: هوَ الصِّياحُ والخَوضُ بالباطِلِ والتَّشويشُ عِندَ قِراءَتِه". فاحذَروا — يا عِبادَ الله — أن يَتَشَبَّهَ أحَدُكُم بأخلاقِ المُشرِكينَ وهُوَ لا يَشعُر، فيَسمَعَ القُرآنَ يُتلَى ثُمَّ يَلغوَ فيهِ ولا يُبالي! إن كُنتَ مُنشَغِلاً بحَديثٍ لا تَستَطيعُ قَطعَه، أو كُنتَ في عَمَلٍ يَصرِفُ عَقلَكَ وكُلِّيَّتَكَ عن التَّدَبُّر، فالأدَبُ مَعَ اللهِ أن تُغلِقَ التِّلاوَةَ وتَصونَ كَلامَ رَبِّكَ عن الابتِذال، حتَّى إذا فَرَغتَ أقبَلتَ على المِصحَفِ بكُلِّيَّتِكَ خاشِعاً مُنيباً.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واجعَلوا لِكَلامِ رَبِّكُم في قُلوبِكُم مَنزِلَةً لا تُدانِيها مَنزِلَة، فإنَّ مَن عَظَّمَ كَلامَ اللهِ عَظَّمَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخِرة، ومَن استَخَفَّ بهِ أذَلَّهُ اللهُ ولَو مَلَكَ كُنوزَ الأرض.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ كَفى، وصَلاةً وسَلاماً على عِبادِهِ الذينَ اصطَفى، وعلى نَبيِّهِ المُجتَبى، وآلِهِ وصَحبِهِ أولي الصِّدقِ والوَفا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَقامٍ جَليلٍ مِن أعظَمِ مَقاماتِ الدِّين: «أدَبِ الاستِماعِ والإنصاتِ للقُرآنِ عِندَ تِلاوَتِه»، وبَيَّنَّا أمرَ الحَقِّ سُبحانَهُ بقَولِه: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ورَأينا كيفَ كانَ إنصاتُ الجِنِّ سَبَباً في إيمانِهم ونَجاتِهم، وكيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَبكي عِندَ سَماعِ القُرآنِ مِن غَيرِه، وحَذَّرنا مِن ظاهِرَةِ اللَّغوِ والإعراضِ عِندَ تِلاوَتِهِ في البُيوتِ والمَتاجِرِ والمَركَبات. والآنَ — يا إخوَةَ الإيمان — بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الذي يَجبُ أن نَخرُجَ بهِ إلى حَياتِنا الواقِعِيَّة: كيفَ نُحَيِّي هذا الأدَبَ في يَومِنا ولَيلَتِنا؟
لِذا، فإنِّي أُوصيكُم ونَفسي بخَمسِ وَصايا مُتَكامِلَة، خُذوها بقُوَّةٍ ويَقين:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): استَحضِروا هَيبَةَ المُتَكَلِّمِ جَلَّ جَلالُهُ قَبلَ أن تَسمَعوا؛ فإذا ارتَفَعَ صَوتُ القُرآن، فقُل لقَلبِك: "اسكُت وتَأدَّب، فإنَّ خالِقَ الأكوانِ يُخاطِبُكَ الآن". تَهيِئَةُ القَلبِ بالهَيبَةِ هيَ التي تُفَجِّرُ يَنابيعَ الخُشوعِ والدُّموع.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): اقطَعوا كُلَّ حَديثٍ عابِرٍ فَوْراً إذا قُرِئَ القُرآنُ في مَجلِسِكم؛ ولا تَجعَلوا كَلامَ المَخلوقِ يَعلو على كَلامِ الخالِق! وإذا كُنتُم في سيَّارَةٍ أو بَيتٍ وحانَ وَقتُ تِلاوَةٍ، فليَسكُتِ الجَميعُ إنصاتاً، أو لِيُخفَضِ الصَّوتُ ويُغلَق إن كانَ الحَديثُ لازِماً مُهِمّاً.
الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): خَصِّصوا في بُيوتِكُم لَحظاتٍ مُقَدَّسَةٍ للاستِماع؛ اجلِسْ أنتَ وأهلُ بيتِكَ وأولادُك، افتَحوا مُصْحَفاً أو تِلاوَةً خاشِعَةً لخَمسِ دَقائقَ فَحَسب، وأغلِقوا الهَواتِفَ والشَّاشات، واجلِسوا مَعاً جِلسَةَ المُنصِتِ المُتَدَبِّر؛ فبِمِثلِ هذا تَسكُنُ البُيوتُ وتَفِرُّ الشَّياطينُ وتَتَنَزَّلُ المَلائكَة.
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): رَبُّوا أبناءَكُم على تَعظيمِ سَماعِ القُرآن؛ إذا سَمِعَ الصَّغيرُ الأذانَ أو القُرآنَ يُتلَى في المَسجد، فَعَلِّموهُ أن يَترُكَ اللَّعِبَ هُنَيهَةً ويُنصِت، وأخبِروهُ أنَّ هذا كَلامُ اللهِ الذي لا يَعلُو عليهِ كَلام، حتى يَنشَأَ الجيلُ وقَد وَقَرَ تَعظيمُ الشَّعائرِ في صَميمِ أفئِدَتِهم.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): صُونوا كَلامَ اللهِ عن الابتِذال؛ إن كُنتَ في مَتجَرِكَ أو مَكتَبِكَ أو سيَّارَتِكَ مُنشَغِلاً ببَيعٍ أو شِراءٍ أو حِساباتٍ ذِهنيَّةٍ لا يُمكِنُكَ مَعَها التَّدَبُّر، فمَن كَمالِ الأدَبِ أن تُوقِفَ التَّسجيل، ولا تَجعَلَ القُرآنَ مَهدوراً يَلغو حَولَهُ النَّاس! كَلامُ اللهِ أَعَزُّ مِن أن يُجعَلَ خَلفِيَّةً للَّهو، وأكرَمُ مِن أن يُتلى على قُلوبٍ لاهِيَة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَرَكَ اللَّغوِ وأقبَلَ على القُرآنِ بَصيراً مُنصِتاً، شَرَحَ اللهُ صَدرَه، وغَفَرَ ذَنبَه، وثَبَّتَ على الصِّراطِ قَدَمَه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، الذي كانَ خُلُقُهُ القُرآن، ورَبَّى أصحابَهُ على خَشيَةِ الرَّحمن، فقالَ جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على سيِّدِنا ونَبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ المُنتَجَبينَ الأبرار، وعَنَّا مَعَهُم بمَنِّكَ وكَرَمِكَ يا أكرَمَ الأكرَمين.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا، وقائِدَنا وسائِدَنا إلى جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعيم. اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الاستِماعِ لِكَتابِك، وكَمالَ الإنصاتِ لآياتِك، وصِدقَ العَمَلِ بمُحكَمِه، والإيمانَ بمُتَشابِهِه. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يَسمَعُ القُرآنَ فقَسَا قَلبُه، ولا مِمَّن اتَّخَذَ القُرآنَ مَهجوراً. اللَّهُمَّ أنزِل علَينا سَكينَتَك، واغمُرنا برَحمَتِك، وحُفَّنا بمَلائِكَتِك، واذكُرنا فيمَن عِندَك يا حَيُّ يا قَيُّوم. اللَّهُمَّ أصلِحْ لنا دِينَنا الذي هُوَ عِصمَةُ أمرِنا، وأصلِحْ لنا دُنيانا التي فيها مَعاشُنا، وأصلِحْ لنا آخِرَتَنا التي إليها مَعادُنا، واجعَلِ الحَياةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَير، والمَوتَ راحَةً لنا مِن كُلِّ شَرّ. اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المُسلمين، وأصلِحْ أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أدبُ الاستِماعِ والإنصاتِ للقُرآنِ عِندَ تِلاوَتِه
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.